مقيدة بأصفاد لسارة نيل

الفصل الأول

– أيه هو أنا قولت حاجة حرام، دا جواز يا باشا، بقولك عايز أتجوزها … هي حاجة غريبة للدرجة دي!!

قالها بهدوءه الذي ينحر الأعصاب ويفتك بها، جعل الأخر يقفز واقفًا منفجرًا بعدما أفاق من صدمته، وانفجر صياح قوي حاد به استنكرًا جليًا:-
– أنتَ واعي لنفسك بتقول أيه، أنتَ إزاي تتجرأ تطلب بنتي للجواز .. أنت فين وبنتي فين … جيتلك الجرأة تطلب بنت شريف الهواري للجواز عادي كدا بعين بجحة..
‏بنتي إللي اتقدملها ولاد وزراء وناس من أرقى الطبقات متقدرش بس تعدي من قدام بيوتهم..
‏أنتَ مين بقاا .. أنتَ اتجننت في عقلك ولا أيه، ولا تكون نسيت مين إللي عملك وخلى منك بني آدم .. أنتَ واضح إنك نسيت نفسك فعلًا علشان تتجرأ على طلب زي ده..
‏دا أنت حتة سكرتير عندي لا راح ولا جه..

بينما هذا الذي كان يغلي غضبًا ويكاد أن يجنّ، كان الأخر مازال جلسًا فوق المقعد بهدوء ويرتشف قهوته متلذذًا ببرود كأنه لم يسمع شيئًا، قال وهو يرمق الفنجان الذي انتهى بنظرات ثابته ثم أردف:-
– زيتونة عليها حتة فنجان قهوة .. دمااار دمااار يا شريف بيه..

جنّ شريف على الأخير وهجم على جبريل يقبض على تلابيب قميصه يجذبه منه بعنف فيجعله يستقيم ليتبين قامته المديدة وجسده القوي وصرخ شريف بجنون:-
– أنتَ فعلًا اتجننت يا قذر .. بس الغلط غلطي أنا..
أنا إللي عطيتك فرصة تاخد علينا وترفع عينك على أسيادك، كان لازم أعرف إن إللي زيكم مستحيل ينضف أبدًا..
أنت مجرد خدامي .. خدامي يا حقير..

لم تتغير ملامج جبريل الباردة غير أنه جعد جبينه ورفع كفيه المتتفخ عروقهما يضعهم فوق يدي شريف القابضتان على قميصه وأزالهم بهدوء مُردفًا وهو يتفرس ملامحه:-
– تؤ تؤ .. ليه بس الغلط يا شريف بيه، أنت عارف كويس أنا مين .. يا باشا أنت من غيري متقدرش تتحرك خطوة وأنت مستحيل تقدر تستغنى عن جبريل رُستم مهما حصل..
أنت ناسي مين بيرجع بناتك إللي بيتخطفوا كل أسبوع..

تنهد جبريل تنهيدة مُطولة قبل أن يضع كفيه في جيبه ويقف بكبرياء وقد تحولت ملامحه فجأة من الهدوء والبرود للشراسة واتقدت نظراته بينما يهدر بتحدٍ صارخ:-
– أنا بقولك أهو يا شريف بيه، محدش هيتجوز بنتك غيري أنا، فاختار أنت الطريقة بقا إللي تعجبك وتناسب سيادتك..
‏كفاية النفخة دي بقاا مصير بنتك معايا أنا فحاول تقبل علشان أنت عارف كويس أووي جبريل رُستم ابن الحارة والفتوة بتاعها يقدر يعمل أيه كويس..
‏وبعدين يا باشا ليه تاخد قرار عنها، ما تسألها ما يمكن تكون موافقة..

صاح شريف وهو يتعجب من وقاحته، نعم هو يعلم أنه قوي وحاد الذكاء بدرجة جنونية وإلا كيف أصبح بعامان فقط اليد اليمنى لأشهر وأهم رجل سياسي في البلاد، وأصبح جبريل بمثابة ظلّه وعكازه والرأس المفكر لحلول الكثير والكثير من عقباته .. وأصبح له محل ثقة عمياء رغم أن جبريل شابًا من الطبقة المتواضعة التي ينفر منها شريف الهواري..
رفض زواج ابنته قطوف من أشهر رجال الطبقة المخملية وأرقاهم لكونه يري أنهم لا يستحقون ابنته وأنهم لم يطابقوا معايره الفائقة والآن يأتي ليزوجها برجل من حارة شعبية مُعدمة ويرى فضله عليه .. إنه بمثابة خادمه…

– أنت إزاي تتجرأ .. ارجع لعقلك يا جبريل ومتجبرنيش أضطر أعقلك بطريقتي وصدقني هتخسر كتير أوي وهتندم ومش هيفيدك جبريل الفتوة في حاجة..

ابتسم جبريل في ثقة وقال:-
– يبقى أنت كدا اختارت الطريقة يا شريف بيه..
المهم تحب نسمي أول حفيد ليك بأيه!!

قبض شريف على كفيه بشدة وعلم أن الحدة لن تأتي بثمارها مع هذا جبريل، فقال برباطة جأش:-
– أنت عايز أيه يا جبريل .. أيه سبب إصرارك وفكرتك بالجواز من قطوف .. أنا متأكد إن الموضوع ده مش من فراغ وإن وراه كتير..
عايز أيه يا جبريل رُستم..!

مطّ جبريل شفته للأمام وقال ببساطة:-
– أتجوز بنتك يا شريف بيه .. فكرة إن أتجوز بنت شريف الهواري وأكون نسيبه دي لوحدها ألف حكاية..
حد يفوت فرصة زي دي..

كانت تقف خلف باب غرفتها بعدما فرغت من صلاة العصر وظلت تستمع لشجار والدها مع جبريل، تفاجأت وصُدمت من طلب جبريل إياها للزواج من أبيها الذي جن جنونه..
فإلى الآن جميع عروض الزواج التي تنهال عليها ينتهي بها المطاف بالرفض من قِبل والدها الذي يُريد زوجًا أسطوريًا لها..

لم تكن تتوقع إقبال جبريل على تلك الخطوة الجريئة .. لكن فور أن سمعت جملته الأخير بأنه مجرد زواج قائم على المصلحة من أجل الحصول على الظهور لحساب اسم أبيها السياسي المشهور اتقد غضبها وتشرست ملامح وجهها بشدة..
نعم هي لا تؤمن بأمور الطبقات وهذه الأمور كما يفعل والدها ويُقدس الأمر بطريقة غير طبيعية لكن كونه يريد استغلالها لأجل نجاحه وبناء اسم له جعل الدماء تفور بعقلها وهي تلعن جُرأته ووقاحته..

خرجت من غرفتها نحو والدها الصارخ والذي يكاد أن يُصاب بذبحة صدرية ووالدتها التي تجاهد لجعله يهدأ وتترجاه..

وقفت بجانب والدتها لتقع أنظار جبريل الشديدة عليها نظرة خاطفة قبل أن يُبعد أنظاره وقال بإبتسامة خفيفة:-
– أهي زيتونة وصلت أهي .. يلا يا قطوف خليكِ شطورة واقنعي بابا بجوازنا كفاية رفض للعرسان لغاية هنا .. هنتجوز وأعملك أحلى فرح في الحارة وهفرشلك أوضة من أول وجديد يا زيتونة وأنضف موبيليا مش خسارة فيكِ .. ومن ناحية إن هصونك وأحميكِ فأظن أنتوا أدرى الناس بالنقطة دي..
دا أنا أسبوعيًا بخلصك من عصابة شكل وأرجعك لغاية ما وسطي اتحلّ.
زيتونة كل يوم تتخطف وباباي رجل المخاطر ينقذها ويخلصها..

سارت حتى وقفت أمامه ولعجبها أبعد أنظاره عنها فسخرت بداخلها من غروره فقد فسرت ردة فعله غرور وتكبر..
أردفت قطوف بقوة وشراسة:-
– أطلع برا بيتنا وياريت ما نشوفش وشك البجح ده هنا تاني، لو أنت أخر واحد على الأرض ومفيش ألا أنا وأنت مش هتجوزك أبدًا يا …. باباي…
أديك قولت دي مهمتك .. تنقذ وبس وتنفذ الأوامر..

انتفخت أوداجه بشكل مخيف وضغط على أسنانه بشدة كادت أن تكسرها، ورغم نيران الغضب التي تكوي روحه إلا أنه قال بنبرة مثقلة بالهدوء والثقة:-
– طب بلاش الثقة الزيادة دي أوي يا …زيتونة..
وصدقيني مجرد ما تبقي مراتي هنتحاسب على الكلام إللي قولتيه ده بس ساعتها متلوميش ألا نفسك … والنفخة الكذابة إللي أنتوا فيها دي هتودعوها إن شاء الله..

ووقف أمام شريف واقترب منه قائلًا بفحيح أمام وجهه:-
– متنساش أنك متقدرش تستغنى عن جبريل رُستم الفتوة أبدًا يا شريف بيه..
أنا واثق إنك هتترجاني أرجع..

ورحل خارجًا من القصر بشموخ وقوة فهو حقًا له حضوره الطاغي بالمكان الذي يحلّ به..

تنهدت قطوف براحة بينما اتجه والدها لغرفة مكتبه شارد الذهن متوترًا ولا يُنكر قلقه الشديد لرحيل جبريل..

نظرت قطوف لوالدتها وقالت بإحباط وملل:-
– إحنا كان مالنا ومال العيشة دي .. عايشين أيامنا كلها في توتر ومصايب يا ماما..
حقيقي النجاح أحيانًا بيكون نقمة، وشكلنا هنبقى ضحية نجاح بابا..

عاتبتها والدتها عبير وقالت بلطف وهي تمسد فوق ذراعها:-
– وحدي الله يا قطوف .. إن شاء الله خير يا حبيبتي ويلا نادي البنات علشان وقت الغدا..

صعدت قطوف للأعلى وهي قد ضجرت من تلك الأصفاد المخملية المجبرون هم على التقيد بها.

**********

هطل الليل وخيم على الأرجاء، وبينما هو غارق في شروده أتته مهاتفة جعلته يسقط فوق مقعده مصدومًا وقد شُلّ تفكيره لأكثر من نصف ساعة..
فقط جاحظ العينين ينظر بصدمة…

وعلى الفور رفع هاتفه بلهفة فآته صوت هذا الشامت:-
– أيه لحقت أوحشك يا شريف بيه..

قال شريف دون تردد:-
– لازم ترجع يا جبريل …لازم تتجوز قطوف في أسرع وقت … ومهم أعرف أنتَ مـــيـــــن يــــــا جـــــــــبــــريــــــــــــل؟!!!

<الفصل الثاني> -٢-

انتفضت من جلستها بصدمة ورددت باستنكار وهي تنظر لوالدها بأعين متسعة:-
– حضرتك بتقول أيه يا بابا، أنا مش مصدقة، أنتِ لسه من ساعة بس كنت هتتجن لما طلبني للجواز.
أنا مستحيل أتجوز واحد زي ده..
دا استغلالي ودا جواز مصلحة بس وهو قال كدا بلسانه، عايز يتجوزني علشان يستفاد منك يا بابا..

تنهد شريف بثقل وقال بجدية بينما والدة قطوف فالتزمت الصمت:-
– أنا عارف جبريل وهو شخص كويس يا قطوف وراجل يقدر يحميكِ ويكون في ضهرك دايمًا..

زاد جنونها وأردفت بقوة وهي لا تقبل هذا المزاح وكونها فقط مجرد أداة لهذا الشخص البارد الهمجي:-
– وأنا مش موافقة يا بابا، أنت ليه وافقت تجوزتي ليه وبالطريقة دي، هو هددك..!!

صاح شريف بجنون ونفاذ صبر:-
– قطوف .. لاحظي الكلام إللي بتقوليه، أيه يهددني دي .. أنا شريف الهواري محدش يقدر يلوي دراعي..
أنا أبوكي وشايف مصلحتك فين..
وخلينا واضحين .. أظن مش أنتِ الشخص إللي هتقولي دا مش من مستوايا وهعيش في حارة والكلام ده..
أنتِ بتحاربيني وشايفه إني غلط علشان دايمًا بأنزل الناس منازلهم ومش بقبل بأي حد..
هتعصيني يا قطوف، دا جواز مش هيتسمر، لفترة بسيطة ومتسأليش على الأسباب، ودا لمصلحتك..

غامت أعينها بالدموع وقالت وغصة مريرة قد علقت بحلقها:-
– أنت مُدرك للي بتقوله يا بابا، جاي تقولي هتتجوزي فلان والمأذون جاي في الطريق وبعد كتب الكتاب ياخدني من هنا عالطول، شخص معرفوش .. ناس معرفهاش .. لمجرد إنك أمرت وعايز كدا .. وشايف إن مصلحتنا في كدا..!!

زفر والدها وردد بحسم شديد لا رجعة فيه:-
– اسمعي الكلام يا قطوف، يا حبيبتي مدة بسيطة وهترجعي تاني..
تعرفي أنا على عيني أوديكي المكان القذر ده وتعيشي مع ناس زي دي..
وعلشان كدا بقولك هو جواز شكلي بس وممنوع تختلطي بالناس إللي هناك أو يبقى بينك وبينهم أي معاملات، ناس مش من مقام قطوف الهواري، أنتِ بنت شريف الهواري أوعي تنسي تتعاملي على هذا الأساس..

ونظر تجاه عبير زوجته وقال:-
– عبير يلا اطلعوا جهزوا قطوف .. مهما كان جواز شكلي بس لازم قطوف تخرج بالشكل إللي يليق ببنت شريف الهواري..

هبطت دموع قطوف ونظرت له بقهر لتستقيم بغضب، مسحت دموعها بقوة وهدرت بحدة بينما وميض القوة يلمع بأعينها الكهرمانية اللون:-
– أنا مش هسمح إن حد يجي عليا ويستغلني أبدًا، أنا حرة في طريقة تعاملي مع الناس..
أنا موافقة وهتجوزه يا بابا، بس مش علشان حاجة .. أنا هتجوزه علشان أتخلص من القيود إللي أنا عايشه فيها، ومش هغير نفسي أبدًا وهفضل قطوف زي ما أنا..

وصعدت للأعلى بغضب وأرجلها تدك الأرض دكًا، في حين نظرت عبير لزوجها بلوم وقالت:-
– قطوف مش هتخضع أبدًا يا شريف وهتتمرد، هي مش عاجبها العيشة دي وأنا خايفه عليها..

تنهد شريف بثقل وأردف بشرود:-
– أمال أنا بعمل كدا ليه يا عبير، علشان خايف عليها، كله لمصلحتها..

انقبض قلبها وتسائلت بصوتٍ منخفض:-
– طب في أيه يا شريف، أيه إللي حصل يخليك توافق على طلب جبريل.!

نظر لها بملامح باهتة وما سيحدث الآن ليس برغبته فهو مرغم، لكن رغم هذا ابتسم إبتسامة فاترة وقال:-
– مش وقته يا عبير .. بعدين، أهم حاجة دلوقتي أحمي بناتي..

لم يسكن لهيب حرقة عبير وما يُطمئن قلبها أنها تعلم جبريل وشهامته جيدًا، لكن زواج ابنتها الكبرى بتلك الطريقة لم ينال إعجابها، وتسائلت بحذر وتردد:-
– طب .. شريف .. إحنا المفروض نقول لجبريل على مشكلة قطوف .. على الحقيقة..

انتفض شريف من جلسته وهدر بصوت متأجج:-
– إياكِ يا عبير تفتحي الموضوع ده ولا تجيبي سيرته لمخلوق .. إياكِ .. في الأول والأخر دي جوازه شكلي هتستمر لوقت بسيط وبعدين هينتهي كل حاجة..
محدش ليه الحق يعرف المعلومة دي، ومن هو جبريل ده علشان يعرف حاجة زي دي عن قطوف..!
اقفلي الكلام ده يا عبير خالص..

أردفت بهدوء وقلب حزين:-
– ودا رأيي بردوه يا شريف .. ربنا يستر وتعدي الفترة دي على خير يارب..

أردف بهدوء مصطنع يُدثر به قلقه وخوفه:-
– اطلعي لقطوف وحاولي تهديها وخليها تلبس كويس..

*************

بغرفة قطوف أخذت تجوبها ذهابًا وإيابًا وكل خلية بجسدها تنبض بالغضب وصدرها يعلو ويهبط بانفعال، وتنفسها السريع ينم عن مدى غضبها وسخطها..
تبغض تلك القيود، تُشعرها بالعجز وهذا الشعور يكوي روحها..

خرجت من الغرفة ثم توقفت أمام الغرفة التي تجاور غرفتها، جعلت تنظم أنفاسها وتتحكم في انفعالها ثم دلفت للداخل..

– سلطانة فريال..

فغرت ذراعيها وهي تجلس فوق فراشها ولم تكن سوى جدتها أقرب الأشخاص لقلبها..
جلست قطوف بجانبها ورمت بنفسها داخل أحضانها..
قالت الجدة بفرح:-
– أنا فرحانه أوي يا قطوف، بغض النظر عن الطريقة ومش عارفه شريف مستعجل ليه كدا ومش فاهمه منه حاجة، بس هيتكتب كتابك، وعلى مين .. جبريل.
شهم أوي وراجل يا قطوف وكنت أتمناه لكِ مع إني مستعجبة أبوكِ وافق إزاي..

تنهدت قطوف بثقل وهي لا تريد إظهار شيء من غضبها لجدتها وتُنغص عليها فرحتها لمرضها وشدة تعلقها بها..

أمسكت فريال ذراع قطوف بشدة وقالت بتعلق:-
– بس أنا مقدرش أعيش من غيرك يا قطوف..
هكلم جبريل يجيبك هنا كل يوم تقضيه معايا، وكمان أبوكِ قال إنها فترة مؤقتة، يعني لما تنتهي نقدر بقى نعملك فرح ونفرح بيكِ وأجهزك..

لم تُرد قطوف أن توضح لجدتها الأمر وتُخبرها بالصحيح، انحنت تقبل رأسها بحنان وتنظر داخل عينيها الكهرمانية التي ورثتها عنها قطوف واحتضنتها بشدة قائلة بنبرة مهزوزة:-
– طبعًا يا سلطانة فريال هو أنا أقدر أعيش من غيرك، كل يوم هجيلك هنا أقضيه معاكِ…

أخذت يد الجدة تسير على شعر قطوف العسلي الثائر والمموج بنعومة وتتحسس غُرتها التي تسقط على جبينها وجانبيّ وجهها فكانت في غاية البساطة والفتنة..

– أنا متأكدة إن جبريل بيحبك، وأكيد شريف عرف إن هو بيحبك علشان كدا وافق..
والله كنت عارفه إن رفض شريف لجوازك من ناس كتير أوي كدا وراه سر كبير، والحمد لله طلع إن هو عايز يسلمك للي بيحبك بجد وهيصونك مش هيتجوزك علشان فلوسك واسمك..

أغمضت قطوف أعينها بألم وقبضة قاسية تعصر قلبها فها هي توضع من جديد أمام قيد آخر..
والأكيد أنها لن ترضخ أبدًا ولن تخرج من تلك المعركة خاسرة..
نعم إنها بالنسبة لها معركة..

– قطوف أنتِ إللي بتعمليلي كل حاجة وبتهتمي بيا وتقعدي معايا .. متغبيش عني..

ابتسمت قطوف بتوسع وقالت بحنان:-
– أنا معاكِ عالطول يا تيتا ومش هسيبك، وماما وروزان وميرا مش هيسبوكِ خالص في الوقت إللي مش هكون فيه هنا متقلقيش..

طبعت الجدة قُبلة فوق رأس قطوف وداخلها مغمور بالخوف، فهي متعلقة بقطوف بشكل خاص جدًا وروحها متعلقة بها بشدة..

في هذا الأثناء دلفت عبير للغرفة لتهتف بأنفاس منقطعة:-
– أنتِ هنا يا قطوف .. يلا يا بنتي علشان تلحقي تلبسي..

جاءت تعترض لكنها كتمت إعتراضها بأخر لحظة حين أدركت تواجدها بجانب جدتها التي سارعت تقول بسعادة:-
– يلا بسرعة يا قطوف، البسي ووريني، وتلبسي فستان أبيض .. يلا يا عبير روحي جيبي لبسها علشان تلبس هنا وأشوفها..

كظمت قطوف غيظها وقبضت على كفيها بشدة حتى أبيضت مفاصلها ورمقت والدتها بوجه معقود..
كتمت عبير ما بقلبها ونظرت لها بحنان وحزن قبل أن تنصرف لتحضر ملابس تلك الغاضبة..

**************

في الأسفل كان يجلس بكبرياء وشموخ أمام شريف الذي يرمقه بسخط واضعًا قدمًا فوق الأخرى في حالة إسترخاء وهدوء..

اعتدل جبريل وقال بإبتسامة واسعة:-
– يلا يا شيخنا .. توكل على الله علشان أخد عروستي على بيتي..

رماه شريف بنظرة نارية متوعدة في حين شرع المأذون في إلقاء كلماته وإبرام الزواج…
لتصبح قطوف زوجة جبريل شرعًا…

في الأعلى كانت تشاهد ما يحدث بثبات خارجي بجانبها جدتها ووالدتها وشقيقتيها روزان وميرا…
تقف تنظر له بنظرة غاضبة محتقرة وهي تعلم غرضة من هذا الزواج ومن المؤكد أنه هدد والدها بأمرٍ ما .. لكن أوالدها من الأشخاص الذين يخضعون لتهديد من رجاله الذين يعملون لديه..!
ترتدي فستان أبيض رقيق واسع من قماش حريري منتفخ الذراعين ومُطرز من فوق الصدر برِقة على هيئة فروع أشجار تمتد حتى الكتفين، واكتملت طلتها بحجاب أبيض صغير داخل عُنق الفستان …. وقد ارتدت ما ارتدته إكراهًا رغمًا عنها لأجل جدتها فقط..

رفع رأسه للأعلى صدفةً لتقع أعينها فوقها فيبتسم لها بهدوء لكن كانت لها إبتسامة أشعلت نيران الغضب بقلبها وهي تتوعده بالويلات..

عندما نادها والدها هبطت بشموخ وكبرياء تقترب منهم وهي تلحظ إبتسامته السمجة وبأعينه تلك النظرة المنتصرة..

جلست بجانب والدها الذي قال بحنان:-
– تعالي يا حبيبتي..

وقال المأذون بهدوء وهو يُشير لها نحو موضع التوقيع:-
– إمضي هنا يا عروسة..

رفعت أنظارها لهذا البارد الجامد وتتأمل جلسته المستريحة الظافرة وكأنه حصل على مبتغاه أخيرًا، نظرت له بتحدي ثم ابتسمت بينما تترك القلم وقالت ما جمد أوصال الجميع وجعل أعين جبريل تتوسع بصدمة وغضب:-
– ولو قولتلك إن الجواز ده بالإكراه وغصب عني يا فضيلة المأذون .. همضي بردوه.!!

«مُقيدة بأصفاد مخملية»
<الفصل الثالث> -٣-

اصفر وجه شريف وهو ينظر بعدم تصديق لقطوف التي تجلس هادئة في حين بقى جبريل ساكنًا ينظر لها نظرات حادة ويناطح التحدي الصارخ فوق ملامحها..

ظلّ المأذون يوزع أنظاره بينهم مستنكرًا ما يحدث..
تسائل بدهشة:-
– الكلام ده مظبوط يا شريف بيه..

رفعت قطوف رأسها للأعلى لترى جدتها التي تقف تستند على شقيقتها قد شحب لونها وبدى عليها الصدمة، حولت قطوف أنظارها نحو المأذون ثم توسعت إبتسامتها وقالت ضاحكة:-
– أنت صدقت يا حضرة المأذون ولا أيه، هو بقى في جواز غصب اليومين دول!
أنا بس بهزر..

ارتسمت الراحة فوق معالم الجميع فيما عدا جبريل الذي بقى ينظر لها بتوعد وشر..
نقشت قطوف توقيعها وجعلوها تغمس اصبعها في هذا الحبر الأزرق وتطبعه فوق الأوراق لتصبح زوجة جبريل رُستم بشكل رسمي وشرعي..

ابتسمت الجدة بسعادة وتنهدت بارتياح ثم نظرت لعبير والدة قطوف وقالت:-
– قطوف مرتاحة صح يا عبير، هي راضيه بجبريل أنا كنت حاسه إنها مايله ليه..

سارعت عبير قائلة:-
– طبعًا يا أمي، أنتِ عارفه محدش يقدر يجبر قطوف على حاجة، وقطوف بتحب البساطة ومش بتحب شغل الفوارق الطبقية وكانت على خلاف مع شريف عالطول علشان الموضوع ده، وحتى هي كانت بترفض الجواز بالطريقة دي، أنت عارفه إن مكانش رفض شريف لواحده..

أشرق وجه الجدة بسعادة وفرحتها تملأ ما بين خوافق السموات والأرض..
ظلت تنظر تجاه قطوف وجبريل لتقول بأعين لامعة:-
– أنا عارفة طبعًا … هما أصلًا لايقين على بعض، قطوف وجبريل .. أنا كنت بتمنالها واحد زي جبريل كدا .. شوفي حلوين جمب بعض إزاي..

في الأسفل كان جبريل يتلقى التهاني بوقار ونظرات قطوف الحادة المتقدة مسلطة نحوه..

تركتهم وصعدت للأعلى وهي تنظر لوالدتها بعتاب صامت، اتجهت نحو جدتها التي احتضنتها بحنان وتعلق:-
– مُبارك يا ست البنات .. وعقبال الفرح وبيوت الهواري تتملى بالفرح علشان قطوف..

تصنعت قطوف الإبتسامة وقالت وهي تحتضن جدتها فالآن ستخرج من هذا المنزل لمنزل لا تعلم عنه شيء:-
– هتوحشيني أووي يا سلطانة فريال، إن شاء الله مش هغيب عنك ومتنسيش تدعيلي..

– دعيالك يا حبيبتي دايمًا …أوعي متجيش ليا كل يوم .. مين هيهتم بيا يا قطوف..

خرج صوت ميرا شقيقة قطوف تقول بعتاب:-
– وإحنا روحنا فين يا جدتي، يعني إحنا مش بنهتم بيكِ..

داعبت الجدة وجنتها وقالت بحنان:-
– بس مش زي قطوف..

اقتربت قطوف من شقيقتها ميرا وأردفت:-
– خدي بالك من السلطانة فريال يا ميرا ومن ..

صمتت وأكملت بغصة:-
– ومن بابا وماما .. ودراستك أنتِ وروزان..

نظرت لها ميرا بحزن وكادت أن تتحدث لكن رددت قطوف وهي تساند الجدة:-
– أنا هوصل جدتي أوضتها علشان ترتاح شوية قبل ما أطبق هدومي في الشنطة وأمشي..
شكل شريف بيه مستعجل علشان يخرجني من بيته..

تبادلا ميرا وروزان نظرات الحزن مع والدتهم التي تشعر وكأن جبلٌ يجثم على صدرها..

مددت قطوف جدتها فوق الفراش وقامت بتدثيرها جيدًا ثم انحنت تطبع قبلة فوق جبينها بحنان في حين أغمضت الجدة أعينها وذهبت في ثباتٍ عميق من تأثير الأدوية التي تتناولها..
ألقت عليها قطوف نظرة أخيرة قبل أن تخرج لغرفتها..

دلفت لعرفتها تنوي جمع ملابسها لتجد شقيقتها ميرا تجلس فوق الفراش تترقبها..
رمقتها قطوف بهدوء قبل أن تسحب حقيبة سفر وردية وتضعها فوق الفراش وأخذت تسحب ملابسها تضعهم بداخلها..

رددت ميرا بحزن:-
– هتفضلي كدا يا قطوف..

لم تنقطع قطوف عما تفعل وواصلت وضع ملابسها لكنها هتفت بسخرية:-
– وعيزاني أعمل أيه يعني يا ميرا، أيه شيفاني طالعه رحلة…

استقامت ميرا واقتربت منها تختلس النظرات لأعين قطوف وقالت وهي تمسك يدها برفق:-
– قطوف … أكيد بابا عنده غرض من كدا، أنتِ مش تايهه عن شريف الهواري، وكون إن يوافق على جبريل دا يأكد إن في حاجة كبيرة جدًا..
بابا بيحبنا وإحنا غاليين عنده حتى لو فارض علينا قيود أنتِ مش قبلاها..

هي تبغض البكاء والضعف وعُرف عنها التمرد والقوة لذلك كتمت رغبة ملحة في البكاء بداخلها وهتفت برفضٍ قاطع:-
– واشمعنا أنا … وغرض أيه!!
أكيد غرض يخص الشغل والعالم إللي إحنا عايشين فيه إللي كله أذية..
وأنتِ قولتي أنا إللي مش قابله القيود دي ولا قادرة اتأقلم عليها، أنتوا قابلين وكمان مرتاحين وعاجبكم تكونوا في العالي والكل يبص لكم من تحت .. لكن أنا مخنوقة وكل حاجة خنقاني يا ميرا …
وجوازي بالطريقة دي مش مقبول أبدًا، ومن مين، من واحد الغرض من جوازه مني المصلحة وإن يستفيد من اسم شريف الهواري..

نظرت لها ميرا بأعين ضيقة ثم أردفت:-
– بس دا جبريل يا قطوف، وأظن يعني أنتِ….

قاطعتها قطوف بوجه ملامحه متشنجة من هذا الحديث التي تتلوه شقيقتها على مسامعها دائمًا:-
– متكمليش يا ميرا ومتصدقيش أوهام قولتلك كذا مرة…

وأكملت وضع ملابسها وأخذ جميع أشياءهم وقد أعلنت غلق الحديث في هذا الأمر…

***************

بالأسفل انصرف الجميع وبقى جبريل بمقابل شريف..
يجلس باسترخاء فوق مقعده ويضع قدمًا فوق الأخرى، عاد جبريل برأسه للخلف ثم قال بأعين مليئة بالنصر:-
– بقيت صهر شريف بيه الهواري وبنته بقت على اسمي … مبارك علينا يا شريف باشا..

تربد وجه شريف بالغضب ونفرت الدماء بعروقه من برود هذ الماكر، انتفض من مكانه راغبًا في القبض على عنق هذا الذئب الماكر وإزهاق روحه..

هدر شريف من تحت أنفاسه النارية:-
– أنت مين يا جبريل .. وأيه عرفك بالحاجات دي كلها … وغرضك أيه بجوازك من قطوف…

استقام جبريل ومازال على هدوءه ووضع كفيه بجيبيه وأخذ يسير بينما يتمعن بتلك اللوحات الملكية المعلقة على الجدران..
وردد بهدوء:-
– للأسف يا شريف بيه، عيبه في حقك أوي لما تبقى راجل سياسي ليك تقلك وتكون بتنسى بالسرعة دي..
عمومًا هفكرك تاني .. أنا جبريل رُستم خريج إدارة أعمال … أما بالنسبة لعُمري بصراحة مش بعد أوي تقريبًا اتنين وتلاتين أو تلاتة وتلاتين .. بس خلاص من هنا ورايح هعرف عُمري بالظبط ما زيتونة هتكون موجوده من هنا ورايح وشغل بقى أعياد الميلاد والحركات والبركات…
ما علينا خليني أكمل تعريفي بنفسي ليك..
و……

صاح شريف بغضب جمًا ويكاد هذا البارد أن يُصيبه بالجنون:-
– أخرس يا حقير … أنت فاهم قصدي كويس..
وأوعى تفكر إنك علشان اتجوزت بنتي تبقى خلاص كدا تحط راسك براسي .. لا فوق وأوعى تنسى أصلك .. أنت حتة عيل ابن حارة لا روحت ولا جيت ومتبصش لفوق أوي كدا لأصل رقبتك تنكسر، قطوف دي من أسيادك وأنت اتجرأت ورفعت عينك في أسيادك والحساب ده مش هنساه أبدًا وهتدفع التمن غالي..

لم يتغير ثبات جبريل لكن ملامحه احتقنت بشدة ورغم هذا ردد ببرود:-
– شوف أنا لغاية دلوقتي محتفظ لسه بهدوئي يا شريف بيه … متنساش يا باشا إن بقى بينا نسب ودلوقتي أنا جوز بنتك..
ومش يلا زيتونة مجيتش ليه علشان نروح على بيتنا..

كان قلب شريف يغلي فقال باشمئزاز:-
– على عيني بنتي تروح تقعد في المكان القذر ده، بس أحب أنبهك يا جبريل يا فتوة، أنت متعرفش الجانب التاني من شريف الهواري..
لو قطوف بنتي مسها ضرر أو اتخدشت مش هيكفيني عمرك … بنتي عاشت هنا طول عمرها أميرة في البيت ده لو عاملتها المعاملة إللي متستحقهاش أو جيت عليها ولا استغلتها ساعتها تبقى فتحت على نفسك أبواب الجحيم، بس أنا واثق إن ده مش هيحصل، مش علشان أنت مش هتعمله … لا علشان أنا واثق إنها مش هتسمح بده أبدًا..
وإياك تنسى إتفاقنا يا جبريل إياك..

دلفت حينها قطوف للردهة وهي تسحب حقيبتها وفور أن رأها والدها صاح بغضب:-
– وأنتِ شايله الشنطة أنتِ ليه يا قطوف هي دي شغلتك..

وجاء ينادي على أحد العاملين لكن قاطعته قطوف تقول بصرامة:-
– انتهينا يا شريف بيه .. أنا دلوقتي اتحررت من قيودك المخملية .. أقدر أحقق كل إللي اتمنعت منه…

وأكملت بصوت قوي متأجج بالنيران تأكدت من خلوه من الألم الذي يغمرها من الداخل:-
– أنا دلوقتي خلاص .. المفروض أخرج برا بيتك وأمشي .. صح..

يعلم ألمها وأنها تجاهد لإخفاءه كي لا تظهر ضعفها، رمقها بحزن وقال بنبرة حاسمة:-
– دا بيتك دايمًا يا قطوف وهترجعي تاني غصب عن الكل، فترة وهتعدي وترجع كل حاجة لأصلها ووقتها تتجوزي الراجل إللي يليق بيكِ ويستحقك…

وقبل أن يكمل حديثه كان صياح جبريل الهادر بشراسة يقطعه ويتردد بالأرجاء وهيئته التي أصبحت نارية والغضب يقدح من عينيه وملامحه متشنجة:-
– شريف باشا .. أنا قولتلك أنا هادي ومش عايز أقلب .. كل حاجة ولها حدود .. بتقول لمراتي وهي على ذمتي … هتجوزها بإللي يليق بيها بعد ما أطلقها…
إياك يا شريف يا هواري تجيب سيرة راجل تاني .. التزم حدودك في الكلام .. هي بقت مراتي وعلى اسمي مش لسه بنتك وفي بيتك، اسطواناتك دي تنساها خالص … لأن أنا مش هقبل بكدا أبدًا..

مسح شريف على شعره بقوة وهو يرمق جبريل بغلّ وغضب ويكبح زمام غضبه كي لا يُفرع سلاحه في رأس هذا الحقير..

ومن موجة عاتية لماءٍ ساكن هكذا تحولت ملامح جبريل وهو ينظر لقطوف بينما يقترب منها يأخذ حقيبتها ويجرها قائلًا:-
– يلا بينا على بيتنا يا زيتونتي…

رمقت قطوف والدها الغاضب بعتاب وخرجت وهي ملتزمة الصمت بعدما أجحمت ثورانها وداخلها حربٌ عضال..

وفور أن خرجت أمام السيارة وقف جبريل بجانبها، لوى وجهه لها مبتسمًا ورفع يده يطوق بها خصرها بمكرٍ هامسًا:-
– أخيرًا يا زيتونة بقيتي لباباي…

لكن ما حدث بعد ذلك جعل جبريل يقع صريعًا بين مخالب الصدمة، يخبره أن القادم أسوأ وأنه سقط بمعركة جسيمة لا قِبل له بها..!!

«مُقيدة بأصفاد مخملية»
<الفصل الرابع> -٤-

تخشب جسد جبريل بصدمة حين شعر بشيء حاد جدًا ينغرز بيده بشدة..
سحب يده من حول خصر قطوف بسرعة، ليجد الدماء تنسكب منها بغزارة..

رفع رأسه نحو قطوف التي جرفته بنظرات شرسة حادة وألقت كلماتها بضراوة بوجهه:-
– إياك تتجرأ وتلمسني تاني، أوعى تفكر إن بالجوازة الشؤم دي هتعمل إللي أنت عايزه وهتوصل للي أنت عايزه..
أنا مش هسمحلك أبدًا .. إياك تتجرأ وتلمسني وتمد إيدك ناحيتي تاني..

نظر للخاتم الذي باصبعها والذي به بروز مدببة حادة فعلم أنه سبب جرحه..
انقبض وجه جبريل بشراسة وتربد وجهه بالغضب، وأخذ يقترب منه بتمهل حتى حاصرها بين جسده والسيارة، تأمل وجهها الحاد الشرس ورفعت أعينها هي تنظر له بقوة، ردد جبريل من بين أسنانه وأعينه ينبثق منها النار:-
– زيتونه، مش عايز صبري ينفذ عليكِ، إياكِ ثم إياكِ إيدك تتمد تاني .. أنتِ مراتي قدام ربنا وقدام كل الناس .. وأظن حرام ومينفعش تقولي كلمة زي دي .. أنا طلبتك للجواز وأنتِ رضيتي ووافقتي ومضيتي على الجوازه الشؤم…

لم يغرب التحدي والشراسة من فوق ملامحها وهدرت بصوتٍ محتقن:-
– مش راضيه أبدًا .. مش راضيه ولا موافقه من جوايا .. لساني بس إللي اضطر يوافق..

عمق النظر بأعينها أكثر واقترب منها وهمس أمام وجهها بنبرة ذات مغزى:-
– أنا مش بصدق كلامك يا زيتونتي، أنا بصدق عيونك..

انتفض قلبها وارتبكت أوصلها لكنها نجحت في إخفاءه بينما عقدت وجهها وصاحت وهي تضربه فوق صدره تُبعده بعنف:-
– أبعد عني وبلاش تقولي زيتونة دي يا باباي، كلامي وعيوني بيقولوا نفس الكلام..
أنت شخص منافق ومخادع وانتهازي ورخيص..

أطبق أسنانه يطحن نواجذه بينما أخذ يفتح أعينه ويغلقهم بتكرار يتمالك نفسه ليثبط غضبه كي لا يؤذيها بالغضب الذي تفجر بداخله، مد أصابعه يُداعب خدها بجمود لتنفض يده بعنف، فيهمس هو بتحذير:-
– حلوتي .. زيتونتي الجميلة احذري غضبي وعصبيتي لأن مش كتير بقدر أتحكم فيهم يا روحي..

ضربته بقسوة بقبضتها في صدره واستدارت تصعد للسيارة وهي تتمتم بغضب:-
– يك ساحبه لروحك يا بعيد .. إنسان بارد..

صعد بجانبها خلف المقود، رماها بنظرة سريعة وهو ينطلق بسيارته يخرج من حدود قصر شريف الهواري وهمس يقول:-
– أهلًا بيكِ في عالم جبريل رُستم يا زيتونة..

نظرت له سرًا فلمحت يده التي تنزف وهو يضع منديلًا يجحب به خروج الدماء..
نظرت بالخاتم الذي باصبعها ذا البروز المدببة الحادة، الخاتم الذي ابتاعته لحمايتها هي وشقيقتها، فنظرًا لمكانة والدها وعمله فهم دائمًا بخطر الخطف لذلك كانوا يرتدونه لحمايتهم..

تنهدت بثقل وهي تسند رأسها للخلف شاردة في الحياة الجديدة التي تنتظرها، كيف ستكون وكيف ستتحمل القادم.!

في وقتٍ لاحق..

انتبهت بوصول السيارة لحارة هادئة نوعًا ما، تململت بجلستها تشاهد الأرجاء بقلب واجف لكنها احتفظت بجمودها..
توقفت السيارة أمام منزل متواضع يحاوطه جدار قصير مزروع أمامه شجرتان زينة بينما الكثير من الدجاج يركض في هذا الفناء الصغير..

نظر لها جبريل بهدوء وقال:-
– يلا يا زيتونة وصلنا بيتنا..

زفرت بسخط قبل أن تهبط بفضول له وللأشخاص المتواجدين به..
حمل جبريل حقيبتها وعلقت قطوف حقيبتها على كتفها، سارت خلف جبريل وهي تلتفت حولها حتى دلوفوا للمنزل..
حملت طرف فستانها ودلفت خلف جبريل وفور أن ولجت صدح صوت ساخط غاضب من ردهة المنزل:-
– أخيرًا جبريل باشا شرف ومعاه السنيورة إللي جابها من بيوت البهوات علشان تشوف نفسها على أمه وأخواته..
بردوه اتجوزتها يا جبريل وعصيت أمك، أنا مش راضيه ولا هرضى عن الجوازه دي أبدًا..

التفتت قطوف تنظر بتعجب لصاحبة هذه الكلمات، لتجد سيدة يبدو أنها في نهاية الخمسون من عمرها تجلس على أريكة بردهة المنزل، ترتدي جلباب بُنية اللون وتعقد وشاحًا فوق رأسها وينجلي عليها الغضب بينما ترمق قطوف بحنق وكره … وبجانبها فتاة في بداية العشرون من عمرها..

وضع جبريل الحقيبة ومسح على شعره متنفسًا بعمق وقال:-
– خلاص مفيش داعي للكلام ده يا أمي، هي بقت مراتي ولما تتعرفي على قطوف هتحبيها..

وأشار جبريل لقطوف التي شعرت بالتوجس بداخلها بعدما علمت أنها غير مرغوب بها في هذا المكان..
توقف جبريل أمام والدته وانحنى يُقبل رأسها قائلًا:-
– يا ست الكل .. دي فترة مؤقتة وبعدين هنعمل فرحنا أنا وقطوف وكل حاجة هتمشي تبع الأصول..

استقامت والدته وهدرت ولم يهدأ غضبها:-
– لا أصول ولا غير أصول يا جبريل، أنا مستحيل أقبل بالبنت دي وإزاي هي تبيع نفسها بالطريقة دي هي وأهلها وتتجوز وتيجي معاك بالطريقة دي، البنت دي متنفعكاش يا جبريل، لا أنت زيها ولا هي زيك..
مالهم بنات حتتنا يا ابني .. مالها بُشرى بنت الحاج صبحي والست نبيلة .. الناس كانوا منتظرين منا كلمة..
الحتة دلوقتي لما تعرف إن جبريل رُستم فجأة اتجوز وجاب واحده معاه البيت لا نعرف أصلها ولا فصلها واتجوزها سُكيتي كدا .. هيفهموا أيه من ده كله .. على أخر الزمن نتفضح في الحتة..
ليه كدا يا جبريل … علشان خاطر أمك يا جبريل رجعها من مكان ما جبتها..

صُدمت قطوف من هذا الذي تسمعه وشعرت وكأن خنجر بارد يخمش بقلبها، تشنجت ملامحها وكادت أن تُجيبها ثائرة لكن سبقها جبريل الذي اشتد فكه واحمر وجهه بغضب وردد من بين أسنانه بينما يسحب قطوف إلى جانبه ويُحيطها تحت دهشتها:-
– أمي .. الكلام إللي بتقوليه ده عيب أوي في حقك، إللي بتتكلمي عليها دي بقت مرات ابنك وشرفي وأنا مش هسمح لحد يجي عليها..
هي مش أي حد ولا أنا روحت اتجوزت واحده من الشارع .. دي هانم بنت بشوات وبنت ناس محترمة، اسمها قطوف بنت راجل اسمه أشهر من النار على العلم .. شريف الهواري..
وبنت محترمة وعلى أخلاق .. بلاش العداوة دي يا أمي من البداية علشان أنتِ عندك بنات..
عامليها بما يرضي الله..

رمقت ثريا والدة جبريل قطوف بنظرات ناقمة ثم اقتربت من قطوف الهادئة من الخارج فقط وأردفت بحقد:-
– أنتِ لحقتي تاكلي عقله وتسحريه … لا برافو عليكِ يا بنت البشوات …سيطرتي عليه على الأخر..
متطلبش مني أتقبلها يا جبريل .. لأن مستحيل مهما عملت وقولت.

وانصرفت للداخل لتتبعها ابنتها ويبقى جبريل المتصلب بمقابل قطوف..
ابتعدت عنه بعنف تنفض ذراعه بشراسة وهدرت بهدوء يسبق العاصفة التي تمور بداخلها:-
– ممكن تقولي هقعد فين علشان عايزه أنام..

سحبها من يدها حاملًا حقيبتها واتجه نحو غرفته ودلف للداخل وقال بهدوء:-
– من هنا هتبدأ حكايتنا يا زيتونة، ودا مؤقت بس لغاية ما بعض الأمور تتظبط وهيبقى لينا بيتنا يا روحي…

كانت قطوف تدور بالغرفة بجنون وهي لا تصدق الوضع الذي أصبحت به..
رجل يستغلها من أجل الوصل لمجده على حساب اسم والدها، ويجب عليها الإقامة والعيش مع أُناس يبغضونها ولا يتقبلون وجودها وهي بالنسبة لهم عدوتهم اللدود..

قال جبريل بحنان وهو يشعر بما تشعر به:-
– متخافيش من حاجة يا قطوف، أنا هنا معاكِ ومش هسمح لأي حاجة تمسك، أمي طيبة وواحدة واحدة لما تتعامل معاكِ….

صاحت بنفاذ صبر تقاطعه وقد فاض بها صبرها:-
– أنا أيه إللي وقعت نفسي فيه ده، أنا فين..!
أنا أيه إللي رماني هنا .. هو أيه إللي بيحصل..
هتعامل مع مين وأعيش مع مين.!.
وأيه بيتنا ونعيش سوا وفرح .. أنت صدقت المسرحية دي ولا أيه..
أنت عايز مني أيه يا جبريل .. وعايز توصل لأيه!!

ردة فعله كادت أن تصيبها بذبحة صدرية، حين اقترب وهي في غمرة ثورانها وغضبها، تحسس حجابها بتمهل وأردف بهدوء:-
– مش قصير الحجاب ده شويتين يا زيتونة، عايزين نطول حجابنا يا روحي..

اتقدت النيران بقلبها ونظرت له بأعين متوسعة لا تصدق ما تسمعه، ضربت يده بجنون وقالت بعدم تصديق:-
– أنت بتقول أيه!!

لاحت إبتسامة مستفزة على فمه وردد بينما تحرك يُخرج ملابسه من الخزانة:-
– أنتِ لبسك جميل وفضفاض بس محتاجين نطول الحجاب شوية يا حلوتي، ننزل سوا نشتري إللي تحتاجيه..
وكمان محتاجين نتكلم مع بعض في كام نقطة كدا يا قطوف..

عقدت ما بين حاجبيها تستمع له وهو يُكمل بينما عينيها تحترقان من شدة الغضب:-
– أنتِ في دراسات عُليا .. وتقدري تباشري الدراسة من البيت، يعني مفيش نزول للكلية، ولو احتاجتي أي حاجة وحبيتي تروحي أي مكان نروح سوا يا حلوتي..

بدّل قميصه بينما تلك الجامدة ذهبت لعالم أخر وشعرت ببردوة تغزو أطرافها..

واقترب منها بينما هي سقطت جالسه فوق الأريكة بخوار فجلس هو على عقبيه أمامها وأخذ يدها بين يديه وانحنى يطبع قبلة حانية فوقها ثم قال:-
– زيتونة .. اسمعي كلامي وبلاش تمرد وعِناد يا حلوتي..

جثم على قلبها الفزع لتتسائل بهدوء عجيب:-
– هو إحنا هنفضل مع بعض في الأوضة دي..!!

قال جبريل بإيجاب بينما يربت على خديها برفق:-
– أيوا طبعًا يا زيتونة أمال هنقعد فين..

مازالت محتفظة بهدوءها تحت تعجب جبريل من عدم ثورانها، وأكملت وصلة تسائلها، لتستفهم بما خشب جسد جبريل:-
– جوازنا ده هيستمر قد أيه، يعني إللي عايز توصله هياخد وقت أيه … الطلاق هيبقى إمتى.!!

ظلت أنظار جبريل مثبتة فوقها لتخفض أنظارها تنظر له فتتعلق أعينهم ببعضهم البعض، لكن جبريل أجابها بنبرة جليدية بآخر إجابة توقعتها وجعلتها تسقط في بئر عميق من الصدمة لتتيقن أن هذا جبريل ليس بالشخص العادي وأنه ليس كما يبدو أبدًا….!!!

«مُقيدة بأصفاد مخملية»
<الفصل الخامس> -٥-

أردف جبريل بنبرة شديدة الحسم مغلفة بالنيران:-
– ولا عمرنا هنطلق يا زيتونة، أنتِ هتفضلي دايمًا وللأبد على اسمي، ومتتأمليش أبدًا إن ممكن أطلق أو أفكر في الطلاق، مستحيل تتحرري مني يا قطوف ألا بموتي..

كان يعتقد أنه بعد حديثه هذا ستمكث في بيت الصدمة وتستكين، لكن قد شنّ على نفسه حرب نارية حين انتفضت من مكانها ولم تبالي بصدمتها من هذا الحديث الذي فاجئها له..
وقفت أمامه بتحدٍ صارخ، ثم مدت أصابعها وأخذت تلكزه بصدره بحِدة ورمته بنظرات نارية وهدرت من بين أسنانها بنبرة خطيرة:-
– نظرتي فيك متخيبش أبدًا .. كنت عارفه إنك كدا، طماع وجشع ومش سالك..
عارفه إن وراك حاجة كبيرة .. بس يا خسارة أنت مش عارفني … لو مفكر إن قطوف هتقعد في ركن مكسورة الجناح وهتخاف من الكلمتين بتوعك دول … فأحب أقولك أنت مسكين أوي أوي .. خليك فاكر إن أنت إللي بدأت الحرب دي..

لم تتغير نظراته الهادئة، بقى ينظر لكفها الذي تضرب به صدره بقسوة ثم رفع أعينه الحادة يتأمل شراستها الشديدة وحُمرة الغضب فوق وجنتيها..
استدار بصمت ثم سحب قميص أخر وأخذ يرتديه بهدوء وهي تكاد تنفجر من بردوه..

ردد جبريل وهو يأخذ أشياءه:-
– خدي بالك من نفسك يا زيتونة، أنا خارج أجيبلك حاجة معايا .. بتحبي الشكولاته..

بقت جامدة تكتم غيظها ليقترب منها مقتحمًا مساحتها فتتسلل إليها رائحته المألوفة لقلبها، أغمضت قطوف عينيها تُشدد على جفونها بشدة ثم عاودت فتحهم مرةً أخر ترميه بغضب وقبل أن تثور كان يقترب يطبع قبلة فوق حمرة الغضب بوجنتها ويهمس بجانب أذنها:-
– صدقيني يا زيتونة أنا منتظر جدًا تفاجئني، منتظر بفارغ الصبر أشوف شغبك وتمردك..
عارف إنك مش عاديه … بس اللسان إللي زي السيف ده لما يغلط هيتحاسب يا حبيبي اتفقنا..
سلام يا زيتونة وهجيبلك حاجة حلوة معايا، خليكِ مؤدبة وبلاش شقاوة…

وخرج من الغرفة تاركها وأمواج الصدمة تتخبطها تنظر لأثره بغضب وشراسة..
همست وهناك حرب شعواء بداخلها تتوعده بالكثير:-
– اصبر عليا يا باباي أنت لسه مشوفتش حاجة، شوف قطوف وإللي منتظرك منها..

سحبت حقيبتها بغضب وقامت بفتحها ثم اتجهت للخزانة العريضة، نظرت لها قليلًا ثم دارت أعينها تتأمل الغرفة الواسعة، فيبدو أنه تم توسيعها وتجهيزها قريبًا، هناك بجانب بعيد في زاوية الغرفة باب يؤدي لحمام خاص بالغرفة وزاوية صغيرة بها مكتب وبعض الأشياء المجهولة..
فراش واسع وأريكة تقابله، جميع الأثاث رجولي راقي وبسيط … فبالنظرة العابرة تجد أن الغرفة تختلف عن بقية المنزل وكأنها بمكانٍ أخر..

زفرت بضيق وهمست بسخط:-
– وأنا مالي ومال الأوضة ما تو’لع أنا مالي، مكان مؤقت لغاية ما أخلص..
ومش هسمحلك يا جبريل تحطني تحت قيود، كفاية القيود إللي عيشت فيها..

فتحت الخزانة وأخذت تُخرج جميع ملابس جبريل وتضعهم فوق الفراش حتى أصبحوا كومة هرمية فوقه..
وأخرجت ملابسها من حقيبتها وجعلت ترصّهم وتقوم بطيهم داخل الخزانة وهي تُدندن بهدوء..

وبعد انتهاءها توضئت وأدت فرضها ثم جلست تردد بعض الذكر قبل أن تتجه للمكتب وتنفض جميع أشياء جبريل الخاصة من فوقه وتلقيهم فوق الفراش فوق ملابسه..
وأخذت تضع كُتبها وأدواتها وحاسوبها الخاص..

تنهدت براحة واتجهت للمرحاض وتنعمت بحمام بارد منعش وأرتدت منامة حريرية بلون الزيتون وتركت لشعرها الثائر المتمرد مثلها العنان فتسقط غرتها فوق جبينها فكانت بسيطة المظهر جميلة جمال خاص بها ينبع براءة رغم شراستها المعهودة..

جلست فوق الأريكة وأخرجت من حقيبة أخرى المنتجات الخاص بالعناية بها..
استقامت واتجهت نحو طاولة الزينة ثم سحبت أشياء جبريل من فوقها تضعهم فوق كومة الملابس وأخذت ترصّ وترتب أشياءها…

اتجهت تجلس فوق الأريكة براحة وظلت تضع المرطبات فوق جلدها باسترخاء فانتشرت رائحة التوت بأرجاء الغرفة..
استنشقت الرائحة بنهم وراحة قبل أن تُمدد جسدها باسترخاء فوق الأريكة الناعمة وتغمض أعينها بتعب..

وحين كانت على أعتاب النوم فزعت تنتفض حين اقتحم أحدهم الغرفة بحدة مُحدثًا ضجيج مزعج، فتحت أعينها الناعسة لتجد أمامها والدة جبريل وخلفها ابنتها..

طالعتها والدة جبريل بقسوة وغضب قبل أن تصرخ وهي تتجه تقبض على ذراع قطوف بقوة:-
– يلا قدامي يا اختي أنتِ هنا مش في قصر أبوكِ علشان تقعدي متريحة وإحنا نخدمك لتكوني مفكرة نفسك عروسة..
قومي اشتغلي بلقمتك .. ويكون في علمك يا بت أنتِ من هنا ورايح لا أنا ولا بنتي هنحط إيدنا في الأكل … الأكل ده هتطفحي منه وأنا مستحيل أمد إيدي في أكل أنت هتاكليه .. أنتِ مش هتيجي تقعدي في الأوضة وتمددي وإحنا نخدمك، تطلعي وتشوفي شغل البيت لغاية ما ابني يطلقك ونخلص من البلوة إللي رماها علينا..

لم تكن لتتوقع قطوف أنها ستضطر للتعامل ومحاربة والدة جبريل أيضًا فيكفيها هذا الخبيث..
لكن الظهور بمظهر الهدوء والإستكانة أمام تلك السيدة أو توقيرها سيجعلها تتمادى في إهانتها ظنًا منها أنها ضعيفة..
نفضت قطوف يد ثريا وتشرست ملامحها التي كانت قد هدأت، لن تنكر الآن أن والدها كان على حق في بعض الأمور التي كان يخبرها بها وكانت تنقم عليه…

عقدت قطوف ذراعيها أمام صدرها ورفعت رأسها شامخًا وتُحركه لتبتعد عن أعينها تلك الغُرات المُكللة وجهها، وأردفت بثبات وكبرياء:-
– يا ست الحاجة .. أوعي تفتكري إن علشان عشت في القصور فأنا مش مخربشة وقطة مغمضة وهنزوي في ركن وأعيط واشتكي..
أنا كنت عايشه في قصر وكل طلباتي مُجابة بس محدش كان بيخدمني لأني الحمد لله مش عاجزه، بقدر أخد حقي بأدب وإحترام..
أنا مش جايه هنا بمزاجي ومش قا’تله نفسي على ابن سيادتك … هو إللي مموت نفسه عليا..
ومش جايه علشان أبقى خدامة وأبقى لُقمة سهلة لحضرتك…
لو كنت طلبتي مني بهدوء وبأسلوب أساعدكم وأبقى معاكم … كنت ساعتها هبهركم بمواهبي بس يلا مش لكم نصيب..
واتفضلي حضرتك علشان أنا مرهقة وعايزه أنام وبعد كدا في حاجة اسمها أداب الدخول ولازم أخبط على أي باب مقفول واستأذن يا ست الحاجة…
كمان أنا مطلبتش منك أكل أو تأكليني ومين قالك إن بقبل أكل من إيد حد..!!

كانت ثريا تقف متجمدة وهي لا تصدق ما تسمعه وتلك القوة والشراسة المرتسمة على وجه هذه الفتاة وأيقتت أنها لا يُستهان بها..

غضبت شقيقة جبريل وجاءت تتهجم على قطوف ضربًا لكن قطوف عادت للخلف وهي تقول بثبات:-
– قبل ما تقربي وتفكري تعمليها خليني أعرفك أنا واخده كام بطولة في الكارتيه وطرق الدفاع عن النفس …غصب عني هكسر عضمك وهيكون دفاع عن النفس يا … حلوة..

صاحت ريهام شقيقة جبريل بحقد:-
– أنتِ بتهدديني .. وعايزه تضربيني يا بت أنتِ .. جبريل اتجنن وجايب بلطجية تقعد في بيتنا يا ماما طب والله لما يرجع .. مش كفاية الناس بتتكلم علينا بسيب المحروسة إللي أهلها باعوها..

ارتفع صياح قطوف بحدة:-
– التزمي حدودك يا قطة واطلعي برا انتظري المحروس أخوكِ واشتكيله..

التفتت ريهام وهي ترمقها بتوعد لتلحظ أشياء جبريل المتكومة فوق الفراش وأشياء تلك الوقحة التي أصبحت تحتل المكان..
نظرت لها بكُره تتأمل جسدها الصغير وملابسها وشعرها العسلي المموج بنعومة لطيفة والمتمرد حولها ويتناسق مع أعينها الكهرمانية الجريئة التي تشتعل منها الثقة والكبرياء..

غادرت ريهام الغرفة وقلبها تشتعل به النيران وتتوعد لقطوف بحنق وحقد..

لاحظت ثريا أشياء ولدها المتكومة فوق الفراش بصدمة لتدرك مدى قوة وجرأة تلك الفتاة..
رمقتها بغلّ وغضب وهتفت:-
– جبريل فعلًا اتجنن لما جاب واحده زيك على بيتي … مكونتش أعرف إن هيجي يوم وعيلة زيك ملهاش قيمة تخدعه وتسيطر عليه، لولا إن خايفه إن لما أطردك من بيتي هو كمان يسيب البيت وأكيد هيروح وراكي ويستقر بعيد عني واخسر ابني .. كنت خليتك عبرة قدام كل الحارة..

وخرجت تاركة خلفها قطوف التي تنهدت بثقل وهي ترى القادم أسوأ..
أغلقت الباب وأحكمت غلقه بالمفتاح قائلة بشر:-
– أبقى نام بقاا في حضن مامي يا جبريل..

ابتسمت بظفر وأخذت تدور في الغرفة تتفحصها بدقة علها تتعرف أكثر على شخصية هذا الجبريل المجهول..

وظلت على هذا الحال حتى وجدت الكثير من الكتب في حزانة المكتب السفلية، ابتسمت بسعادة وأخذت تُخرجهم جميعًا وهي تمد يدها وتخفض رأسها تنظر للداخل وهي تضيء ضوء هاتفها لكنها تعجبت من وجود خزانة أخرى خلف خزانة المكتب..

رددت بدهشة:-
– خزنة سرية …. يا ترى مخبي أيه فيها يا سي جبريل .. أنا كنت عارفه إنك مش شخص عادي..

وعندما أخرجت الكتب وجدت أنه كان هناك مفتاح صغير أمام هذه الخزانة أسفل أحد الكتب، ابتسمت بسعادة وأخذته تفتحها وعقلها يتخيل ما ممكن أن تراه داخلها..
وفور فتحها وتسليط الضوء عليها انتفضت قطوف وشحب وجهها وهي تشهق بصدمة غير مصدقة ليعلو عقلها تلك المرة بسؤال كثير الإلحاح تحتاج لإجابته لينقشع هذا الغموض…
من هو جبريل حقًا؟!!

*****************

تخطى عُلو وارتقاء المصعد الطابق العشرون، خرج نحو سطح هذا البرج الشاهق يسير بشموخ والهواء يُبعثر خصلاته بانفعال..

كان هناك أحدهم يقف ومن حوله يلتف العديد من الرجال، توقف جبريل بجانبه، وهتف بهدوء وهو ينظر بشرود بعيدًا:-
– اتجوزتها …. بقت مراتي وللأبد..

****************

– زي ما قولتلك قبل كدا قطوف متجوزة، يعني إللي بتطلبه ده مينفعش..
هي مكتوب كتابها من فترة … أنا مقدرتش أقف قدام سعادتها لأنها هي وجبريل بيحبوا بعض…

قال الأخر غبر الهاتف بنبرة خطيرة:-
– يعني كلام حقيقي يا شريف بيه مش مجرد كلام بتقوله علشان منفذش إتفاقنا..
ولا أنت جريت على خدامك وقولتله يتجوز بنتك علشان تمنع وترفض الطلب إللي طلبته منك..

عارضه شريف وقلبه مليء بالتوجس:-
– دا كلام مش مظبوط وتقدر تتأكد من تاريخ جوازهم .. هما مكتوب كتابهم قبل ست شهور بس أنا رفضت أعلن لغاية ما جبريل يكون ويبني نفسه ويعمل اسم علشان يليق ببنتي، وهي فترة معاه وفترة معانا هنا…

ردد الأخر بغموض قبل أن يغلق الهاتف:-
– تمام .. تمام يا شريف بيه..

وفور أن أغلق الهاتف انتفض هذا الذي كان يجلس أمامه بترقب وأخذ يحطم كل ما تطوله يده صارخًا بشرّ ينبثق من وجهه وهوس مريض:-
– مستحيل … مستحيل يكون ده حصل … قطوف مش هتكون ألا ليا..
هقت.له هق.تل الخدام إللي هي اتجوزته..
أنا مستعد أعمل أي حاجة..

«مُقيدة بأصفاد مخملية»
<الفصل السادس> -٦-

ارتدت قطوف للخلف وتوسعت أعينها دون تصديق وهي ترى بعضًا من الأسلـ.ـحة النـ.ـارية والكثير من الرصا”ص..
غزى عقلها الكثير من التساؤلات والشكوك حول المدعو بجبريل..
لماذا يُخبأ تلك الأسلـ.ـحة ويواريها عن الجميع في مثل هذا المكان السري؟!

همست بتعجب:-
– ممكن يكون تاجر سلا. ح، أو شغال مع عصابة؟!

صمتت قليلًا ثم قالت بشرود:-
– أنا كنت واثقة إن الهيئة والشخصية دي مش مجرد سكرتير عن بابا وبس!
الموضوع أكبر من كدا، وليه يخبي واحد زيه سلا’ح في بيته!
لازم أعرف وراك أيه يا جبريل..

أفاقت من تلك الصدمة التي هزت كيانها ثم أعادت كل شيء إلى ما كان عليه بحرص شديد وأرجعت الكتب وعادت تجلس فوق الأريكة بشرود..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

كان يدور كالأسد الحبيس ذهابًا وإيابًا بهيئة يتدفق منها الشرّ وجسد مشتعل بالغضب..
صاح بصوت جهوري أمام هذا الجالس بهدوء ماكر:-
– إزاي شريف الهواري يرفض طلب زي ده، يرفض إن يناسبك يا حامد باشا ويرفض يجوز بنته لحيدر الجندي ويجوزها لحتة خدام عنده..
كانت فرصة إن يكسب أكبر عدو ليه والعداوة دي تنتهي بالنسب..

كان يجلس بهدوء بهيئته التي لا تبعث الراحة في النفس، نعم لقد طعن في السِن وهرم بدنه واشتعل الرأس شيبًا لكن يظلّ عقله السام الذي يحمل مكرًا وشرًا غدقًا..

أردف حامد الجندي برزانة:-
– نزاهة شريف الهواري كرجل سياسي يا حيدر معروفة والكل بيشهد ليه بجد ومجرد ما يبقى في صلة بينه وبين اسم حامد الجندي غير العداوة فهو بيجني على نفسه وبيدمر سمعته..
إحنا أعداء للنُزهاء في البلد متنساش إحنا مين..
وهو أب بيحب بناته فأكيد مش هيضحي ببنته ويجوزها لحيدر الجندي حفيد حامد الجندي أكبر عدو ليه..
لازم نكون واضحين قدام نفسنا وبعد كدا نتصرف بقا ونعمل إللي عايزينه..
لازم تهدى وأعصابك تبقى باردة يا سبع وبعد كدا تعمل إللي أنت عايزه..
أنا وكلت ناس من معارفي يبحثوا عن جواز بنت شريف من جبريل رُستم وفعلًا الجواز متسجل من فترة .. ودا يثبت صحة كلامه إن بنته هي وجبريل بيحبوا بعض وكتبوا الكتاب وهو رفض يعلن الجواز علشان مش تايهين عن كبرياء شريف الهواري..

جلس حيدر مقابل جده وصدره يعلو ويهبط ثم أردف بشرّ:-
– الكلام ده في حاجه مش مظبوطة يا جدي .. مش داخل دماغي …وعمومًا الخدام إللي اتجرأ ورفع عينه في قطوف أنا عارف هتصرف معاه إزاي .. قطوف مش هتكون ألا ليا..

ضرب بعصاه أرضًا وقال بحسم ونبرة شديدة:-
– نشوف شغلنا الأول يا حيدر وبعدين أعمل إللي يخصك.. المشاكل إللي كانت بين البلد والجماعة إياها وإللي نجح شريف الهواري بمفوضاته يكسبهم والأمور تستقر وأنهى الأزمات .. المشاكل دي ترجع تاني والعلاقة تخرب..
وكمان في ورق مهم جدًا في بيت شريف الهواري، الورق ده يلزمنا..
وأعمل حسابك شحنة السلا،ح هتوصل الساعة تلاته قبل الفجر أنت مسؤول إنها توصل بسلامة؛ لأن لغاية دلوقتي الشخص إللي بيدعبس ورانا مش عارفين نوصله..

حرك حيدر رأسه وأعينه تشعّ شرًا ثم قال:-
– متقلقش يا جدي كل حاجة هتبقى تمام، أنا مظبط أموري واللوا سعيد مرتب الدنيا.

☆★☆★☆★☆★☆★☆

أوقف سيارته أمام منزلهم ثم ترجل منها وبيده حقيبة ورقية كبيرة..
دلف للمنزل بإرهاق وجاء يتجه لغرفته وهو يفكر ما فعلت بغيابه لكن أوقفه صوت والدته الحازم:-
– استنى عندك يا جبريل..

زفر بإحباط واستدار ينظر لوالدته التي تجلس والهموم ترقد فوقها وبجانبها شقيقته التي تبكي بانهيار..
هرع نحوها وتسائل بقلق:-
– خير يا ريهام في أيه .. مالك حصل أيه!!

هدرت والدته تصيح بغضب:-
– البلطجية إللي جبتها في بيتنا يا جبريل، اتجوزتها من غير رضايا وسيطرت على عقلك وعمت عيونك وجبتها بيتي غصب عني وقولت ماشي، لكن يوصل الأمر إن قليلة الأدب دي تهزقني وسط بيتي وتتهجم على بنتي وعايزه تمارس عليها بلطجيتها فلا وألف لا يا جبريل..
بنت البشوات اتهجمت على أختك ودا كله علشان بقولها تطلع وتشتغل معانا ما إحنا مش هنشتغل لها خدامة..

تحكم جبريل في عصبيته وقبض على كفيه وردد بجمود:-
– قطوف عملت كدا يا أمي .. اتهجمت عليكم يعني..!!

صاحت بغضب هادر وهي تتذكر موقف قطوف القوي أمامها فهي كانت تحسبها أنها ستخنع لها:-
– على أخر الزمن هتكدب أمك .. للدرجة دي بقيت مهووس بيها … دي بت بجحة وقليلة الأدب لأنها لو اتربت مكانتش ردت عليا واتجهمت على بنتي وهددتنا…
فوق يا جبريل من زمان وأنا أقولك البت دي…..

صاح جبريل يقطع حديثها قبل أن تُكمل:-
– خلاص بقاا يا أمي مفيش داعي لكلامك ده، وأنا قولتلك مليون مرة بلاش تفتحي في السيرة دي..

ضربت على فخذيها بقوة وأردفت بتحسر:-
– يا حسرتي فيك يا جبريل .. ابني ومش ابني، بقيت واحد تاني منعرفش عنك حاجة
عايش في دنيا تانية …اتغيرت يا جبريل أنا معدتش أعرفك فعلًا..

وانصرفت تسحب ابنتها قائلة:-
– وخد في علمك لو ما أخدتش حقنا من البلطجية دي مش هيحصل طيب..

اتجه نحو الغرفة وجاء يفتحها لكن لدهشته وجدها مغلقة من الداخل، طرق بخفة يقول:-
– افتحي الباب يا قطوف..

كانت تتمدد فوق الأريكة باسترخاء وتضع منامة العين فوق أعينها، رفعت صوتها وقالت بسخرية:-
– لو فاكر إنك ممكن تقعد معايا في أوضة واحده أو تنام جوا الأوضة تبقى نجوم السما أقربلك، روح شوفلك أي مكان تنام فيه …ولا أقولك روح نام في حضن مامي..

احتقن وجهه بغضب وضرب الباب بشدة فلم تُحرك هي ساكنًا وظلت هادئة..
قال جبريل من خلف الباب وهو يمسح على وجهه محاولًا الهدوء:-
– افتحي بالذوق يا قطوف ومتخليش شياطين غضبي تطلع عليكِ أكتر من كدا، قومي افتحي لأن لو دخلت الأوضة بطريقتي مش هيحصل طيب..

رددت ببرود ومازال على حالتها:-
– أعمل إللي تقدر عليه أنا مش بخاف ولا بتهدد..

– ماشي يا قطوف …أنتِ فعلًا عايزه تتروضي ودا هيبقى على إيدي إن شاء الله..

واختفى صوته لتبتسم قطوف بانتصار وهمست براحة:-
– مش هتقدر عليا أبدًا يا جبريل وهخليك تندم على اليوم إللي اتجوزتني فيه..

ومرّ بعض الوقت ومازالت هي على حالها تتمدد باسترخاء إلا أن الدماء تجمدت بداخلها وهي تشعر بأنفاس حارة تضرب بشرتها…
وصوت كالفحيح بجانب أذنها:-
– كنتِ بتقولي أيه يا زيتونة…

انتفضت من نومتها تقف كالملسوعة وهي تنزع المنامة من فوق أعينها لترى أمامها هذا الماكر ينظر نحوها بخبث..
جاءت تنهره لكنها تفاجأت وهي تراه يتأملها بإعجاب وأعين مليئة بأشياء أخرى قرأتها بوضوح لكنها استنكرتها ورفض عقلها تصديقها..

همس جبريل وامتدت يده ليتحسس خصلاتها العسلية لكنها ضربت يده مسرعة وهي تبتعد للخلف متهيئة للإنقضاض عليه:-
– جميلة يا زيتونة … شعرك متمرد يشبهلك..

انتابها الغرور ورددت ببرود وهي تُرجع غرتها عن أعينها وخصلاتها للخلف وجلست بكبرياء:-
– أنا عارفه والله .. شكرًا على المعلومة، المهم أطلع برا …شوف مكان نام فيه .. دي أوضتي وأنا مش هقعد معاك في مكان واحد..

استعاد ثباته ونفسه المأخوذة بطلتها مهدئًا قلبه الذي ينتفض بجنون مخيف وجاء يستدير نحو الخزانة لكن توسعت أعينه وهو يرى جميع أشياءه وملابسه متكومة فوق الفراش..
لم يصدق ما يراه واستدار ينظر لقطوف متسائلًا بأعين ضيقة:-
– أيه ده!!

أجابته بهدوء:-
– أيه سلامة النظر .. دي هدومك وحاجتك.

– أيوا ومين إللي بهدلها بالمنظر ده..

– أنا طبعًا .. أمال كنت عايزيني أحط هدومي وحاجتي فين..

مازال يُحدثها بهدوء يسبق العاصفة وأكمل:-
– أيوا .. وفيها أيه لو هدومك رصتيها جمب هدومي .. الدلاب كبير..

أردفت بنفاذ صبر:-
– أنا قولتلك دي أوضتي لواحدي، وقولت أخرجلك كل حاجتك علشان تنقلها لمكانك الجديد..

سار نحو الأريكة وصدمها عندما جلس بجانبها ووضع قدمًا فوق الأخرى مريحًا ظهره باسترخاء وقال بهدوء:-
– طب يلا يا حبيبي قومي رجعي حاجة جوزك مكانها تاني وكدا غلط متتعملش تاني يا روحي..

ابتسمت قطوف بسخرية ونظرت له ثم استعملت نفس طريقته وهدوءه في الحديث:-
– جوزي بيحلم حلم مستحيل..

ردد بهدوء:-
– في مستحيل بيتحقق يا زيتونة..

وأكمل بنبرة ذات مغزى:-
– افتكري كدا كام مستحيل اتحقق..

واقترب أكثر منها ثم تحسس موضع قلبها بخفة وقال ما ألجمها:-
– وهو في مستحيل بعد حُبي إللي مالي قلبك يا قطوف من الجنة..

#مُقيدة_بأصفاد_مخملية.
#سارة_نيل.

«مُقيدة بأصفاد مخملية»
<الفصل السابع> -٧-

توسعت أعين قطوف الكهرمانية تنظر لوجه جبريل المرتسم فوقه هدوء مُريب واثق، نظرتها القوية المندثر خلفها العديد والعديد من موجات الإضطرابات التي تخوضها مع ذاتها ولا يعلم أحد عنها شيء.
وتلك الجُملة التي لفظها جبريل تتكرر حول عقلها..
– “وهو في مستحيل بعد حُبي إللي مالي قلبك يا قطوف من الجنة..”

أخفت بجدارة الهلع الذي ينسج على الوجه سحابة قاتمة اللون، وأخذت في الضحك حتى اتضحت نواجذها، حركت رأسها بمعنى لا فائدة قبل أن ترفع غرتها عن أعينها، وتسير باتجاه جبريل حتى توقفت أمامه مباشرةً وأعينها تشعّ قوة وكبرياء، ثم هتفت وهي ترمقه بشراسة من بين شفتيها المذمومة:-
– عشم إبليس في الجنة يا جبريل باشا، نجوم السما أقربلك وأفضل أحلم كدا كتير بس خليني أنبهك، إن حلمك مستحيل وفي مستحيلات مش بتحصل وبتفضل دايمًا مستحيل مهما عملت.

الهدوء المرتسم على وجهه والذي لم يُعكر صفوه كلماتها، قابلها ببرود ثلجي يُناقض أعصابها المشتعلة بنيران كاوية..

أعطته ظهرها وظلت تتنفس بعمق وصدرها يعلو ويهبط بينما تقبض على كفيها بشدة حتى أصبحت ترتعش وابيضت مفاصلها، همست بداخلها تُهدأ من اشتعالها:-
– إهدي يا قطوف .. إهدي .. هو بيستفزك وأنتِ أقوى من كدا .. خليكِ باردة .. باردة واتصرفي بلامبالاة..

التفتت له وهي تنظر بثقة وبرود بعد أن كظمت أزيزًا في داخلها، بينما جبريل مازال على حالته ينظر لها بإبتسامة هادئة وأعينه تُعلن عن نظرات غامضة ترتشفها..
تحرك أمام طاولة الزينة وانتقلت أنظاره تتأمل أشياءها المتراصة فوقها، مدّ يده يحمل عطرها تحت نظرات قطوف المستشاطة والتي اعتقدت أنه سيُلقيها محطمها لكنه حطم إعتقادها وألقها فوق قمم الصدمة حين رفعها أمام أنفه يستنشقها بعمق مغمضًا عينيه وكأنه يتنفس الحياة..

تقاذف وجيب قلبها من خلف أضلعها مرتجفًا لكنها استفاقت من حالتها حين سمعت تنهيدته الثقيلة وهو يُردد بهدوء:-
– مش بقول قطوف من الجنة، حتى عطرك متمرد زيك، بس طبعًا دا هنا وبس ممنوع برا، وعارف إنك مش بتتعطري وأنتِ خارجة بس أنا بس بفكرك..

نجح بجعل نيران الغضب تندلع بداخلها من هذا أسلوب الأمر الذي يستخدمه في الحديث متعمدًا والذي تبغضه بشدة لكنها نجحت للمرة الثانية في الحفاظ على هدوءها، ورفعت رأسها تنظر له مبتسمة إبتسامة ساخرة.

أخذ جبريل يُزيل ساعة يده قائلًا دون أن ينظر لها:-
– طب يا زيتونتي رجعي يلا هدومي في الدولاب وحاجتي لمكانها علشان أنا تعبان يا عمري وعايز أنام وبكرا نكمل كلام.

سارت نحوه واستندت بكتفها على الحائط بجانب طاولة الزينة عاقدة ذراعيها فوق صدرها وقالت بهدوء وهي تُحرك رأسها لإبعاد خصلاتها المتساقطة ومُكللة وجهها:-
– لا يا باباي أنت هتاخدهم وهتخرج برا، معلش هتشوف أي مكان تقعد فيه الفترة دي وتنام فيه، أو ممكن تسيبني أرجع بيتي وأهو تكون نلت الشرف واسمك ارتبط باسم قطوف الهواري لمدة يوم .. دا هيفيدك كتير .. مش تبقى طماع بقاا..

صدحت ضحكاته تملأ الغرفة تحت عجبها وثباتها، سار نحو كومة ملابسه الموضوعة فوق الفراش ثم انحنى يأخذ ملابس مريحة، واستدار مقتربًا منها وهي ترميه بنظرات ملتهبة ناقمة، وانحنى يهمس أمام وجهها بنبرة خافتة:-
– هو أنا مقولتلكيش ولا أيه يا زيتونة…!
لا .. لا الغلط عندي المرة دي..
أنا طمــــــــــــــــاع جدًا يا زيتونة..
وعندك بقاا الطمع مش بيبقى ليه حدود!!
طمع جبريل رُستم في قطوف بنت الهواري هتتفاجئ منه .. هيتخطى كل الحدود وهيكسر كل الأرقام القياسية..

ونظر نحو أشياءه وملابسه المتكومة فوق الفراش ثم أعاد النظر إليها وأردف بهدوء:-
– يلا يا قطوفي على ما أخد دوش تكوني رجعتي كل حاجة مكانها علشان ننام يا زيتونة..

وتركها متجهًا نحو المرحاض واختفى خلفه، ابتلعت ريقها الجاف من شدة غضبها، طرقت فوق سطح طاولة الزينة بغضب وخرجت منها صرخة مكتومة هادرة:-
– بارد … مستفز .. ومجرم ومتسغل..
بس دا مش عليا .. مش عليا يا جبريل رُستم، أنت مش قد قطوف .. استحمل بقاا إللي هتشوفه مني..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

شارد الذهن بينما يستند بظهره على مسند الفراش، أتت بجانبه زوجته عبير وهي تعلم ما يُفكر به، ربتت فوق ذراعه قائلة تطمئنه:-
– كل حاجة هتبقى تمام وهتعدي الفترة دي يا شريف، متفكرش كتير.

تنهد تنهيدة ممدودة بعنق واعتدل قائلًا:-
– لازم أفكر يا عبير عالطول، بناتي دايمًا في خطر وليا أعداء .. قطوف إللي أضطريت أجوزها لواحد لا أنا راضيه لها ولا هي راضيه بيه، دلوقتي هتعيش الفترة دي إزاي في مكان بعيد عننا وغريب عنها..
بس دا يفضل أهون عليا من إن أجوزها لحيدر الجندي وأدخلها وكر المجرمين دول..
أنا عملت كدا علشان أنقذها منهم..
متعرفيش الصدمة إللي اتصدمتها وحامد الجندي بيطلب إيد قطوف لحفيده حيدر علشان بيبقى في علاقة نسب والعداوة دي تقف..
بس إللي صدمني أكتر، أيه عرف جبريل بإللي هيحصل … ومين هو جبريل … جبريل رُستم مش زي ما ظاهر أبدًا … وراه كتير أوي يا عبير.

فكرت قليلًا وشردت في الغضب والتمرد الذي رأته على وجه ابنتها قطوف، ثم أردفت قائلة:-
– بس خلينا متفقين يا شريف .. إن جبريل راجل ومفيش زيه .. مش هيسمح أبدًا بأي أذى لقطوف، متنساش مواقفه معاك وإزاي وجوده فرق معاك جدًا في حاجات كتيرة..
ممكن ميكونش استغلالي وإن اتجوز قطوف لمصلحته من اسم شريف الهواري، ممكن يكون في أسباب تانية!!
بس الأكيد إن هو وراه حاجة، بس لازم تطمن قلبك إن مش هيإذي قطوف أبدًا ولا هيسمح لحد يإذيها أنا واثقة من كدا..
وبعدين شخصية قطوف أنت عارفها كويس، مش بتسمح لحد يجي عليها ولا بتسكت على حقها، بنتي قوية وأنا واثقة فيها..

مار بأعينه الرفض وقال بغضب:-
– مهما كان هو وأنا واثق إن مفيش أي أذى هيمس قطوف وهي معاه، بس هو لا يستحقها ولا يليق بقطوف الهواري وبمجرد ما ينتهي كل شيء هطلقها منه والسيف على رقبته .. أنا جاي على نفسي كتير علشان الجوازة دي..
ومسيري أعرف أيه ورا جبريل رُستم..
كنت مضطر أقول ساعتها لحامد بعد ما انصدمت من طلبه .. إن قطوف مكتوب كتابة على جبريل، والحمد لله قدرنا نقدم تاريخ الجواز لكام شهر فاتوا ونزوره .. ودي كانت فكرة جبريل؛ لأنه قالي إن حامد الجندي هيبحث عن تاريخ كتب الكتاب علشان يعرف صحة كلامي، هل فعلًا قطوف متجوزه من كام شهر ولا هو أنا قولت كدا وجوزتها بس علشان أحميها منهم..
وفعلًا كان تفكيره مظبوط وحامد بحث في تاريخ الجواز..

رددت عبير بحيرة:-
– إزاي جبريل عرف الحاجات دي يا شريف، وأيه علاقته بحامد الجندي، ويعرفهم منين أصلًا.!

تشنجت ملامحه مقطبًا ما بين حاجبيه وغمغم بتحدي:-
– هعرف يا عبير .. صدقيني هعرف وراه أيه..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

خرج من المرحاض وهو يُجفف شعره بهدوء وقد اسقرت الراحة على ملامحه، وقد نظف هذا الجرح الذي بيده والتي كانت السبب به قطوف وقام بلّفه بالضمادات..
نظر بأرجاء الغرفة يبحث عنها بتمهل وهو متشوق لمعرفة ما فعلته لكنه تعجب من أن الغرفة ما زالت على حالتها وملابسه كما هي، لكنها غير متواجدة..

ألقى بالمنشفة وهو يردد من تحت أنفاسه:-
– عنيدة .. ومشاغبة وعارف إنك مش هتهمدي يا زيتونة..

خرج من الغرفة يبحث عنها وهو يتخيل مشاغبتها الجديدة، نادها بصوتٍ خافت لأجل والدته وشقيقته النائمتان:-
– قطوف .. قطوف .. زيتونة أنتِ فين؟!

ظلّ يبحث عنها ليدلف لغرفة الجلوس الخاصة بالضيوف فوجدها تتمدد فوق أحد الأرائك وتتدثر بدثار خفيف..
اقترب منها ليراها مغمضة العينان فانحنى ينزع الغطاء بقوة لتظل على حالتها، وقالت بجمود:-
– أنت عايز مني أيه يا متوحش أنت..

زفر جبريل وقال بنفاذ صبر:-
– مينفعش نومتك دي يا قطوف في ناس غيرنا في البيت .. بطلي عناد واسمعي الكلام..

أردفت بهدوء ومازالت على حالتها:-
– أنت رفضت تخرج برا الأوضة يبقى أنا أخرج..
أنا وأنت مش هنام في أوضة واحدة لأنك بالنسبة ليا شخص غريب ومش بس غريب .. دا أنت انتهازي وليس أهلًا للثقة..

بقوة سحب يدها وقد أثارت حفيظته لتتوسع أعينها تفتحهم فهدر أمام وجهها بتحذير:-
– صابر عليك يا زيتونة ومتحمل وبقول معلش معذوره بس أوعي تفهمي هدوئي غلط يا حلوة علشان أنتِ متعرفيش لسه وجوه كتير لجبريل إللي مش أهل للثقة..

لوهلة أضاء عقل قطوف مشهد الأسلحة التي رأتها مخبأة بغرفته فتوجس داخلها، فهي حقًا لا تعلم حقيقة جبريل .. فهو شخص مجهول بالنسبة لها، ومع ذلك لم ينجلي هذا التوجس خارجها وظلت محتفظة به بقلبها..
أصرت على موقفها وهي تنزع يدها منه بقوة قائلة بتحدي بصوتٍ مرتفع:-
– ما أنا عارفة وواثقة إن وراك بلاوي، أوعى تفكر إن ممكن أخاف منك .. في أحلامك..
أعلى ما في خيلك أركبه أنا ميهمنيش حد..
ويلا أخرج برا عايزه أنام وإياك تمسك إيدي كدا تاني..

نظر لها بأعين ضيقة ثم فجأة انحنى يسحبها ثم حملها فوق كتفه فتدلت خصلاتها لأسفل وظلت ترفرف بأقدامها بتمرد وهي تصرخ بينما تضربه على ظهره بقبضتها بقوة:-
– نزلني يا متوحش … أنت عايز مني أيه .. أنا مش هفضل معاك في أوضة واحده..
بقولك نزلتي..

وعلى إثر صوتها المرتفع خرجت والدة جبريل وشقيقته من غرفهم مفزوعين لتقع أعينهم على جبريل متجهًا لغرفته وهو يحمل قطوف التي تحارب بقوة..
صاحت بغضب وهي ترمق قطوف بكُره:-
– والله عال يا جبريل .. أيه المنظر ده، هي بنت الذوات متعلمتش إن إللي بتعمله ده عيب..
حتى النوم مش هنعرف ننامه ولا أيه والبت دي بتصرخ ليه كدا .. وأنت شايلها ليه يا ابني دي تكسر ضهرك اهبدها على الأرض..
بلطجية وقليلة الأدب فعلًا..

استشاطت قطوف غضبًا وجاءت تتحدث لكن سبقها جبريل الذي قال بحسم:-
– يا أمي أنتِ إللي عيب الكلام إللي بتقوليه ده، متنسيش إن إللي بتقولي عليها بلطجية وقليلة الأدب دي تبقى مراتي، وكرامتها من كرامتي..
مينفعش الأسلوب ده يا أمي علشان الحياة تعدي وميبقاش في مشاكل..
ادخلي نامي يا أمي تصبحي على خير ومش هتسمعي صوتي لا أنا ولا مراتي..

ودلف نحو الغرفة تاركها تقف مدهوشة وهي تردد بغضب وتوعد:-
– لحست عقلك يا جبريل، بس مكونش ثريا لو ما علمتها الأدب وطردتها من البيت ده..

داخل غرفة جبريل وقطوف، وضعها أرضًا وغمغم وهو يكبح غضبه:-
– عجبك إللي حصل ده، أنتِ ليه مصره على عنادك ده..

وأحكم إغلاق الغرفة واتجه نحو الفراش يُزيل الملابس وما فوقه بغضب فوق أرضية الغرفة واتجه نحو قطوف التي تقف تحرك أقدامها بغضب..
وقف أمامها لتضرب صدره وهي تهدر:-
– أنت إزاي تتجرأ وتشيلني كدا، أنا قولتلك مش هفضل في الأوضة دي طول ما أنت فيها..

انحنى يحملها مرةً أخرى ثم ألقاها فوق الفراش ووضع الغطاء فوقها، جاءت تعتدل لكنه سبقها بتقيد جسدها وهمس من بين أسنانه بنبرة مرعبة:-
– أقسملك بالله يا قطوف لو ما نمتي زي الناس هنيمك مع الخرفان بتوعنا وتبقى أنتِ المعزة إللي تونسيهم..

يعلم مقدار خوفها من الخرفان ورغم أنها لم تظهر توجسها إلا أنها استكانت على الفور، واستدارت للجهة الأخرى تستعد للنوم دون حديث..

زفر بنفاذ صبر وتركها بينما يمسح على شعره الغير مرتب الأشعث..
لفت أنظاره الحقائب الورقية التي أتى بها والتي نسى أمرها..
جذبهم ثم اتجه نحو الفراش لينظر نحو قطوف التي تُدير ظهرها له وتغمض أعينها..

ربت على كتفها قائلًا بهدوء:-
– زيتونة .. قطوف .. أنتِ لحقتي تنامي..

ما زالت على وضعها لم تُجيبه، قال بتعجب:-
– معقول .. لحقت تنام.

جلس خلفها بينما انطلقت أعينه تتأمل ملامحها الهادئة ووجهها المنحوت، الهدوء الذي ينافي حالة الإعصار التي تكون عليها وهي مستيقظة.
دون أن يشعر تحركت أنامله نحو وجهها يزيل خصلاتها المتساقطة عليه بهدوء وأعينه المشتعلة بمشاعر شتى متعلقة بها لم تهبط من هذا الصرح..
خانته أصابعه وسارت على جانب وجهها، وانحنى يشتم عبق خصلاتها قبل أن يطبع قُبلة حانية فوقهم..
وإلى هذا الحدّ لم تستطع قطوف الإستمرار في تصنع النوم بعد أن هاجمها هذا الطوفان العاتٍ وجمدت الصدمة داخلها..
اعتدلت بفزع بوجه متخضب وسارعت تقول بغضب وقلبها يرتجف بجنون:-
– عايز أيه..

سارع جبريل يبتعد كابحًا مشاعره ثم قدم لها أحد الأكياس الورقية وقال بلامبالاة مصطنعة:-
– أنتِ نستيني بسبب تصرفاتك، دا أكل أنا جايبه من برا .. عارف أكيد مأكلتيش النهاردة..

ووضع الحقيبة الأخرى تحت تعجبها وقال:-
– ودي فيها حجاب من إللي كنت بقولك عليه، حجاب طويل .. معدتش عايز أشوفك لابسه حجاب قصير كدا .. دا هيبقى جميل عليكِ وأنا جبتلك منه ألوان كتيرة يا زيتونة..

اتقد الغضب مرةً أخرى بأعينها وهدرت بحِدة:-
– من غير ما أنت تقول أنا هلبسه..
وبالنسبة للي أنت جبتهم أنا مش هلبس منهم حاجة ولا هقبلهم؛ لأن مش عايزه منك حاجة، أنا هجيب لنفسي..
وأنا مش جعانة شكرًا جدًا لكرمك تقدر تاكل أنت الأكل ده..

وتمددت تعطي له ظهرها وقالت وهي تغمض أعينها:-
– ولو سمحت أطفى النور أنا عايزه أنام..

قبض كفيه بشدة يكبح زمام غضبه من هذا العِناد الذي تحاربه به..
تنفس بعمق وأردف بهدوء ولين:-
– قطوف الأكل ملهوش علاقة بعنادك، أنتِ مأكلتيش حاجة النهاردة، متناميش جعانة.

قالت بإختصار ومازلت على حالتها:-
– وأنا قولتلك أنا مش جعانة يا جبريل، أكل غصب يعني..

أكمل بذات اللين وهو لا يريد نومها بدون طعام:-
– تعرفي أنا جايب الأكل إللي بتحبيه، شاورما..

كان النوم يداعب جفونها وحطم عنادها فهمست بنبرة خافته متقطعة من أثر النوم الذي هجم عليها بعد يوم شاق:-
– جبريل .. أنا .. بنام .. مش جعانة .. أنا بس عايزه أنام .. الصبح…

وغلبها النوم وسرق باقي كلماتها، ابتسم جبريل بحنان ووضع الأكياس جانبًا، تلمس شعرها برِفق وهمس وهو يضع قبلة فوق رأسها:-
– نامي يا قطوف … نامي يا عنيدة..

واستقام ثم أغلق الإضاءة وترك إضاءة خافتة وبسط سجادة الصلاة وأخذ يؤدي فرضه السادس الذي اعتاده لسنوات، ركعتي قيام الليل..

أتاها وهي بين غيبوبة النوم صوت ضئيل، فتحت أعينها بصعوبة ورفعت رأسها لتشاهده وهو يصلي وغلبها النعاس مرةً أخرى لكن تلك المرة بطمأنينة بعدما رأته يصلي ….فالآن الدارُ أمان..

وبعد منتصف الليل بكثير وحين اشتدت الظلمة كان جبريل قد سقط في نومٍ عميق فوق الأريكة الواسعة التي تقابل الفراش النائمة عليه قطوف..
وفجأة تصلبت أطرافه وتجمد داخله وفُزع وسط الظلام وقد احتله خوف وصدمة كبيرة..

«مُقيدة بأصفاد مخملية»
<الفصل الثامن> -٨-

– لا سيبوهم .. سيبوهم .. ابعدوا عنهم .. ابعدوا عنهم … لااااااا..

كانت صرخات قطوف المفجوعة التي فزعت جبريل من نومته وجعلته يقف كالملسوع..
اقترب منها بلهفة وهي تتلوى فوق الفراش وتصرخ بعذابٍ واصب وكأن وحشًا جسيم يطاردها..

حاول جبريل السيطرة على جسدها المنتفض ويمسح على وجهها المتصبب بعرق بارد، والملطخ بدموعها الحارة..

عمل على إفاقتها وهو يهمس لها بهدوء وحنان:-
– قطوف .. إهدي .. دا كابوس .. مجرد كابوس، يلا فتحي عيونك أنا هنا..

انخفضت تمتمتها الممزقة ودموعها مازالت تهبط على ملامحها الملتاعة:-
– سيبوهم .. ليه عملتوا فيهم كدا .. ليه خدتوهم مني.

انغمست تلك الكلمات بأُذن جبريل متعجبًا منها، فما الذي من الممكن أن يكون حدث لفتاة كقطوف يُسبب لها تلك الكوابيس المُريعة..

أخذ جبريل يكرر دون توقف وهو يسحبها نحوه ويمسح على وجهها:-
– خلاص يا قطوف .. أنا هنا .. أنا هنا .. أنا جبريل.

أتى صوته من وسط ظلماتٍ بعضها فوق بعض ليسحبها من تلك الظُلمة تدريجيًا حتى توسعت أعينها شاهقة وصدرها يعلو ويهبط بجنون، بينما أنفاسها برِحت صدرها تجاهد لإخراجها لكن لا فائدة.!
التفتت من حولها بينما جبريل مازال يحتويها بين أحضانه بحنان ويربت على ظهرها برِفق، تسائلت بصوتٍ هامس وأنفاسها مسلوبة:-
– أنا فين … أيه إللي حصل!

قبل رأسها بحنان وردد وهو يلحظ شحوب وجهها:-
– أنتِ هنا معايا يا قطوف، إهدي وخدي نفسك..

التفتت لترى وجه جبريل القريب منها وتسارعت الأحداث الأخيرة تتوافد لعقلها فانتفضت مبتعده تتلوى بين يديه وهي تُزيح جبريل بعيدًا تدفعه بقوة…
استقامت تقف بجانب الفراش وأغمضت أعينها تستعيد ثباتها وتوازنها وأخذت تتنفس بعمق..

وقف جبريل خلفها وتسائل بتعجب:-
– أنتِ كويسة يا قطوف، مين هما إللي كنتِ بتصرخي عليهم!

التفتت له وقالت بحدة:-
– مفيش حد .. دا مجرد كابوس علشان المكان جديد عليا مش أكتر، أنا الحمد لله كويسة..
هخرج برا في الهوا شوية..

ولم ترتقب رده وسحبت حجاب فوق رأسها وخرجت وكأنها تهرب من وحشٍ مخيف..

انتاب جبريل الشك فيما حدث ولم يستطع تصديق حديثها هذا..
خرج خلفها ليجدها تقف في فناء المنزل أسفل شجرة الزينة وتنظر للسماء بشرود وأعين كانت بالنسبة لجبريل مليئة بالأسرار..
اقترب منها وهو يستمع لتنهيداتها المتواصلها..
فردد يقول بمزاح:-
– أهو كدا يا زيتونة إللي مش بيسمع كلام باباي الكوابيس بتطارده طول الليل..

لم تلتفت له وقالت بتحدي وهي مازالت على حالتها:-
– يبقى كدا الكوابيس هتطاردني كل ليلة.

بكل مرة يتحدثون بها ينشب بينهم عراك عنيف، لم يجادلها جبريل واحتفظ بنكهة المزاح في حديثه قائلًا:-
– يعني دا إعلان صريح من زيتونة إنها هتشنّ الحرب على جبريل ومش هتستسلم..

التفتت له ترميه بنظرات قوية متحدية تليق بأعينها الكهرمانية الحادة وتعمدت أن تدنو بوجهها من وجهه وهي تقف على أطراف أصابعها لِجبر فرق الطول بينهم، ورفعت قبضتها تلكزه في صدره بقوة هامسة بنبرة متشرسة:-
– ما يليق بقطوف الإستسلام أبدًا يا ابن رُستم يا فتوة، القوة .. الصمود .. التحدي هما إللي بيناسبوا قطوف الهواري وبس…
وافتكر إن الجوازة دي نتيجة لوي دراع وبس، وطمع واستغلال منك .. ودي في قانون الرجولة حقارة ومش عايزه أكمل بقاا أنت أكيد عارف..

يُحسد على ثباته والبرود الذي انجلى على ملامحه، انقشع فمه عن إبتسامة مخيفة ثم قبض بقوة على ذراع قطوف يجتذبها نحوه وأغمض أعينه يحاول الهدوء كي لا تنفلت أعصابه ثم دمدم بحنق:-
– أنتِ بتختبري صبري صح يا زيتونة .. متقلقيش أنا صابر بس الحساب يجمع … المرة الجايه لو لسانك الموس ده طول تاني مش هتردد لحظة إن أخليكِ تقضي يوم بليلته مع الخرفان إللي بتعزيهم..

نفضت ذراعها بقوة من يده وتركته وهي ترميه بغضب وتدلف للداخل قائلة بتحدي:-
– اتكلم على قدك يا باباي…

وكأنها تعمدت ذكر اسم “باباي” لتذكره كم مرة أنقذها من المخاطر، وكم المرات التي تعرضت روحه للهلاك لأجلها…
وإن تناسيت فدع جروحك المستوطنة بجسدك تخبرك جبريل وتروي لك عن بطولات باباي بإنقاذ زيتونته…

بينما قطوف وهي بطريقها للولوج للمنزل لاحظت بالشرفة التي تؤدي لباب المنزل العديد من أواني الزرع..
اقتربت منهم مضيقة أعينها وهي عاقدة جبينها بدهشة..
وردها المفضل!!
الكثير منه!
كيف هذا؟!

وضعت أناملها تتحسس الورود برقة وانحنت تشتمهم مغمضة الأعين بعمق لتنمو إبتسامة صافية فوق شفتيها، إبتسامة نادرة اجتبت بها جبريل دون غيره..

جبريل الذي تصنم وعقله يسارع في تسجيل تلك الإبتسامة الجميلة التي جعلته ينظر لها كالمشدود..
لهذا لا تبتسم كثيرًا وإلا ماذا عساه أن يصنع أمام هذا الهجوم الغاشم؟!
مبتسمة فشعّت الأنوار بجنبات قلب أحدهم..
مبتسمة فارتجفت الكلمات عاجزة عن الوصف..

كانت أعين جبريل ترصد كل إيماءه، كل حركة، وكل تشديد على جفونها، كل حركاتها وسكناتها.
رفعت رأسها تُحركه مبعدة غرتها المتمردة التي سقطت فوق أعينها تلتفت نحو جبريل الذي كانت نظراته لها إغارة قوية وبدأ حسّ تُنكره وتناضل لعدم بوح جوارحها به يُدغدغ نفسها…

اقترب جبريل بعدما انحلّ إلتصاق أقدامه بالأرض، فنظرت له قطوف متسائلة بتعجب وهي تُشير للورد:-
– مين زرع الورد ده.؟!.

حرك كتفيه لأعلى وقال بتلقائية:-
– أنا .. ليه..!

زاد تعجبها ورددت بعدم تصديق:-
– أنت بجد.!!

– أيوا .. أيه الغريب في كدا.!

رمته بطرفٍ خفي قائلة:-
– أعرف عالطول إن البنات إللي بتحب الورد وبتحب تزرع عمومًا .. أول مرة أشوف راجل بيزرع ورد.. وليه الورد دا بالذات..؟

شوقي إليكِ جعلني أزرع ما تُحب أناملك تلمسه قطوفي، لأشعر بكِ حول عالمي..

أجابها جبريل بهدوء متسائلًا بسؤال حوّل به مجرى الحوار لمنحدرٍ أخر:-
– وهو أنتِ تعرفي إللي بتحبه الرجاله منين؟!

قلبت أعينها وجاءت تستدير وترحل مُردفة:-
– أنا أصلًا غلطانة إن سألت، بسحب سؤالي..

سحبها من ذراعها فخفق قلبها بشدة وهي تسمعه يقول وهو ينظر داخل أعينها:-
– أنا بحب الورد .. وبحب أزرعه .. وبحب الورد ده بالذات .. بحب أشمه وألمسه..
أيه المشكلة عندك في الورد ده..

يُنكر أنه يعلم أن هذا وردها المفضل، نظرت له وحاجبيها ارتفا لأعلى..
أحقًا لم ترى هذه الورود تملأ حديقة منزلنا؟!
أحقًا لم تشاهدني أتلمسهم وأتحدث إليهم؟!

تصنعت اللامبالاة وقالت وهي تسحب ذراعها:-
– لا عادي .. من حق أي حد يحب الورد..

وتركته خلفها وولجت للداخل فهمس جبريل بغضب من بين أسنانه بملامح مكفهرة:-
– لا يا زيتونة .. مش من حق أي حد يحب الورد بتاعي .. ألا أنا وبس..

بينما بداخل الغرفة وقفت قطوف وسط الضوء الطفيف ثم مسحت على وجهها واضعة كفها فوق موضع قلبها وهي تهمس بداخلها:-
– إهدي يا قطوف .. روقي .. مش وقت الكوابيس دي خالص..

ثم امتدت يدها تجذب حقيبتها وأخرجت أحد العُلب الصغيرة ثم ابتلعت منها حبة دواء صغيرة ودستها مرةً أخرى وذهبت تتمد فوق الفراش وأخذت تردد أذكار النوم وتهمس بداخلها:-
– يارب .. يارب أنت كنت معايا خطوة بخطوة، أبعد عني الكوابيس دي .. يارب كون معايا..

وأكملت تُحدث نفسها بإصرار:-
– مش هتفضلي دايمًا الأصفاد دي حواليكِ يا قطوف حتى وإن كانت أصفاد ناعمة..
مش هتفضلي دايمًا مقيدة..
مش هتخرجي من قيود شريف الهواري لقيود جبريل رُستم..
مش هخضع أبدًا للأصفاد دي..

كانت أخر جملة همستها بقوة داخلها قبل أن يسلبها النوم إدراكها وتذهب بنومٍ عميق…

☆★☆★☆★☆★☆★☆

في الصباح الباكر كان جبريل يجلس أمام مكتب شريف الهواري يرتشف قهوته بتلذذ مستمتعًا بمذاقها وهو يرتقب وصله..

اقتحم شريف الواجم الوجه الغرفة لتقع أعينه على هذا المتبجح الذي يجلس باسترخاء واضعًا قدمًا فوق الأخرى ويرتشف القهوة بطريقة بعثت بقلبه النيران…

صاح وهو يطرق فوق المكتب بغضب:-
– أنت أيه جايبك يا حقير هو أنا طلبتك…

لم تتغير ملامح جبريل الثابتة ووضع الفنجان فوق المنضدة الصغيرة التي أمامه، وردد بإبتسامة مستفزة:-
– حمايا الغالي .. والله كلك ذوق المفروض فعلًا مكونتش أجي النهاردة .. ما النهاردة الصباحية بقاا، ربنا ما يحرمني من كرمك يا غالي..
بس خد في بالك القهوة دي مش زي إللي بتعملها زيتونة بردوه..

مار الغضب يملئ عروق جبريل وسارع يدور حول المكتب جاذبًا جبريل من ياقته وصاح بغضب:-
– أيه حمايا دي يلا .. هو أنت صدقت نفسك ولا أيه…
التزم حدودك يا جبريل .. أنا بالنسبة ليك شريف باشا وأوعى تتعدى الحدود دي…
وبطل تلميحاتك دي علشان مش هرحمك يا جبريل…

رفع جبريل يديه وأزال قبضتي شريف وعاد للجلوس قائلًا بهدوء:-
– سواء رفضت أو قبلت يا حمايا، فأنا أبقى جوز بنتك ودا الواقع…
ومن فضلك ممكن تقعد وتهدى لأن في حاجة مهمة جدًا عايز أقولهالك ولا أنت عايز تفضل تتخانق..

دار شريف حول المكتب يجلس فوق مقعده وهو يرميه بنظرات غاضبه ضاربًا على سطح المكتب وهو يقول:-
– إذا كان عليا فأنا مش عايز أشوف وشك..
عايز أيه قول إللي عندك..

تحولت ملامح جبريل للجدية وأردف:-
– الكلام إللي هقوله سري جدًا يا شريف باشا، ممكن أنت متقبلهوش بس بأكدلك إن دي الحقيقة وياريت متسألش عن أي تفاصيل..
عدوك الحقيقي يا شريف باشا مش حامد الجندي وحيدر ابنه..
عدوك الحقيقي وإللي عايز يدمرك ومن الأخر هو إللي بيوصل كل صغير وكبيرة عندك لحامد الجندي، حد من بيتك .. من أفراد أسرتك … خاين من قلب بيتك..
وعلشان أأكدلك .. الأوراق إللي معاك حامد الجندي عايزها .. وهتوصله.. لأن غرض الخاين في بيتك وغرض حامد الجندي واحد..
وهو تدميرك…

انتفض شريف مصعوقًا وانفلت زمام تماسكه وغضبه وصرخ بنبرة ملتهبة:-
– أنت إزاي تتجرأ يا حقير، إزاي تجيك الجرأة تتهم أهل بيتي إللي أشرف منك إتهام زي ده…
أنت مين يلا … أنت مفكر نفسك أيه يا عديم القيمة..

نهض جبريل يقف منتصبًا بكبرياء وقال وهو يضع كفيه بجيبه:-
– أنا حذرتك يا شريف بيه وأنت حر تتقبل أو لأ..
بس هيوصلك صدق كلامي .. زي المرة الأولى كدا..
أنا كدا بلغتك وأنت حر..
وأنا متأكد إنك هترجع ترن عليا تاني..

وخرج جبريل راحلًا تاركًا خلفه حمم من بركانٍ نشط…

☆★☆★☆★☆★☆★☆

فور أن انتهت من ترديد أذكار الصباح وتلاوة وردها كعادتها الصباحية، أخذت ترتدي ملابسها بهدوء المكونة من تنورة واسعة ورداء طويل فوقها وأكملت طلتها بحجابها بلون السماء..

نظرت لملابس جبريل وأشياءه الملقاه أرضًا ورددت بإصرار وعناد:-
– خليهم كدا بردوه مش هطبقهم…

رفعت هاتفها مبتسمة وهي تنقر للإتصال، بعد قليل أتاها صوت شقيقتها فقالت بهدوء:-
– إزيك يا ميرا .. صباح الخير..

أتاها صوت شقيقتها:-
– صباح النور يا قطوف، أنتِ عامله أيه..

رددت قطوف:-
– الحمد لله بخير، أنتِ جمب السلطانة فريال.

– أيوا أنا جمبها كنا بنفطر وأول ما عرفت إن قطوف هي إللي بتتصل وهي بتحاول تخطف مني الموبايل..
هي معاكِ أهي علشان هتضربني..

– قطوف حبيبتي عاملة أيه، وحشتيني يا قطوف هتيجي إمتى..

تبدل حال قطوف تمامًا وكأنها شخص أخر حين تتحدث مع جدتها، وقالت بحنان مبتسمة:-
– أنتِ وحشتني أكتر يا سلطانتي، أنتِ وحشتيني أوي، فطرتي كويس وأخدتي علاجك…

وظلّت على هذا الحال بعض الوقت حتى انتهت المهاتفة وبقت قطوف بمفردها في الغرفة..
سحبت كتاب وانغمست في قراءته بعض الوقت حتى شعرت بأصوات الجوع ترتفع بداخلها فقد قاربت الساعة على الثانية عشر ظهرًا..

زفرت بضيق وعزمت على الخروج والجلوس بالفناء بالخارج، فاستقامت وخرجت غير آبهة بأحد..

وعندما مرت بردهة المنزل كانت أصوات الضحكات تتعالَى..
فور أن رأتها ثريا والدة جبريل ضحكت وهي تقول ببُغض:-
– تعالي يا بنت الذوات … كنت لسه هنادي عليكِ علشان تعملي لبشرى حبيبتي وأمها الست نبيلة عصير وحاجة خفيفة كدا…

وأكملت وهي تقول للفتاة التي تجلس بجانبها وترمي قطوف بنظرات غاضبة:-
– أهي دي بقاا إللي جبريل اتجوزها جوازه فعل خير كدا يا بشرى، مش جواز حقيقي .. عمل خير ومش عارفة أهلها الذوات قبلوا على بنتهم كدا إزاي … الله أعلم فيه أيه، وما خفي كان أعظم وأنتوا عارفين إن جبريل شهم وجدع مش بيقدر يقول لأ لحد محتاجه…
بس زي ما قولتلك يا حبيبتي أنا لسه عند كلمتي، جبريل مش لحد ألا لبشرى وإحنا قرأنا الفاتحة وجبريل عطاكم كلمته يعني أنتِ في حكم خطيبته…

كانت تترقب إنهيار قطوف وبكاءها وثورانها لكنهم تصنموا حين عقدت قطوف ذراعيها فوق صدرها وابتسمت بخفة قائلة بجبين معقود:-
– مسكينة أنتِ يا ست ثريا..

وتركتهم بصدمتهم وخرجت من المنزل وطوفان هائج ثائر بداخلها…
بينما جلس هؤلاء الرباعي وكأن على رؤسهم الطير..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

عصرًا ولج للمنزل بتلهف وهو يسرع بالدخول لغرفته يبحث عنها بأعينه وهو محتفظ بثباته لكنه وقف متعجبًا حين لم يجدها بالغرفة..

دبّ القلق في قلبه لكنه كذّب هذا الشعور وخرج بخطوات عاصفة نحو فناء المنزل يبحث عنها بجنون لكن لا أثر لها…

خفق قلبه رعبًا واسودت ملامح وجهه، وعاد يدلف للمنزل وهو يجأر:-
– أمي … أمي..

خرجت والدته مسرعة من طلته النافرة وعروقه المنتفخة وتسائلت بقلق:-
– جبريل .. مالك في أيه.. صوتك عالي ليه.!

اندفع يتسائل فاقدًا تعقله:-
– فين قطوف .. قطوف مش في البيت..

قلبت أعينها وزفرت بضيق ليصرخ بنفاذ صبر:-
– أمي .. ردي عليا أنتوا عملتوا فيها حاجة .. هي فين..

تأملت لهفته الشديدة وجنونه بتلك الفتاة لتصرخ بغضب:-
– دي بلطجية .. أنت تخاف علينا منها..
معرفش ست الحسن بتاعتك فين وأنا مالي ومالها..
شوف هي طلعت تلف وتدور فين…

ابتلع ريقه بصعوبة وكأن كتلة من الأشواك تحتل حلقه وجف قلبه وهو يتسائل برعب:-
– ليه هي قطوف خرجت؟!

– أيوا الست زفته خرجت..

وبمجرد أن انتهت حتى تجمد جبريل وهو يُردد بأعين متوسعة:-
– هربت.!!!!

#مُقيدة_بأصفاد_مخملية.
#سارة_نيل.

«مُقيدة بأصفاد مخملية»
<الفصل التاسع> -٩-

خرج جبريل من المنزل يبحث عنها بجنون وهو يدور حول نفسه يمسح فوق وجهه وشعره وهو يغمغم برعب:-
– فينك يا قطوف ليه كدا يا عنيدة..
دي فرصة لحيدر الجندي..
أدور عليكِ فين دلوقتي يا قطوف..

توقف قليلًا وهو يتسائل بحيرة:-
– ممكن تكون راحت عند جدتها فريال هانم.!

عاد ينفي والرعب يجثم على قلبه:-
– لا لا .. أنا لسه راجع من هناك..

ضرب السيارة بقدمه وصاح بغضب:-
– ماشي يا قطوف ماشي..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

قبل هذة الأثناء..
خرجت قطوف من المنزل تسير بهدوء وهي تتأمل أرجاء القرية البسيطة والمنازل المتواضعة.
الأطفال المنتشرين في الشارع يركضون وهم يلهون بسعادة..
بعض النساء الذين يتحدثون مع بعضهم البعض من خلال الشُرفات..
البقال وأمامه مجموعة أطفال يتناولون المثلجات..
أجواء هادئة بسيطة خالية من القيود، هنا الجميع منطلق لا يُقيدهم أصفاد كأصفادها.!

تنفست بعمق واقتربت من محلّ البقالة…

– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كان مجموعة من النساء والفتيات يقفون يبتاعون أشياءهم، ظلّوا ينظرون لها بتعجب بينما أجاب صاحب البقالة بطيبة:-
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا يا بنتي نورتي..

قالت فتاة تبدو عليها الطيبة مِمَن كانوا يقفون:-
– أنتِ العروسة الجديدة صح، عروسة جبريل رُستم..؟!

حركت قطوف رأسها ورددت مبتسمة وهي تمدّ كفها:-
– أيوا أنا .. أهلًا بيكِ .. أنا قطوف..

تجاهلت الفتاة يد قطوف واقتربت تحتضنها بودّ قائلة:-
– أنا ميادة .. اسمك جميل أوي يا قطوف..

بادلتها قطوف العناق متنهدة براحة من الطيبة والوجوه المريحة، وبادلتها براحة:-
– أنتِ إللي جميلة يا ميادة، مبسوطة إن اتعرفت عليكِ..

قالت إحدى النساء تهمس للتي بجانبها:-
– ما شاء الله قمر أوي مرات جبريل رُستم وشكلها طيبة ومتواضعة، دا بيقولوا إنها بنت راجل كبير أوي في البلد وغني..
بس شوفتي البنت شكلها طيب مش زي ما الست أم جبريل بتقول عليها..

رددت الأخرى تؤيدها:-
– معروف إن الست ثريا هتعمل كدا يا أم إحسان، هي هتموت وتجوز جبريل لبُشرى بنت الست نبيلة، بس البنت دي شكلها رقيق وطيبة أوي..
ربنا يسعد كل البنات يارب…

سريعًا اندمجت قطوف بالحديث معهم واندهشت من بساطتهم وتقبلهم لها عكس والدة جبريل وشقيقته..
تعرفت قطوف عليهم جميعًا، والتفوا حولها تتحدث معهم بطيبة ورِقة..

– قوليلي يا بنتي طلباتك أيه يا ست البنات..

أجابته قطوف وهي تأخذ الكثير من الأشياء:-
– هختار شوية حاجات كدا يا عمو فتحي..

نظرت إحدى النساء إلى ما تبتاعه قطوف فهمست للتي بجانبها تقول:-
– البنت يا حبة عيني قاعدة تشتري بسكوتات وكيكات ومولتو وكلام من ده، شكلها جعانه ومكلتش يا حبيبتي..
لتكون الست ثريا قافله الأكل عليها .. ما طبيعي ما هي مش عطايها وش أكيد..

قالت الأخرى:-
– ما هي الست أم جبريل قالت إنها بنت دلوعة وجبريل متجوزها معروف لأبوها وهيطلقها تاني..
دي قالت النهاردة كلام صعب أوي، إنها بلطجية وقليلة الأدب..
بس البنت مش شكلها كدا خالص الصراحة..

أخذت قطوف الكثير من الأشياء وأخذت تُعطي الأطفال الذين التفوا من حولها بسعادة فاندهش الجميع وهن يرون أنها تختلف عن تلك الأوصاف التي نعتتها بها والدة جبريل..

ودعتهم قطوف وسارت بصحبة ميادة يتحدثون وهي تُعرفها على قريتهم البسيطة..
حتى انتهى سيرهم لمنزل صغير على أطراف القرية ينتهى بجانب الحقول..
تعجبت قطوف حين رأت فتاة في العاشرة تقريبًا من عمرها تجلس أمام المنزل على أحد الأحجار تبكي بقوة..

قالت قطوف تسأل ميادة:-
– البنوتة دي بتعيط ليه يا ميادة، وفين أهلها.!

نظرت ميادة للفتاة الباكية وقالت بحزن:-
– دي رحيق … يا حبيبتي أبوها وأمها ماتوا من شهر في حادثة، وهما كانوا جايين القرية ومش لهم أي حد..
أهل القرية هنا إللي جاي على قد إللي رايح ومحدش عارف يتكفل بيها..
بس الكل مراعيها وبيعطف عليها..
لكن صاحب البيت جه لما عرف إللي حصل وعايز يفضي البيت، الكل حاول يتفاوض معاه والكل هيجمع من بعضه ويدفعله الإيجار لكن هو رفض وقالوا إن هو هيهد البيت وعايزه..
محدش عارف يعمل أيه مع رحيق، المشكلة إنهم بيقولوا هيودوها دار أيتام..

احترقت أعين قطوف غضبًا من هذا الحديث واندفعت تقول والغيظ يمور بقلبها:-
– أنتوا إزاي كدا .. دا أهلها ماتوا .. ماتوا .. دي وحيدة .. مفيش أي نخوة خالص، إزاي يهون عليكم تسيبوها كدا…
مفيش في قلبكم رحمة…

تعجبت ميادة من ردة فعل قطوف الهجومية وزادت دهشتها حين رأتها تبكي بحرقة فجأة، فقالت مبررة:-
– أهل القرية يدوب مكفين عيالهم تعليم ومصاريف يا قطوف .. والظروف الله أعلم بيها..

بكاء قطوف ليس بالأمر الهيّن، ومن يعرفها أكثر فسيُصدم، فهي لا تبكي أمام أحد، المرات القليلة فقط حينما يغلبها البكاء..

قالت قطوف باندفاع وشراسة أكثر:-
– وربنا .. نسيتوا ربنا .. إيد ربنا هتكون مع إللي هيتكفل بالطفلة دي .. هتكون معاه بتساعده..
دا أنتوا رفضتوا خير كبير أوي..

وهرولت تجاه الطفلة وسحبتها قطوف لأحضانها وهي تمسح على ظهرها بحنان قائلة:-
– متخافيش يا رحيق .. أنا هنا يا حبيبتي متعيطيش يا جميلة …أنا مش هسيبك..
لو الكل سابك أنا مش هسيبك..

وقبلتها قطوف فوق رأسها بحنان فنظرت لها الطفلة بتعجب متسائلة وهي تعقد حاجبياها:-
– أنتِ مين..

مسحت قطوف وجهها وابتسمت تقول بلطف:-
– أنا قطوف .. وأنتِ رحيق صح..

أخفضت الطفلة رأسها بحزن وقالت تحت تعجب قطوف من كم هذا الحزن والعجز المكتظّ به وجه فتاة في العاشرة:-
– أيوا أنا رحيق..
ولو سألتيني بابا وماما فين هقولك هما سابوني وراحوا الجنة، وأنا كنت قاعدة بدعي ربنا إن ياخدني لهم علشان هما عايزين ياخدوني لدار الأيتام لأن عمو صاحب البيت هيطردني منه..
وأنا خايفه ومش عايزه أروح..

انفطر قلب قطوف ولم تستطع كتم شهقاتها وجذبت رحيق تحتضنها علّها تستطيع إمتصاص هذا الحزن والخذلان من داخلها..
رددت قطوف بحنان:-
– متقوليش كدا يا رحيق .. ومتخافيش أنا معاك ومش هسيبك أبدًا .. أيه رأيك نبقى أصحاب..

نظرت الطفلة لميادة الواقفة لتتسائل:-
– هو أنتِ صاحبة ميادة .. طب أنا ليه مش شوفتك قبل كدا..
وأنتِ هتخليهم مش يخدوني دار الأيتام..

ابتسمت قطوف وأجابتها وهي تبث بقلبها الاطمئنان:-
– أيوا أنا صاحبة ميادة..
ومش شوفتيني قبل كدا علشان أنا لسه جديدة هنا .. هقعد هنا فترة وبعدين أرجع بيتي..
أنا مش هخلي حد ياخدك دار الأيتام متخافيش يا رحيق .. أيه رأيك تيجي معايا ونعيش سوا..

صُدمت ميادة من هذا القرار ولكنها التزمت الصمت بينما أكملت قطوف تقول وهي تبث الطمأنينة بقلب الطفلة أكثر:-
– أنا عندي بيت كبير أوي وفيه حديقة وحاجات جميلة هتحبيها..
هنقعد هنا فترة وبعدين نرجع..
هنعيش مع بعض عالطول لأن حبيتك أوي يا رحيق ومش هسمح لأي حد ياخدك … أيه رأيك..

ابتسمت رحيق ونظرت لميادة التي قالت تطمئن قلبها:-
– متخافيش يا رحيق .. قطوف طيبة جدًا..

وهنا أطلقت الطفلة لمشاعرها العنان وألقت جسدها بأحضان قطوف بسعادة فاحتضنتها قطوف بسعادة مماثلة..

استقامت قطوف وهي تنظر لوجه رحيق الذي انبلج النور عليه ثم أردفت بحماس:-
– أيه رأيك نخرج سوا .. نروح الملاهي وناكل في مطعم جميل أوي أنا بحبه..

قفزت رحيق بسعادة بينما جذبتها قطوف تحت دهشة ميادة من موقفها وحنانها فهي حقًا لا تشبه أي صفة مما انتشرت عليها من قِبل السيدة ثريا..

– يلا يا رحيق تغيري هدومك وأجهزك علشان نخرج..

واندفعت معها داخل المنزل ثم جعلتها ترتدي فستان رقيق وأخذت تمشط خصلاتها البنية وتعقدها بشكل مميز وخرجوا منطلقين وهنا تغيرت شخصية قطوف وظهر منها شخصًا أخر..
القوة والتحدي مع من يمسّها .. الرِقة مع الأزهار .. الحنان مع رحيق..

امسكتها ميادة حين رأتها تهم بالخروج من القرية، وتسائلت بحيرة بصوتِ منخفض:-
– أنتِ متأكدة من القرار ده يا قطوف!

حركت رأسها بإيجاب قائلة بقوة:-
– أكتر من أي حاجة في حياتي يا ميادة، ومستحيل أتراجع عنه وأخذل رحيق أبدًا لو على موتي..

أمسكت ميادة يدها وأردفت بفخر:-
– حقيقي أنا سعيدة إن اتعرفت عليكِ يا قطوف، ربنا يجازيكِ خير..
فعلًا الإنسان مينفعش يحكم على حد من مجرد كلام بيسمعه عنه..

واصطحبت قطوف رحيق خارج القرية قاصدة المدينة وهي ترقب شغف رحيق وسعادتها..
وتلبدت أعينها بذكريات مؤلمة فجعلت تطردها سريعًا كي لا تُعكر صفوها..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

كان جبريل مازال مستمر بالبحث داخل القرية يدور بجنون هنا وهناك تحت تذمر والدته ونعتها لقطوف بأبشع الصفات..
كان يستبعد فكرة سيرها داخل القرية وتحدثها إلى أهلها فعزم على العودة والخروج حيث المدينة لكنه توقف حين سمع نداء أحدهم باسمه..

– جبريل … إزيك يا ابني عامل أيه..

تنهد جبريل وأجاب مسرعًا:-
– بخير يا خالتي فوزية .. أنتِ عامله أيه وأخبارك.

رددت تقول بسعادة:-
– أنا بخير يا ابني، كنت عايزه أقولك ألف مبروك يا جبريل على جوازتك يا زين ما اختارت يا حبيبي وعقبال ما نحضر فرحك أنت وقطوف..
عروسة زي القمر أدب وأخلاق..

توسعت أعين جبريل بصدمة ونظر لها بعدم فهم ليتسائل بلهفة:-
– قطوف .. أنتِ عرفاها .. شوفتيها يعني..

قالت المرأة مبتسمة بودّ:-
– أمال .. دي من الصبح وهي معانا، اتعرفنا عليها وحبنيها كلنا دي مش زي ما الست ثريا بتقول عليها خالص..

أسرع جبريل يقول بلهفة شديدة:-
– وهي فين قطوف .. راحة فين..

أجابته وهي سعيدة للهفته الظاهرة:-
– البت ميادة خدتها تفرجها على القرية وبعدين رجعت وقالت إن قطوف أخدت البت رحيق يا حبة عيني .. وخرجت من القرية تفسحها وتأكلها في مطعم .. دا بتقول كمان إن قطوف خلاص اتكفلت برحيق بعد ما عرفت قصتها..

اندفع جبريل يهرول نحو سيارته قائلًا:-
– شكرًا يا خالتي فوزية منحرمش منك..

وركب سيارته منطلقًا فبحكم معرفته بقطوف يعلم جميع الأماكن المفضلة لها..
كما يعلم مطعمها المفضل بالتأكيد سيجدها هناك..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

بعد مرور بعض الوقت حيث كانت تتجه الشمس للغروب وصل جبريل أمام أحد المطاعم الشهيرة والمفضلة لقطوف، مطعم “البوب” الذي يعود ليعقوب بدران..

هبط من السيارة مسرعًا وركض تجاه المطعم يبحث عنها بلهفة ليستطيع التنهد براحة والتنفس حين وجدها جالسة وهي متوسعة الإبتسامة، مشرقة الوجه وتُطعم رحيق بحنان واهتمام..
شرد قليلًا يتأملها بعشق وحنان، هيئة لم يراها عليها من قبل..
إنها تجعل قلبه يجنّ حين تبتسم، وضع كفه فوق موضع قلبه الخافق بشدة، زفر ببطء وهمس:-
– اااه يا قطوف .. يا ويلك مني يا زيتونة..
هتفضلي دايمًا كدا مجرياني وراكِ..

اقترب منهم ثم سحب المقعد وجلس بصمت بعدما تبدلت ملامحه بالغضب..

اندهشت قطوف من وجوده وتسائلت ببرود:-
– أنت عرفت مكاني منين .. وجيت ليه..
أنا عايزه أفضل لواحدي …أهي كدا الخروجه اتعكننت يا رحيق..

انحنى نحوها يجذبها من ذراعها نحوه وهدر من بين أنفاسه:-
– يعني أنا إللي بعكنن عليكِ يا زيتونة..
وإللي عملتيه ده ينفع..
مش قولتلك مفيش خروج ألا بعلمي ومعايا، أنتِ ليه مش بتسمعي الكلام..

سحبت قدمها ثم ضربت قدمه تدهسها بقوة وقالت بتحدي:-
– وأنت مين علشان اسمع كلامك يا باباي..
هخرج وأعمل إللي أنا عيزاه وأنت روح اشرب من المحيط بلاش البحر .. المحيط هناك المايه كتير..

أطبق فوق جفونه بشدة يغمض أعينه بنفاذ صبر، وفتح أعينه ينظر داخل عينيها وقال يُحذرها:-
– مش عايز أوجعك يا قطوف .. مش عايز أجرحك وماسك نفسي بالعافية علشان غضبي وحش أوي..

أردفت تقول باستفزار وقوة:-
– وماسك نفسك ليه يا فتوة، أطلقها واترك لها العنان ما أنا عارفه في بلاوي متخبيه..
وعلى العموم لا عاش ولا كان إللي يجرح قطوف ويوجعها..

عمق النظر داخل أعينها وهمس لها:-
– لا عاش ولا كان يا قطوف من الجنة..
إللي يفكر بس يلمس شعره منك جبريل ينسفه من على وجه الأرض..

اقتحمتها نفحات عشقها الدفين وتفلتت أعينها داخل أعينه بعض اللحظات سرعان ما استجمعت نفسها سريعًا حين جعلتهم رحيق يستفيقون بقولها السعيدة:-
– أنتوا خناقتكم جميلة أوي وبتضحك يا قطوف..

ابتعد جبريل عن قطوف التي دفعته بصدره بحده، واستدار ينظر لرحيق وجذب مقعدها نحوه يُقبل رأسها ويدها بحنان قائلًا:-
– أهلًا بأجمل البنات كلهم .. رحيق الجمال..

احتضنها بحنان ليقول لجبربل:-
– وحشتني كتير يا جبريل .. بقالك كتير مش شوفتني ولا جيبتلي أيس كريم..

قبل جبريل كفها الصغير باعتذار فحقًا بالآونة الأخيرة قد أهملها بسبب الكثير من الضغوط، هو بالكاد كان يتفرغ فكان لا يذهب للقرية من الأساس، حتى أنه لم يكن على دراية بما حدث لها..

– آسف يا رحيق، عندك حق أنا قصرت معاكِ كتير، بس خلاص هتفضلي معانا عالطول..

لفظ بضميرٍ يجمعهم (معانا) وهو ينظر لقطوف نظرة ذات مغزى..

توسعت أعين رحيق وقالت بسعادة:-
– يعني يا قطوف إللي أنتِ متجوزاه هو جبريل..

وسرعان ما انطفأت سعادتها ليتعجب جبريل متسائلًا بقلق وهو يمسح على خدها:-
– مالك يا رحيق أيه زعلك، زعلانة علشان هتبقي معايا..

رفعت كتفيها قائلة باستياء:-
– لأن كنت عايزه أنا إللي أتجوزك يا جبريل..
بس يلا مش مهم …قطوف حلوة بردوه وأنا بحبها..

ضحك جبريل وقرص وجنتيها بمرح قائلًا:-
– وقعتي قلبي يا شقية..

أشارت له بحماس نحو الحقائق التي تملئ المقاعد التي بجانبهم وقالت:-
– شوف قطوف جابتلي فساتين وهدوم كتيرة وتوك وجزم وحاجات كتير خالص وروحنا الملاهي وكلنا أيس كريم وغزل بنات واتصورنا صور كتير..

مسح جبريل على رأسها ونظر لقطوف نظرة يغمرها العشق والإمتنان، فجوانب شخصيتها تظهر رويدًا رويدا..
ردد يقول لرحيق:-
– لما نرجع البيت هنتفرج عليهم سوا يا رحيق..

حركت رأسها وهي تنشغل مع طعامها فاقترب جبريل من قطوف وقال:-
– أنتِ إزاي تاخدي قرار زي ده من نفسك.
رحيق بنت حساسة وهتنجرح لو سبتيها أو مقدرتيش تكملي معاها..

هاجمته بشراسة:-
– وأنت مين علشان أخد رأيك، لو هيضايقك وجودها معايا أنا ممكن أخدها ونأجر بيت برا الفترة دي .. أنا مش هسيبها أبدًا..

ألجم نوبة غضبه من تلك المدافع التي تقذفها من فمها وقال بذات الشراسة وهو يطبق على يدها يمسكها ثم رفعها يُقبل باطنها بقوة بتحدي تحت صدمتها:-
– أنا جوزك يا قطوف وحبيبك سواء اعترفتي أو لأ، جوزك ومن حقي نتشارك كل حاجة..
أنا مش معترض على رحيق، بس أنتِ في خطر وكدا بتعرضيها كمان للخطر..

اجتاحتها عاصفة قوية من الداخل ورفعت رأسها تنظر من حولها فقد كانت طاولتها بمكان بعيدٍ عن الأنظار، حاولت نزع يدها من داخل يده لكن هيهات فقد كانت مصفدة بشدة..

نظرت له بحدة وقالت بغضب:-
– متقلقش أنا أقدر أحمي نفسي وأحمي رحيق كويس لكن أنا مستحيل أسيبها..
وبطل قلة أدبك دي واحفظ حدود بيني وبينك.

ردد جبريل بسخط:-
– الحدود دي ترسميها وتمشي عليها يا زيتونة ولما نرجع البيت هعرفك إن أكتر واحد بحب الحدود..

وأكمل وهو يسحب الطعام الذي أمامها ويشرع بتناوله:-
– وسبيني بقاا أكل لأن نفسي اتفتحت لما شوفتك يا قطوفي..

همست بغضب وهي ترمقه بحدة:-
– بارد..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

يجلس بصدر الردهة وعقله شارد في عالمٍ أخر، ينظر نحو أفراد عائلته واحدٍ تلو الأخر..
زوجته والدته وبناته..
هل وصل الأمر بهذا الحقير جبريل أن يزرع الشك بداخله تجاه أفراد أسرته الصغيرة.!!
محالٌ هذا!

تمتم شريف بغضب:-
– الله يلعنك يا جبريل..

واستقام نحو غرف مكتبه بهدوء ثم اتجه نحو أحد خزائنه السرية يفتحها بقلب مطمئن إلا أنه تجمد حين رأى الورق مفقود..

همس بصدمة وأخذ يبحث عنه مرارًا:-
– مستحيل .. مستحيل..

اتجه نحو هاتفه يسحبه مسرعًا..

بالجهة الأخرى كانت سيارة جبريل تقف أمام منزلهم بالقرية، هبطت قطوف بصحبة رحيق وتركته متجهة نحو المنزل وهي تتجاهله..
فهمس بتوعد وهو يتأملها بحب:-
– اصبري عليا يا زيتونة..

ارتفع رنين هاتفه ليجد المتصل شريف الهواري والد قطوف فأجاب على الفور..

عند شريف..
فور أن أتاه الرد من الجهة الأخرى أسرع شريف يقول بأنفاس لاهثة ومازال لم يبتلع صدمته بعد:-
– جبريل .. الورق اختفى..

عقد جبريل جبينه وصرّ على أسنانه بعصبيه قائلًا:-
– أنا كنت متأكد إنه هيختفي بس مش بالسرعة دي، أنا قولتلك يا شريف باشا الخاين حد من بيتك..

كاد عقل شريف أن ينفجر لا يعلم على أي شيء يحزن، هتف يقول بتيهة:-
– إزاي .. إزاي ومين يعمل كدا!!
الورق ده مهم جدًا..

غمغم جبريل بمكر وهو يُضيّق أعينه:-
– دي سهلة يا شريف باشا، أنا عامل حسابي..
والخاين استعجل على نفسه .. بس استعجل إزاي.!
أنت تعرف إن المصايب إللي كنت بتقع فيها الفترة إللي فاتت دي من تحت راس الخاين ده وأنت كنت هتتجنن وبدّور عليه وهو طول الوقت قدامك..
على العموم أنا عملت حسابي وزرعت في أوضة مكتبك كاميرات سرية..
خلاص آن الأوان ونكشف عن شخصيته، أنا جايلك حالًا يا شريف بيه..

وقاد السيارة مسرعًا نحو قصر الهواري وعقله يعمل بجميع الجهات..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

على أعتاب المنزل وبمجرد أن دلفت قطوف ارتفع صوت والدة جبريل المتأهبة تقول بغضب:-
– استني عندك …أنتِ مش هنا في قصر أبوكِ يا بنت الذوات .. ومش هانم وإحنا خدمك..
تخرجي وتدخلي بمزاجك وكأن ملكيش حاكم..
لو الباشا والدك ملقاش وقت يحكمك فيه هنا الوضع مختلف..
برا بيتي .. ملكيش قعاد في بيتي يا بت أنتِ..
أشكالك دي عار وأنا عندي بنت..
برا ومش عايزه أشوف وشك تاني، وجبريل ابني هيتجوز بشرى أول الشهر الجاي..
حتى لو مطلقيش هيتجوز عليكِ..

«مُقيدة بأصفاد مخملية»
<الفصل العاشر> -١٠-

تضعضعت قواي وانهزم جيشي أمام تمردكِ العاتِ، وتالله لم أُفرط في كبح قلبي، لقد ألحفتُ في التحذير لكن لا مناص من هذا القيد، فإني من الوهلة الأولى مُصفد تلك القيود راغبًا قطوفي، ولا أنوي التحرر منها أبد الأبدين..!!

كان هذا وأكثر شعور جبريل الذي دلف لحديقة قصر شريف الهواري، وقد أصابته نوبات الحيرة حول قطوف التي لا ترضخ أبدًا عن تمردها..
هل كل هذا فقط لأمر الزواج أم أن هناك شيئًا أخر ؟!
هي لا تسمح أبدًا له بإختراق حصونها المنيعة لكن لا تعلم أن هكذا يتنامى شغفه بها..

دلف جبريل لغرفة مكتب شريف الذي كان كالأسد الحبيس يدور في الغرفة دون توقف، وفور أن وقعت أعينه على جبريل قال بلهفة:-
– جبريل .. أيه أخرك كدا .. يلا بسرعة وريني سجل الكاميرات..

حرك جبريل رأسه وشرع في تفحص هاتفه وجهاز الحاسوب مفرغًا تسجيل الكاميرات..
وبعد القليل كان جبريل وبصحبته شريف يقفون أمام شاشة الحاسوب بأعين مترقبة حتى تأهبت أعصابهم التي سرعان ما تفلتت حين رأوا الذي يدلف من باب الغرفة موشحًا بالسواد مُغطى الوجه مطموس الملامح..
كان يعلم طريق الغرفة جيدًا لا شك أنه أحد سُكان المنزل الذي يحفظ تفاصيله عن ظهر قلب..
واتجه هذا الملثم حتى دون أن يُكلف نفسه إضاءة الإنارة متجهًا نحو تلك الخزينة السرية التي لا يعلم بأمرها سوى أسرة شريف والأكثر جنونًا أنه لا يعلم شفرتها السرية إلا هم..

وهنا انهار شريف وانهزم تماسكه مدركًا صحة حديث جبريل أن الخائن فردًا من أفراد أسرته، حتى أنه ولج من باب الغرفة، وهذا يعني أنه مرّ من خلال المنزل..

من هذا!!
يكاد أن يفقد عقله، فَمن منهم يفعل هذا به!!

التفت نحو جبريل الصامت بوجوم ثم هدر من بين أنفاسه السريعة الملتهبة:-
– جبريل … اعرفلي هو مين، لازم أعرف مين..
المهمة دي أنا بوكلك بيها، وأنت مسؤول قدامي عن كشف إللي بيعمل كدا..

أخرجه صوت شريف من شروده البعيد ولفت إنتباه شيئًا ما لكنه لم يُصرح به.
لم يكن يتوقع أبدًا أن يكن الفاعل بهذا الحذر الحاد.

طاف على وجه جبريل التعجب وأردف مُجيبًا بأعين مليئة بالإصرار:-
– دا أكيد يا شريف باشا من غير ما تقول..
صدقني هعرف إللي ورا الأفعال دي وكمان الورق ده هيرجعلك .. دا وعد من جبريل رُستم..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

هدوءها، برودها، ملامحها المرقوش فوقها اللامبالاة كادوا أن يُصيبوا ثريا والدة جبريل بالجنون وهي تشاهد قطوف تبتسم إبتسامة واسعة ثم أردفت بهدوءٍ قاتل:-
– صدقيني يا ست ثريا الكلام إللي أنتِ قولتيه ده يعيبك ويعيب الباشا ابنك، ميمسش قطوف الهواري أبدًا..
أما بالنسبة لجوازي من جبريل رُستم فأنا مكونتش قاتلة نفسي عليه، العكس يا ست ثريا، ابنك إللي كان مموت نفسه وأقولك تقدري تسأليه لما يوصل بالسلامة..
تاني نقطة أنا مش هرد على غلطك أبدًا يا ست ثريا بس أحب أقولك، أنتِ عندك بنت وما يُلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد، والكلام إللي أنتِ قولتيه بقاا عليكِ يا أم جبريل وأنا واثقة إن ربنا هيخليكِ تسدديه دون أدنى شك..
تالت نقطة .. صدقيني قريب جدًا هخرج من بيتك دون راجعة بس دلوقتي أنا مضطرة، وطول ما أنا متجوزه ابنك ودا بيته فهو كمان بيتي..
واسمحيلي دلوقتي هدخل أوضتي أنا ورحيق علشان مرهقين .. تصبحي على خير يا ست ثريا..

وتخطتها قطوف ودلفت للغرفة تحت تصنم والدة جبريل من تلك القوة التي تراها بأعين تلك الفتاة، قوة عاتية ليس مجرد حديث فقط..

رمقت ريهام شقيقة جبريل أثرها بغضب وهدرت بلهجة شرسة:-
– همجية ومتكبره بس والله لأعلمك الأدب يا بلطجية.

في حين ولجت قطوف للغرفة بهدوء وهي تبتسم لرحيق قائلة:-
– يلا يا جميلة أبدلك هدومك ونسرح الشعر الجميل ده وننام علشان الوقت اتأخر..

نظرت لها رحيق قليلًا ثم تسائلت بتلقائية وبراءة:-
– هما ليه مش بيحبوكِ يا قطوف مع أنك طيبة أوي وبتحبيني، ليه هما كانوا بيزعقوا كدا..

سحبتها قطوف برفق وجلست معها فوق الأريكة وأخذت تربت فوق شعرها بهدوء وقالت:-
– بصي يا رحيق مش لازم الكل يحبنا ومش لازم الكل يكرهنا، بس يمكن علشان بس هما ميعرفوش قطوف لسه، يعني علشان أنتِ عرفتيني فحبتيني وهما لما يعرفوني هيحبوني زي ما أنتِ كدا حبتيني..
وبعدين يلا بقاا علشان ننام يا حلو..

☆★☆★☆★☆★☆★☆

وضع أمام جده مجموعة من الأوراق وأعينه مليئة بالظفر، حرك حيدر رأسه بانتصار وقال:-
– الورق من قلب خزنة شريف الهواري يا حامد بيه.

مدّ يده يتفحص الأوراق ورفع أنظاره مرةً أخرى لحفيده واستقهم بغموض يغرقون به:-
– وبردوا متعرفش من الشخص المجهول ده إللي بيساعدنا يا حيدر..
مين الشخص إللي بيثق فيه شريف الهواري جامد كدا وهو بيخونه..!!

سار حيدر ذهابًا وإيابًا وهو يفكر شاردًا ثم هتف:-
– للأسف لأ يا جدي .. بس إلي بيعمل كدا شخص ماكر جدًا .. خبيث لأبعد حد..

طرق حامد بأصابعه فوق ذراع المقعد ثم ردد بأعين غائمة بالكثير:-
– هو شخص واحد مفيش غيره يا حيدر، شخص بيلعب الكل ومتحكم في كل الخيوط..

تسائل الأخر بفضول متسارعًا:-
– مين يا جدي..

لفظ بهدوء غامض:-
– جبريل رُستم…

☆★☆★☆★☆★☆★

دلف جبريل المنزل وأوشك أن يذهب لغرفته لكن أوقفته والدته بقولها الحاسم:-
– استنى يا جبريل..

زفر بإحباط فهو حقًا يشعر بالإرهاق ويريد أن يأخذ قسطًا وفيرًا من الراحة..
التفت لوالدته وقال بهدوء:-
– خير يا أمي..

قالت بوجه معقود:-
– هي البتاعة دي هتفضل هنا لغاية إمتى.!!

زمّ شفتيه وأغمض جفنيه قليلًا وردد بهدوء:-
– اسمها قطوف يا أمي، وتبقى مراتي، بلاش الأسلوب ده علشان ميليقش بيكِ يا ست ثريا..

انفلت زمام تماسكها وصاحت بانفعال حتى كانت قطوف التي مازالت مستيقظة فوق الفراش تستمع للحديث بوضوح:-
– البت دي بجحة يا جبريل ومعندهاش أي كرامة، المفروض بعد الكلام إللي قولته لها النهاردة مشوفش وشها هنا تاني..
لكن نعمل أيه جبلة، أنا مش طايقة وجودها هنا ومش مصدقة إنك أنت إللي متمسك بالبت القليلة الأدب دي للدرجة دي، أنت أيه إللي حصلك، هي سيطرت على عقلك للدرجة دي وبقيت مهووس..
ولا علشان أبوها صاحب سُلطة يا جبريل….
أنت…….

– خلاص .. كفاية .. كفاية يا أمي، أنتِ مش سامعه الكلام إللي بتقوليه .. وبعدين أيه الكلام إللي قولتيه لقطوف .. قولتيلها أيه..

كان صراخ جبريل بصوت هادرًا ولم يعد يطيق الصمت أكثر من ذلك، وعندما رأت ثريا انفعاله وتلك النيران التي توهجت بعينيه صرخت بغيظٍ أكبر:-
– طردتها من برا بيتي، قولتلها هي عار علينا وأنا عندي بنت أخاف عليها منها..
وإن هي ولا حاجة وإن أنت هتتجوز ومسرحية الجواز دي مش هتستمر أبدًا .. وأنك اتجوزتها مصلحة وكدا كدا هترميها بعد ما المصلحة دي تخلص، أيه أنا قولت حاجة غلط يا جبريل ولا أيه..

لم يصدق بشاعة الحديث الذي وصلت إليه والدته، وثمة عاصفة هوجاء تصادمت بجدران روحه، ألمٌ قارص تخلل لقلبه وقبض على كفيه بشراسة وغضب حتى ابيضت مفاصله..
أغمض عيناه الداكنة وأعاد فتحهم وهبّ يقول بصوت جهوري بنبرة مُدججة بالغضب:-
– تعرفي يا ست ثريا لو حد غيرك إللي كان قال الكلام ده … ورب العزة كنت محيته من الوجود..
قطوف دي مراتي وغلطك فيها بالطريقة دي يبقى غلطتي في شرفي..
أنتِ إزاي تقوليلها كلام زي ده وتجرحيها، أنتِ ترضيها لبنتك..
أنا متجوزتهاش علشان مصالح ولا ناوي أبدًا أطلقها لأخر نفس فيا..
أنا اتجوزتها علشان بحبها .. أنتِ سامعة .. أنا بحب قطوف من يوم ما عيني وقعت عليها وأنا كاتم جوايا لغاية ما جات الفرصة إنها تكون ليا..

تخشب بدن قطوف وتوسعت أعينها وهي لا تُصدق ما سمعته، ألم يتزوجها لأجل منصب والدها واستغلال الموقف ليس أكثر؟!
لكن لماذا لم يُصحح لها، لماذا تركها ترشقه بالكلمات القاسية ولم يدفع تلك الإتهامات عن نفسه!!
لماذا قد يأتفك حديثًا على نفسه!!

أخذ قلبها يمور بشدة وابتلعت ريقها الجاف، حاولت التماسك لكن كان تماسك مزيف بينما تستمع لحديث جبريل الشديد ليظهر أمامها وجهٌ أخر من وجوهُ..

– وجود قطوف هنا يا أمي مؤقت، علشان بس حمايتها وتأكدي أنا كمان مش عايز أسيبها وخصوصًا وأنتِ بتسمعيها الكلام القاسي ده، مش باقي ألا القليل وهعملها فرح وأخدها بيتنا وساعتها هتصدقي إن جوازنا مش مصلحة..
اقعدي مع نفسك وعيدي التفكير يا أمي لأن ده أبدًا مش أسلوب تعامل..
تصبحي على خير..

وتركها دالفًا للغرفة لتتصنع قطوف النوم سريعًا..

سار جبريل حتى توقف أمامها بينما هي ساكنة من الخارج فقط بينما داخلها فتدور بها معارك طاحنة..
انحنى يجلس على عقبيه أمام وجهها وتحركت يده تسير فوق خصلاتها يُنحِيها عن معالم وجهها الجميل بينما يرمقها بحب يتدبر ملامحها في صمتٍ وخشوع هامسًا بإعتذار:-
– حقك عليا يا زيتونة، حقك على قلبي يا قطوف من الجنة.

واقترب يلثم جبينها بحنان ليموت كل الغضب بقلبها فسلطان القلب لا يخضع للعقل أبدًا..

في حين اتجه جبريل يُبدل ملابسه فالنوم يتلاعب بعقله والإرهاق قد نال منه..
أخذ يرتب بعض الأشياء الفوضاوية التي افتعلتها قطوف وهو يبتسم على تمردها وعنادها..
وسهوًا سقطت بعض الأشياء من يده وأحد الحقائب لتنفرط أمامه أشياء جعلته يتلبد متخشبًا وهو ينظر بصدمة هزّت أركانه..

رفع رأسه ينظر نحو قطوف الساكنة يرمقها بصدمة وعدم تصديق..
لقد كان متيقنًا أن خلفها شيئًا ما!!
يعلم أنه ليس الغامض بتلك الحكاية فقط..
بينما هي يلفها غابة ضبابية من الغموض..!!

بقلم سارة نيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *