بها متيم بقلم أمل نصر ج1
❈-❈-❈
– إنتي بتتكلمي جد؟
هتفت صبا سائلة بعدم تصديق، نحو رحمة التي كانت تردد لها ضاحكة:
– والله يا بنتي زي ما بقولك كدة، شادي مبلغني اقولك، خلاص يا صبا مشكلتك انحلت يا قمر .
– هزهزت رأسها ورفرفت أهدابها بعدم استيعاب، أن يتم حل مشكلتها في العثور على العمل اَخيرًا؛ بواسطة هذا المدعو شادي؟ كيف؟!
ضحكت رحمة مقهقه على هيئتها لتخاطب هذه المرة زبيدة والدة صبا، والتي كانت جالسة هي الأخرى بجوارهن في صالة المنزل:
– ما تقوليلها حاجة يا خالتي، طب اعمل إيه عشان تصدق؟
تبسمت زبيدة صامتة، فبداخلها شجار ببن شعورين أحدهما كان الارتياح لجارهم شادي، نظرا لما لمسته ورأته بنفسها من أخلاق عليا يتمتع بها بالإضافة لرعايتها الدائمة نحو والدته المريضة، ورغبة أخرى في الرفض للعمل من الأساس، نظرًا لخوفها الكبير على أصغر ابنائها، والتي تود ان تزوجها وتطمئن عليها كباقي اشقائها.
هتفت رحمة نحو الأخرى التي ما زالت مزبهلة بعدم استيعاب:
– يا بت ردي واتكلمي بقى، مبلمة كدة ليه؟
انتفضت تجيبها بانفعال:
– ما انا كمان مش قادرة اصدق يا بنت الناس، ازاي يعني؟
عبست رحمة بوجهها تدعي الضيق، رغم تسليتها فقالت :
– ومش قادرة تصدقي ليه بقى؟ مش انتي خريجة تجارة انجلش وواخدة كورسات كتير؟ هو بقى هيشغلك معاه في القسم بتاعه، يعني وظيفة كويسة، وفي فندق مشهور ومعروف، مش دا اللي انتي كنتي عايزاه يا ماما؟
اومأت صبا تهز رأسها باضطراب، فتابعت لها رحمة بحزم:
– خلاص يبقى بقى مستنية إيه؟ ياللا قومي هاتي ورقك .
– ورق إيه؟
سألتها صبا بدون تأكيز، لتجفلها رحمة بضحكتها الرنانة مرددة:
– ورق شهادتك يا مجنونة، ولا انتي هتشتغلي بطولك كدة؟
ختمت لتستمر بضحكاتها، ونهضت صبا بحرج رغم ابتسامتها حتى تأتي بورق تعينها، وقد وجدت اخيرًا فرصتها في العمل وعلى نفس القواعد التي حددها والدها، والعجيب أن من أتى بالفرصة هو جارها الغريب شادي!
❈-❈-❈
ادخلي يا صبا هو انتي هتتكسفي ولا إيه؟
هتفت رحمة وهي تدعوها للدخول خلفها داخل الشقة، وتقدمت صبا تخطو على حرج بتردد؛ ازداد فور أن وقعت عينيها عليه وقد كان جالسًا بوسط الصالة مربعًا قدميه والحاسوب أمامه ويعمل به، انتبه على دخولها وارتفعت انظاره الحادة دومًا نحوها، ابتلعت لتردف التحية بصوت يبدو كالهمس:
– مساء الخير.
انتفض ينزل أقدامه للأرض مرددًا بصوت خشن بطبيعته:
– اهلا اهلا، مساء الخير، اتفضلي يا اَنسة…..
قطع يدعي عدم المعرفة، فقالت رحمة تذكره بمرح كعادتها:
– اسمها صبا يا عم شادي، في حد برضوا ميعرفش صبا؟
تحمحم بحرج قبل ان يرمق شقيقته بنظرة محذرة قبل أن يخاطب صبا:
– اتفضلي يا اَنسة صبا، هو انتي جيبتي الأوراق المطلوبة؟
اومأت بهز رأسها صامتة قبل ان تقترب بالملف إليه على خجل:
– أهو الملف كامل وفيه كل حاجة.
نهض سريعًا يتناوله منها، ليرى لاول مرة وجهها الخمري عن قرب، وهذه العينان التي تختلف بألوانها المميزة فتجعلها قبلة للنظر، تحمحم يجلي حلقه ويتمتم بالاستغفار كعادته، لينكفىء على الأوراق ويراجعهم، وكانت الصدمة حينما رأى تاريخ الميلاد، وارتفعت رأسه إليها يسألها بدون تفكير:
– انتي عندك تلاتة وعشرين سنة بس؟!
اجابته صبا مندهشة لسؤاله:
– ايوة ما انا خريجة السنادي .
كتم تنهيدة محبطة بداخله وهو يعود للأوراق، ولا يركز بحرف واحد منها، كان يعلم انها تصغره بكثير، حتى شك أن تكون في الدراسة، ولكن قول شقيقته بالأمس عن أنها خريجة وتبحث عن العمل، جعله يصنع بداخله بعض الأمل، أن تكون في السابعة والعشرين، أو حتى خمس وعشرين لكن الاَن وبعد اكتشافه بالفرق الكبير.
– اتناشر سنة.
غمغم بها بصوت خفيض، جعل رحمة تسأله:
– بتقول حاجة يا شادي؟
رفع عينيه نحو شقيقته ينفي برأسهِ قبل أن يذهب نحو تلك الحسناء الواقفة بخجل يقتله، ليسألها:
– انتي اشتغلتي في أي حتة قبل كدة؟
أجابت على الفور :
– لا طبعُا مشتغلتش، انا قدمت في مسابقات الحكومة وفي كذا مكان تاني، لكن بقى…
قطعت تسبل اهدابها بحرج، لتزيد عليه الضغط وقد نسى نفسه وركز في ملامحها المليحة، ثم هذه الحركة البريئة وهي تشبك كفيها ببعضهم كطفلة، زفر يجبر عينيه لتحيد عنها، وغمغم كالعادة مستغفرًا، ثم قال بوجه عابس لا يعبر ابدًا عما سيردف به:
– طب انتي ما شاء الله عليكي تقديراتك حلوة، دا غير الكورسات اللي واخدها كلها ممتازة….
أوقف برهة ثم استطرد:
– حضري نفسك وتعالى بكرة الفندق.
ناظرته باستفهام وكأنها لا تفهم، ف هيئته الجامدة لا تعطيها تفسير مبشر، وسألته:
– يعني إيه؟
تدخلت رحمة تجيبها:
– يا بنتي بيقولك تعالي بكرة عشان تستلمي شغلك، جرا إيه يا صبا؟
نظرت لها ونظرت له، قبل ان تقول بحرج وعدم تصديق:
– كدة على طول؟ مش هقدم يعني في حتة تانية؟
ضحكت رحمة لترد:
– يا صبا افهمي، اخويا واخد منصب كبير في الفندق وفي الإدارة اللي قولتلك عليها، يعني ان شاء الله متيسرة، انتي بس شدي حيلك عشان تروحي بكرة
اشرق وجهها بابتسامة رائعة تجاهد ان تخفيها، وخاطبته ممتنة بحرج:
– متشكرة يااا استاذ شادي.
قالتها بنبرة هامسة فعلت به الأفاعيل، وهو يسمع لأول مرة تلفظها بإسمه، حتى أنه شعر وكأنه قد فقد النطق ليرد ولو بكلمة واحدة لها، وتركها تستأذن وتذهب من أمامه على نفس حالته من الوجوم، قبل أن تجفله بعودتها مرة قائلة بلهفة:
– طب انا اسفة لو هزعجك، هو ممكن حضرتك تشوف شغلانة تاني لواحدة صاحبتي…
قاطعها بخشونة:
– فينها صاحبتك دي؟
ردت باضطراب من هيئته:
– دي مودة جارتنا في الشارع الي ورانا.
اومأ بتفهم لينهي معها، فقد خارت قواه، ولم تعد اعصابه تتحمل اكثر من ذلك، فرد بجمود ليخفي عنها ما يشعر به:
– خليها تجيب ورقها بكرة، وربنا يسهل .