رواية قدر و وصال (الجزء الأخير) بقلم هدير ممدوح
_تصبحي على خير.
قدر بإبتسامة تبعث الدفء بالقلوب:
_وأنت من أهل الخير.
انتهت المكالمة، وتركت هي هاتفها جانبا، وتمددت على الفراش ولم يمضي كثيراً حتى غطت في ثباتٍ عميق.
………………..
غاب الليل بظلامة، ليحل الصباح بنوره ونشرت الشمس دفئها بالعالم أجمع…
في الصباح بمنزل أيمن.
كان واقفاً أمام باب غرفته يسترق السمع لحديث زوجته.
وبالداخل تتحدث نجلاء بهاتفها مع شخصاً مجهول قائلة:
_كله جاهز، انتبهي، عاوزة كل حاجه يبان طبيعي وأيمن يمضي على ورق الطلاق من غير ما يحس تمام.
صمتت قليلاً لتنصت السمع للجهة الأخرى التي لم يسمعها أيمن.
ولكن جائه صوت نجلاء وهي تقول:
_لا تمام أنا كمان ساعة وهنكون عندكم، هقنعه ونيجي، هقفل دلوقتي.
وبالفعل انهت المكالمة، وتابعت حديثها ببسمة حالمة:
أول ما يمضي علاء على ورق الطلاق كده هكون حصلت على حُريتي، بس هستنى شوية لحد ما تتسجل الأسهم بأسمي وبعدها هطلب الفلوس من وائل…
صمتت تذفر براحة واسترسلت قائله:
_ و أسافر وأبدأ حياتي الجديدة اللي هتكون مليانة بالترف والسعادة، من غير ما خد يعكنن عليا ولا يتحكم فيا، ولا واحدة زي وصال دي تكون قعدة على قلبي….
نكس أيمن رأسه للأسفل بعدما استمع لحديثها،
فكم كان غافل هو عن تلك الحية التي بمنزله، حتى بخت سمها برأسه، يحمد الله على كشفه لأمرها.
دفعت الباب هي من الخارج لتتفاجئ بوجود أيمن أمامها ولكنها أبتسمت قائلة وهي تجذبه من يده وتسير معه للداخل:
_أيمن حبيبي تعالى.
جلس أيمن وهي معه على الأريكة وقالت:
_أنا حجزت عند دكتورة نسا، هكشف عشان نشوف إيه سبب تأخر الحمل.
بسمة سخرية شقت جانب شفتيه وقال:
_وده من أمتى ده أنا طول الخمس سنين دول بتحايل عليكى كل يوم عشان نروح نعرف السبب ليه دلوقتي.
ردت نجلاء قائلة برجاء:
_عشان كنت غبية ودلوقتي فقت ومش لازم نضيع وقت، وأنا خلاص حجزت، عشان خاطري تعالى نروح.
صمت أيمن قليلاً وقرر السير معها بخطتها فقال ببرود:
_تمام يانجلاء يلا نروح.
وثبت واقفة وهي تقول:
_خمس دقايق بس ألبس ونمشي.
هز رأسه بنعم وغادرت هي من أمامه.
……………………
“في منزل قاسم”
تجلت قدر للأسفل وهي تلتهم درجات السلم بقدميها والخطوات الفاصلة بينهم فور معرفتها بقدومه وقفت أمامه صامتة وهي تراه يعانق والدته كم كانت تود ان يكون هذا العانق لها، فيروي شوقها، أبتعد هو عن والدته وتقدم من قدر ببطء فجذبها من يدها لتصتدم بصدره ويعانقها بقوة، للحظة تناست هي كل شيء حاولها واحلت القيود عن قلبها وضمته بقوة، تحمحم قاسم بهدوء وقال:
_إيه ياعم علاء نسيت نفسك ولا إيه.
انتفضت قدر مبتعدة للوراء ونكست رأسها بإستيحاء، فحاوط هو خصرها بيده وقال:
_مراتي ياعم.
قاطع حديثهم صوت شاب:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا أهل البيت.
رد الجميع السلام.
وانتصبت أماني التي كانت جالسة بينهم هي وابنتها الصغرى وقالت:
_إيه اللي جابك أنت دلوقتي.
قالت أمينة بحنق:
_ميصحش كده يا أماني، أتفضل يا مصطفى يابني.
قال قاسم:
_اتفضل يا مصطفى البيت بيتك.
قال المدعو مصطفى:
_لا أنا جاي أخد مراتي وبنتي وماشي.
ردت أماني بأقتضاب قائلة:
_وهي وكالة من غير بواب، بتي مش ماشية معاك.
_لا همشي معاه يا أمي.
تقدمت منهم وفاء وهي تحمل طفلها بين يدها
واسترسلت قائلة:
_سمعت كلامك كتير وغلط فحق جوزي بسببك، وكلامي مع قدر فوقني.
صاحت أماني بحدة قائلة وهي تنظر إلى قدر:
_وإيه دخل ست قدر بينا.
هتفت وفاء على عجل:
_أمي قدر ملهاش دعوة بحاجة أنا قررت أرجع لبيتي وجوزي اللي أهملته، واتمنى متعمليش مشاكل بعد ما مشي.
تقدم منها زوجها وأخذ الطفل وقال وهو يخطو للأمام:
_يلا ياوفاء مفيش داعي نفضل أكتر من كده هنا.
صاحت أماني بحدة وهم يغادروا من أمامهم :
_بكرة ترجعي تعيطي بس مش هتلاقي حد يقف معاكي حتى أنا يابنت بطني.
غادروا تحت أنظارهم فقالت أمينة:
_أهدي يا أماني، بنتك مغلطتش دي مشت مع جوزها ياحبيبتي.
لم تعيرها اي أنتباه بل حدقت بقدر بغضب وقالت:
_أنتي قولتي إيه لبنتي خلتيها تمشي ها.
اجابت ألفت بحدة تجلت في نبرتها قائلة:
_بقولك إيه يا أماني طلعي مرات ابني من دماغك أنتي فاهمة، وطالما أبني خلص مهمته يبقا كده مفيش داعي لوجودنا هنا، ولا إيه ياعلاء.
رد قاسم بحدة قبل ان يجيب علاء قائلاً:
_لا يامرات عمي أنتو مش هتمشوا من هنا البيت ده بيتكم وليكم فيه زي ماليا واكتر كمان، واللي مش عاجبه هو اللي يمشي من هنا.
قال علاء ببرود:
_قاسم، أنا فعلاً جبت أهلي هنا عشان كان عندي مهمة وخايف عليهم، عشان كده أحنا فعلاً هنمشي من هنا.
نظرت لهم أماني بتشفي وانتصار،ولكن خاب توقعها قول قاسم:
_مستحيل أخليكم تمشوا قبل الأسبوع ياعلاء، مش كلمتين هما اللي هيفرقونا ويعملوا مشاكل بينا يا ولد عمي.
أيدته أمينة قائلة:
_قاسم عنده حق، أحنا مش هنخليكم تمشوا من هنا.
لوت أماني فمها ولكنها ابتسمت بمكر وهي تقول:
_أيوة خليكم، حتى عشان تحضروا خطوبة دعاء وقاسم.
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
وصل نجلاء وأيمن أمام العيادة النسائية وما ان دلفا لداخل قالت نجلاء وهي تؤشر على أحد المقاعد:
_اقعد ياحبيبي وأنا هروح أدفع تمن الكشف.
هز أيمن رأسه بهدوء وجلس، بينما تقدمت هي للأمام وقالت للفتاة:
_ها خلصتي كل حاجة.
هزت السكرتيرة رأسها قائلة:
_كله تمام أندهيه عشان يمضي.
نظرت نجلاء جهة أيمن وقالت:
_أيمن ممكن تيجي شوية.
تقدم منهم أيمن بملامح متهجمة ووقف أمام مكتب الفتاة وقال ببرود:
_خير…
اجابت الفتاة قائلة:
_دي بيانات مفروض جوز المريضة يكتبها وكمان يمضي هنا.
رد أيمن بحنق قائلاً:
وده ليه..
قالت الفتاة:
_إجراء روتيني يافندم ولكل مريض ملف ومفروض يكون توقيع جوز المريضة عليها.
هز رأسه وأمسك بالقلم وجذب منها الأوراق، ملأ الورقة الاولي والتي كانت عبارة عن بيانات عادية كالأسم والرقم والعنوان، انتهى منها.
فقالت الفتاة بعدما نظرت لـ نجلاء بإبتسامة خبث:
_باقي الورق بنحتاج توقيع منك بس.
مضى ورقةً تلو الأخرى وجاء عند واحدة منهم حتى سحبها من بين الأوراق ونظر لها بتمعن، نظروا نجلاء والفتاة لبعضهم بذعر.
فقال أيمن بحدة:
_أوراق طلاق، وياترى ده إجراء روتيني برضه.
نجلاء بتهته وتوتر:
_أيمن هفهمك.
قبض على رسغها بقوة وسحبها خلفه، تحت همهمات المتواجدين بالعيادة، دفعها داخل السيارة، وبصدر يعلو ويهبط من شدة الغضب جلس بجانبها وانطلق، قالت هي بغصة باكية:
_أرجوك أسمعني، أنا مش عارفه ورق الطلاق بيعمل إيه وسط الأوراق التانية أنت اتصدمت زي زيك.
صرخ بها أيمن قائلاً:
_أخرسي مش عاوز أسمعلك صوت لحد ما نوصل أنتي فاهمة.
انكمشت نجلاء بكرسيها وعزمت الصمت حتى ان يصلوا لمنزلهم.
لا إله إلا الله
صدمت أحتلت وجوه الجميع وهم ينظرون لـ أماني، بينما تركتهم وصال وصعدت للأعلى ونظرت لها دعاء وابتسمت بنصر…
صدم قاسم من حديث عمته وقال بسخرية:
_إيه ده هي دعاء هتنخطب ياعمتي.
عقدت أماني حاجبيها وقالت بتعجب:
_ومالك كده متفاجئ ليه، من وهي صغيرة مكتوبة ليك، ودلوقتي او بعدين هتتجوز.
أجاب قاسم ببرود وملامح جامدة:
_هو فعلاً دلوقتي أو بعدين هتجوز بس مش بنتك ياعمتي.
هتفت أماني بحدة:
_يعني إيه الكلام ده، ما تقولي حاجة يا أمينة.
كادت أمينة ان تتحدث فسابقها قاسم قائلاً:
_أنا لا عشمتكم بجواز ولا غيره أعتبريه حلم وفُقتي منه ياعمتي.
أماني بإمتعاض:
_ده أخر كلام عندك يا أبن أخويا.
رفع قاسم حاجبه بحدة وقال:
_أيوة ومش بحب أعيد كلامي مرتين.
قبضت أماني على رسغ ابنتها وصعدت للأعلى بغضب.
فقالت ألفت :
_يا ساتر طول عمرها بتجري ورا المشاكل.
قالت قدر بخفوت لـ علاء:
_هطلع أشوف وصال.
فهز رأسه بصمت دون ان يتفوه بشيء، وصعدت قدر للأعلى.
“بغرفة وصال”
كان جالسة على فراشها ودموعها تنهمر على وجنتيها، دفعت قدر الباب دون الطرق عليه واغلقته وجلست بجانبها وقالت برفق:
_بتبكي ليه دلوقتي.
اجابت وصال بغصةٍ باكية:
_لأني خايفة اتعلق بحاجة مش ليا، وأعيش نفس الألم مرتين.
قال قدر بخفوت:
_حبتيه.
هزت وصال رأسها وانهارت باكية وهي تحتض وجهها بكفيها.
فقالت قدر بتريث:
_وهو كمان بيحبك.
كفكفت وصال دموعها وقالت بصوت متحشرج:
_إزاي وهو هيخطب بنت عمته.
اجابتها قدر قائلة:
_جاوبيني الأول على سؤالي أنتي نسيتي الدكتور اللي كنتي بتبكي عليه لم خطب.
زفرت وصال بعمق قائلة:
_مش هنكر إني زعلت عليه فالأول بس الموضوع بعد كده بدا كأنه عادي الشعور اللي جوايا انمحى كأنه لم يكن، بس قاسم غير حقيقي ياقدر حاسة بألم وشعور غريب فقلبي.
قالت جملتها الأخيرة وغزت وجنتيها الدموع مرة أخرى.
فقالت قدر بإبتسامة وصدق:
_وياستي هو مش بيحب اللي اسمها دعاء دي.
قصت قدر عليها ما حدث منذ قليل.
فابتهج فؤادها وقالت:
_بجد، الحمدلله…
ورفعت يدها تدعو الله قائلة:
_يارب اجعله من نصيبي يارب، واجمعنا في حلالك.
أبتسمت قدر قائلة:
_ربنا يسعد قلبك ويقرب منك كل خير، أنا هطلع أشوف علاء،وأنتي يلا انزلي تحت وافضلي مع أميرة.
هزت وصال رأسها وقالت بخفوت:
_حاضر.
