ولد الهلالي

رواية ولد الهلالي الفصل الأول 1 بقلم نور بشير

ولد الهلالي
البارت الأول:

فى أحد المناطق الراقية بالقاهرة ، حيث يمكث عائلة الهلالى بأحد المنازل القابعة هناك ، و تحديداً فى الطابق الثانى من هذا المنزل ، حيث يمكث يونس برفقه زوجته دهب و صغيرهم مالك ، و فى داخل غرفتهم الخاصة ، تجلس دهب أعلى الفراش تضم قدميها إلى صدرها تبكى و تبكى و كأنها قد فقدت عزيزا عليها للتو ، تبكى بحــر . ــقة و وجع ، تبكى مرارة ما أستمعت له منذ لحظات ، و مرارة ما عاشت
أيعقل ما يحدث معها الآن ؟
لااااااا لااااا هى بالتأكيد بداخل كابــ . ــوس مفزع للغاية و ستفيق منه الآن ، فحانت منها نظرة مترقبه إلى ذلك الجاثى على ركبتيه أمامها ، فتأكدت بأنها داخل واقع و ليس كابــ . ــوس و ستفيق منه ، فخبئت وجهها سريعا أعلى قدميها و أجهشت فى بكاء مرير ، لم تبكى هكذا بحياتها ، حتى عندما علمت بخبر ترك أهلها لها و دخولها إلى هذا الملجأ و بكل ما عانته فى حياتها ، لم تبكى هكذا قط

فنطق يونس بأسف: دهب أرجوكى متعمليش فى نفسك كده ، أنا مش هستحمل اللى أنتى بتعمليه فى نفسك ده ثم رفع يديه رابتا أعلى رأسها؛ أرجوكى يا دهب أستوعبى موقفى أنا مش عاوز أجرحك أكتر من كده بس غصب عنى الحب ده مش بأيدى و لا قلبى فى أيديا ولا حتى هقدر أتحكم فى و فى مشاعرى
نظرت له دهب بقهره وهبت واقفة فى مكانها ثم رفعت يديها واضعه إياها أعلى خصلاتها و هى تردد بعدم تصديق؛ أنا متحبتش ، معقول كل ده كان كدب ، أنا حاسة أنى بحلم ، ده أكيد كابــ . ــوس صح ثم جثت على ركبتيها أمامه قائله بعدم تصديق؛ أنت أكيد بتهزر معايا صح ، يونس أرجوك متعملش فيا كده أرجوك ، عشان خاطر أبننا و عشان خاطر حياتنا ، أفتكرلى أى حاجة حلوة عملتها معاك طول التسع سنين اللى فاتوا ، أنت ليه بتعمل فيا كده
فأغمض يونس عيناه بألم ثم نظر لها بوجع على وجعها هذا مردفا بحزن: صدقينى يا دهب غصب عنى ، أنا حبيتها غصب عنى
فصرخت دهب بوجع: متقولش حبيتها ، متقولش كده قدامى أنت فاهم ، أنا مراتك ، أنا البنت اللى حبتك و وثقت فيك و أديتك كل الحب اللى فى الدنيا ، فى الآخر تعمل فيا كده ، ثم أقتربت منه و تابعت بصريخ و هى ترفع يديها ممسكه بمعصمه؛ أنت ليه بتعمل فيا كده ، لييييييييه
فنظر لها يونس بوجع و نطق بحزن على حالها: أنا مش قصدى أجرحك يا دهب صدقينى ، بس أنا مش هقدر ، أنا بحبها و صدقينى أنا عمرى ما هقصر معاكى فى أى حاجة و هعدل بينكم

فنظرت له دهب فى صدمة و ذهول ثم أنخرطت فى نوبة ضحك هستيرية لما يقرب من الدقيقتين ثم أجهشت بعد ذلك فى بكاء مرير و هى تنطق بضعف و حسره: طب أنا ناقصنى إيه ، ناقصنى إيه يا يونس عشان تتجوز عليه ، عيبى إيه رد علياااااااااا
فوضع يونس وجهه بالأرض و نطق بحزن: صدقينى يا دهب أنتى فيكى كل حاجة حلوة أى راجل فى الدنيا ممكن يتمناها ، بس غصب عنى حبيتها ، غصب عنى لقيت مشاعرى بتتحرك ناحيتها و مبقتش عارف اسيطر عليها ، يمكن كمان أنتى أهملتينى الفترة اللى فاتت و كان تركيزك كله مع الولد ، حتى مبقتيش تهتمى بنفسك ولا بيا زى الأول ، ثم رفع عيناه إليها و أكمل بحسره؛ أنتى طول الوقت شايفك بأسدال الصلاه أو بالعباية عشان كنتى تحت عند أمى ، حتى الحفلات اللى بحضرها مش بترضى تحضريها معايا بحجة أنك مش هينفع تسيبى مالك لوحده أو لأن الجو ده مش جوك ، أنتى أهملتينى يا دهب ، و أنا غصب عنى مش بيأيدى لقيت قلبى رايح لها

فسقطت من عيون دهب دمعة ساخنة ثم نطقت بمرارة: أهملتك ، و رددت بصدمة؛ أهملتك يا يونس ، فأكملت بصريخ؛ نبهنى ، أتكلم معايا ، حذرنى ، لكن أنت معملتش كده يا يونس أنت دوست عليا و دوست على مشاعرى و قلبى بالقوى ، الولد اللى كان واخد إهتمامى ده يبقا إبنك و أنت عارف كويس أن الفترة دى فترة صعبة و أنه كان تعبان و أى أم مكانى كانت هتركز مع إبنها فى حالته دى ، فعلت نبرتها بوجع و رددت بحسرة؛ أنت عمرك سألتنى مالك ، عمرك قولتلى أنتى ليه مش بتيجى معايا ، عمرك طبطبت عليا و قولتى كلمة واحدة حلوة بعد يوم مليان تعب و شقى فى التنضيف و الأكل و الغسيل و أهتمامى بمالك ، أنا كنت بعمل كل حاجة أقدر عليها عشان أسعدك يا يونس بس أنت مقدرتش أنت مهتمتش أنك تسالنى و لو لمرة واحدة و تقولى فيكى إيه يا دهب مالك
فأقترب منها يونس و أردف بنبرة حانية مليئة بالشجن: طب مالك يا دهب ، فيكى إيه

فرفعت دهب بصرها إليه و نظرت له بعدم تصديق ثم هوت بيديها أعلى وجنته مردفه بصريخ: عرفت مالى
فنظر لها يونس بعدم تصديق و عيونه تطلق منها شررا ثم نطق من بين أنيابه: هتدفعى تمن القلم ده غالى يا دهب و غالى أوى
فنظرت له دهب بقوة لم تعهدها من قبل على الرغم من أن ساقيها يضــ . ـربان بعضهم من شدة الخوف الذى تحاول أخفاءه بقوتها المصطنعة هذه: طلقنى يا يونس ، أنا إستحالة أفضل على ذمتك ثانية واحدة بعد إنهارده
فنظر لها يونس بشر ثم هتف بعـ,ـنف: ده بعدك يا دهب كان ممكن أوى قبل القلم ده أطلقك بكل سهولة ، لكن دلوقتى هسيبك كده متعلقة زى البيت الواقف ، هحسرك كل ثانية و أنتى شيفانى بتجوز و متهني مع غيرك و هسيبك كده فى مكانك تتفرجى علينا من بعيد
فأجابته دهب بعنـ,ـف و صريخ: و أنا مش قعدالك هنا و لا ثانية واحدة بعد إنهارده
فنظر لها يونس ثم أبتسم بسخرية: الباب مفتوح ، بس أعملى حسابك أنى عند كلامى و هسيبك كده برضو متعلقة و أبنك هأخده منك و ورينى هتشوفيه أزاى
ثم أنطلق بأتجاه غرفة الصغير حاملاً إياه بين يديه تحت صراخ دهب المستمر و محاولتها المستميتة بجذب الصبى من بين أحضان والده ، حتى فاق الصغير على صوت صراخ والدته و بدء فى البكاء ، كل هذا و يونس لم يرق قلبه حتى أو يشعر بالشفقة على كلاهما ، و بالفعل أدخل الصغير إلى شقة جدته الذى ظل يبكى و يصرخ كثيرا من أجل والدته
فهو لا يعلم ما بها ؟

و لماذا تصرخ هكذا ؟
و لماذا حمله والده إلى منزل جدته ؟
و لماذا يريد أبعاده عن والدته ؟
فعاد يونس إلى شقته غالقا الباب خلفه و لكنه وجد دهب تلملم أغراضها فى حقيبتها و ترتدى ملابسها على عجالة ، فصاح يونس بغل: أنتى برضو هتعملى اللى فى دماغك و ماشية
فهتفت دهب بصريخ: أنا ابقا مجــ . ــنونة لو قعدت معاك فى مكان واحد يا يونس ، و لو على إبنى اللى أنت لاوى أيدى بيه أنا هعرف كويس أزاى أخده منك ، بس كرامتى أنا اتنازلت عنها مرة زمان و مش هتنازل عنها تانى دلوقتى
فضحك يونس بأستهزاء ثم تحدث بسخرية مرددا: كرامتك هههه ، ثم نظر لها بتهكم؛ كرامتك دى أنا اللى عملتها ، أوعى تنسى أنتى كنتى إيه يا هانم و بقيتى إيه دلوقتى و الفضل ليا أنا
فقهقهت دهب فى سخرية ثم نطقت بأستهزاء: لا فى دى عندك حق يا يونس ، أنت فعلاً صح أنا دخلت البيت ده مملكش أى حاجة و هخرج منه برضو و أنا مملكش حاجة بس صدقنى ، أنا اللى عملتك ، لولايا أنا كان زمانك حتة محامى درجة ثالثة فى أى مكتب تحت بير السلم ، أنا اللى عملتك يا يونس ، أنا اللى عملت إسم يونس الهلالى ، و صدقنى هتفوق و هتندم و هتتمنى منى أسامحك أو حتى أعاتبك و ساعتها أنا اللى هقولك كان فى و خلص يا يونس ثم نظرت له بحسره و سحبت حقيبتها من أعلى الفراش و ذهبت خارج الغرفة بل خارج المنزل بأكمله ، تاركه خلفها يونس واقفا مشدوها يفكر فيما تفوهت به زوجته منذ قليل ، فهى محقه فى كل حرف نطقته فهى لولا مساندتها له و دعمها المستميت و تنازلها عن أدنى حقوقها لم يكن هو الآن يونس الهلالى الذى أصبح مثل النــ . ــار على العلم كما يقال ، نفض رأسه من هذه الأفكار سريعًا ثم ركل الكرسى بقدميه بعنـ,ـف من شدة غيظه و حنقه ، ثم أتجه إلى باب المنزل لكى يخرج و يشتم بعض الهواء فهو يشعر بالضيق و عدم التنفس و ما لبث أن يفتح باب المنزل ليخرج منه حتى أصطدم بجسد والده المتكأ على عصاه و المردف بانفعال و غضــ . ــب: فى إيه يا يونس ، إيه اللى أنا سمعته و اللى أمك حكته ليا ده

فنظر له يونس بضيق ثم نطق بحنق شديد: بابا بعد أذنك أنا مش قادر أتكلم فى أى حاجة دلوقتى ، و قصتى أنا و دهب أنتهت خلاص ، و كمان يومين أنا هتجوز و هجيب ست ستها كمان
فردد والده بصدمه: تتجوز
فأوما يونس برأسه عدة مرات قائلاً بنبرة جادة لا تحمل النقاش: ايوه يا بابا أنا هتجوز
فنطق والده بأستهزاء: و هتتجوز مين أن شاء الله
فأجابه يونس بجدية: هتجوز نادين السيوفى بنت رجل أعمال معروف و عميل عندى فى المكتب و أنا بحبها و هتجوزها يا بابا أخر كلام
فهز عبدالقادر رأسه فى دهشة من حال ولده و أردف بتساؤل يشوبه الأستغراب: و دهب عرفت بالكلام ده
أوما يونس برأسه و تابع بعـ,ـنف: أنا قولتلها ، و الهانم متقبلتش الموضوع و قلت أدبها عليا مع أنى كنت متفهم وضعها و مش عاوز أجرحها لحد أخر لحظة ، بس هى اللى تطاولت و ضـ,ـربتنى بالقلم ، و أنا هتجوز و هقهرها و خليها كده عاملة زى البيت الواقف ، لأنها نست نفسها تربية الملاجئ ، و نست أصلها و لازم تفوق م…. ، كاد أن يكمل يونس حديثه إلا أن يد والده هبطت بشدة على وجنته و تابع بعـ,ـنف تحت صدمة يونس و ذهولة الشديد: الظاهر القلم اللى أدتهولك دهب مفوقكش ، قولت يمكن القلم ده يفوقك و يعرفك أن اللى بتتكلم عليها دى مراتك و أم إبنك اللى أنت زمان كنت ميت فى دباديبها و كنت مصر عليها رغم رفضى الشديد أنا و أمك على الجوازة دى ، بس الظاهر أن السـ . ــكينة سرقاك و الفلوس زغللت عينك ، يا خسارة يا يونس ، يا خسارة تربيتى و شقايا و تعبى عليك ، أخس
ثم تركه و ذهب عائدا إلى شقته فى حسرة على ما يفعله ولده فى زوجته التى هى بمثابة إبنته ، فهو على الرغم من أنه كان رافضا هو و زوجته لهذه الزيجة إلا أنه عندما حضرت هذه الفتاة إلى المنزل و استشعروا جميعاً حنانها و أخلاقها حتى وقع الجميع فى حبها ، متناسيين كل شئ عنها و عن ماضيها ……

فى مكان أخر بعيد كل البعد عن منزل عائلة الهلالى ، حيث تصل دهب إلى تلك الحارة الشعبية التى تقطن بها صديقتها المفضلة ( دينا ) و كل ما لها بهذه الحياة ، صعدت على ذلك السلم المتهالك بدرجاته المتكسرة و هى تنهج و يبدو على ملامحها التعب و الإعياء الشديد ولا تستطيع أخد نفسها ، فأقتربت من باب الشقة و طرقت عليه عدة طرقات حتى أستمعت إلى صوت دينا القائله بنبرة مسرعة: ايوه حاضر ، مين
فلم تتلقى دينا رد ففتحت الباب و إذا بها تجد أمامها دهب الباكية و بشدة و تبدو على ملامحها الإعياء الشديد ، فهتفت دينا بلهفة: دهب أنتى كويسة
لم تجيبها دهب و لكنها سقطت فجأة فاقدة للوعى ، فبدءت دينا بالصراخ و لطم وجهه دهب بيديها فى خفة لعلها تفيق و لكنها لم تتلقى منها رد
فأدخلتها إلى الداخل و أسرعت إلى الخارج طارقة على جارتها ( أم محمد ) قائله بذعر: يا أم محمد ، يا أم محمد أفتحى بسرعة

و بالفعل فتحت لها الباب جارتها مردفه بلهفة: فى إيه يا دينا مالك يا بنتى
فنطقت دينا مسرعة: و النبى يا طنط لو محمد موجود خليه يجى معايا يبص على دهب لأحسن مغمى عليها و مش عارفة أفوقها و جسمها كله متلج
فوضعت أم محمد يديها على صدرها بصدمة ثم أسرعت إلى الداخل مناديه على ولدها ( محمد ) فهو طبيب يعمل بأحد المستشفيات ، و بالفعل فى غصون دقائق أنتهى محمد من فحص دهب قائلاً بحزن: للأسف لازم تتنقل المستشفى حالا لأن سكرها عالى أوى و غالبا كده هى فى غيبوبة سكر ولا لازم مستشفى
فوضعت دينا يديها على صدرها فى صدمة و كذلك أم محمد ، ثم أجهشت دينا فى بكاء مرير قائله بلهفة: طب أعمل اللازم يا محمد أرجوك ألحقها بسرعة
و بالفعل ذهب محمد إلى الخارج طالبا لها الإسعاف و فى غصون نصف ساعة كانت قد وصلت إلى المشفى ، و قام الطبيب هناك بأجراء بعض الفحوصات لها و فعل اللازم
و بعد مرور ساعة أخرى ، خرج الطبيب من غرفتها ، فأسرعت إليه دينا و أم محمد و إبنها ، فتساءلت دينا بلهفة: طمنا يا دكتور أرجوك
فأجابها الطبيب بعملية: المدام سكرها كان عالى أوى و من الواضح أنها تعرضت لزعل شديد أثر عليها و على السكر فدخلت فى غيبوبة سكر ، بس هى حالياً وضعها مستقر و فاقت و لكن طبعاً لازم تبعدوها عن أى زعل لأن ده غلط عليها و كمان هتمشى على أبر الأنسولين طول حياتها لأنها أصبحت الآن مريضة سكر
فرددت دينا بصدمة ، و دموعها تغرق وجهها: مريضة سكر ، مش معقول

فتفوه الطبيب بأسف: للأسف يا أنسة ، و أضاف بجدية؛ و لازم تبعد عن أى زعل زى ما قولت لحضرتك ، ثم أنصرف الطبيب فى هدوء
فهتفت أم محمد بتساؤل: مش واجب برضو تكلمى جوزها تبلغيه باللى حصل
فاردف محمد بحزن: ايوه يا دينا لازم تكلمى جوزها تعرفيه
فهزت دينا رأسها فى نفي و تابعت بشرود: لما أطمن عليها الأول و أفهم منها إيه اللى حصل بالظبط وصلها للى هى فى ، ساعتها هكلمه لأن دلوقتى وأرد أوى يكون هو السبب و مش عاوزه أعمل شوشرة أو أضايقها كفاية اللى هى فى
فتفوهت أم محمد بحيرة: على راحتك يا بنتى ، أنتى أدرى بصاحبتك
فأستأذن محمد و أنصرف بصحبه والدته تاركين دينا بالمشفى إلى جوار صديقتها و عشرة عمرها ، تبكى على ما أصابها
فهمت بالدلوف لها للأطمئنان عليها و ما أن دخلت من باب الغرفة حتى وجدتها ممددة أعلى الفراش ناظره للأعلى ، و الدموع تهبط من عيناها فى وجع و مرارة
فأقتربت منها دينا و جلست إلى جوارها ، و مدت يديها ماسحه بأناملها دموعها قائله بحزن على حالها: ليه الدموع دى كلها ، ثم أضافت بمرح؛ قوليلى بس مين اللى مزعلك و أنا أروح أجبلك كرشة
فهتف دهب بمرارة: الدنيا هى اللى مزعلانى يا دينا ، الدنيا هى اللى مستكترة عليا الفرحة ، مستكترة عليا أنى أعيش مرتاحة و راضية ، الدنيا دايما مصره تتنتقم منى و كأنى عدوتها الوحيدة ، بس أنا خلاص تعبت وحيات ربنا تعبت و مبقتش قادرة أستحمل ذل أكتر من كده

فهتفت دينا بحب: معاش ولا كان اللى يذلك يا روحى ، و ملـ,ـعون أبو الدنيا اللى تزعلك و تكسرك بالشكل ده
فهبطت دموعها هى الأخرى على حال صديقتها و تابعت بحزن: قوليلى يا نور عينى مالك ، أحنا طول عمرنا بنقسم الوجع على أتنين ، قوليلى يا حبيبتى و خلينى أشيل الحمل معاكى بدل ما أنتى شيلاه على كتافك لوحدك
فهبطت دموعها من جديد و تابعت بقهرة: هيتجوز يا دينا ، قالهالى بكل صراحة و هو عينه فى عينيا قالى أنه هيتجوز عليا ، ثم نظرت لها بحزن و تابعت بنبرة مكسورة يشوبها الضعف؛ هيسبنى يا دينا ، هيسبنى عشان مبقتش أناسبه ولا حتى بقيت بشاركة حاجة فى حياته ، هو أنا رخيصة أوى كده ، رخيصة لدرجة أن أهلى يتخلوا عنى زمان ، و دلوقتى حب عمرى يسبنى و يدوس عليا و يقهرنى بالشكل ده ، ثم أجهشت فى بكاء مرير و هى تتحدث من بين شهقاتها بوجع دافين: هو أنا وحشة يا دينا ، أنا وحشة
فأنخرطت دينا هى الأخرى معها فى البكاء ثم أقتربت منها أخذه إياها بين أحضانها مردده بحب و حزن الأثنان معا: أنتى جميلة يا دهب ، أنتى أجمل من أى حاجة ، و قطع لسان اللى يقول عليكى أنك وحشة
ثم أبعدتها عنها و تابعت بحب: بس أنا مش عاوزه أقولك أنى ياما نصحتك و ياما قولتلك بلاش التضحيات و التنازلت الزيادة دى معاه لأن هيجى عليه وقت و هيعتبر ده فرض عليكى و حق مكتسب لى و أنتى اللى كنتى مغيبه فى حبك لى ، أنتى عملتى عشانه كتير أوى ، و أنتى السبب من بعد ربنا سبحانه و تعالى فى الخير اللى هو فى دلوقتى ، أنتى ناسية أنتى عملتى إيه عشانه ، ناسية أنك عشتى مع مامته فى حتة أوضة عشان مكانش معاه يبنى شقة و يجيب عفش ، أنتى ناسية أنك اتنازلتى عن فستان فرحك اللى هو حلم كل بنت و اتنازلتى عن فرحتك و شبكتك و أكتفيتى بدبلة بس عشان بتحبيه ، نسيتى أنك سبتى دراستك و مستقبلك عشانه ، لو أنتى نسيتى كل ده و هو نسى كمان فأنا منستش يا دهب و مش هسكت له المرة دى ، ثم أكملت بتساؤل؛ هو فين مالك دلوقتى

نطقت دهب بوجع على صغيرها: أخده منى لما عرف أنى عاوزه أطلق بعد ما ضــ . ـربته بالقلم ، و قالى أنه هيسبنى كده متعلقة زى البيت الوقف
فتفوهت دينا بصدمة: أنتى ضــ . ـربتيه بالقلم

فأومات دهب برأسها عدة مرات ثم هتفت بوجع: لما أستفزنى أعصابى فلتت و مش عارفة عملت كده أزاى ، و سبت البيت و مشيت بعد ما هددته أنى هعرف أخد إبنى
فنطقت دينا بغيظ: وحيات أمى يا يونس لهوريك هعمل فيك إيه ، و أن رقدتها قدامى دى هتدفع تمنها غالى أوى
فقالت دهب مسرعة: لاااا أرجوكى بلاش تقوليلى أنى تعبانة و أن جالى السكر ، أرجوكى يا دينا أنا مش عاوزه أتكسر أكتر من كده قدامه
فصاحت دينا بانفعال: معاش ولا كان اللى يكسرك يا دهب معاش ولا كان ، اللهى تتكسر رقبتك يا يونس يا أبن أم يونس يا قادر يا كريم

يتبع….رواية ولد الهلالي الفصل الثاني 2 بقلم نور بشير

البارت الثانى:

و بعد مرور عدة أيام
قد خرجت خلالهم دهب من المشفى بعد أن تحسن وضعها الصحى كثيرا
و أمس قد زارها حماها السيد ( عبد القادر ) ، و لكنه لم يعلم شيئاً بخصوص مرضها و أصابتها بالسكرى ، حاول كثيرا أن يخفف عنها ، طالبا منها العودة إلى المنزل من أجل صغيرها و هو بدوره سينفذ لها ما تطلبه ، فطلبت منه دهب الإنفصال عن يونس ، فوافق عبدالقادر على هذا الطلب بعد إلحاحا كبير من دهب على ذلك ، متفقا معها على أن تعود إلى المنزل اليوم لتكون مع صغيرها بمنزلهم ، على أن يتم الطلاق اليوم ، فوافقت دهب و بالفعل ها هى تجهز حالها للعودة إلى المنزل بصحبه صديقتها دينا ، فهى طلبت منها أن تظل معها هذه الفترة ، لأنها تشعر بأنها ليس على ما يرام و ستحتاج وجودها إلى جانبها ، فوافقت دينا على ذلك من أجل صديقتها التى هى بمثابة أختا لها و ليس مجرد صديقة و السلام

و ها هم جميعاً يجلسون بصحبه المأذون ينتظرون حضور يونس ، فهو لم يحضر بعد
و بعد مرور عشر دقائق ، أنفتح الباب أخيراً و دلف منه يونس الذى يغلف الجمود ملامح وجه ، و نظر إلى دهب نظرات مبهمة ، لا يستطيع أحد فهمها و لا فهم المغزى منها ، فأختلست هى الأخرى نظرات سارقة له دون أن يلاحظها أحد ، و كادت أن تهبط منها دمعة حزينه من عيونها فلاحظتها دينا ، فرفعت يديها ممسكها بكفها ضاغطة عليه بحب و دفء تحاول أن تبثها بالقوة و الثبات ، فهى أكتر شخص يعرف وجعها هذا ، و بالفعل تماسكت دهب و مدت يديها بجمود إلى الشيخ تعطى إياه هويتها الشخصية قائله بنبرة يشوبها الجمود عكس ما تحمله فى طياتها من ألم: أتفضل يا شيخنا
فنطق الشيخ بعملية: يا أخونا راجعوا نفسكم تانى ، أن أبغض الحلال عند الله الطلاق
فاستطردت دهب بجمود: خلاص يا شيخنا مالوش لازمه الكلام ده ، أحنا خلاص أتفقنا على كل حاجة
فبدء الشيخ بالفعل فى الإجراءات اللازمه لأنهاء تلك الزيجة ، و بعد ما يقرب ال ١/٣ ساعة ، هتف الشيخ أخيراً بعد أن أنهى كافة الإجراءات: و دلوقتى لازم ترمى عليها اليمين..
يونس بتصنع الحمود على عكس ما يشعر به من نيران بداخله:

أنتى طالق يا دهب..
ومن ثم نظر يونس إلى دهب يراقب تعبيرات وجهها ، فوجد الجمود يغلف ملامحها ، لا يبدو عليها أى مشاعر أخرى سوى الجمود ، فشعرت دهب بأنها على حافة الإنهيار فهبت واقفة متجها صوب الباب ، فأوقفها صوت عبد القادر قائلاً بنبرة حانية: رايحة فين يا حبيبتى ، أستنى أتعشى معانا
فأجابته دهب بمرارة استشعرها عبد القادر جيداً: مرة تانية يا عمى أن شاء الله ، ثم لم تعطى لأحد فرصة بالحديث معها أكثر من ذلك ، و أتجهت مسرعة إلى شقتها تحاول أن تتماسك و أن لا تخونها عبراتها و تسقط منها أمام الجميع ، فأستأذنت دينا هى الأخرى و لحقت بدهب مسرعة ، و ما أن وصلت إلى إليها حتى أسرعت دهب إلى غرفتها غالقه الباب خلفها ، مستنده بظهرها عليه و أجهشت فى بكاء مرير ، ظلت تبكى إلى أن لم تسعها قدميها على حملها ، فسقطت فى مكانها و هى لاتزال تبكى ، تبكى و كأنها فقدت عزيزا عليها للتو ، فهى حقا قد فقدت غالى عليها ، فقدت قلبها الذى كان دوماً ينبض بحبه ، فقدت قلبها الذى كان يتمنى قربه دوماً ، ظلت تبكى و تبكى بحـ,ـرقة و دينا تقف كل هذا الخلف الباب و تطرق عليه بعنـ,ـف و هاتفه بأسم دهب بحزن شديد و لهفة: متعمليش فى نفسك كده يا دهب ، أرجوكى ، والله ما يستاهل دمعة واحدة من عيونك ، والله يا دهب ، عشان خاطرى أفتحى ، عشان خاطرى ، أنا مش هقدر أشوفك كده ، أرجوكى يا دهب عشان خاطر صحتك و عشان خاطر إبنك و خاطرى لو لينا خاطر عندك
فردت عليها دهب بوجع من بين عبراتها: سبينى يا دينا شوية مع نفسى ، أنا محتاجة أختلى بنفسى شوية ، أول ما أحس أنى كويسة و هقدر أتكلم هنده عليكى

فتركتها دينا على مضض و قلبها يتأكلها علي صديقة عمرها ، فهى ستقضى على حالها من شدة حزنها على يونس و ما فعله بها

على الجانب الآخر
بمجرد ما أنهى المأذون كافة الإجراءات و أعلن طلاقهم بشكل رسمى ، و أنصرفت دهب و دينا ، حتى خرج يونس هو الآخر ، و صعد سيارته و قادها بسرعة متجها بها إلى منزل السيوفى ، ظل شاردا طوال الطريق مسهما
لا يعرف كيف فعل هذا ؟
كيف يتركها هكذا ؟
تذكر ذكرياته معها ، عندما ألتقى بها أول مرة ، تذكر يوم زفافة عليها ، تذكر كيف كانت جميلة و ناعمة رغم عدم أرتدءها لفستان الزفاف كأى عروس بمكانها ، تذكر عندما كانت تحمل بأحشاءها صغيرهم و عندما ولدت و أحضرت له مالك ، نبتت هذا الحب ، و كيف أزداد حبه لها الضعف عندما جلبت له هذا الصغير ؟ و تذكر معاملتها مع والديه و كيف أحتوتهم و كانت لهم خير الأبنه على مدار السنوات الماضية ، تذكر أخيراً عندما واجهها بحبه لأخرى و بكائها و إنهيارها عندما جرح مشاعرها بكل قسوة ، تذكر عندما رمى عليها اليمين منذ قليل و حينها شعر بأن قلبه هوى بين قدميه ، فهو شعر بأن يقــ . ـــتلع من مكانه ،

فبالرغم من جبروته معها و قسوته عليها إلا أنه تأثر كثيرا عندما رمى عليها هذا اليمين ، شعر بأنه يفقد عضوا هام من أعضائه ، كان يبدو عليها المرض و الإجهاد للغاية و حينها أحس بالأختناق لأجلها و لكنه تجاهل هذا الإحساس بكل برود و عنجهيه ، فاق من شروده هذا عندما أنفتح باب السيارة و صعدت إلى جوارة نادين واضعة قبلة رقيقة أعلى وجنته مردفه بحب: حبيبى وحشتنى أوى
فأبتسم لها يونس أبتسامة باهته فهو يشعر و كأنه يراها للمرة الأولى ، يرى صورتها مشوشه أمامه
فنطقت نادين بسعادة: حبيبى هيودينى على فين
فأبتسم لها يونس بتشتت و تابع: أنتى حبه تروحى فين
قالت نادين بتفكير: أممممم ، ممكن نروح روستوران نتعشى سوا
فأوما لها يونس برأسه و بدء فى قيادة السيارة دون أن ينبث بنصف كلمة ، و ظل شاردا طوال الطريق مسهما ، غير قادر على الحديث

و بعد مرور عشر دقائق ، وصل يونس بصحبه نادين إلى أقرب مطعم من منزلها ، فهو لا يستطيع الذهاب معها الآن إلى مكان بعيد ، فهو يشعر بالأختناق لا يعلم ما الذى أصابة ، يريد أن يبقى بمفرده لبعض الوقت ، و لكنه تحامل و تجاهل هذا الشعور ، و هبط من السيارة ذاهبا إلى الجانب الآخر منها ليفتح الباب لنادين ، و بالفعل هبطت هى الأخرى و تأبطت ذراعه ، و دلفوا إلى المطعم سويا ، فأسرع هو ساحبا لها الكرسى الخاص بها لتجلس و جلس هو الآخر قبالها ، و لكنها تشعر بأن هناك خطب بالأمر ، فهى منذ أن رأته و هو يبدو عليه الشرود و الحزن فتساءلت بفضول: يونس أنت كويس

فأنتبه لها يونس و تفوه و هو يتصنع الإبتسام: أنا كويس
فنظرت له نادين بأستغراب و تابعت بهدوء: أنت متأكد أنك كويس ، ثم أضافت و هى تتصنع الحزن؛ هو ده شكل عريس فرحه كمان كام يوم
فتنهد يونس ثم نطق بنبرة حانية: صدقينى يا نادين غصب عنى ، ثم واصل بحزن؛ أنا إنهارده طلقت دهب
و بمجرد ما نطق يونس بهذه الجملة حتى أبتسمت نادين أبتسامة عميقة تكشف عن أسنانها و تابعت بسعادة: أنت بتتكلم بجد يا يونس ، ثم نظرت له بأستغراب و ضيقت عيناها؛ هو أنت زعلان يا يونس أنك طلقتها و أنك هتتجوزنى
فوضع يونس وجهه بالأرض ثم نطق بحزن: أكيد لا ، أنا أسعد إنسان فى الدنيا عشان هتجوزك ، و أنى هصحى كل يوم الصبح على صوتك و هشوفك قدامى كل ثانية ، بس فى نفس الوقت دهب تبقا أم أبنى و مش حابب الولد يتأثر بالإنفصال ، ده كل اللى مضايقنى و حازز فيا ، و متنسيش برضو أن أنا و دهب كان فى بينا عشرة لسنين طويلة و أنها كانت مراتى
فردت نادين بحدة: كانت مراتك بس أنت مابتحباش ، أنت بتحبنى أنا ، مش ده كلامك ليا
فأوما يونس برأسه مسرعا قائلاً بتأكيد و هو يمسك بيديها الموضوعة أعلى الطاولة: أكيد يا حبيبتى ، أنا بحبك أوى يا نادين و معاكى حسيت بمشاعر و احاسيس عمرى ما حسيتها قبل كده ، أنا كل زعلى عشان خاطر أبنى بس مش أكتر
فنطقت نادين بهدوء: صدقنى يا حبيبى ، إبنك كده هيبقا أحسن له ، تخيل كده لما طفل فى عمره يعيش بين أب و أم بينهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *