القطة المدللة بقلم اكرام يوسف ج٢

الفصل الثامن عشر
*******************
برودة تسرى بجسدها , تتخلل جميع أعضاءها , لا تشعر بأطرافها , أشواك تسكن تحتحها وهى راقدة على الأرض , ضوء الشمس يسطع بعينها وحرارتها تلهب وجهها
ألام بأماكن متفرقة بجسدها , رأسها ثقيلة مثل الحجر , حاولت أن تفتح عينها بصعوبة لتصطدم عيناها بزُرقة السماء , رغم ما بها من الألم جاهدت حتى تنهض بجسدها المسجى على الأرض لتصعق عندما ترى نفسها ملقاه بالصحراء شبة عارية
وحيدة , جريحة , منهكة , حاولت عبثاً أن تلملم ثيابها الممزقة , وبدأت تسير بخطوات مترنحة إلى الطريق القريب , فهى تسمع أصوات سيارات تنم عن قربها من الطريق , خطوات كانت بالغة فى الصعوبة من كثرة ما بها من الألم
لاهثة وصلت إلى الطريق , لم تعد قدماها الملطخة بالدماء قادرة على حملها , جلست مفترشة جانباً من الطريق وهى ترى أمامها بصعوبة
كانت السيارات تأكل الطريق مسرعة , ولا أحد من راكبيها يكاد أن يراها , إلى أن الله أرسله لها
كان يتحدث إلى هاتفه لذلك إتخذ جانباً من الطريق كى يسير على مهل , كان يصرخ بمحدثه قائلاً :
– ازاى يعنى مش فاضى , بقولك انزل شوف أمك عيانة ونفسيتها تعبانة ونفسها تشوفك
ليرد الطرف الأخر متأففاً :
– اوكى تمام يا بابا هحاول ارتب الدنيا عندى وانزل
ولكن والده لم يسمع كلماته لأنه رأها وهى جالسة فى الأرض ممزقة الملابس ووجهها وجسدها ملئ بالكدمات
ركن سيارته جانباً بعد أن ألقى بهاتفه أمامه , وترجل من السيارة مسرعاً إليها
هاله رؤيتها بهذه الحالة , وكان يبدو على وجهه علامات الدهشة والذعر لأنه قد إستنتج ما حدث لها
جعلها تستند على كتفه وسار بها تجاه سيارته , وأجلسها بها , وإستدار ليقبع خلف المقود بجانبها
كانت مستسلمة تماماً له , وإستجابت لذلك الدوار الذى تملك رأسها , وأسبلت جفنيها وهى لا تشعر بما يحدث حولها
إنتبهت على ذلك الصوت الذكورى :
– حمد الله على السلامة يا بنتى
فتحت عينيها لتراه أمامها , رجل يبدو عليه الكبر ويظهر على وجهه الطيبة , إرتسمت على ثغره إبتسامة ودودة وهو يستطرد :
– الحمد لله انك قومتى بالسلامة
نظرت حولها فى ذهول وعيناها تتجول بين محتويات الغرفة , لتدرك أنها بمشفى
إستدارت تنظر له حينما رتب على كتفها بيده , وهو يقول بحنان أبوى لم تختبره من قبل :
– متخافيش يابنتى
ظهر شبح إبتسامة على ثغرها مع دمعة هاربة من قيود عينها , وهى تقول بصوت منهك :
– الحمد لله
كلمتان كان مذاقهما مميز فى حلقها , رغم ما حدث بها , وما مرت به كانت تستشعر قيمة الأمان الذى أصبحت تنعم به الأن , بعد تلك اللحظات المميتة التى مرت بها
دلف الطبيب إلى الغرفة , وهو يقول بوجه يظهر عليه الأسى :
– حمد الله على السلامة
أماءت برأسها فى صمت , تابع وهو يفحصها :
– حاسة بأى ألم
قالت بنبرة ضعيفة :
– بطنى بتوجعنى اوى
– دة طبيعى , انتى كان عندك نزيف حاد , واضطرينا نستقصل الرحم , ودة هيخليكى تحسى بالألم شوية
صدمت لسماعها هذا الخبر , إبتلعت غصتها فى صمت وقد إغرورقت عيناها بالعبرات
فتابع الطبيب :
– ياريت تحاولى تبلغى حد من أهلك عشان يجى لأنى بلغت البوليس عن حالتك , واضح انها حالة إغتصاب , ولازم البوليس يحقق فى الموضوع
لم تحتمل ما ينطقه من كلمات ذكرتها بما حدث لها , فزرفت عيناها العبرات لتشق طريقها على وجنتيها فى صمت
غادر الطبيب الغرفة فى حين إنحنى ذلك الرجل الودود عليها وهو يقول :
– هونى على نفسك يا بنتى , وان شاء الله ربنا مش هيسيب حقك
أخرج هاتفه من جيب سرواله وهو يقول :
– قوليلى رقم اى حد من أهلك اقدر اكلمه عشان يجيلك
هزتها كلماته فهى لا تعلم أحداً من الممكن أن يأتيها ليطمئن عليها , فأين والديها ؟
صمتت لبعض الوقت ثم لقنته بعض الأرقام , فرفع هاتفه إلى أذنه بعد أن سجل بها تلك الأرقام
أنزل الهاتف وقال بخيبة ألم :
– مفيش حد بيرد
جاءت بعض الأفكار فى بالها , فها هو تامر لا يرد على هاتفه وهى لا تعرف أحداً غيره من الممكن أن يأتى لها
***********************************
كانت تسترجع فى عقلها كلماته التى قذفها فى وجهها , وهى تشعر بالألم , لم تكن تتوقع منه تلك المعاملة القاسية , لازالت ترى نظراته الحادة التى جرحتها بلا رحمة , نزلت الدموع من عينيها دون أن تدرك
تذكرت ذلك القلب الذى يدق فى جوفها بجانب قلبها , يشعر بما تشعر به , يفرح لفرحها , ويحزن لحزنها
مسحت بكفها دموعها وهى تتذكر أنه الأن حزين لأجلها , وضعت يدها على بطنها كأنها تطمئنه على حالها , وتبث له الحب
وعلى وجهها إبتسامة رضا لوجود من يشعر بها , فى ظل بُعد من حولها عنها , فلا يشعر بها غيره ومربيتها
رنين الهاتف جلعها تنظر بجانبها لترى رقم غير مسجل بهاتفها , وضعته على أذنها بعد أن ضغطت على زر الرد , قائلة :
– الو
ليرد عليها صوت تعرفه جيداً :
– ايوة يا بوسى , الحقينى انا فى المستشفى
لتقول بلهفة :
– اية اللى حصلك يا شيرى ؟
زادت شهقاتها وهى تقول :
– انا فى ناس خطفونى واغتصبونى
إنتفضت من على الفراش وهى تقول :
– اية ؟ طيب قوليلى انتى فى مستشفى اية بالظبط ؟