رواية قدر و وصال (الجزء الأخير) بقلم هدير ممدوح
قال وائل بهدوء:
_طيب أدخلي تعالي نتكلم جوة.
دلفت نجلاء على مضض وجلست على إحدى الأرائك وقالت بحدة:
_أنجز عملت إيه بالفلوس.
رد وائل بحنق قائلاً:
_هقولك…..
قص عليها مخطط مجدي.
فضحكت هي بصخب قائلة:
_أيمن عرف كل حاجة، وهو اللي عمل كده وطلقني كمان.
هتف وائل بتعجب:
_طلقك!!
قصت نجلاء عليه مخطط أيمن…
فقال وائل ساخراً:
_يعني أنتي بقيتي على الحديدة.
أردفت نجلاء:
_أيوة، عشان كده جيتلك.
أجابها بأمتعاض:
_وجاية ليه؟
ردت هي قائلة:
_إيه اللي جاية ليه أنت ناسي أنا اللي لقيتلك الوظيفة عند أيمن وأديك أتأجرت شقة وعايش من خيري.
عقد وائل حاجبيه وهتف بغضب:
_خير يا أم خير، يلا يانجلاء أمشي من هنا مش عاوز أشوف وشك، وبعدين لو على الوظيفة أيمن دلوقتي هيطردني ياحلوة.
أجابته بحدة تجلت في نبرتها قائلة:
_يعني إيه أنا هصفى فالشارع من غير ولا حاجة.
أجاب وائل بلا مبالاة قائلاً:
_أرجعي لحارتك القديمة، أعملي اللي تعمليه مش قصتي..
واستقام جاذباً يدها وهو يقول:
_يلا بقا يانجلاء من هنا، مش ناقص وجع دماغ أنا.
تاركها أمام شقته وصفع بابه بوجهها.
فانتفض جسدها وانهمرت الدموع من عنيها ولكنها أزاحتها سريعاً وقالت بوعيد:
_لا أنا مش ضعيفة هندمكم كلكم مش هسكت.
استغفر الله العظيم واتوب إليه
مضت الكثير من الساعات، واسدل الليل ستائره الحالكة، وصل علاء وعائلته للمنزل وجلسوا جميعاً بالصالون والتعب ظهر على ملامحهم..
تأففت أميرة قائلة بإنهاك:
_أوف أخيراً وصلنا تعبت من قعدت العربية دي حاسة ضهري وقف كده.
قالت والدتها بوهن:
_أنتي لسة شباب يابنتي أومال أنا أعمل إيه.
قاطع حديثهم علاء قائلاً بجمود:
_أيمن أخو وصال قرب يوصل لهنا.
قالت وصال بدهشة:
_ليه إيه اللي جيبه.
أجابها علاء بملامح جامدة:
_جاي ياخدك، أخوكي مش وحش زي ما أنتي فاكرة.
ردت وصال قائلة:
_أنا فعلاً همشي من هنا بس مش مع أخويا.
همست قدر بتريث:
_اهدي ياوصال أكيد جاي في خير.
هتف علاء قائلاً:
_بالظبط….
وقص عليهم ما فعله أيمن لحمايتهم وتخليصهم من وداد.
شهقت قدر قائلة:
‘يعني هو اللي أنقذنا، الحمدلله إن شاء الله كل حاجه هتنصلح ياوصال.
كادت وصال ان تتحدث ليقاطعهم صوت خطوات شخص تتقدم منهم، نظروا جميعهم لذلك الشاب الذي لم يكن غير أيمن.
استقام علاء مرحباً به وقال وهو يصافحه:
_نورت يا أيمن أتفضل.
أجاب أيمن بخفوت:
_بنورك…
ووقع نظره على شقيقته واسترسل قائلاً:
_مش هتسلمي عليا يا وصال.
أشاحت وصال وجهها للجهة الأخرى ولم تعيره اي أهتمام.
فقالت ألفت:
_أهلاً بيك يا ابني نورت، الأحسن تتكلموا أنت وأختك على إنفراد.
أجاب أيمن بإبتسامة:
_متشكر لحضرتك…
وتابع وهو ينظر لـ قدر:
_أخبارك إيه ياقدر.
ردت قدر بلطف:
_أنا بخير الحمدلله يا أستاذ أيمن.
تقدمت منهم العاملة ، وقالت ألفت:
_طلعيهم على أوضة الضيوف يا ام نور، وأنتي ياوصال روحي مع أخوكي يلا يا بنتي.
نظرت وصال لـ قدر فهزت قدر رأسها لها تحثها على الذهاب.
فغمغمت بخفوت:
_تمام.
…………………….
“بالغرفة”
جلست وصال على طرف الفراش وبجانبها شقيقها أيمن الذي سحب كفها برفق وضمه براحتيه وقال:
_أنا عارف اللي سمعتيه كان قاسي، بس صدقيني أنا عمري ما كنت هعمل كده يا وصال، أنتي أمانة عندي، أنا بعتبرك بنتي…
قاطعته وصال ساخرة:
_بنتك، عشان كده كنت بتسمع كلام مراتك وفضلتها عليا من يوم ما جات، حتى دادة سامية اللي أنت عارف ان روحي فيها بسببها مشيتها.
قال أيمن بنبرة نادمة يتخللها الخزى:
_مش هنكر اللي قولتيه وإني فعلاً كنت ماشي وراها، بس أنا طلقتها ومش عاوز غيرك أنتي وبس، أنا كنت مغفل….
قاطعته وصال قائلة بدهشة:
_أنت طلقتها بجد
هز أيمن رأسه قائلاً:
_نجلاء كانت عاوزة تسرقنا وتمشي، هحكيلك كل حاجة…
بدأ أيمن بقص أفعال زوجته، وكيف اكتشفها، و أنه هو من قام بحمايتهم أثناء رحلتهم.
دمعة خائنة هبطت من أعين وصال فاسترسل أيمن قائلاً:
_ كل حاجة هترجع زي الأول فلوس الأسهم اللي بعتها معايا، وهحاول أرجع الأسهم تاني، وكل حاجة هترجع زي ما كانت الأول.
صمت قليلاً ينتظر إجابة منها، ولكن طال انتظاره فقال بتأني:
_هترجعي معايا صح ياوصال.
هزت وصال رأسها بصمت وحررت قيد دموعها التي سرعان ما أغرقت وجنتاها، فعانقها أيمن بلهفة قائلاً:
_أوعدك من النهاردة مفيش حاجة هتحصل غير اللي أنتي عاوزاه بس..
وابتعد عنها متابعاً حديثه:
_انتي جاهزة مفيش داعي نفضل كتير، أغسلي وشك وهنزل اقولهم ونمشي على طول تمام.
ردت وصال بخفوت:
_تمام
••••••••••••••••••
هبط أيمن للأسفل وزينت شفتيه إبتسامة رقيقة وقال:
_أنا و وصال أتصالحنا وخلاص هنمشي.
وثبت قدر واقفة وهي تقول:
_بالسرعة دي.
قال علاء وهو يؤشر له على أحد المقاعد:
_طيب اتفضل اقعد الأول.
جلس أيمن وأردف قائلاً:
_عندي أشغال كتير، لازم أمشي النهاردة.
غمغمت قدر وهي تمر من أمامهم:
_أنا هطلع أشوفها.
“بالأعلى”
جففت وصال وجهها، وتوقفت أمام المرآه تعدل من حجابها، دفعت قدر الباب ودلفت للداخل وهي تقول:
_كده ياوصال هتسبيني وتمشي.
هروالت إليها وصال وضمتها بود، وانهمرت دموعها وهي تقول:
_فراقك على عيني، بس يمكن لحد هنا وانتهت حكاية وصال.
أبعدتها قدر عنها برفق وهي تقول:
_لا الحكاية من هنا بدأت ياوصال، هنعيش الباقي من أيامنا بسعادة زي ما ربنا عوضني بـ علاء وبيكي؛ عن أوجاع الدنيا، فأكيد مش هيسيبك، كل حاجة هترجع زي ما كانت وأحسن.
ما أجمل ان يكون لك شخصاً يكمل الناقص منك، ان تكونوا جسدان ولكن بروح واحدة ان غاب أحدهم تهشم الأخر واصبح رماد، ربما لم يخلقوا من رحماً واحداً لكنهم خلقوا من رحم الحياة.
بقلمي: هدير ممدوح
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
وفي عناق حر ودعت وصال أميرة ووالدة علاء ورهف وجوري، وقفت أمام علاء قائلة:
_شكراً لأنك فتحتلي بيتك ووقفت جمبي.
قال علاء بصدق:
_ودايما هقف جمبك أنتي أختي الصغيرة ياوصال.
أجابت وصال بود:
_شكراً من كل قلبي على كل حاجة.
اماء هو برأسه وابتسامة ودودة شقت ثغره.
عانقت وصال قدر مرة أخرى وأجهشوا الأثنان في بكاء مرير…
انفصلوا عن بعضهم ولوحت وصال بيدها للجميع وغادرت المنزل، تاركة الجميع متأثراً لرحيلها.
…………………..
مضى الوقت بعد رحيل وصال..
علاء متمدد على فراشه وبيده هاتفه، تقدمت منه قدر قائلة:
_علاء أنت كنت عاوز تقولي إيه الصبح.
اعتدل علاء قائلاً:
_ياه ده أنا نسيت خالص، الحقيقه كنت عاوز أقولك خبر عن سيد.
بترقب وحذر تحدثت قدر بأحرف خرجت مرتجفة:
_أوعى تقول أنه هرب.
نفى علاء قائلاً على عجل:
_لا، سيد مات.
صدمة أحتلت وجه قدر وتمتمت قائلة٠:
_أنت بتتكلم جد، ده أزاي؟!
رد علاء قائلاً:
_صاحبي كلمني الصبح وقالي أثناء نقله، العربية عملت حادثة كبيرة وولعت وجثته اتحرقت.
زفرت قدر بعمق وقالت بأطمئنان وراحة :
_الحمدلله يارب، أنا عمري ما شمت في موت حد، وكنت أول ما أسمع ان فلان مات أدعيله، بس أنا مش مسامحة سيد ياعلاء وهو دلوقتي بين أيد ربنا، والله ليس بظلام للعبيد وحقي جه أهو، يستاهل الألم اللي عاشه.
جذب علاء يدها وقبلها وقال برفق:
_وكل اللي جاي هيكون خير وراحة، يلا تعالي نامي.
………………
أشرقت الشمس بنورها الدافئ الهادئ لتعلن عن يوم جديد..
في منزل قاسم جالساً هو ووالدته بغرفتها
قالت أمينة:
_قولي ياولدي في حاجة عاوز تقولها.