«بسم الله لا قوة إلا بالله» «لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» "تنويه هاااام، هذه الرواية أحداثها حقيقية وكل ما ورد بها من أحداث قد حدثت بالفعل" 🔹الفصل الثلاثون🔹 «لَوْلاَ الغَرَامُ» #_لَوْلاَ_الغَرَامُ،بقلمي روز أمين هذه الرواية مسجلة حصريًا بإسمي "روز أمين" وممنوع نقلها لأية مدونة أو موقع أو صفحات أخري ومن يفعل هذا قد يعرض حالهُ للمسائلة القانونية. __________________________ «يقولون إنني أبالغ في هواكَ، ولا يعلمون أن روحي غادرتني واستوطنتكَ، أصبحتْ ذاتي غريبةً عني بعد أن غرقتُ في عُمق تفاصيلكَ، وذاب كياني في كيانُكَ، وبلحظة، تضاءل هذا الكون في عيني، واختُزِل الوجود بأكمله في تقاسيم وجهكَ. لقد استعمرتَني كُلي، فلم يتبقَ في نفسي متسعٌ لأحدٍ سواكَ، عزلتَني عن صخب العالم بحبكَ،ومَحوتَ بوجودكَ كل الوجوهِ ، وكأني لم أرى في هذا الكون نورًا، سوى ذلك الذي يتدفق من عينيكَ.» "دليلة صادق بدران" بقلمي «روز أمين» _______♕_______ مر الوقت وحلت أخيرًا إجازة نصف العام الدراسي، في تمام الساعة الحادية عشرة ظهرًا، كانت تغط في نوم عميق داخل غرفتها،بعد أن استسلم جسدها المنهك للفراش، إثر قضائها ليلة طويلة وقاسية من السهر والترقب والقلق، الذي نهش تفكيرها حتى الصباح. طرق شقيقها الباب بهدوء، ثم دلف إلى الداخل مقتربًا من فراشها، وبعلو صوته ناداها: -اصحي يا دليلة. تمتمت من بين نعاسها، وبصوتٍ يكاد يكون مسموعًا وهي تدفن وجهها في الوسادة: -سيبني واطلع برة يا أحمد. لم يستسلم بل اقترب أكثر وهز كتفها برفق وراح يقول: -يا بنتي قومي، فيه حد عايزك تحت. كان جسدها يرفض الاستجابة لأي نداء، مكبلاً بإنهاك شديد بعد أن قضت ليلتها ساهرة حتى السادسة صباحاً، أمضت الساعات بطولها في محاولات مستميتة للاتصال بـ أشرف، لكن صمت هاتفه المغلق أصابها برعب نهش أعصابها بلا رحمة، ولم يستسلم جفنها للنوم إلا بعد أن خارت قواها تماماً، وتبددت طاقتها من فرط القلق والدموع المحبوسة. ردت بنبرة منهكة تمامًا، وخلفها غصة مكتومة: -مش عايزة اشوف حد، بطل رخامة بقى وسيني. خطا نحو النافذة، وأزاح الستائر ليسمح لأشعة شمس الظهيرة باختراق الغرفة، ثم عاد إليها وجذبها من ذراعها محاولاً إجبارها على النهوض برفق: -بطلي انتِ رخامة ويلا قومي. استسلمت أخيرًا وجلست على طرف الفراش، وعيناها ما زالتا ترفضان الانفتاح بالكامل، وقالت بضيق: - يـــــوو، ده انتَ عيل رخم بجد. تغيرت نبرة أحمد فجأة لتصبح أكثر جدية واهتمامًا، وهو يقول: - قومي الناس مستنيينك تحت. فتحت عينيها قليلاً، ورمقته بنظرة حائرة ومتوجسة، وهي تسأله: -ناس مين؟! أجابها بغموض أثار حيرتها، ممزوجًا بابتسامة دافئة: -ناس وخلاص، قومي اغسلي وشك والبسي لك فستان حلو، علشان دي ناس مهمة قوي. ظلت تحدق به بحيرة، وقبل أن تنطق، أضاف وهو يتجه نحو الباب: - يلا ماما بتستعجلك. خرج وأغلق الباب خلفه،فبقيت تنظر إلى الفراغ الذي تركه، وعلامات الاستفهام تملأ رأسها المثقل بالهموم. تحاملت على جسدها المتعب، ونهضت بخطوات متثاقلة لتستعد. اختارت كنزة بيضاء ناصعة تنسدل بنعومة، وجسدت معها تنورة باللون النبيتي الدافئ، وتوجت مظهرها بحجابًا من نفس اللون، وقبل أن تغادر الغرفة، قادها قلبها الملهوف إلى هاتفها. ضغطت على زر الاتصال بأشرف للمرة اللا عدد لها، لكن الصوت الآلي البارد صدمها مجددًا بأن الهاتف لا يزال مغلقًا، شعرت بقلبها ينقبض، وخناجر القلق تمزق أحشاءها خوفًا عليه. أطلقت تنهيدة عميقة حملت معها بقايا أنفاسها المتهالكة، وخطت خارج غرفتها تجر ساقيها المثقلة نحو الدرج، كانت تهبط درجات السلم وعلامات الحزن والكآبة ترتسم بوضوح على ملامح وجهها الشاحب، وعيناها المنكسرتان تعكسان ليلة من العذاب والانتظار. وما إن وصلت إلى منتصف السلم، ورفعت بصرها بآلية، حتى تجمدت الدماء في عروقها فجأة، إذ ظهر لها واقفًا بكل جاذبيته أمامها، ليتوقف الزمن لثانية واحدة وتتبخر كل آلام ليلتها الماضية. لم يكن وحده بانتظارها، إذ كانت" منى" تقف ومعها "أحمد"، أما هو، فقد كان يحتل المنتصف بقامته الطويلة وهيئته الآسرة لقلبها، ارتسمت على ثغره ابتسامة مشرقة بددت عتمة خوفها، بينما كانت كفاه تقبضان برفق على باقة زهور منسقة بذكاء، يتمازج فيها نقاء الأبيض الملكي مع سحر البنفسج. ما إن وقعت عيناه عليها، حتى شعر بقلبه يرفرف بين ضلوعه من فرط السعادة، وتسارعت في جسده قشعريرة انتفاضة مباغتة. أما هي، فقد اتسعت عيناها بذهولٍ، ودق قلبها بعنف جارف جعل عينيها تبرقان، لتهمس بفم مفتوح من شدة الصدمة: -أشرف!. اتسعت ابتسامته وهو يتأمل رد فعلها، وقال بنبرة حانية: -ايه رأيك في المفاجأة دي؟ لم تتردد لثانية واحدة، حيث اندفعت تهبط درجات السلم بحماس ولهفة لا تسعهما الأرض، حتى وقفت أمامه مباشرة، أخذت عيناها تطوفان بوجهه، تتلمسان ملامحه الغائبة كأنها تتأكد من حقيقة وجوده، وسألته بأنفاس متلاحقة: - انتَ جيت امتى من السعودية؟! بسط يده نحوها بباقة الزهور، فتلقتها منه بلهفة وضمتها إلى صدرها، وراحت تستنشق عبيرها باستمتاع وهيام طغى على نظراتها. تلاقت عيناه بعينيها العاشقتين، فأجابها بصوت يقطر غراماً: -وصلت امبارح. هزت رأسها كمن فكت لغزاً حيرها، وقالت: -علشان كدا رقمك السعودي كان مقفول. ثم تملكتها نبرة عتاب حاد، وتابعت تلومه بشدة: - طب ليه مقولتليش؟ ده انا هموت من القلق عليك من امبارح. ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وقال مبرراً: - كنت عاوز أعملك مفاجأة. هتفت بملامح يكسوها اللوم وعينين تشعان عتاباً: - طب ممكن متعملش كدا تاني؟ فرد ذراعيه مستعرضاً جسده أمامه، وقال محاولاً طمأنتها: - مانا قدامك وكويس اهو، اهدي بقى. تدخلت "منى" لإنهاء ذاك المشهد، وأشارت بهدوء نحو الأريكة قائلة: -تعالى اقعد وارتاح يا اشرف. أشار "أشرف" إلى "دليلة" بحنو، وقادها معه حيث جلسا متجاورين على الأريكة، في حين اتخذ "أحمد" مقعده في المواجهة تماماً. التفتت إليه "منى" وسألته باهتمامٍ: -تحب تشرب ايه؟ أجابها بابتسامة بشوشة تنم عن مدى تهذيبه: - مش عاوز اتعبك معايا. ردت بابتسامة ودودة: - مفيش تعب ولا حاجة. ثم أردفت متسائلة : - وشوف حابب تاكل ايه علشان اعملهولك على الغدا. هز رأسه ممتناً وهو يجيبها: - تسلمي يا مرات خالي، انا هكلم خالي واستأذنه اني اخد دليلة ونتغدا برة،ده بعد إذنك طبعاً. أومأت برأسها في هدوء حذر ، ثم عادت لتعيد سؤالها الأول: - مقولتليش، تحب تشرب ايه؟ قبل أن ينطق، هتفت "دليلة" بلهفة بالغة وهي تلتفت نحو والدتها: - اعملي له شاي تقيل سكر زيادة يا ماما. ثم أدارت وجهها نحو حبيبها الذي رمقها بنظرة غلفتها الدهشة، لتتابع بصوت نضح بالعشق الهائل: - ده مشروب أشرف المفضل في التوقيت ده. في تلك اللحظة، اعتصر قلب"منى" ألمًا، وتسللت غصة مريرة إلى جوفها، إذ آلمها هذا التدفق المبالغ فيه من الاهتمام الذي تبديه ابنتها تجاه "أشرف"، وأفزعها أن"دليلة" باتت تحفظ أدق تفاصيل حياته ككتاب مفتوح، وتدرك ما يحب وتوقيتاته المفضلة بنبضات قلبها، كأنها ألغت كيانها لتذوب تماماً في كيانه. هزت رأسها محاولة استيعاب الموقف، ثم التفتت لـ "دليلة" لتخبرها: - هعملك سندوتش ومعاه عصير. سارعت لتصحيح الأمر لوالدتها بهتاف حماسي: - اعملي لي شاي زي أشرف يا ماما، تقيل وسكره زيادة. تسمرّت "منى" في مكانها، واتسعت عيناها بذهول تام وهي تسألها باستنكار: - من امتى وانتِ بتشربي شاي يا دليلة؟! أجابتها بنبرة تتدفق شغفاً: - هشربه علشان اتعود عليه يا ماما. التفت نحوها، وراحت عيناه تتأملانها بفيض من السعادة والفخر، فقد انتشى قلبه وهو يرى حبيبته تذوب فيه لدرجة التشبه بصفاته وتطبيقها بمنتهى الرضا . تنهدت "منى" باستسلام لم يخلُ من ضيق مكظوم، ثم وجهت نظراتها نحو ابنها، قائلة له بنبرة ذات مغزى واضح لكي يلزم مكانه ولا يتركهما بمفردهما: -هعمل لك العصير بتاعك يا حبيبي واشربه جنب ابن عمتك. أومأ برأسه متفهماً، بينما استدارت هي وخطت بخطوات ثقيلة نحو الداخل، وما إن غابت خلف باب المطبخ، حتى استغل تلك الدقائق القليلة، مال بجسده نحوها، وهمس بلهفة حارقة ونظراتٍ تتجول فوق تفاصيل ملامحها بعشق جارف: - وحشتيني. ارتجف قلبها طرباً، فابتسمت وأرخت جفونها بخجل آسر، ثم التفتت إليه وسألته بحماس وعيناها تلمعان: - انت جيت امبارح امتى؟ انا كلمت طنط فيفي امبارح المغرب ومقالتليش حاجة ! انطلقت منه ضحكة خفيضة عذبة، وقال لها وعيناه لا تفارق وجهها: -ما انا كنت قاعد جنبها وانتِ بتكلميها. شهقت بذهول، وراحت تلومه وهي تهتف: - بقى كده! نقل نظراته نحو "أحمد"، الذي كان يجلس في مواجهتهما وعيناه ترقبان كل همسة وحركة بتركيز تام، تماماً كما اعتاد والده أن يوصيه ويزرع فيه دور الرقيب. تنهد "أشرف" بمكر، ومال نحوها يهمس مجدداً وهو يتأمل عينيها باشتياق لا يرحم: - هو أحمد هيفضل مبلم لنا كده كتير؟ انا عندي كلام كتير اوي عاوز اقولهولك. ابتسمت بخجل وقد استبد بها الفرح، وفجأة، قطع هذه الخلوة صوت مفاتيح بالخارج أعلن وصول "صادق"، انتفض "أشرف" واقفاً بسرعة غريزية، وتقدم بخطى واسعة يستقبله عند الباب. ما إن أبصره "صادق"، حتى انفرجت أساريره وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة امتزجت بالسعادة والاندهاش، ليهتف بنبرة خرجت حائرة: - أشرف! انت جيت امتى يَلا؟! وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، اندفع"صادق" وجذبه إلى صدره في عناق حار، ضمه بقوة بالغة ترجمت مكانته الغالية، فقد كان يحب ابن أخته حباً جماً يسري في عروقه، ويرى في ملامحه وسلوكه الرجولي امتداداً حياً لشبابه، والدرع الحامي والملجأ الآمن الذي يستأمنه وهو مغمض العينين على أولاده وبيته وعرضه. تراجعا خطوة للخلف، فحاوط وجهه بكفيه الحانيتين، وقال بنبرة تتدفق فخراً: - حمدالله على السلامة. كان يبادله ذات المشاعر بل وأعمق، إذ طالما نظر إلى خاله بصفته الأب الروحي والمرجعية الأولى في حياته. أقبلت "منى" ترحب بزوجها، وقالت بابتسامة سعيدة: -حمد الله على السلامة يا صادق. نظر إليها بعينين تفيضان حناناً وأجابها: -الله يسلمك يا حبيبي. ثم التفت بحماس بالغ يتطلع إلى ابن شقيقته، ووجه حديثه لزوجته: - يلا بقى يا ست الكل، ورينا همتك وشوفي هتغدي أشرف ايه. تحمحم محاولاً انتزاع فرصة للانفراد بحبيبته، وقال بعيون ترجو الموافقة: -أنا بعد اذنك يا خالي كنت عاوز استأذنك اخد دليلة ونتغدا برة. نقل نظراته نحو ابنته ، فلمح في عينيها فرحة عارمة تجعلها تكاد تطير من السعادة، فأجابه بهدوء وثقة: - انتَ قاعد معانا لبكرة مش كدا؟ أومأ برأسه مؤكداً: -ان شاءالله. فقال بهدوء حاسم قطع الطريق على انفرادهما التام: -خلاص يا حبيبي، وابقوا خدوا معاكم أحمد. شعر "أشرف" بضيق، فتحدث إلى خاله بلوم محب يحمل رجاءً مبطناً: - خلي أحمد براحته يا خالي، احنا تاعبينه معانا طول الوقت. ابتسم بسخرية صامتة، ثم ربت على كتفه وقال بنبرة حملت تحدياً هادئاً: - تعبك راحة يا حنين. حاول التبرير وإخفاء رغبته الحقيقية: -انا عامل على تعبه،خايف ليزهق. هبطت كف "صادق" فوق كتفه بقوة وراح يربت عليها، وهو يقول بتهكم مازح: -خاف على نفسك انتَ يا حبيبي. ثم التفت نحو ابنه وسأله مستنكراً: -انتَ يا ابني بتتعب او بتضايق لما بتخرج مع اختك وخطيبها ؟! هز الفتى رأسه بجدية تامة وهو يجيب والده: - خالص يا بابا، بالعكس، أنا بحب أبيه اشرف جداً وبستمتع بالخروج والكلام معاه. التفت نحو أشرف ، وراح يمرر نظراته الساخرة بينه وبين ابنه، ثم أشار إليه بسبابته وقال ذات مغزى فهمها الآخر: -اهو الولد طلع بيحبك ومستمتع بوجودك أهو يا سيدي، اطمن بقى من ناحيته وريح بالك. مال على أُذنه وتابع هامسًا بنبرةٍ حملت مغزى لئيمًا جعل الآخر يتصلب في مكانه: -إتظبط واعمل لك قفلة يا أشرف،اللي انت بتعمله ده،أنا عملته قبلك من عشرين سنة،فما تجيش تبيع الماية في حارة السقايين يا عم الصايع. أطلق أشرف ضحكة قوية على حديث خاله،ليشير صادق بيدهِ نحو المقاعد كأنه يُنهي الحوار، وتابع آمرًا: - تعالى اقعد وخلينا نشرب قهوة مع بعض. تدخلت "منى" موضحة: - أشرف طلب شاي وانا بجهزه. هز رأسه وقال بامتنان: -تسلم ايدك يا منى، يا ريت تعملي لي فنجان قهوة بعد اذنك. بعد دقائق معدودة، عادت تحمل الصينية، وقدمت المشروبات للجميع بوقار، ثم اتخذت مجلسها بين نجليها، ارتشف "أشرف" من كوبه، ثم نظر إلى خاله متسائلاً: - هو انتوا مش هتيجوا البلد في أجازتي يا خالي؟ تطلع إليه باهتمام، فتابع "أشرف" موضحاً مقصده: - اصل انا اتفقت مع مهندس ديكور اتعرفت عليه في السعودية، انه يعملي شوية تعديلات في الشقة، وهو موجود في مصر اليومين دول. هنا، نقل عينه ببطء نحو "دليلة" التي كانت تجلس في المقعد المقابل، كانت مغرمة، مستسلمة لنظراتها التي تحدق في عينيه بشغف مكشوف، ليتابع وعيناه تخترقان عينيها دون خجل: -وكنت عاوز دليلة تكون موجودة معايا علشان تقول رأيها. اتسعت عينا منى بحدة ، وقطعت حديثه بنبرة تقطر بجدية صارمة: - وانتَ هتوضب في شقة المنصورة ليه يا اشرف؟ احنا مش اتفقنا انكم هتعيشوا في شقتكم اللي فوق؟! باغته هجومها المفاجئ، فارتبك للحظات تحت وطأة حدتها وغضبها غير المبررين، لكنه سرعان ما استجمع ثباته وأجاب بنبرة سريعة،حاول من خلالها امتصاص غضبها: - شقتنا اللي هنا هتكون هي الاساس يا مرات خالي، وان شاءالله هوضب فيها هي كمان وافرشها أحسن فرش، بس لازم شقة المنصورة هي كمان تتوضب علشان ماما ما تزعلش وتاخد على خاطرها. لم تترك "دليلة" حبيبها وحيداً في مواجهة تساؤلات والدتها، بل سارعت بالتدخل لتسانده، وقالت بنبرة عفوية تدافع بها عن حلمهما المشترك: -هو حضرتك ناسية اننا هنروح هناك اجازات ونعيش فيها يا ماما؟ فطبيعي تكون متوضبة ومفروشة. لم يلقى هذا التبرير قبولاً في نفس "منى"، إذ ظل الانزعاج ينهش صدرها، مصحوباً بتلك النبوءة السوداء التي تهمس لها دائماً بأن هناك ثمة خطراً قادماً سيعكر صفو هذه الزيجة. وفي المقابل، بادر "صادق" بتبديد ذلك التوتر بابتسامة واسعة، متجاهلاً هواجس زوجته تماماً، ووجه حديثه للشابين بأريحية: - شوفوا اللي يعجبكم يا ولاد واعملوه، واللي نفسكم فيه كله هييجي هنا وهناك. ثم نقل نظراته نحو "أشرف"، وقال بنبرة قوية تنضح بالرجولة والدعم الكامل: - واللي تقصر انت فيه، خالك في ظهرك وسداد. تألمت "منى" وأشاحت بنظراتها نحو زوجها بحزن دفين، إذ جرحها عدم شعوره بخوفها، وتجاهله المستمر لتلك الغصة التي تعتصر قلبها كأم. أما "أشرف"، فقد غمرته سعادة غامرة، والتمعت عيناه بالامتنان وهو يشكر خاله قائلاً: - قد القول وطول عمرك سداد يا خالي، وعاوز اطمنك، انا الحمدلله معنديش أي مشكلة في الفلوس. ثم أدار وجهه صوب "دليلة"، وارتسمت على ملامحه علامات الغرام، وقال بصوت يقطر عشقاً وعيناه تفيضان بالوعود: - واللي تعوزه دليلة كله انا تحت امرها فيه، انشالله تطلب لبن العصفور، هيكون عندها. في تلك اللحظة شعرت بأنها أسعد امرأة على وجه الأرض، وأن القدر قد ساق إليها نصيبها كاملاً غير منقوص، أربعة وعشرين قيراطاً من البهجة متجسدة في هذا الرجل. تساءلت في سريرتها زهواً: -ماذا تحتاج المرأة أكثر من رجل مستعد لصنع المستحيل، وتسخير روحه وأيامه فقط ليلمح بريق الفرحة في عينيها؟ وفي المقابل، ذاب غضبُ" منى" وتبددت شكوكُها تدريجيًّا تحت وطأة وعوده الصادقة، وخاصةً وهي ترى ابنتَها وقد أصبحت كفراشةٍ حالمة تحلّق فوق غيوم الحب. تنهدت بعمق وقد غمرتها الس/كينة، فماذا تحتاج الأم في نهاية المطاف أكثر من أن ترى ابنتها مستقرة وسعيدة، بين يدي رجل متيم بها، يحبها بصدق، ويغار عليها حتى من النسمة العابرة خشية أن تخدش رقة عينيها؟ _______♕_______ كانت تقف في ردهة المنزل، ممسكة بخرقة تنظيف تمسح بها أسطح الخشب وتعين والدتها على مشاق تنظيف البيت المعتادة، قطع انشغالها رنين الهاتف الأرضي ، وتزامن معه صوت والدتها القادم من داخل المطبخ وهي تصيح: -شوفي مين على التليفون يا ندى. زفرت بضيق طفيف، ورفعت صوتها ليصل لوالدتها قائلة: -حاضر يا ماما. تقدمت نحو الهاتف، ورفعت السماعة لتجيب بنبرة جادة: -ألو. أتاها عبر الطرف الآخر صوت رجولي دافئ وعذب، تسلل إلى مسامعها بوقار حانٍ وهو يقول: - ازيك يا ندى. أجابت بجفاء مصطنع حاولت به درء توجسها: - الحمدلله. ثم تابعت باستغراب واضح من نبرته المألوفة التي لم تخطئها حواسها: - مين معايا؟ ولم يكن المتحدث سوى ذلك العاشق الولهان، "فريد حسين المنشاوي"، الرجل الذي أضناه الهوى وأتعب الشوق قلبه، فلم يجد سبيلاً سوى المجازفة والاتصال بها مباشرة. تحمحم محاولاً إضفاء الجدية على نبرته وقال: - أنا فريد المنشاوي يا ندى. شعرت ببرودة مفاجئة تجتاح جسدها، وانتفضت أطرافها برعب جعلها تتلفت حولها بذعر خشية أن تلمحها والدتها، وهتفت بنبرة هامسة مذعورة: - نهارك اسود، انت جبت رقم تليفوني منين؟! هتف سريعاً ليطمئن ثورتها قبل أن تغلق الخط في وجهه: -طب ممكن تهدي علشان اعرف اقولك الكلمتين اللي عندي؟ لكنها قاطعتها بحدة متزايدة وعينين شاخصتين نحو المطبخ: - مش قبل ما تقولي جبت الرقم منين؟! ارتسمت على شفتيه ابتسامة مسلية وادعة، وتحدث بنبرة غازلها بها بخفة: - كدا هخليني اشك في ذكائك، وبصراحة دي اكتر حاجة شدتني ليكِ. زفرت بضيق ونفاد صبر، فتابع يشرح لها بوضوح: - جبته من دفتر الأرقام المسجلة. ضربت مقدمة رأسها بكفها، وراحت تلعن غباءها وسذاجتها في سرها، ثم عادت تتلفت بقلق وتابعت تسأله مستنكرة: -وهو علشان رقم تليفونا متسجل، ده يديك الحق انك تتصل بيا؟! تنهد بإحباط، وقال مستجدياً إنصافها: -طب انتِ قولي لي اعمل ايه وانتِ مش مدياني اي فرصة اكلمك ، وكل ما احاول اكلمك تصديني وتسبيني وتمشي يا ندى. رغم أن قلبها كان يميل إليه سراً ويخفق لإعجابها به، إلا أن مبادئها كانت درعاً لا يتزحزح، فأجابته بضيق حاسم: -انا قولت لك قبل كدا مش انا البنت اللي تقبل على نفسها تصاحب واحد وتخون ثقة اهلها فيها تحت اي مسمى. ارتسمت على وجهه علامات الفخر، وأجاب بصوت حالم يذوب عذوبةً: - عارف زفرت للمرة الثانية محاولة استعادة ثباتها: - ولما انت عارف، تاعب نفسك وداير تدور على رقم تليفوني ليه؟ واسنأنفت حديثها بسؤالٍ مستنكر: -انتَ عاوز مني ايه يا فريد؟! جاء رده الفوري ليقلب موازين عالمها في ثانية واحدة، إذ قال بنبرة واثقة هادئة: - تاخدي لي ميعاد من بابا علشان اجي أقابله . اتسعت عيناها بذهول تام، وشعرت بالكلمات تتجمد في حنجرتها كأن غصة مفاجئة أصابتها، تملكتها حالة من البلاهة والاندهاش أخرست لسانها، وقبل أن تستوعب وقع المفاجأة، خرج صوتها متحشرجاً بالكاد: -وانتَ عاوز تقابل بابا ليه؟! انطلقت منه ضحكة دافئة وخفيفة وراحت تداعب صدمتها، ثم قال ممازحاً: - عاوز اخد اذنه علشان اصاحب بنته. ضحك مجدداً تحت وطأة ضيقها وصمتها، ثم تابع بجدية بالغة : - بالعقل كدا هكون عاوزه في ايه؟ صمتت لبرهة، تاركاً إياها مع دقات قلبها المترقبة التي باتت تصم آذانها، ثم نطق بالكلمة التي تمنتها روحها: -أنا عاوز اخطبك من بابا يا ندى. تحول جسدها إلى ساحة لمعركة من المشاعر الجارفة،إذ اندفعت الدماء إلى وجنتيها، وسرت رعشة قوية في أطرافها امتزجت فيها الصدمة بفرحة طاغية كادت تقتلع قلبها من مكانه. لم تكن تنكر يوماً إعجابها به، وأن ملامحه وتفاصيله بدأت تحفر طريقها إلى وجدانها، لكنها كانت تخشى دائماً خوض تجارب قصص الحب الجامعي العابرة، وتهاب الوجع الكامن في نهاياتها المحتومة بالفراق. والأهم من ذلك كله، كان حرصها الشديد على ثقة والديها، فلم تكن لتقبل أبداً أن تخدش تلك الثقة الغالية، والآن، شعرت بسعادة مضاعفة تخترق ضلوعها، سعادة نابعة من فخرها بأنها صانت نفسها وحافظت على حيائها، ومكافأة ربانية لأنها فازت بالرجل الذي دق له القلب . طال صمتها، فتسلل القلق إلى قلب "فريد" بالطرف الآخر، وسألها بنبرة متوجسة: - قولتي ايه يا ندى؟ تحمحمت محاولة جاهدة لملمة شتات صوتها المرتعش، وسألته بنبرة يمتزج فيها الشك بالرجاء: - انت بتتكلم بجد؟ ولا بتقولي كدا علشان تفتح باب للكلام بينا؟ أجابها بجدية صارمة ونبرة حملت عتاباً رجولياً مهذباً: -عيب يا ندى، انا مش صغير ولا ندل علشان ده يكون تفكيري. وتابع مثنيًا: -وعلى فكرة، انا من اول مرة شوفتك فيها، لفتي نظري وعرفت انك غير كل البنات اللي حوالينا، فقررت اكلمك واتعرف عليكِ اكتر. كانت تستمع إلى كلماته وكأنها نغمات موسيقية، امتلأ قلبها بسعادة غامرة، وباتت دقاته تتسارع بعنف، شعرت بروحها تحلق عالياً كفراشة تحررت لتوها وتراقصت في الفضاء، من فرط البهجة. لكن هذا التحليق لم يدم، إذ انقطع فجأة مع خروج والدتها من المطبخ، وهي تنظر إليها بشك وتسألها: - انتِ سايبة اللي وراكي وبتتكلمي مع مين يا ندى؟ ارتعبت وتجمد الدم في عروقها، فخفضت السماعة بسرعة وأجابت والدتها بمرواغة مرتبكة: -مفيش يا ماما. ثم عادت تخاطب "فريد" بنبرة متلاحقة لتنهي المكالمة فوراً: - اوك، هشوف الموضوع وهرد عليك. أدرك موقفها الصعب، فقال بسرعة ونبرة تفيض بالهيام: - هستنى رأيك على رقم التليفون ده. واستطرد بنبرة حنون: - ندى، ما تتاخريش عليا. أطلقتْ تنهيدةً عميقة بعدما أسرها حنان صوته الدافئ، وتركته يتسللُ إلى أعماقِ روحها، قبل أن تجيبه بنبرةٍ غلفها الاستسلام: - أوك، يوم ولا يومين بالكتير وهرد عليك. أغلقت الهاتف ببطء، وجسدها ما زال يرتجف بفعل الإثارة، لم تحتمل كتمان هذا السر الكبير، فتوجهت على الفور إلى والدتها وقصت عليها كل ما دار في المكالمة دون تزييف. ما إن انتهت، حتى تهللت أسارير الأم وارتسمت على وجهها ابتسامة رضا واسعة، وأبدت ترحيباً كبيراً بالشاب، مشيدة بأخلاقه وتصرفه الرجولي الشهم الذي أثبت به صدق نواياه واحترامه لأصول العائلات. _______♕_______ داخل أحد المطاعم المحيطة بالمنطقة السكنية التي يقطن بها صادق، كانت الأجواء تنبض بالرقي والهدوء، إضاءة خافتة تتسلل من ثريات كريستالية، وعزف بيانو دافئ ليتناغم مع تلك الأجواء الرومانسية. كان "أشرف" يجلس وعيناه لا تفارقان "دليلة" التي بدت بجواره كأميرة توجها الغرام، في حين اتخذ "أحمد" مقعده بجوارهما يتابع الأجواء بهدوء فرضته فخامة المكان. أمسك "أشرف" بقائمة الطعام، ثم مال بجسده قليلاً نحوها، ورمقها بعيون عاشقة تفيض بحنان جارف ونبرة خفيضة تذوب عذوبة: - تحبي تاكلي ايه يا دليلة؟ شوفي المنيو وقولي لي نفسك في ايه. أرخت جفونها بخجلٍ ضاعف من فتنتِها، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ رقيقة التمع معها بريق الشغف في عينيها، قبل أن تُجيبه بصوتٍ يقطرُ عذوبة: -اختار انت يا أشرف، أنا هاكل على ذوقك. اتسعت ابتسامته وسرت في ملامحه موجة من الفخر والرضا، فنظر إلى النادل وأملى عليه الطلبات بذوق رفيع يعكس اهتمامه بأدق تفاصيل ما تحبه وتفضله. بعد قليل، وُضعت الأطباق على الطاولة بتنسيق أنيق، فتبادلا نظرة طويلة، نظرة اختصرت سنوات الغياب والمسافات، وحملت وعوداً بأيام مقبلة لا يفرقها شيء، لم يكن الطعام مجرد وجبة، بل كان فاصلاً من الاهتمام المتبادل، فكان "أشرف" يتابع كل حركة تصدر عنها، يقطع لها قطع اللحم بحنو، ويقرب إليها ما تبعد عنه يدها، وعيناه تملأهما رغبة عارمة في تدليلها وجعلها تشعر بأنها ملكة متوجة على عرش قلبه. أما هي، فكانت تتناول طعامها وعيناها تطوفان على ملامحه الرجولية باشتياق وهيام مكشوف، تدقق في تفاصيل ضحكته التي تضيء وجهه كلما التقت عيناهما، وتجيبه بنظرات تفيض بالامتنان والدلال، كأنها تخبره بصمت: "أنا أسعد نساء الأرض بجوارك". وسط هذا الطوفان من مشاعر الغرام، تنحنح "أحمد" محاولاً إثبات وجوده، فنظر إليه "أشرف" بابتسامة ودودة وربت على كتفه قائلاً بامتنان: -منور يا أبو حميد. أومأ الفتى برأسه مبتسماً ، بينما تلاقت أعين العاشقين مجدداً فوق الطاولة، وتعمقت الروابط بينهما بنظرة دافئة أعلنت أن قلوبهما قد توحدت، وأن طاقة العشق المحيطة بهما أقوى من أن يحجبها أي حضور. انسحب "أحمد" بلباقة وقام متوجهاً نحو دورة المياه، وما إن اختفى عن الأنظار، حتى انتهز "أشرف" تلك الفرصة الذهبية، مال بجسده كله نحوها، وامتدت يده بحنو لتقبض على كفها، هامساً بصوت يرتجف بالشوق: - وحشتيني. رغم أن حبها له يكاد يقتلع ضلوعها، وعشقها المهول يزلزل كيانها، إلا أنها سحبت يدها بسرعة غريزية متمنعة، فبرغم فيضان عاطفتها لم تسمح له يوماً بأن يتعدى حدوده معها أو يستبيح لمسها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة متفهمة، وقال بنبرة داعبها الغزل: -لسه بتتكسفي من لمسة إيدي ؟ ابتسمت بخجل زاد وجنتيها حمرة وآثاراً، فنظر في عمق عينيها وسألها بنبرة حملت عتاباً رقيقاً: - هو انا موحشتكيش؟ أطاحت الكلمة بحذرها، فهتفت بلهفة بالغة وصدق نضح به صوتها: - وحشتني طبعاً! ثم تابعت بحماس عالٍ وعينين تشعان فرحاً: - انت مش فاهم مفاجأتك دي عملت فيا ايه، ده انا مش مصدقة لحد الوقت انك قدامي. استأنفت بنبرة تقطر غرامًا: -ده انا من كتر ما انا فرحانة، خايفة اكون بحلم. تأمل ملامحها وقال بنبرة مزجت بين عمق العاطفة والمزاح اللطيف: - ما انت لو تسبيني امسك ايدك هخليكي تتأكدي. انطلقت منها ضحكة رقيقة مليئة بالعذوبة، وقالت وهي تذكره بالواقع: - علشان احمد يخرج ويشوفنا ويروح يقول لبابا، وساعتها مش هيسيبنا غير لما نتأكد احنا الاتنين. أطلق ضحكة قوية رجولية نبعت من أعماق قلبه، جعلتها تتسمر في مكانها وتنظر إليه بذهول، مغيبة تماماً وهي تتأمل وسامته وهيامه، لتقول بنبرة ذابت دلالاً: -تعرف اني بحب ضحكتك اوي. غمز باحدى عينيه بخفة وعفوية وقال لها محاولاً استدراج اعترافاتها: -ضحكتي بس اللي بتحبيها؟ ارتسمت على شفتيها ابتسامة عذبة، بينما اضاءت ملامحها ببريق الانبهار، وهي تتمتم: - انتَ خلتني مبهورة بكل حاجة فيك. ثم تابعت وعيناها العاشقتان تخترقان ملامحه: - ومن كتر ما انا منبهرة بيك، بقيت بقلدك في كل حاجة، لدرجة اني حاسة اني بقيت نسخة تانية منك. فاضت عيناه بمشاعر جياشة لم يستطع إخفاءها، وأجابها بنبرةٍ دافئة تملؤها الرقة: - ملاحظ، ومش قادر اقولك مبسوط قد ايه. شبك أصابعه معاً ووضع كفيه تحت ذقنه، مسنداً وجهه وهو يغرق كلياً في سحر عينيها، ثم قال بصوت خفيض حمل انبهاراً بمدى سيطرته على قلبها: - انا بقيت بجري في دمك يا دليلة، وبعد ما كنت بدعي ربنا انك بس تحسي بيا، حبي اتملك من كل ذرة فيكِ، مش قادر اوصف لك فرحتي بالموضوع ده. وتابع بنظراتٍ تهيمُ غرامًا: - انا بحبك، بحبك اوي. أطرقت رأسها مبتسمة بخجلٍ حرك الدماء في وجنتيها فزادتا توهجاً وسحراً، وفي تلك اللحظة عاد الفتى ليتخذ مقعده مجدداً، فتنحنح "أشرف" مستعيداً وقاره على عجل، وقال بترحيبٍ دافئ: - منور يا ابو حميد. ابتسم بهدوء وقال باحترام: - ميرسي يا ابيه. التفت "أشرف" نحو "دليلة" مجدداً،وبادرها بسؤالٍ يفيض باللياقة والاهتمام: -تحبي تاكلي ايه حلو؟ ثبّتت نظراتها في عينيه مباشرة، وقالت بنبرة حاسمة أعلنت فيها استسلامها الكامل لطباعه: -نفس اللي انت هتاكل منه. سرت في روحه قشعريرة انتشاء وفخر عارم بنجاحه في امتلاك قلبها، فارتفعت ثقته بنفسه إلى حدٍ كاد ان يصل للغرور، ذلك الكبرياء العظيم الذي لا يعرفه سوى رجلٌ ذاق لوعة العشق وبعد طول صبرٍ، انتصر. _______♕_______ داخل منزل "عبد الرحمن المسيري"، هبطت "يمنى" إلى الطابق السفلي، فوجدت والدة زوجها تقف أمام الموقد تنشغل بإعداد الطعام. تنهدت بضيق مكتوم حاولت إخفاءه، ثم تحدثت بنبرة مغلفة بوهن مصطنع وجسد مرتخٍ: - صباح الخير يا طنط. التفتت إليها بوجه بشوش تعلوه طيبة فطرية، وأجابتها بنبرة ترحيبية: -صباح النور يا بنتي. جلست على المقعد المحيط بالطاولة، وراحت ترمق الأواني بنظرات فاحصة قبل أن تسألها: -بتطبخي بدري يعني، ده لسه الساعة 11! أجابتها وعيناها تتابعان نضج الطعام: -رشيد عاوز ياكل بامية باللحمة الضاني، والبيت عاوز يتنضف، فقولت اعملها الاول واركنها، وابقى اطلع انضف البيت براحتي. انشغلت بتقليب الطعام، بينما كانت "يمنى" تلوي فمها في سخريةٍ صامتة، وقد تملكها الرعب فجأة من أن تطلب منها والدة كريم مشاركتها في مشقة تنظيف المنزل، فاحتمت سريعاً ببراعتها في التمثيل، وقالت بنبرةٍ يكسوها الضعف المفتعل: -ربنا يقويكِ يا طنط. ثم تابعت بخبث وهي تضع كفها فوق جبهتها كمن يعاني: - عندي صداع وحش اوي، لو ينفع تعملي لي كنكة قهوة جنبك يبقى كتر خيرك. ردت "سامية" بعفوية: -من عنيا يا يمنى، افتحي التلاجة وافطري الاول، رشيد جايب حاجات حلوة اوي امبارح بالليل. ما إن وقعت الكلمات في مسامعها حتى انتفضت واقفة، وتلاشت ملامح الإعياء المزعومة في ثانية واحدة، اندفعت نحو الثلاجة وفتحت بابها، ليتسع بؤبؤ عينيها بذهول وطمع وهي تطالع ما في الداخل. فقد كانت الرفوف تكتظ بعلب متنوعة من الأجبان الفاخرة، ومربى من جميع الأطعمة، وأكثر من عبوة زجاجية من معجون الشوكولاتة، والزيتون المشكل، فضلاً عن اللحوم المصنعة والعصائر، وبعض الفواكة المتنوعة. ابتلعت ريقها بحقدٍ دفين وهي تتفقد المحتويات، وراحت يداها تُخرجان الأصناف وتصفانها على الطاولة بنهمٍ وجشع، ثم التفتت قائلة باستكانة مصطنعة: -حبيبتي يا طنط، ده أنا على عشايا من امبارح، ده حتى كريم نزل شغله من غير فطار يا حبيبي. نظرت إليها "سامية" بملامح يكسوها العتاب، وقالت بلوم: -اخص عليكِ يا بنتي، طب كنتي فطريه واعملي له كباية شاي. وتابعت بنبرة تقطر لومًا: -تسبيه يخرج يا قلب امه، وهو على لحم بطنه! أشاحت بنظراتها نحو الأرض، وتصنعت ملامح منكسرة، وقالت بكلمات مسمومة ومقصودة: -وهو يعني كان بمزاجي يا طنط، احنا اخر الشهر والتلاجة مفيهاش حتى بيضة. تسمرت "سامية" في مكانها، وسألتها بجدية واستنكار: -اخر الشهر ايه، هو انتوا بتصرفوا حاجة في شقتكم يا يمنى؟! ردت بنبرة تفيض باللوم والتهكم الساخر: -هو انتِ ناسية التليفون المحمول اللي اشتراه كريم، ده شفط المرتب كله. هزت "سامية" رأسها بعدم رضا، وقالت تذكرها: -التليفون ما هو جايبه الشهر اللي فات! أجابتها يمنى ببجاحة وتبرير ملتف: - سعره غالي يا ماما، وما تنسيش ان كريم بيركب مواصلات، ده غير مصاريفه في الشغل، الشاي والسجاير لوحدهم بالشيء الفلاني. واستطردت لتلقي كامل اللوم على رشيد: - الله يسامحه بقى رشيد، مش لو كان جاب له تليفون زي عمي وبسمة مكناش اتزنقنا الزنقة السودة دي. تنهدت "سامية" باستياء شديد، واعتصر قلبها آلمًا جراء وقاحة زوجة ابنها الفجة، ونكرانها للفضل، فالتزمت الصمت لعل الأخرى تخجل وتتوقف. لكنها تمادت في جحودها، وتابعت توزع اللوم الشديد قائلة بمرارة: - دي حتى العربية راكنها في جراج وبيدفع لها شهرية، ومستخسر يسيبها لاخوه يروح بيها الشغل. إلى هنا ولم تعد المرأة تطيق هذا السيل الجارف من الوقاحة والتجاوز، فاستدارت نحوها بكامل جسدها، ورمقتها بنظرةٍ حادة قبل أن تواجهها بنبرةٍ قاطعة زلزلت كل ادعاءاتها الكاذبة: - مهو سابها له قبل كدا، وبدل ما يحافظ عليها خبطها له بدل المرة اتنين! ثم هتفت بجدية وصرامة لتضع حداً لبشاعتها: - الراجل من حقه يحافظ على القرش اللي بيشرب المر على ما يجيبه. زفرت "يمنى" بحنق ولزمت الصمت مرغمة وقد احتدت ملامحها، بينما استدارت السيدة تكمل إعداد الطعام وشرعت في صنع القهوة لتنهي هذا النقاش العقيم. نظرت "يمنى" يميناً ويساراً ، ثم سألت بفضول وخبث: - امال لبنى فين؟ أجابتها باقتضاب وجفاف: - رشيد خدها ونزل يشتري لها كام جاكيت على كام كوتش للجامعة. لم تتمالك غيظها، فهتفت بحدة وصوت مرتفع نم عن غلها الدفين: - ورشيد يشتري لها ليه ان شاءالله، مش بقى ليها خطيب مسؤول عنها؟! ضاق صدر المرأة ونفخت زفرة حارقة وهي ترمقها بنظرة نارية قائلة: -وخطيبها يشتري لها هدومها ليه؟! أدركت الأخرى أنها تمادت، فلوت شفتيها ببرود مدعى وقالت وهي تلملم العلب البلاستيكية من أمامها وتعيدها مرةً آخرى للمبرد: -انا هسكت علشان كلامي مبيعجبش. حملت "سامية" حقيبة بلاستيكية وبدأت تجمع فيها بعض العلب من الأطعمة والخيرات التي جلبها "رشيد" بالأمس، ثم التفتت نحو زوجة ابنها وقالت بنبرة هادئة: - ابقى خدي الحاجات دي معاكِ وانتي طالعة ، افطري منها انت وكريم لحد ما تقبضوا. لمعت عيناها بجشع وقد تهللت أساريرها، فأجابت بسعادة بالغة: - تسلم ايدك يا طنط، اركنيهم لي تحت الترابيزة لما اجي طالعة هبقى اخدهم. التقطت كوب القهوة الساخن، وفتحت المبرد لتأخذ بعض الفواكه الطازجة، ثم توجهت بخطى متهادية نحو الصالة، ارتمت فوق الأريكة المريحة، وشغلت التلفاز ثم تربعت في جلستها ببرود تام، تتابع العرض مستمتعة برشفاتها وقضماتها. بينما شرعت الآخرى في تنظيف المنزل، ومواجهة المهام الشاقة بمفردها، فرمقتها "يمنى" بنظرة خبيثة، وقالت بوهنٍ مصطنع وصوت خفيض: - معلش يا طنط، لو قادرة كنت ساعدتك، بس الصداع مخليني مش شايفة قدامي. تنهدت المرأة بعمق ولم تنطق ببنت شفه، فقد اعتصر صدرها الضيق من تصرفات زوجة ابنها المتخاذلة، لكنها التزمت الصمت وتجرع مرارة التغاضي، رغبة منها في الحفاظ على هدوء بيتها وإبقاء جدرانه بعيدة عن وهج المشاكل العائلية. جمعت السجاد في إعياءٍ شديد، وأزاحت الغبار عن الخشب، ثم ملأت الدلو بالماء والمطهر، لتنحني بجسدها المنهك، وراحت تمسح الأرضية بأنفاسٍ لاهثة استنزفت ما تبقى من قوتها. فجأة تناهى إلى مسامع "يمنى" صوتا "رشيد" و"بسمة" وهم يقتربان من باب الشقة في الخارج، وفي لمح البصر، انتفضت من جلستها المتربعة كمن أصابتها صعقة كهربائية. اندفعت بجسدها نحو السيدة، وقبضت على الممسحة تنتزعها من يدها بقوة غريبة وهي تهتف بنبرة حنون: - عنك يا طنط، روحي ارتاحي انتي يا حبيبتي. فردت "سامية" ظهرها المتعب، ورمقتها بنظرة صامتة امتلأت بالاستغراب والذهول من هذا التحول الفجائي، غير أن سماعها لصوت المفتاح يدور في قفل الباب جعلها تفهم فورًا. فقد أدركت بحنكتها أن زوجة ابنها ترتدي هذا القناع اللحظي فقط لتظهر في ثوب الضحية المنهكة، وتحمي نفسها من أي ملامة أو تقريع قد يوجهه لها العائدون. دلف "رشيد" ومعه "بسمة" إلى بهو المنزل، فنظرت "يمنى" نحو "رشيد" وارتسمت على وجهها ابتسامة زيف شاحبة، بينما راحت تتنفس بتلاحق مفتعل وكأنها تكاد تسقط من فرط التعب، وهتفت بنبرة لاهثة: - حمدالله على السلامة يا باشمهندس. تحاشى النظر إليها تماماً، ونأى بعينيه عن ملامحها بدافع المروءة والاحترام، وأجاب باقتضاب بارد: - الله يسلمك يا يمنى. خطا بخطوات سريعة متوجهاً صوب غرفته ليوفر لها خصوصيتها، حيث أغلق الباب خلفه وشرع في تبديل ثيابه. _______♕_______ بعد عدة أيام، حزمت عائلة "صادق" أمتعتها وتوجهت إلى مدينة المنصورة، حيث استقروا للمبيت في منزل الجدة، وفي صباح اليوم التالي، اجتمع الجميع في منزل "السيد عزام". صعدت "دليلة" برفقة "أشرف" إلى الشقة المخصصة لهما ىالطابق الثالث، حيث كان مهندس الديكور بانتظارهما، راحت تشرح برفقة حبيبها أدق التفاصيل وتصورهما لعش الزوجية المنتظر، ثم أطرقت ببصرها نحو الأرض، وقالت بنبرة هادئة: - البلاط ده محتاج يتغير يا اشرف. أومأ بالموافقة دون تردد، وما إن أنهى المهندس معاينته وغادر المكان، حتى هبط الخطيبان إلى الطابق السفلي، فلم يجدا سوى نسوة العائلة، إذ كان الرجال قد غادروا جميعاً صوب الأراضي الزراعية. قال "أشرف" أمام الجميع إنه قرر تغيير بلاط الشقة بالكامل تلبيةً لرغبة "دليلة"، لم تكد الكلمات تخرج من فمه حتى هتفت "فاطمة" بحدة واعتراض صريح: -بلاط ايه يا ابني اللي هيتغير، انت تعرف تلاقي زي البلاطة دي ولا في لمعتها؟! أجابتها "دليلة" بمرونة ومحاولة للإقناع: - البلاط بقى موضة قديمة يا طنط، الوقت الكل بيركب سيراميك،شكله أقيم وتنضيفه أسهل. لوت فمها وتحدثت بنبرة تهكمية: -وهي كل حاجة موضة هنمشي وراها يا دليلة؟! كانت "منى" ترقب المشهد عن كثب وتحت ترقب شديد، كانت تنتظر على أحر من الجمر رد فعل "أشرف"، فبناءً على موقفه الآن ستتحدد طريقتها في التعامل لاحقاً. جاء الرد أسرع مما توقعت، إذ تحدث ذلك العاشق بصوت جهوري حاسم، حاملاً نبرة رجولية لا تقبل النقاش وهو يوجه حديثه لأمه: - اللي دليلة هتختاره وتقول عليه هيتعمل يا ماما. ثم التفت نحو حبيبة الروح، و نبرته الحادة قد تحولت إلى فيض من الحنان والوعد الصادق وهو يقول وعيناه تخترقان عينيها: - اللي نفسك فيه كله هعملهُ لك، انتِ تؤمري وانا انفذ. تنهدت "منى" براحة عميقة كأنه أزاح جبلاً عن صدرها بحديثه، أما "دليلة"، فبرغم الفرحة العارمة التي اجتاحت كيانها وهي ترى عشقهما معلناً ومنصوراً أمام الجميع، إلا أن رقة قلبها وأصلها الطيب منعاها من أن تكسر بخاطر عمتها أو تبذر بذور جفاء بينهما. التفتت إليه وقالت بنبرة لينة تفيض بالاحترام: - خلاص يا اشرف، ما تغيرش البلاط، طنط فيفي عندها حق، البلاط فعلاً شكله حلو. ثم تحركت لتجلس بجوارها، وتابعت بصوت حنون مس شغاف قلب فاطمة: - انا أهم حاجة عندي رضاكِ وانك تكوني مرتاحة. تبدلت ملامح "فاطمة" في الحال، ونظرت إلى الفتاة بنظرة تقطر حناناً دافقاً أذاب ممانعتها، وقالت وقد أسرها هذا الأدب والحنان المتدفق: - طب عشان الكلمتين الحلوين دول البلاط هيتغير طبطبت على كتفها وتابعت بابتسامة صافية انمحت معها كل الخلافات: - واللي تشاوري عليه كله يتنفذ في الحال يا بنت الغالي. غمرت السعادة قلب الفتاة، وهي ترتمي في أحضان عمتها التي استقبلتها بحنانٍ دافق، ليعم الارتياح الأجواء وتتنفس "منى" الصعداء مجدداً، التفتت "عايدة" نحو شقيقتها ووجهت إليها حديثها بنبرةٍ مازحة غلفها المرح: -يسلام عليك يا فيفي لما تبقي راضية ثم نظرت إلى ابنة أخيها وتابعت بغمزة لطيفة: - ويا بختك يا دليلة بدلع حماتك ليكي. علت الضحكات وملأت الأرجاء، عمت الفرحة قلوب الحاضرات، فعلقت "رقية" مؤكدة: -محدش يحب دليلة في الدنيا دي كلها قد عمتها. وأيدتها "أماني" بنبرة تنضح بالفخر والاعتزاز: -وهي دي اي حد، دي بنت الغالي يا جماعة. وسط هذا الصخب، جلست"داليا"جانباً، تصغي إلى سيل المديح بملامح باردة وعينين ملأهما اللوم، ورغم صدق حبها للفتاة، وتمنيها الخير لها، إلا أن حسها الأنثوي التقط بوضوحٍ ذلك التحيز الفج، شعرت بجفافٍ في حلقها إثر التفرقة الصارخة في المعاملة، وأثقل صدرها كيف تُقاس الأمور بمقاييس مختلفة في ترتيبات هذا الزواج مقارنةً بما عاشته في زيجتها." _______♕_______ بعد مرور عدة أيام، تعب جسد "رغدة" الواهن بفعل الحزن، تصاعد ضغط دمها إلى مستويات خطيرة أثارت ذعر الجميع، مما استدعى نقلها على عجل إلى المستشفى حيث قبعت تحت الملاحظة الطبية ليومين كاملين. وطوال تلك الفترة، لم تتركلها "منى" و"وفاء" لثوانٍ. وما إن تسرب النبأ إلى "أشرف" في المنصورة، حتى حزم أمره وقطع المسافات قادماً إلى القاهرة لزيارتها برفقة خطيبته. انسحبت منى مؤقتاً لتعود إلى منزلها، رغبةً في نيل قسط من الراحة والاستحمام، تمهيداً لرحلة مبيتها الطويلة بجوار شقيقتها بالمساء، بينما اغتنم "أشرف" الفرصة، فاستأذن خاله وخالته واستقل سيارته بصحبتها ليبتاعا معاً باقة من الزهور الفاخرة تليق بالزيارة. داخل غرفة "رغدة" بالمستشفى، كانت الأجواء تغلفها السكينة التي يقطعها همس تلاوة القرآن الكريم، حيث جلست "وفاء" بخشوع تقرأ من مصحفها بجوار الفراش. دلف "وائل" بخطى هادئة، واقترب من أمه الراقدة هامساً بنبرة وقورة: -ماما، الباشمهندس رشيد اللي كلمتك عنه، عرف انك تعبانة وجاي يزورك. تلمست رداءها، وتحاملت على وهنها لتعتدل في جلستها بمساعدة والدتها، وقالت بصوت مجهد لكنه يحمل ترحيباً: - خليه يتفضل يا حبيبي. دلف "رشيد" إلى الغرفة بهيبته المعهودة ورزانته، فقد علم بالصدفة المحضة من "وائل" بمرض والدته، ولم يتردد لثانية في أن يأتي لزيارتها ومؤازرة الشاب الصغير في محنته. تقدم بخطى رصينة وقال بنبرة جادة تنضح بالاحترام: -السلام عليكم، ألف سلامة على حضرتك يا فندم. أجابته بابتسامة باهتة وصوت يملؤه الضعف: -الله يسلمك يا بشمهندس. نقل "وائل" نظراته نحو جدته، وأشار بيده قائلاً بامتنان: - تيتا وفاء يا باشمهندس. التفت إليها على الفور، وألقى عليها التحية بوقار بالغ نابع من أصوله الطيبة، وقال بود حانٍ: -اهلا، ازي صحة حضرتك؟ انفرجت أسارير الجدة عن ابتسامة هادئة وادعة، وقالت بنبرة تتدفق باللطف: - الله يسلمك يا ابني، ده وائل ما بيبطلش كلام عنك. تقدم "رشيد" خطوة ووضع علبة أنيقة من الشوكولاتة الفاخرة فوق الطاولة المجاورة، فبادرت "وفاء" بالتعقيب: - تاعب نفسك ليه بس؟ أجابها بتهذيب شديد ينظر للأرض: -مفيش تعب ولا حاجة يا ماما، دي حاجة بسيطة. قضى دقائق معدودة أطمئن فيها على السيدة، قبل أن يستأذن بلباقة وينسحب خارج الغرفة، وقف خارج الغرفة، ودس يده في جيبه ليخرج ظرفاً مغلقاً يحوي مبلغاً من المال، ثم مده نحو "وائل" قائلاً بلهجة حاسمة: - خد الفلوس دي خليها معاك يا وائل. ارتسمت علامات المفاجأة على وجه الشاب، وتراجع خطوة للخلف رافضاً بشدة وعزة نفس واضحة وهو يقول: - معايا الحمدلله يا باشمهندس، ده غير ان ماما داخلة المستشفى تبع التأمين الصحي لشغلها، يعني ما دفعناش فلوس. حاول "رشيد" مع الشاب مرةً اخرى وهو يقول باصرار: -طب خليهم معاك يا سيدي وابقى رجعهم لما طنط تخرج من المستشفى بالسلامة. أصر "وائل" على موقفه وهز رأسه برفض هادئ ينم عن شموخه، فما كان من "رشيد" إلا أن ابتسم مقدراً، واحترم رغبته وعزة نفسه دون إلحاح يجرحه. وفي تلك اللحظة ، انفتح باب الممر الخارجي ودلفت "دليلة" تتهادى بخطواتها الرقيقة، وبجوارها "أشرف" الذي كان يحمل باقة زهور ضخمة تنسقت ألوانها بعناية. لمحت ابن خالتها يقف على مسافةٍ منهما برفقة رجلٍ يواليهما ظهره ويتحدث إليه بنبرةٍ خفيضة، فأشارت إليه بيدها وهي مبتسمة، طالعها "وائل" وبادلها إشارةً ترحيبية هادئة، بينما ظل "رشيد" ثابتاً في وقفته، موالياً ظهره للممر، غافلاً تماماً عن هوية القادمين من خلفه، وقبل أن يصلا إلى حيث يقفان، كانت وجهتهما قد اكتملت، إذ دلفت إلى الغرفة القريبة واختفت بصحبة أشرف سريعاً خلف بابها المغلق. تحدث رشيد إلى "وائل" بنبرة هادئة لينهي تلك الزيارة: -هسيبك لضيوفك، ولو احتجت حاجة في اي وقت رن عليا. امتلأت عيناه ببريق الامتنان، وقال بصوت خرج من أعماق قلبه: - متشكر جداً يا باشمهندس، وبجد مش قادر اقول لك زيارتك دي فرقت معايا ازاي. ربت على كتفه بقوة ودعم ، وأجابه بصدق شديد: - انت اخويا الصغير يا وائل، سلام عليكم. استدار بثقةٍ مغادراً أسوار المستشفى، استقل سيارته وتحرك عائداً إلى منزله، تاركاً خلفه أثراً طيباً لا يمحى في قلب الشاب الأصيل. انتهى الفصل #لَوْلاَ_الغَرَامُ_روز_أمين