بها متيم بقلم أمل نصر ج1

❈-❈-❈

توقفت بسيارتها أمام المشفى المقصود، وترجلت منه سريعًا بهاتفها الذي كان على وضع الصامت في الساعة التي كان يُهاتفونها ليخبروها بما حدث، ولكنه الاَن لا ينزل من على أذنها، وهي تتواصل كل دقيقة لمعرفة الجديد، من وقت أن علمت بما فعلته شقيقتها بنفسها وهي ليست على وضع يؤهلها لفعل أي شيء بشكل سليم، تذكر أنها ركضت بعد سماع الخبر، لكن كيف تمكنت بالوصول إلى هنا؟ وكيف قادت سيارتها لا تعلم.
وصلت إلى القسم الموصوف لتفاجأ بعدد كبير من الجيران والأقارب ومعهم هذا المدعو أبراهيم، جالسَا بجوار والدته يرمقها بنظرات حاقدة حانقة، ووالدته تزم شفتيها بامتعاض وكأنها كانت عدو لهما؟
– شهد.
هتفت بها رؤى وهي تخرج من إحدى الغرف، واتجهت إليها شهد سريعًا لتسألها:
– إيه الأخبار؟ وإيه اللي حاصل دلوقتي؟
ردت رؤى بأعين باكية، لا تقوى على النظر في عيني شقيقتها:
– الدكاترة لحقوها والحمد لله، وهي دلوقتي بتتكلم مع الظابط اللي بيحقق معاها؟
سألتها شهد بدهشة:
– ظابط إيه اللي يحقق معاها؟
ابتعلت رؤى تجيبها:
– دا إجراء روتيني بتقوم بيه المستشفى، لا يكون في الأمر شبهة جنائية.
أومأت شهد برأسها بتفهم لتسألها:
– هو انا ينفع ادخلها؟
حركت رأسها برفض قائلة:
– مينفعش غير لما يخرج الظابط، امي معاها جوا .
عادت لتسألها مرة أخرة:
– طب انتي متأكدة انها كويسة؟
– والله كويسة، كويسة والله يا شهد.
رددتها رؤى بحرج وتعب وعينياها تتابع عدد البشر التي اتت معهم من الجيران، والسبب هو صراخ والدتها بعد ان تفاجأو بفعلة أمنية وبمشهد الدماء التي كانت تغطى مرفقها، واطرقت تحاول أن تأخذ جانبًا لها، تود لو تنشق الأرض وتبتلعها، أما شهد والتي كانت متفهمة لشعور شقيقتها، فقد تماسكت ببأس أمام العيون المصوبة نحوهن تتجاهل نظراتهم، حتى لا تستشف منها ما يزيد على الضغط عليها، تحاول السيطرة على كل مشاعر سلبية داخلها حتى تطمئن، خرج الظابط من الغرفة واتجهت على الفور شهد لتدخل خلفه، حاول بعض الجيران اللحاق بها، ولكن رؤى منعتهم بحجة الزحمة وتعليمات الطبيب، أما شهد وحينما دخلت للغرفة وجدت نرجس على حالتها ، في البكاء الصامت والولولة، وأمنية مستلقية على سريرها الطبي، ذراعها ملتفة بالأربطة الطبية من الرسغ حتى المرفق بمشهد استغربت له شهد، ولكن تجاهلت لتنتبه على وجه شقيقتها وهي تناظرها بنظرة تفهما شهد جيدًا، في إلقاء الذنب عليها، تغاضت لتسألها بتثاقل:
– عاملة إيه يا أمنية؟
أشاحت الاَخيرة بوجهها عنه دون رد ، فتدخلت نرجس والدتها لتقول بنواح:
– اسكتي يا شهد، دا انا ركبي مش قادرة اتلم عليها لحد دلوقتي من ساعة ما شوفتها والدم مغرق دراعها، ربنا ما يكتبها على حد يا ربي، ربنا ما يكتبها على حد، أهييءء.
انطلقت في بكاءها دون توقف، حتى دخل الطبيب المناوب:
– إيه الأخبار؟ عاملين إيه؟
اتجهت إليه شهد على الفور لتسأله:
– طمني يا دكتور، هي حالتها صعبة ولا نقلتولها دم؟
ضحك الطبيب وهو يتجه ليفحص شقيقتها قائلًا:
– ننقلها دم ليه بس يا أنسة؟ مش لدرجادي يعني؟ ثم أن العفريتة اختك.
توقف فجأة ليتناولها يدها ويشير بسبابته على الجزء الفاصل من رسغها حتى مرفقها يردد:
– اختك مسكت الموس وشرطت على كذا مكان، إللي عايز الإنتحار بجد، بيعمل جرح واحد ويقطع الوريد بجد، لكن دي… هاها….
قهقه وهي تنزع يــ دها منه بحرج؛ اصاب نرجس أيضًا فتوقفت عن البكاء ، خرج الطبيب لتنقل شهد بأنظارها نحو الاثنتين، أمنية التي كانت تكابر حتى لا تشعرها بضعف موقفها، ونرجس التي اطرقت رأسها بخزي، بعد أن تسببت بفضيحة لهن في الحارة بصراخها الملتاع بغباء.
لم تقوى شهد على التحمل أكثر من ذلك وخرجت على الفور، تصفق الباب خلفها بغضب، وقلة حيلة، ولكنها وبمجرد خروجها، وجدت هذا المدعو إبراهيم يهتف بوجهها وأمام الجميع من جيرانها:
-ها يا ست شهد، اطمنتي بقى على اختك؟ واللي كانت هتموت نفسها النهاردة بسبب عندك وجبروتك معانا.
دارت عينيها بوجه مخطوف، على وجوه الجيران من نساء تعلمهم وتعلم حديثهن والتعليقات المتوقعة في هذه المواقف، ورجال كانو يجلسون مع والدها قبل ذلك، ثم هذه النظرة الغريبة في عينيهم نحوها، رؤى التي جلست تخبئ وجهها عن الجميع، والدة إبراهيم التي اقتربت تجذبه من كم قميصه، تدعي محاولة إثناءه، وهو يتابع:
– أشهدوا يا ناس، بنت خالتي وانا رايدها في حلال ربنا، وهي كمان رايداني، لكن اختها دي قلبها حجر وهي السبب في اللي حصل لأمنية، وكانت هتموت بسببها .
سمعت شهد ولم ترد ببنت شفاه، طاقتها نفذت وقدرتها على التحمل والصبر نفذت هي الأخرى، المقاومة والمواجهة هي درب من الخيال الاَن بالنسبة إليها.
ف تحركت أقدامها لتغادر، وتترك له الساحة، يمرح بها ويفعل ويقول ما يشاء،
تجر أقدامها جرًا، وهي تقطع طرقات المشفى نحو الخروج، لا تعي ولا تدري ما يحدث وما قد يفسره الناس عنها وعن ترك شقيقتها التي كانت على وشك الإنتحار بسببها، تريد مساحة خالية لتصرخ بها أو تبكي، أو تفعل أي شيء، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
ابتعلت ريقها فجأة وتوسعت عينيها، فور أن انتبهت،
بهذا المهندس المدعو حسن والذي جاء خلفها مع عبد الرحيم، مساعدها:
– إيه الأخبار؟
اومأت له برأسها متمتمة:
– حمد لله بخير والحمد لله.
تدخل عبد الرحيم:
– بخير ازاي؟ يعني هي انتحرت ولا منتحرتش؟
رمقته بنظرة محذرة قبل أن تجيبه:
– دا مجرد جرح بسيط، والدكتور طمني، بدليل إني ماشية ومروحة اهو كمان .
– بجد يا ست شهد؟
قال الاَخيرة بإلحاح استفزها، لتفرد ذراعها أمامه للجهة خلفها قائلة:
-روح وشوف بنفسك يا عبد الرحيم، عشان تتأكد.
سمع منها وذهب على الفور ف حولت شهد لحسن تخاطبه:
– وانت يا بشمهندس، هتروح ولا هتشوف بنفسك انت كمان؟
تبسم لأول مرة بوجهها فقال ممازحًا:
– وانا هشوف ولا اتأكد على إيه؟ هو انا اعرف اختك؟ احنا جينا نطمن عليها عشان خاطرك وادينا اطمنا، يبقى خلاص كدة بقى.
قالها واستدار ليجاورها في السير، فقالت شهد بامتنان لفعلته:
– متشكرة اوي، نردهالك في الفرح ان شاءالله، مش أي في حاجة وحشة.
نبرتها المستكينة، صوتها الضعيف ، وجهها المخطوف والمُتعب، نظرتها التي تركزت للأمام بدون انتباه، وقد ذهبت عنها القوة التي تدعيها دومًا، كلها كانت دلالات مقلقة عنها، وعندما خرجا من المشفى وذهبت إلى سيارتها التي كانت اقرب من سيارته، وجدها تسند برأسها على عجلة القيادة بتعب واضح، ترك سيارته وعاد إليها ليسأل ويطمئن، فدنا ليطرق بقبضته على زجاج النافذة المفتوح للنصف:
– استاذة شهد، يا سيادة المقاول.
رفعت رأسها إليه تجيب بضعف وأعين زائغة:
– ايوة .
اشار بكفه باستفهام فهمته لتجيبه:
– حاسة نفسي تعبانة ومش قادرة اسوق.
رد حسن بلهجة قلقة:
– خلاص تعالي اركبي معايا وانا اوصلك، ولا ترجعي جوا للمستشفى يفحصوكي؟
حركت رأسها برفض قاطع تردد:
– لا لا مش هرجع المستشفى، مينفعش، ولا هينفع برضوا اركب معاك واسيب عربيتي…
توقفت قليلًا بتفكير ثم قالت باستسلام :
– بس هو لو ينفع يعني، ممكن انت تيجي تسوق مكاني.
– خلاص تمام.
قالها حسن بموافقة فورية، وتزحزحت هي للداخل ليأخذ هو مكانها في القيادة وجلس يدير المحرك ويتحرك بالسيارة، يخطف النظرات نحوها، وقد بلغ التعب منها مبلغه، حتى سلمت حصونها لتسند برأسها على زجاج النافذة، مغمضة عينيها، فقال حسن بنصح:
– انا رأيي إننا نرجع بالعربية احسن للمستشفى، شكلك تعبانة أوي.
رددت بهمس ساخط:
– ما انا قولتلك مش عايز اكشف ولا انيل، لزوموا إيه بس الزن؟
تبسم رافعًا حاجبيه بدهشة لهذه المخلوقة العجيبة في العند والتمرد حتى في تعبها، فقال:
– ماشي يا ستي انتي حرة، المهم بقى مقولتليش على عنوان بيتكم .
أجفلت شهد تتذكر وضعها في السيارة مع رجل غريب، حينما يتوقف بها أمام الجيران وأهل المنطقة، يكفيها الفضيحة التي تسببت فيها أمنية وما فعله هذا الحقير إبراهيم أمام الأفراد الذين حضروا في المشفى، ف عادت برأسها تجيبه بتفكير سريع:
-هقولك، بس ثواني هعمل مكالمة .
قالتها وتناولت الهاتف، تتصل، لتأتيها الإجابة السريعة.
– ايوة يا شهد، صحيح اللي سمعته من رؤى ده؟
ردت الاخيرة لمحدثتها على الفور:
– سيبك من اللي سمعتيه من رؤى، انا عايزة أجي واستريح عندكم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *