رواية قدر و وصال (الجزء الأخير) بقلم هدير ممدوح

_أنا تعبت ياوصال واحترت ومش عارفه أعمل إيه.
ربتت وصال على كتفها وقالت بحنو:
_رب الخير لا يأتي إلا بالخير، مش يمكن ده كله حصل عشان هنا هتقابلي شريك حياتك، ربنا ليه حكمة فكل اللي بيحصلنا ده ياقدر.

ردت قدر وهي مسبلة العينين:
_ونعمة بالله.
طرقات على الباب قاطعتهم، فسمحت وصال للطارق بالدخول، فدلفت أميرة وهي تقول:
_قدر، عمك جه تحت، تعالي سلمي عليه.

نظرت قدر لـ وصال فهزت لها وصال رأسها
لتقول أميرة بدهشة من أمرهم:
_مالكم فيه حاجه حصلت.
ردت وصال قائلة:
_لا ياحبيبتي، هننزل اهو.

غمغمت أميرة بخفوت:
_تمام ياحبايبي يلا بينا.

هبطن الفتيات خلف بعضهم، ورأى رفعت قدر فقام وعانقها بحنان قائلاً:
_أتمنى تسامحيني يابنتي على تقصيري معاكم، بس أنتي شايفة الظروف أهو، وكمان آسف عشان مقدرتش احضر عزا والدتك.

لثوانِ جاء أمامها طفيف والدتها الراحلة وتلألأ الدمع بعنيها ولكنها تماسكت وقالت بجفاء:
_بلاش نحكي في اللي فات ياعمي وشكرًا لأنك جيت.
جاءت رهف مع جوري وعانقت عمها وجلس الجميع بجانب بعضهم فقال علاء:
_الساعة أربعة المأذون هيكون هنا، عاوز الكل يكون جاهز.
ووجه حديث لـ رفعت قائلاً:
اكيد تعبت من السفر ياعمي الأوضة جاهزة لو هتروح ترتاح شوية.
استقام رفعت واقفاً وهو يقول:
_ماشي يابني، كتر خيرك.
نادى علاء على العاملة، لترافقه إلى الغرفة.

مالت وصال على أذن قدر قائلة بهمس:
_قوليله على اللي عمله سيد امبارح.

لاحظ علاء همسهم فقال بشك:
_عاوزة تقولي حاجه يا قدر.

ردت قدر بخفوت:
_لا ولا حاجة.
ومالت على أُذن وصال قائلة:
_هقوله بعدين، مش دلوقتي.
وهزت قدر، رأسها بنعم.

فجاءهم صوت أُلفت:
_يلا يابنات مفيش وقت كله يروح يجهز.

وقف الجميع مغادراً، فقال علاء:
_قدر استني عايزك.
رحل الجميع وظلت قدر واقفة بالقرب منه فقال هو:
_أنتي عارفة أكيد انه مش هنعمل فرح، احتراماً لوالدتك.
هزت قدر رأسها وقالت:
انا عارفة بكدة حضرتك.
قالت جملتها وغادرت سريعاً من أمامه، بينما زفر هو بعمق واستقام واقفاً.
•••••••••••••
صوت موسيقى خافتة ملأ المكان، وهبطت رهف وجوري وهم يلبسون فساتين لمناسبات الزفاف و أخذوا يترقصون على النغمات الموسيقية.
وبغرفة الفتيات، توجهت أميرة لهم بفستانها البسيط والخالي من النقوش من خامة الستان باللون الأزرق الجميل، وقامت بوضع لمسات من الزينة والتي اظهرت جمالها وبرزت ملامحها ، ووصال التي لم تكن أقل جمالًا منها فكانت تلبس نفس الثوب ولكنه بلون مختلف، خرجت قدر من المرحاض، بثوبها الابيض الفضفاض، والذي جعلها تبدو كالملائكة جلست أمام المرآه وقامت وصال بلف خمارها من نفس اللون، ووضعت أميرة لها بعضاً من أحمر الشفاه و استخدمت بعض من أدوات الزينة تحت رفضها الشديد.
انتهت لمساتهم الأخيرة على لوحتهم الفنية تلك.

فأمسكت وصال كفها وجعلتها تدور حول نفسها وقالت بأعجاب طل من عينها:
_ماشاء الله ياقدر طالعة قمر أوي.
وقالت أميرة مازحة :
_أخويا أبن المحظوظة وقع واقف.
ابتسامة بسيطة زينت ثغر قدر وقالت:
_بلاش مبالغة طالعة عادية جداً.

ردت وصال قائلة:
_طول عمرك هبلة، يابنتي أنتي أصلاً قمر.

انفتح الباب وطلت منه والدت علاء نظرت إلى قدر بتمعن وقالت:
_يلا يابنات المأذون تحت.
فقالت أميرة بمرواغة:
_مش هتقولي رأيك في قدر.
أخفت ألفت إعجابها الشديد بها وقالت:
_عادي، حلوة، يلا بقا بلاش تضيع وقت، الموضوع واقف على توقيعها.
ربتت أميرة على كتف قدر وهبط جميعهم للأسفل.

جلست قدر وجاءوا لها بالدفتر، واخذت تمضي وتبصم على أوراقه، وكأي أم مصرية أطلقت ألفت الزغاريد.

جذبت أميرة شقيقها وقالت
_ يا ابني اقعد هنا جمب عروستك عاوزة أصوركم مع بعض.
فجلس علاء بجانبها ووضع يده محاوطاً كتفها فنظرت هي له بدهشة وخجل فغمز هو بعينه لها، وألتقطن لهما أميرة ووصال الكثير من الصور، ومر الكثير من الوقت والسعادة تغمر وجوههم في جو مليئ بالبهجة.

تحدثت ألفت قائلة:
_يلا ياعلاء خد عروستك واطلعوا.

وقفت قدر مرتبكة حائرة، وارتجف جسدها أثر أحتضان كفه كفها.

وصعد بها للأعلى.

توقفت هي بمنتصف الغرفة، لا تعلم ما الذي عليها فعله، بينما توجه هو لخزانة الملابس أخرج منها ملابس بيتية مريحة مع منشفة وقال وهو يخطو متوجهاً للمرحاض:
_في هدوم ليكي في الدولاب تقدري تغيري.

ألقى جملته تلك وتوجه للمرحاض، ولم يمضي الكثير بالداخل حتى خرج، وقع نظره عليها تقف بالشرفة، وتلبس عباءة بيتية ومازال حجابها على رأسها.

توجه لها ووقف بجانبها وقال:
_مش خايفة تاخدي برد.

ردت قدر بصوتٍ خفيض:
_الجو مش برد بالعكس جميل جداً.

غمغم علاء قائلاً:
_براحتك، ودلف للداخل وجذب حاسوبه من أعلى الطاولة وجلس على الأريكة.

وكانت قدر تسترق النظر إليه بين الحين والاخر.

مر حوالي النصف ساعة، حتى أستمعوا لصوت طرقات على الباب فاستقام علاء واقفاً وتوجه إليه ليجد العاملة أمامه ممسكة بصينية عليها الكثير من أصناف الطعام، وقالت :
_الست ألفت بعتت العشا ياعلاء بيه.
هز علاء برأسه وتناول منها الصينية فغاردت هي ووضع الطعام أعلى الطاولة الصغيرة التي كانت تتوسط الغرفة، وتوجه للباب مرة أخرى وقام بإغلاقه وتوجه للشرفة قائلاً:
_قدر، يلا عشان تاكلي.

تمتمت هي قائلة:
_لا ماليش نفس.
قبض على رسغها وسحبها للداخل وقال:
_يلا ياقدر، انتي مش عيلة صغيرة.

وقفت هي مكانها وقالت بتحدي:
_وهو اللي مش عاوز ياكل يبقا عيل.

_ آه
هكذا قال وهو يبتسم بنظرة ماكرة.
فضـ,ـربت على الأرض بقدمها كالأطفال وقالت:
_إنسان مستفز.
فرد هو بمرواغة:
_واهو أنا بحب استفزك، بتبقي جميلة وانتي متغاظة وهطقي كده.

هتفت قدر بحدة:
_لا ياشيخ.
قبض علاء على رسغها واجلسها بجانبه وقال:
_سيبك من كلام العيال ده وتعالي اقعدى.

تناولوا بعض اللقمات، وعادت العاملة مرة أخرى لتأخذ الصينية، وبعض وقتٍ طويل كان علاء منشغلاً بحسوبة، وقدر تتنقل على تطيبقات هاتفها بعشوائية، توجه هو واغلق الأضواء إلا ضوء خافت كان ينير الغرفة وقال بهدوء:
-خدي راحتك، أنا هنام مكاني هنا.
هزت هي رأسها عدة مرات وبعد دقائق معدوة اعتدلت فراشها ناظرة إليه وهو يوليها ظهره فقالت:
_علاء أنت نمت
اعتدل علاء قائلاً:
_لأ لسة ياقدر، محتاجة حاجة.

قالت بتوتر تجلى في نبرتها:
_كنت محتاجة اقولك على حاجه حصلت وقت الحريقة.
رد هو بتريث:
_قولي سامعك.

قصت له مجيئ سيد وتهديده، فقال هو:
_عارف.
تعجبت هي قائلة:
_عارف إيه؟!
رد علاء:
_كل ركن هنا فالبيت في كاميرا إلا الغرف طبعاً، وقاسم شاف سيد وهو خارج وهو دلوقتي خد جزاته.
ردت هي بدهشة اعتلت ملامحها:
_طيب وإيه اللي حصل.
أولى لها ظهره وقال:
_نامي ياقدر الصبح نبقا نحكي.

في إحدى المخازن القديمة.

يتواجد سيد على كرسيًا مربوط الأيدي والأقدام بوجه مليئ بالكدمات ويأن من الألم٠
اقترب منه أحد الشباب الذين يحرسونه كي لا يهرب وبيده إناء مليئ بالماء فقام بسكبه على كامل جسده لينتفض الأخر صارخًا وقال:
_فكوني، لو رجالة بجد فكوني والله لندمكم
رد الشاب عليه ساخراً:
_أنت كمان فيك حيل تنطق ده علاء بيه مخلاش فيك حتى سليمة.
رد سيد قائلاً بشر:
_والله لقتـ,ــ,ـله، واشرب من دمه، واحرق قلبه عليها.
رد الاخر قائلاً:
_أنت أخرك تهديد بس، ولا هتقدر تعمل حاجه.

خرج صوت سيد ضعيف وهو يردد:
_مش هسيب حقي، هقـ,ــ,ـتله.
فتركه الشاب، متوجها إلى رفاقه.. وهو يقهق متهكمًا.

“في الصباح”
عمت الزغاريد المندلعة من جوف ألفت و أم نور تسير خلفها وهي تحمل صينية بها طعام للعروسين، نقرت على الباب عدة مرات، وبالداخل انتفض علاء الذي كان نائم أعلى الأريكة واستقام واقفاً، وفاقت ايضاً قدر واعتدلت في جلستها وكادت ان تقوم، حتى اشار علاء بيده وهو يقول:
_خليكي زي ما انتي أنا هشوف في إيه.

توجه للباب وقام بفتح، فتحة صغيرة ومر منه واغلقه بيده، وما ان رأته ألفت حتى عانقته قائلة:
_ألف مبروك ياحبيبي.
غمغم علاء بصوتٍ ناعس:
_الله يبارك فيكي يا أمي.
نظرت ألفت للباب قائلة:
_فين عروستك.
_”نايمة”
هكذا تمتم علاء بخفوت.

هزت هي رأسها بتفهم قائلة:
_جبنالكم الفطار، قلت عروسة ولسة أول يوم، خليها تاكل في أوضتها.

أخذ علاء الطعام من يد العاملة وقال على عجل وهو يدلف للداخل:
_طيب يا أمي متشكر ليكي.

ما ان رأته قدر حتى قالت:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *