رواية قدر و وصال (الجزء الأخير) بقلم هدير ممدوح

الفصل الرابع عشر

وما الحب إلا دعوةٍ صادقة بجوف الليل

مقيدة قدر على أحد الكراسي بجانب شقيقتها، وتذكرت ماحدث عندما جاءت.
“عودة للوراء”
كانت تفك قيد شقيقتها، في حين استمعت إلى صوته البغيض خلفها، يقول بغلظة:
_جدعة ياحلوة، جيتي لوحدك.
وقبض على يدها مقيداً حركتها، حتى أجلسها رغماً عنها على المقعد المتواجد بجانب شقيقتها،وجاء بحبلاً سميك وقيد يدها،وقدمها صرخت قدر قائلة:
_سيبني ياسيد أحسنلك.
قال ساخراً وهو يقطع من الشريط اللاصق:
_بقا يتقالي سيد حاف كده.
وضع على فمها اللاصق بقوة، وقال:
_مسافة الطريق ياحلوة هجيب تذاكر سافرنا، ونمشي، من هنا ياجميل.
تركهم سيد وغادر، وبداخلها تدعو الله ان ينجيها.

سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله، الله أكبر.

“عند علاء”

ولج لمنزله، وما ان رأوه حتى فزعوا واقفين من مظهره، اقتربت ألفت منه قائلة:
_علاء إيه الدم اللي على قميصك ده، وماله كتفك.
قال سريعاً وهو يمر من أمامهم:
_مش وقته ياماما.
ذهبوا جميعهم خلفه، وتوقفت والدته أمامه قائلة:
_يابني إيه اللي مش وقته دلوقتي، عاوزة افهم في ايه.
صاح علاء بحدة خرجت رغمًا عنه من منبع قلقه قائلاً:
_رهف وقدر اتخطفوا، وأنا انضـ,ـرب عليا نـ,ـار إمبارح ممكن تسبوني دلوقتي، عشان اعرف اتصرف.
صدمة احتلت وجوههم وشهقت وصال بفزع قائلة:
_سيد اللي عمل كده.
قال علاء وهو يصعد درجات السلم:
_أيوة.
بدل علاء ملابسه، ورن هاتفه فاستقبل المكالمة وقال :
ايوة ياشهاب جهزت الفريق.
أجاب شهاب مؤكدًا:
‘أيوة يا علاء كله جاهز.
علاء:
_تمام انا هطلع قدامكم، وانتو تعالوا ورايا على العنوان اللي بعته.
و انهى علاء المكالمة دون انتظار رد من الجهة الأخرى، وهبط للاسفل تحت انظار الجميع وقاد سيارته منطلقاً.
. . . . . . . . . . . . . .

جلست وصال على الأريكة باكية ومسدت أميرة على كتفها بأعين تتلألأ بها الدموع وقالت:
_متخفيش ياوصال علاء هيرجعها.
ردت وصال بصوتٍ ممزوج بالبكاء:
_خايفة، يا أميرة خايفة، لا يكون فات الأوان،وسـ,ـيد ده عملها حاجة،كل ما اقول خلاص الحياة هتـ,ـضحكلنا، بتحصل حاجة في لمح البصر تمحي فرحتنا.

صاحت ألفت قائلة بحدة تجلت في نبرتها:
_بطلوا عياط منك ليها، مالوش لازمة، قوموا نصلي ركعتين وندعيلها يلا.
هزوا الفتيات رؤسهن بنعم واستقاموا واقفين.

••••••••••
مرت ساعة، جالساً علاء بسيارته، يقود بسرعة البرق، غير عابئ لشئ، ضـ,ـرب قبضة يده على سيارته وقال بعصبية:
_لسة كمان نص، بس والله لوريك ياسيد نهايتك على ايدي قربت.

عند قدر ورهف كانت تتفحص بنظرها المكان على أمل إيجاد شيء يخلصها بما هي فيه، أخذت دموعها تتساقط، من قلة حيلتها، بعد قليل جاء سيد وقال وهو بيده ثلاث أوراق:
_بصي ياحلوة دول تذاكر سافرنا هنمشي وعلاء مش هيعرفلنا طريق.

تقدم منهم ليقف أمامهم، ونزع اللاصق من أعلى فمها فقالت قدر:
_مش هتقدر تعمل حاجة ياسيد، لأني قبل ما اجي هنا بعت رسالة لعلاء فيها العنوان وخلاص زمانه على وصول مش هيرحمك.
ارتفع كف يده وهبط به على وجنتها، فصرخت هي بتأوه واستدار وجهها للجهة الأخرى من شدة اللطمة، نظرت إليه وقالت وهي تستفزه:
_إنسان جبان، ده أخرك أستقوى عليا زي ما أنت عاوز بس صدقني مش هتلحق تعمل حاجة.
قبض سيد على فكها بقوة وقال بغضب:
_فين نظرات الخوف اللي كنت بشوفها فعنيكي ها، فين قدر اللي مكنتش تقدر تفتح بُقها بكلمة، دلوقتي بقيتي تستقوي بعلاء، أحسن مني في إيه هو عشان تحبيه قوليلي.

نزع يده بعدما تركت أثارها على وجهها وقالت:
_أنت إنسان مريض، اولا انت محرم عليا لانك جوز امي والمفروض انك زي ابويا لكن أنا كنت غبية عشان مقولتش لأمي على كل عاميلك، صدقني أنا ندمانة على كل لحظة كنت ضعيفة فيها، ياريت كانت ماما عايشة، كان زمانها هي بنفسها خلصت عليك.

قهقه سيد بسخرية وغمغم بإمتعاض:
_بس مالحقتش، أصل أنا خلصت عليها قبل ما تخلص عليا، كنت عامل حساب اللحظة دي، وكمان زهقت منها هي كانت العقبة الوحيدة اللي فحياتي واتخلصت منها.

اعتلت الدهشة ملامح وجهها وقالت بجمود:
_تقصد إيه بكلامك ده.

أبتسم بمكر وقرب وجهه من وجهها وقال بخفوت:
_أمك أنا اللي قـ,ـتلتها ياحلوة.
تمتمت قدر بصدمة:
_إزاي قدرت تعمل كده، دي ماما كانت بتحبك أوى.

قال سريعاً:
_عشان غبية، لأني محبتش ولا هحب غيرك.

هبطت الدموع من أُعينها، وكل ذلك يحدث تحت انظار رهف التي تبكي بصمت.
قالت قدر :
_حرام عليك، أنت إنسان مريض، وأنا عندي إستعداد، أموت نفسي على إني اكون تحت رحمتك لحظة واحدة.
رد سيد قائلاً:
_وأنا عندي اقتـ,ــ,ـلك بدل ما اشوفك مع حد غيري، والحكاية كلها مجرد دقايق كوباية عصير بسم نفس اللي جهزتها لمامتك وتحصليها.

استقام واقفاً وهو يخرج شيء من جيبه:
_يلا بقا كده هنتأخر.
ردت هي بخوف احتل قلبها وقالت:
_اي ده،دي حقنة ايه.
كسر هو الأمبول الذي بيده وسحب المادة وتوجه إليها قائلاً:
_متقلقيش ياروحي ده مش سم،ده مخدر هيخليكي تنامي،لحد مانوصل ما تخفيش كلها شكة دبوس،ومتقلقيش على أختك مش هديها عشان غلط على صحتها بس هضطر احطها في شنطة العربية عشان متعملش إزعاج على ما نوصل ياروحي، أنا مجهز كل حاجة.

أقترب منها وقبض على ذراعها، وحاولت هي التملص منه ولكنه نجح بحقنها بتلك المادة وقال:
_مجبرين نستنى شوية على ما ياخد مفعوله، هنزل احط اختك في العربية وراجعلك ياجميل.
وبالفعل قام بفك وثاق رهف وحملها ووضعها بالسيارة بعدما قام بتقيد قدمها ويدها مرة أخرى.
وعاد للأعلى، كانت قدر تحاول عدم الاستسلام ولكنها كانت تشعر بدوار وشعور بالنعاس، فك هو قيد يدها،وهبط لمستوى قدمها وبعدما أحل وثاقها، وقبل ان يستقيم واقفاً؛ قامت هي بدفع قدمها لأعلى فاصابت وجهه فسقط هو للوراء متأوهاً، فركضت هي للأسفل، ولكنه عاد واقفاً وقال بتهديد:
_حركة ذكية منك، بس فكرك كده هتهربي ده بعدك.
إستدارت للوراء وهي تهبط درجات السلم لتجده بالقرب منها فصرخت عندما شعرت بيده تقبض على كتفها، فسقطت على درجة السلم، وجذبت حجارة صغيرة كانت ملقاه جانباً وتجلت بها على رأسه، فتراجع للوراء صارخاّ من شدة الضـ,ـربة وركضت هي سريعاً، ومازال هو خلفها تسبقه بعدة درجات، اصبحت بساحة الطابق الأول بالبناء ووقفت تتراجع للوراء وهو يتقدم منها ببطء وقال:
_هتهربي مني فين ياحلوة خلاص كده وقعتي.

شعرت بدوار قوي يهاجمها واستندت بيدها على العمود الذي كان بجانبها، وما أن رأته يقترب حتى تراجعت للوراء، نظرت خلفها وتفاجأت بأنها تقف على الحافة ولا يوجد خلفها سور يحميها من السقوط.

فقال هو:
_ها ياحلوة، مفيش قدامك حل دلوقتي أما الموت، او أنك تيجي معايا.
فردت ذراعها وارتسمت بسمة على ثغرها قائلة:
_يامرحباً بالموت ان كان راحةً لي من متاعب الحياة.
تبدلت ملامحه من السعيدة إلى القلقة وقال بحذر:
_قدر، لا استني أوعك تعملي كده أنتي فاهمة، خطا خطوة للأمام.
فقالت هي بتحذير:
أأقف عندك أوعى تقرب لي، أنتهت الحكاية.
تراجعت خطوة تلو الأخرى للوراء، وكادت ان تلقي بنفسها، حتى استمعت لصوته الذي تعشقه، صرخ علاء بأسمها وركض بإتجاهها سريعاً، قبض على يدها وجذبها لصدره، فابتسمت هي له واستسلمت لذلك الظلام الحالك الذي يلفها من كل جانب و أُغشى عليها، حدث ما حدث في لمح البصر، وتركها علاء برفق على الأرضية، ورمق سيد بنظرات حارقة، الذي بدوره ألتف راكضًا للأسفل وعلاء خلفه وهو يقول:
_المرة دي مش هرحمك ياسيد.
في نفس ذات الوقت جاء فريق من الشرطة فتم حصاره بالمنتصف، وشلت حركته، فقبض علاء على تلابيب قميصه من الخلف وقال:
_وقعت ومحدش سمى عليك.
رد شهاب قائلاً:
_سيبه لينا أنت ده، ودور على مراتك واختها.

رد علاء قائلاً:
_مراتي فوق أُغمى عليها، بس رهف مش عارف فين، وده اللي هنعرفه من سيد.
أمسك شهاب بسيد وقال:
_سيب الموضوع ده عليا وهات مراتك يلا.

ذهب علاء للأعلى وحمل قدر وتجلى بها أمام انظارهم، فتح له شهاب باب سيارته فشاهد رهف بها، وضع قدر بداخلها فقال:
_رهف أنتي هنا.
رد شهاب قائلا:
_كانت في شنطة عربيته، يلا أطلع أنت عشان تودي مراتك للمستشفى.

هز علاء رأسه و زفر براحة واطمئن قلبه بعدما وجدهم ، أنطلق بالسيارة وبالخلف قدر ورهف التي قالت ببكاء:
_عمو سيد قتـ,ــ,ـل ماما.
تعجب علاء مما تفوهت به الصغيرة وقال:
_رهف احكيلي كل حاجه حصلت

سردت عليه رهف كل ماحدث، فقال علاء:
_يعني دلوقتي هي متخدرة.
هزت رهف رأسها وقالت بخفوت:
_أيوة.
مر الوقت واصبحوا أمام المنزل، تجلت رهف من السيارة، واجتمع الجميع حوله وقالت والدته عندما رأته:
_علاء يابني كتفك بيجيب دم.
نظر هو لكتفه، وتذكر عندما حملها، فكاد ان يصرخ من شدة الألم ومن الواضح ان جرحه فتح .
رد علاء قائلاً:
_انا بخير يا أمي، وسعوا عاوز أدخل قدر.
قالت وصال بقلق:
_إيه اللي حصل معاها هي كويسة صح.
سحبها علاء بيده السليمة وقال:
_نتكلم جوة مش وقته.
تحدثت أُلفت قائلة:
_وصال، أميرة ساعدوا علاء عشان يدخل قدر.
حملوها بين بعضهم، ووضعوها على أقرب أريكة لهم، أرتمى علاء بجسده على الكرسيّ، وزفر بعمق.
عانقت وصال رهف قائلة:
_متخفيش ياحبيبتي احنا كلنا معاكي.
تحدثت أميرة قائلة:
_نطلب دكتور ياعلاء.
رد علاء قائلاً:
_هي كويسة سيد خدرها كان هيسافر بيها، كام ساعة وهتفوق
ردت وصال قائلة:
‘وهو فين دلوقتي.
سرد علاء كل ماحدث وما علمه من رهف.
فشهقت وصال قائلة:
_معقول، يعني هو اللي قتـ,ـل خالتي مُنى.
هز علاء رأسه بنعم، فغمـ,ـغت والدته قائلة:
_لا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، هو في كده، ربنا يسترها.
واسترسلت حديثها قائلة:
_يلا ياعلاء يابني شوف جرحك ده وخدلك دش واستريح شوية،واحنا كلنا جنب مراتك مش هنسيبها.

هز علاء رأسه وبملامح جامدة استقام واقفاً وصعد للأعلى.

“بمنزل سامح”

جالس بمكتبه و أمامه رجلان ، غافلين عن تلك العاملة التي تسترق السمع من الخارج.
تحدث سامح قائلاً:
_أنا لهيت اللي أسمه علاء واظن أنه هياخد فترة على ما يتعافي، عاوزين نستلم الشحنة في أقرب وقت.
رد أحد الرجال قائلاً:
_وده بظبط اللي جايين فيه،موعد الأستلام أتأخر بس دلوقتي،لازم ندخل الشحنة.
قال الرجل الأخر:
‘ يبقا نتفق على المكان والساعة ونفذ.
رد سامح قائلاً:
_ يوم التلات الساعة 3 بليل لتسليم ده أنسب وقت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *