رواية يونس بقلم اسراء علي ج 2
يونس 11
عشقك كسكرات الموت، يدبّ في أوصالي فتختنقُ أنفاسي، وتتمزّق روحي، ويتركُني ما بين المو,ت والحياة فاقدة لإحساسِي
إلتفت يونس على إثر الصوت ليجدها تندفع إليه كـ الصاروخ وترتمي في أحضانه..حتى أنه تراجع خطوة من شدة الإصطدام..لم يأخذ الأمر سوى ثوان لتلتف يده حولها بـ قوة يضمها إليه في شوقًا جارف وكأن روحه قد عادت إلى جسده مرة أخرى..دفن رأسه في خُصلاتها القصيرة وأخذ يرتوي من عبقها المُسكر..يروي روحه العطشى بها ومنها…
كان الجميع يقف فارغًا لفاهه لما يحدث..حتى عدي تدلى فكه لأسفل مما تفعله هذه الصغيرة…
إبتعدت بتول عن أحضانه وأخذت تضر,به في صدره بـ قبضتيها الصغيرة وظلت تهدر بـ شراسة وعتاب
-ليه؟..ليه عاوز تسبني وتمشي!!..هونت عليك تسبني كدا يا يونس؟!..أنت قولت أنك مش زيه فـ متبقاش زيه…
أمسك قبضتيها وعاد يضمها إليه رابتًا على خُصلاتها بـ حنو وإشتياق
-هششششش…خلاص يا بتول أنا أهو جمبك ومش هسيبك…
إستكانت في أحضانه ولكنها ظلت تبكي..رفع أنظاره إلى عواد والذي رفع منكبيه بـ قلة حيلة وهتف
-لما عرفت إنك راح تسافر..ركضت وما إتنظرتني..وما كان يصير إتركها وحدها..لهيك چبتها معي لهون..ما جدرت يا صجر..صدقني كانت عم تبكي دم مو دمعات…
أماء بـ رأسه وإبتسم دون أن يرد ولكنه إستمر في تهدئتها ولم يُبالي بـ من معه..فها هى بين أحضانه بـ كامل قواها العقلية..تُعاتبه على تركه إياها..ماذا يُريد أكثر من ذلك!!..
تقدم منه عدي وأشار بـ رأسه أن يأتي..هز رأسه بـ موافقة وأبعد بتول عنه..ثم هتف وهو يُزيل عبراتها بـ إبهاميه
-خليكي هنا هكلم عدي وهجيلك
-زمت شفتيها وقالت:مش هتسافر و تسيبني!!
-ضحك وقال:هسافر إزاي وأنتي ورا الطيارة؟
-لتقول هى بـ إصرار:خلاص هقعد فـ الطيارة وهلزق نفسي بـ أمير عشان متسبنيش وتمشي
-ضر,ب كفًا على أخر وقال:طيب إلزقي نفسك بـ أمير وأنا جايلك
وبلا تردد صعدت إلى الطائرة تحت نظراته التي تعلقت بها..إتجه يونس إلى شقيقه الذي يبدو على معالمه عدم الرضا عما يحدث..وقبل أن يتحدث يونس كان عدي يسبقه بـ إمتعاض
-هتعمل إيه دلوقتي!
-رفع منكباه بـ بساطة:هخدها معايا
-إرتفع حاجبي عدي بـ إستنكار وقال:تاخدها معاك!!..هى رحلة يا يونس!..دي مهمة فيها حياه أو مو,ت وأنت أصلاً حياتك على كف عفريت
-وضع يونس كفه في خصره وتساءل بـ ملل:عاوزني أعمل إيه!..أديك شايف هى جت ورايا وقعدت فـ الطيارة قبلي..عاوزني أمشيها إزاي؟
-معرفش إتصرف
زفر يونس بـ يأس ولم يتحدث..بالطبع يعي النيران التي سيُقذف بها ولكنه لا توازي مقدار النيران التي تتآكل قلبه وهو بعيد عنها..تشدق يونس بعد مدة…
-هاخدها يا عدي وفـ أقرب فرصة هرجعها قبل ما يحصل أي حاجة
-تقدم منه عدي ودفعه في صدره وتحدث بـ عنف:غبي..غبي مفكر إنهم لما يشوفوها معاك مرة هيسبوها..دول لو لمحوا قطة أنت أكلتها عطف عليها هيقتولها..ما بالك بـ بني أدمة…
*************************************
وضع قدح القهوة الخاص به على الطاولة الصغيرة أمامه ثم وضع ساق على أخرى وهتف بـ جمود
-دلوقتي يا عز شغلنا واقف بسبب اللي حصل..هنفضل متعطلين كدا كتير!!
-رفع عز حاجبيه وقال بـ برود:يوقف مش أخر الدنيا..إنما أنا مش همد إيدي ع شغل إلا لما خطيبتي ترجع
-أشار الأخر بـ سبابته مُحذرًا إياه:الناس اللي معانا هيزعلو وهما زعلهم وحش
-وأنا زعلي أوحش…
نظر لها الرجل الأخر شزرًا ولم يرد..فـ أكمل عز حديثه
-وبعدين من غيري ممكن تعملوها دي صفقة أدوية فاسدة مش هتاخد فـ إيديكوا حاجة..دي مش حاجة قصاد اللي عملنا قبل كدا..فاكر!!
-إمتعضت ملامحه وقال:متفكرنيش باليوم دا..إحنا قضينا ع فرقة كاملة عشان نداري ع اللي حصل…
-رمقه عز بـ سخرية وقال:وأدي واحد منهم لسه عايش..
-ليقول رفعت بـ نبرة ذات مغزى:ومعاه حاجات توديك ورا الشمس
-رمقه بـ شرر وقال:مش توديني لوحدي يا سيادة العقيد..تودينا كلنا
-مط رفعت شفتاه وقال:مش فارقة مصلحتنا واحدة وكلنا بندور عليه
تأفف عز الدين كثيرًا..ليسأله بـ نفاذ صبر
-وبعدين حتة ظابط زي دا مش عارفين تجيبوه!
-دا مش أي ظابط يا سيادة الوزير..أنت مفكر أنه مش عارف بـ وساختي حتى لو ممعاهوش دليل ملموس ضدي!!..لأ عارف وفاهم عشان كدا اللي بيساعده عدي أخوه..والأتنين دماغ وبيعرفوا إزاي يتحركوا وهما قاعدين…
صمت يُتابع إمتعاض ملامح الأخر ليُكمل حديثه بلا مبالاه
-إحنا بتنعامل مع أتنين أذكى من بعض واحد فـ المخابرات والتاني شرطة..والأتنين ليهم سلطة كبيرة ومحدش يقدر يقول بم معاهم
-صاح عز الدين بـ عنف:ما خلاص يا رفعت عرفت إنه چيمس بوند مش محتاج كلامك دا..أنا كل اللي يهمني بتوووول..بتول ترجعلي وبعدها أنا هعرف أربيه بطريقتي..لو فكر يلمس منها شعرة
-ضحك رفعت بـ صوته كله ثم قال بعدما هدأت ضحكاته:وأنت متخيل إن يونس لو عاوز يلمس شعرة منها مش هيعمل كدا!!..وخصوصًا أنها تخصك!..بس دي مش أخلاق يونس..هو مش زيي ولا زيك..ودا اللي بيميزه يا سيادة الوزير…
-إبتلع عز الدين ريقه وهتف بـ جمود:كويس إن دي أخلاقه وإنه مش هيلمسها وإلا هيدوق عذابي اللي بجد
نهض رفعت وهو يرمقه بـ إزدراء وأغلق أزرار حلته..ثم تقدم منه وقال بـ فحيح أفاعي
-بس تعمل إيه لو هو قال لخطيبتك على وساختك وجرايمك يا..يا سيادة الوزير!!!
ثم تركه ورحل..وكأن أحدهم سكب دلو ماء بارد عليه ليجعله يتجمد في مكانه..هذا هو السؤال الذي لم يطرأ بـ باله قط..ماذا لو علمت بتول بما فعله!!…
************************************
كانت بتول تُتابع ما يحدث بـ أعين حادة كالصقر..وما أن رأت عدي يتعدى على يونس حتى ركضت إليه و وقفت بجانبه وتساءلت
-إيه اللي بيحصل!
-أمسك يونس يدها يُبعدها عن مرمى أخيه وقال:تعالي بعيد يا بتول..عدي الظاهر أنه مش فـ وعيه..
-إهتاج عدي من شقيقه وقال:وعي إيه يا يونس!!..اللي أنت بتعمله دا غلط وهى اللي هتدفع التمن..أنا ماشي يا يونس وخلي بالك من نفسك..وآآ…منها
قال الأخيرة بـ سخرية ثم رحل..صعد سيارته وقال قبل أن يُغادر
-لو إحتجت لحاجة كلمني…
وتحرك دون أن يتفوه بـ حرفًا أخر..زفر يونس بـ ضيق لتأتي بتول من خلفه وتساءلت
-في حاجة!!..هو زعلك فـ حاجة؟
-حدق بها مُطولاً وسألها بـ نبرة غامضة:عاوزة تيجي معايا ليه يا بتول!
صُدمت من سؤاله وإبتعدت خطوتان إلى الخلف دون حديث..ليقترب منها يونس مرة أخرى هاتفًا بـ حدة من بين أسنانه..
-ردي عليا يا بنتي؟..عرفيني ليه!!..مستعدة تغيبي عن أهلك مدة الله يعلم هتكون أد إيه مع واحد مبتثقيش فيه؟!!
-أخذت نفس عميق ثم قالت بلا تردد:عشان مش عاوزة أرجعله..عشان لو شوفته مش عارفة هيكون رد فعلي إيه..عشان أنا خايفة أكون مصيري زي البنات اللي شوفتها دي..
إرتجف جسدها بـ قوة عقب أن تذكرت تلك المشاهد المُشينة..أغمض يونس عيناه بـ ضيق وأخذت أنفاسه الحارة تعلو..وعلا معها وجيب قلبه عندما هتفت بـ نبرتها البريئة
-عشان إخترت إني أثق فيك..وأنك هتحميني..مش كدا يا يونس؟
-رد عليها وهو يُمسك يدها:أنتي بتسألي يا بتول…
-إبتعلت ريقها وقالت بـ إبتسامة:طب مستني إيه يلا بينا
-يلا..
وأمسك يدها ثم توجها إلى الطائرة..يعلم أنها مُجازفة ولكن لابد منها..لن يتركها لحظة..لن يستطيع العيش بدونها كيف وهى من تتيح له التنفس..وإرتفعت الطائرة لتُغادر أرض مصر مُتجهه إلى السويد…
****************************************
إنقضى نصف الوقت اللازم للوصول إلى ستوكهولم عاصمة الدولة السويدية وهى نائمة على منكبه كـ الأطفال..تتشبث بـ ذراعه كمن يخشى فقدانه..إبتسم يونس وهو يُتابع إنتظام تنفسها..لكم يشعر بـ لذة وهو يُتابع ملامحها الملائكية وبراءتها التي تسلب العقول..تنهد بـ قوة عندما أتى بـ مخيلته ما سيمر به وما هو مُقبل عليه..وأخذ يردد في نفسه بـ تضرع
-يارب إحميها وإحرسها يارب..عارف إني غلطت لما أخدتها معايا بس مكنتش هقدر أسيبها لوحدها..قلبي هو اللي مش هيقدر..
شعر بها تُحرك رأسها كـ الهرة فـ عاودت الإبتسامة الظهور على محياه..وبعد ثوان وجدها تفرك عيناها كـ الأطفال وهتفت بـ نعاس
-صباح الخير
-صباح النور
-تثاءبت ثم قالت:نمت أد إيه!!
نظر في ساعته ثم قال بـ إبتسامة
-نمتي تقريبًا نص الوقت
-حركت رأسها وتساءلت بـ غباء:اللي هو أد إيه!
-زفر يونس بـ نفاذ صبر:خمس ساعات يا بتول..نمتي خمس ساعات كنت مستريح فيهم والله
-تشدقت وهى تشيح في وجهه:جرى إيه يا جدع أنت!!
-هش..هش..أسكتي أنتي إبتلاء..أقسم بالله إبتلاء
ذمت شفتيها بـ ضيق و عقدت ساعديها أمام صدرها ولم ترد عليه..تبدلت ملامح يونس إلى الجدية وهو يقول
-بتول!..بصي أنا هتكلم معاكي ع اللي إحنا داخلين عليه..فـ لازم تكوني على علم بـ اللي هيحصل
-إزدردت ريقها بـ خوف ثم أستدارت بـ رأسها وتساءلت:هو..هو اللي داخلين عليه صعب!
-ضحك يونس وقال بـ مرح:جوي جوي يا بوي
-بطّل رخامة ورد