الفصل الثلاثون لولا الغرام روز امين
-اهلا، ازي صحة حضرتك؟
انفرجت أسارير الجدة عن ابتسامة هادئة وادعة، وقالت بنبرة تتدفق باللطف:
– الله يسلمك يا ابني، ده وائل ما بيبطلش كلام عنك.
تقدم “رشيد” خطوة ووضع علبة أنيقة من الشوكولاتة الفاخرة فوق الطاولة المجاورة، فبادرت “وفاء” بالتعقيب:
– تاعب نفسك ليه بس؟
أجابها بتهذيب شديد ينظر للأرض:
-مفيش تعب ولا حاجة يا ماما، دي حاجة بسيطة.
قضى دقائق معدودة أطمئن فيها على السيدة، قبل أن يستأذن بلباقة وينسحب خارج الغرفة، وقف خارج الغرفة، ودس يده في جيبه ليخرج ظرفاً مغلقاً يحوي مبلغاً من المال، ثم مده نحو “وائل” قائلاً بلهجة حاسمة:
– خد الفلوس دي خليها معاك يا وائل.
ارتسمت علامات المفاجأة على وجه الشاب، وتراجع خطوة للخلف رافضاً بشدة وعزة نفس واضحة وهو يقول:
– معايا الحمدلله يا باشمهندس، ده غير ان ماما داخلة المستشفى تبع التأمين الصحي لشغلها، يعني ما دفعناش فلوس.
حاول “رشيد” مع الشاب مرةً اخرى وهو يقول باصرار:
-طب خليهم معاك يا سيدي وابقى رجعهم لما طنط تخرج من المستشفى بالسلامة.
أصر “وائل” على موقفه وهز رأسه برفض هادئ ينم عن شموخه، فما كان من “رشيد” إلا أن ابتسم مقدراً، واحترم رغبته وعزة نفسه دون إلحاح يجرحه.
وفي تلك اللحظة ، انفتح باب الممر الخارجي ودلفت “دليلة” تتهادى بخطواتها الرقيقة، وبجوارها “أشرف” الذي كان يحمل باقة زهور ضخمة تنسقت ألوانها بعناية.
لمحت ابن خالتها يقف على مسافةٍ منهما برفقة رجلٍ يواليهما ظهره ويتحدث إليه بنبرةٍ خفيضة، فأشارت إليه بيدها وهي مبتسمة، طالعها “وائل” وبادلها إشارةً ترحيبية هادئة، بينما ظل “رشيد” ثابتاً في وقفته، موالياً ظهره للممر، غافلاً تماماً عن هوية القادمين من خلفه، وقبل أن يصلا إلى حيث يقفان، كانت وجهتهما قد اكتملت، إذ دلفت إلى الغرفة القريبة واختفت بصحبة أشرف سريعاً خلف بابها المغلق.
تحدث رشيد إلى “وائل” بنبرة هادئة لينهي تلك الزيارة:
-هسيبك لضيوفك، ولو احتجت حاجة في اي وقت رن عليا.
امتلأت عيناه ببريق الامتنان، وقال بصوت خرج من أعماق قلبه:
– متشكر جداً يا باشمهندس، وبجد مش قادر اقول لك زيارتك دي فرقت معايا ازاي.
ربت على كتفه بقوة ودعم ، وأجابه بصدق شديد:
– انت اخويا الصغير يا وائل، سلام عليكم.
استدار بثقةٍ مغادراً أسوار المستشفى، استقل سيارته وتحرك عائداً إلى منزله، تاركاً خلفه أثراً طيباً لا يمحى في قلب الشاب الأصيل.