رواية جواد بلا فارس (الفصل التاسع والعشرون إلى الأخير) بقلم الكاتبه منى سلامة

الحلقة ( 32 ) الجزء التانى الأخيـــرة

*********************

فتحت “مديحة” الباب وابتسمت فى وجه “على” قائله :
– ازيك يا “على” .. اتفضل يا حبيبى
دخل “على” قائلاً :
– ازي حضرتك أخبارك ايه
قالت وهى تغلق الباب خلفه :
– كويسة يا حبيبى الحمد لله ازى ماما و “إيمان”
ابتسم قائلاً :
– بخير الحمد لله
أشارت الى حجرة الصالون فجلس واضعاً ما يحمله بيده فوق الطاولة .. دخلت “مديحة” غرفة “أسماء” قائله :
– “أسماء” على جه ومستنيكى بره
هبت من فراشها قائله بدهشة :
– “على” ! .. بس مقاليش انه جاى
ضحكت “مديحة” وقالت :
– عادى يعني هو غريب .. يلا البسى واطلعيله
ارتدت “أسماء” ملابسها .. استقبلها “على” ببشاشة .. ضحكت قائله :
– ايه المفاجأة الحلوة دى
جلست بجواره فقال :
– كنت قريب من هنا قولت أعدى عليكي وكمان أعملهالك مفاجأة
اتسعت ابتسامتها .. اخرج “على” من جيبه علبة من القطيفة واعطاها اياها قائله بإبتسامه عذبه :
– شوفى كده ذوقى هيعجبك ولا لأ
نظرت الى العلبة بدهشة ثم فتحتها لتجد خاتماً ذهبياً .. اتسعت ابتسامتها وهى تقول بسعادة :
– الله .. حلو أوى يا “على”
اتسعت ابتسامته هو الآخر وهو يرقب تلك السعادة على وجهها وقال :
– طيب الحمد لله ان ذوقى عجبك
نظرت اليه بحب قائله :
– أصلاً ذوقك بيعجبنى على طول
ثم قالت بمرح :
– مش اخترتنى يبأه لازم يكون ذوقك حلو .. هو فى أحلى منى
اختفت ابتسامته وتحدث بجدية قائله :
– انتى فعلاً يا “أسماء” جميلة .. مش بس بشكلك .. لأ كمان بروحك وبطيبة قلبك .. عارفه .. أنا كنت ببعد عن أى علاقه حرام أو أى حاجة تغضب ربنا وكنت دايماً بدعى ربنا انه يرزقنى بزوجة طيبة أحبها فى الحلال وتدخل قلبي .. والحمد لله ربنا رزقنى بيكي
اختفت ابتسامة “أسماء” وشردت وفى عيينها نظرة أسى .. قام “على” وجلس بجوارها على الأريكة ينظر بإهتمام الى لمعة عينيها قائلاً :
– مالك يا حبيبتى . أنا قولت حاجة ضيقتك
هزت رأيها نفياً وتلك اللمعة تتزايد فى عينيها .. وضع يده على ظهرها وهو يقول :
– لأ فى حاجة مضايقاكى .. كده تخبى عنى .. مش اتفقنا نكون صرحا مع بعض
نظرت اليه بأسى .. فقال متظاهراً بالغضب :
– على فكرة لو ما قولتليش مالك هزعل منك بجد .. لانك كده بتعملى فرق بينا .. مش قولنا اننا خلاص بقينا واحد يا “أسماء” .. ولا نسيتى كلامنا
قالت وعبراتها تتساقط :
– لأ منستش
ربت على ظهرها بحنان وهو يقول :
– طيب قوليلى مالك .. ايه اللى ضايقك
مسحت عبراتها وهى تنظر الى يديها قائله :
– افتكرت حاجة ضايقتنى
– ايه هى ؟
تساقطت عبراتها وجسدها ينتفض بخفوت .. أحاطها “على” بذراعه وهمس فى أذنها بحنان :
– حبيبتى اتكلمى معايا .. قوليلى مالك
نظرت اليه بأعين دامعه قائله :
– كان فى حاجة نفسى أقولهالك من زمان يا “على” .. بس “آيات” قالتلى ما أقولش .. وان دى حاجة مش ذنبى .. وانى أستر على نفسى .. بس أنا مش قادرة أخبى عليك .. مس بحب أخبى حاجه عنك
تجمدت الدماء فى عروقه وهو ينظر اليها وقد غارت عيناه .. اضطرب تنفسه وهو يسألها بخفوت :
– فى ايه يا “أسماء” .. ايه اللى كنتى مخبياه عليا
أجهشت فى البكاء وهى تنظر اليه قائله :
– فاكر لما قولتلى انك مبتعملش حاجة غلط مع أى بنت عشان ربنا يحافظلك على البنت اللى هتكون مراتك
نظر اليها دون أن يرد فأكملت باكية :
– من يوميها وأنا عايزه أقولك .. بس شوية أخاف وشوية أتردد .. خايفة من ردفعلك .. بس بجد مش قادرة أخبى عليك .. حسه انى محتجالك أوى تساعدنى انى أنسى .. محتجالك تقولى كلام يخفف عنى
جف حلقه .. ولكنه تحدث بهدوء حازم قائلاً :
– اتكلمى يا “أسماء”
أطرقت برأسها وأغمضت عينيها للحظات .. ثم .. قصت عليها ما صدر من “هانى” من تحرشات .. وما قاسته وعانت منه فى بيت جدها من خالتها واتهاماتها وطعنها فى عرضها .. انتهت من حديثها .. صمتت .. لا تجرؤ على النظر الى وجهه .. أخذت تفرك كفيها بعصبيه .. وهى تنظر أرضاً .. تعلم أنها لربما أخطأت بالحديث معه .. واخباره بكل شئ .. لكنها لم تستطع أن تخفى عنه .. وأن تكتم بداخلها تلك الذكرى التى تؤرق مضجعها .. طال صمته .. بدأت فى بكاء مكتوم .. ارتعشت يديها وهى تخشى أن تسمع منه الآن كلمة تنهى كل أحلامها .. وتحطم قلبها .. استغفرت الله فى سرها .. الى أن وجدته فجأة يجذبها الى صدره لافاً ذراعيه حولها .. أجهشت فى البكاء بصوت مرتفع وكأنها تخرج شئ حبيس بداخلها لم تعد تقوى على بقاءه .. كانت أمها تستمع الى حديثها جون أن تظهر واضحة للعيان .. أخذت تبكى بخفوت وهى تستشعر الجرم التى شاركت فيه .. ومدى ما أوقعت على ابنتها من ظلم ومعاناة .. همس “على” قائلاً :
– عيطى .. خرجى كل اللى جواكى لحد ما تحسى انك مرتاحه خالص
لم تتوقف عن البكاء الا حينما شعرت بأنها أفرغت كل ما بداخلها من ألم وقهر .. رفعت رأسها تنظر اليها .. مسح عبراتها بحنان وهو يقول :
– قومى اتوضى وصلى ركتين هتحسى انك أحسن
تأملت تعبريات وجهة الحانية وهى تقول بصوت مبحوح :
– يعني مش زعلان منى
هز رأسه نفياً .. قالت بأسى :
– بس انت كدة ربنا محافظش على مراتك زى ما كنت عايز .. انت كان المفروض تتجوز واحدة أحسن منى
رأت الحزن فى عينيه وهو يقول هامساً :
– مش يمكن دى غلطة ربنا عاقبنى عليها
نظرت اليه بعدم فهم قائله :
– مش فاهمة تقصد ايه
غير الموضوع على الفور .. وتنهد قائلاً :
– قومى اتوضى وصلى زى ما قولتلك .. هستناكى
أومأت برأسها وتوجهت الى الحمام .. قام “على” ونادى “مديحة” التى كفكت دمعها بسرعة وتوجهت اليه تحاول رسم البسمة على شفتيها .. سألها “على” بحزم قائلاً :
– ممكن أعرف عنوان أخت حضرتك
اضطرب والدة “أسماء” وقالت :
– “على” هتعمل ايه ؟
قال بحزم :
– عايز أعرفه
قالت برجاء :
– “على” اهدى بس .. أصلاً باباها لما عرف بهدل الدنيا وراح ضربه
قال بنفس الحزم :
– عايز العنوان لو سمحتى
بلعت ريقها بصعوبة وقالت :
– لا مش هديهولك يا “على” .. بلاش مشاكل .. الموضوع خلاص انتهى
لم يتوقف “على” لسماع المزيد .. بل فتح الباب وغادر .. جريت أمها خلفه تنادى عليه .. دون جدوى .. اتصل بـ “مدحت” وطلب منه العنوان .. يبدو أن “مدحت” كان له رأى آخر غير “مديحة” .. اعطاه العنوان ثم قال :
– متأذيش نفسك .. أدبه بس من غير ما تأذى نفسك يا “على” .. عيل تييييييييييييييت زى ده ميستهلش انك تضيع نفسك عشانه

توجه “على” الى العنوان .. صعد وسأل عن “هانى” ليخبرهأخيه الأصغر بأنه غير موجود .. لكنه على وصول .. جلس “على” أمام البوابة ينتظر قدومه .. رآى شاب قادم فى اتجاه البناية .. صفف شعره بطرقة غريبة وارتدى فى صدرة سلسلة فضية .. وفى يديه بعض الاكسسوارات الغريبة .. أراد الشاب المرور لكن “على” كان يسد البوابة بجسده .. سأله قائلاً :
– انت “هانى” ؟
قال “هانى” بلا مبالاة :
– أيوة
لم يكد ينتهى من فلظ الكلمة حتى قام “على” من مكانه ليلكمه فى أنفه تماماً .. تقهقر “هانى” عدة خطوات الى الخلف حتى كاد أن يسقط من قوة اللكمة .. وضع يده على أنفه ليجدها قد تلونت باللون الأحمر .. صاح من الألم ثم نظر الى “على” بدهشة وقال :
– انت اتجننت يا واد انت
وقبل أن يفيق من دهشته توجه الى “على” وهو يزمجر بغضب ليعقبه بلكمة أخرى فى وجهه .. ثم يجذبه من ملابسها ليسدد ركلة فى منتصف بطنه .. شهق “هانى” من قوتها ومن الألم الذى صرخت به بطنه .. لم يكن “على” مفتول العضلات لكن الغضب منحه قوة خارقه .. تجمهر بعض الناس .. اقترب رجل فى محاولة لفض الشباك .. لكن احدى النساء صاحت بإحتقار :
– سيبه خليه يربيه .. ده عيل تيييييييييييت مسبش بنت فى الحته الا لما ضايقها ولقح عليها بكلامه .. أحسن خليه يتربى مادام أهله معرفوش يربوه
لم يشعر “على” بنفسه وهو يضربه بقوة ويركله بقدمه غيظاً وغضباً .. الى أحد تدخل أحد الرجال وأبعد على عنه قائلاً :
– خلاص يا ابنى سيبه هيموت فى ايدك .. ده كلب ميسواش
أخذ “على” يلهث بشدة .. عدل من وضع ملابسه .. ثم توجه الى “هانى” الملقى على الأرض ووجه غارقاً فى دمائه .. جذبه من ملابسه وأوقفه ثم صعد به الى البناية تحت نظرات الجيران الشامته .. شهقت أمه بقوة وضربت على صدرها وهى ترى ملابسه الممزقة والدماء المنفجرة من وجهه .. صاحت قائله :
– “هانى” مين عمل فيك كدة
قبل أن يتمكن من الرد .. صاح به “على” بغضب :
– قول لأمك على اللى عملته فى بنت خلتك يا تيييييييييييت
نظرت أمه بدهشة الى “على” ثم الى “هانى” الذى أخذ يبكى من الألم ومن الوضع الذى وصل اليه .. صاح به “على” وهو يدفعه ليلصقه بالجدار :
– اتكلم يله .. قولها على اللى حصل
شهت أمه وهو تهتف بـ “على” :
– اوعى سيب ابنى .. امشى اطلع بره
جذبه “على” من ملابسه وهم بأن يسدد احدى اللكمات الى وجهه .. لكن “هانى” صاح بألم :
– خلاص متضربش .. كفاية .. خلاص هقولها
هتف “على” بصرامة وعيناه تشعان غضباً :
– انطق قولها على اللى حصل
نظر الى أمه بخجل وأخبرها عن أفعاله المشينة .. أخبرها بأن “أسماء” لم تكذب عندما تهمته بمضايقتها وبالتسلل الى غرفتها .. نظرت اليه والدته بمزيج من الدهشة والحسرة والغضب .. نظر اليها “على” وهو يلهث ثم قال :
– آدى ابنك اللى نصفيته على بنت أختك .. طلع عيل تييييييييييييييت
ثم التفت وغادر البيت .. ظلت أمه تنظر اليه الى أن تحولت نظراتها الى الغضب والإحتقار وهتفت به :
– بأه بعد أخرة صبرى فيك تعمل كده فى بنت أختى .. مش كفاية أرفك اللى بسمعه وكل شوية تطلعلى واحدة تشتكى منك ومن عمايلك السودة .. هى حصلت تعمل كده فى بنت أختى يا تييييييييييييييت
نظر اليها “هانى” بخجل الى والدته والى أخيه الذى ينظر اليه بإحتقار وتقزز .. انقلب أخيراً السحر على الساحر وظهرت حقيقته واضحة للعيان .. هدد “أسماء” وأراد فضحها .. فكانت الفضيحة من نصيبة هـو

*************************************

بعد أقل من شهريــن على تلك الأحداث .. تم زفاف “على” و “أسماء” .. فى حضور أهلهما وأصدقائهما .. فكانت تلك هى الزيجة الثالثة فى محيط تلك الأسر التى اقتربت من بعضها حتى صارت كالأسرة الواحدة الكبيرة .. فتبادلت فيها الأنساب وتوطدت العلاقات وصاروا كالبنيان الواحد ..

فى نفس الفترة تحدد موعد زفاف “آدم” و “آيات” بعدما وجدا شقة مناسبة لإستئجارها وانتهيا من فرشها فرشاً متواضعاً .. اختاراها قريبة من القرية حتى يستطيعا بسهولة الذهاب والعودة من عملهما ..
تم الزفاف فى قريــة الماســـة .. ذلك المكان الذى جمعهما من جديد بعدما ظن كل منهما أنه لن يرى الآخر مرة أخرى .. كانت “آيات” فى أبهى صورها .. لا تفارقها بسمتها .. دخل “آدم” الغرفة التى تزينت فيها ليتأمل عروسه الجميلة .. اقترب منها واداها باقة ورد صغيرة .. أخذتها منه وعيناها لا تفارق تلك العينان التى سرقتا قلبها .. اقترب منها مقبلاً جبينها .. نظر الى فستانها عارى الأكمام مبتسماً وهو يقول :
– وناويه حضرتك تعملى ايه فى الحاجات اللى باينه دى
ضحكت بخفوت ثم ساعدتها “إيمان” على ارتداء كاب أبيض حريرى واسع أغلقته من الأمام لتخفى ما أظهره فستان عرسها من مفاتن .. أسدل “آدم” جزء من طرحة فستانها ليغطى به وجهها الذى زينته برقه .. ليخفى جمالها وسحرها عن الأعين المتلصصة .. فذاك الجمال وتلك المفاتن من حقه هو فقط .. ذهبا الى قاعتا الفرح .. فساعدتا “سمر” على خلع الكاب وعلى ضبط الطرحة .. ليبدأ الاحتفال بالعرس السعيد

دخلت “آيات” بيتها الجديد مع زوجها الحبيب وهى تدعو الله أن يديم فرحها ويبارك فى زواجها .. وقف “آدم” أمامها مبتسماً .. ابتسمت له فى رقه ونعوده .. وضع يده على جبينها ودعا قائلاً :
– اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه
عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم ” إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما فليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه ”
اتسعت ابتسامته وهو ينظر اليها بحب قائلاً :
– مبروك يا حبيبتى .. اخيراً بقيتي فى بيتى
بدلا ملابسهما واستعدا لصلاة ركعتين يؤمها “آدم” فيهما .. اتسعت ابتسامتها وهى تبادله نظراته المحبه الشغوف .. حمد الله فى نفسه ان يسر له أمر زواجه .. وأن سخر له “كريم” الذى ساعده وقدم له تلك السُلفه التى أعانته على اتمام تجهيز بيتهما ..شعر بكرم الله عليه .. فحمده كثيراً .. نظر الى زوجته فى سعاده .. تهيأت له وأقبل عليها .. لكـــن .. وعلى الرغم من نسيانها لذلك الأمر لفترة طويلة .. قذف الشيطان فى نفسها تلك الذكريات المريرة .. والأفعال القبيحة التى آتاها “آدم” قبل توبته .. انزوت مبتعده عنه .. والأسى على محياها و الألم فى عينيها .. لم تستطع النظر اليه .. أو التبرير .. نظر اليها متأملاً .. متخوفاً .. قلقاً .. الى أن تمتم بخفوت :
– أنا كنت شاكك .. ودلوقتى اتأكدت .. انتى لسه مسمحتنيش يا “آيات”
اغمضت عينيها دون أن تجد كلمات تقولها .. وكأن الكلمات هربت منها .. نهض عنها وخرج من الغرفة .. جلست تبكى وتستغفر .. الى أن أفاقت لنفسها .. حدثت نفسها .. ماذا تفعلين يا “آيات” .. كيف تسمحين لوساوس الشيطان أن تتلاعب بكِ .. ألا تعليمين أن ابليس يضع عرشه على الماء ويقدم كل شيطان تقريراً عما عمله فى يومه من شر وأذى .. وأكثر تلك الشياطين قرباً من ابليس هو ذاك الذى يستطيع أن يفرق بين الرجل وزوجته .. هذا الشيطان يحبه ابليس كثيراً ويمجده ويعظمه على صنيعه .. فلا شئ من الأفعال الشنيعة والمريعة أحب الى ابليس من أن يتخاصم زوجان ويفترقا .. ويسمحان للشيطان بأن ينفث سمومه فى أذنيهما وقلبيهما .. فيستسلمان لوساوسه .. ويهدمان بيتهما بأيديهما .. لامت نفسها بشدة .. استغفرى ربك يا “آيات” .. واستعيذى به من الشيطان الرجيم .. ذاك الشيطان الذى بدأ عمله سريعاً فى الإيقاع بينك وبين زوجك ومن أول ليلة فى زواجكما .. واعلمى يا “آيات” أن تلك لن تكون الأخيرة .. بل هى البداية .. فعليكِ دائماً أن تحصنى نفسك حتى تصدى ذاك الماكر عن الوسوسه فى أذنيكِ .. ستصديه بإيمانك وبإستعانتك بالله عز وجل .. لن تسمحى لوساوسه بأن تؤثر على حياتك الزوجية .. كلما ذكرك بمساوئ زوجك ستتذكرين أنتِ محاسنه .. كلما ذكرك بتلك اللحظة التى أغضبكِ فيها زوجك ستتذكرين أنتِ اللحظات الكثيرة التى رسم فيها البسمة على شفتيكِ .. كلما ذكركِ بذنوبه ستتذكرين أنتٍ توبته .. كلما ذكركِ بجفاءه ستتذكرين أنتِ حبه وحنانه

نهضت “آيات” ودخلت الى الحمام تغسل وجهها .. ثم عادت الى غرفة النوم وتزينت ببعض المساحيق الخفيفة .. خرجت تبحث عن “آدم” .. وجدته فى غرفة المعيشة واقفاً يصلى .. وقفت خلفه .. تنظر اليه .. رأته وهو يهوى ساجداً .. لحظات وبدأ جسده فى الإنتفاض .. بكى “آدم” فى سجوده وهو يسأل الله أن يغفر له ذنبه .. دعاه ألا يكون نفور زوجته منه الآن من شؤم المعصية التى ارتكبها .. علم فى قراره نفسه أن من تعجل الشئ قبل أوانه عوقب بحرمانه .. لكنه أحسن الظن بالله أن يرفع عنه تلك العقوبة .. وأن يصرف النفور من نفسه زوجته وحبيبته .. انتهى من صلاته وشعر بسكينه بداخله .. مسح وجهه بكفيه ..ثم نهض والتفت ليجد “آيات” واقفه خلفه وهى تنظر اليه بحزن .. اقترب منها وحاول رسم بسمة على ثغره .. يعلم ما تشعر به .. هو المخطئ .. هو السبب .. لذلك لا يستطيع لومها .. ابتسمت له .. بعذوبه .. ورقه .. ونظرت اليه بحب .. اختفى الحزن من عينها .. وأقبلت نحوه تلقى بنفسها بين ذراعيه .. سكن للحظة ثم لفها بذراعيه يضمها اليه بشدة وهو يستنشق عبير شعرها الذى يلامس وجهه .. رفعت رأسها ونظرت اليه وقال :
– مش عايزين الشيطان يدخل بينا .. ماشى
نظر اليها متأملاً .. ابتسم وهو ينظر اليها بحنان جارف .. يحتويها بنظراته قائلاً :
– ماشى
قالت بحزم وهى تنظر فى عمق عينيه :
– أنا سمحتك يا “آدم” .. خلاص هنقفل الصفحة دى ونرميها ورا ضهرنا .. مش هنتكلم فيها تانى .. متخليش الشيطان يشكك فى انى سامحتك .. ماشى ؟
اتسعت ابتسامته ومسح على شعرها بحنان قائلاً :
– ماشى
همست :
– بحبك
همس :
– بحبك

لأول مرة يردد كلاهما “بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا” .. عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم “لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : “بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا” ، فإذا قدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً” .. أشعره الحلال بقبح ونجاسة الحرام .. واستقزار الفعل والمفعول به .. مر على ذهنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم “وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ” .. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ .. قَالَ: “أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ” .. فهذه الطاهرة زوجته وحلاله وكلما أتاها أخذ أجراً .. ابتسم يقبل جبينها .. الآن فقط .. شعر بأن الله راضى عنه .. لأن من علامات رضى الله عن العبد أن يوفقه لفعل الخيرات .. واجتناب المحرمات .. ” رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ” .. نامت ملء جفونها فى أحضان زوجها الذى أحطاها بذراعيه فى حنان.

**************************************

فى أحد الأيام .. شعر “آدم” بشئ ناعم يلامس وجنته وبهمسات رقيقه :
– “آدم” .. “آدم”
فتح عينيه ببطء ليطالع وجه “آيات” المبتسم .. همست بعذوبه :
– حبيبى قوم اتأخرت على الشغل
تمطع فى فراشه ثم نظر اليها مبتسماً وهو يفتح عينيه بصعوبه .. نهض من فراشه وتوجه الى الحمام بينما توجهت “آيات” الى المطبخ لتعد مائدة الفطور .. خرج يجفف شعره ونظر اليها مقبلاً اياها قائلاً :
– صباح الخير
ابتسمت فى وجهه :
– صباح النور
التفا معاً حول مائدة الطعام .. فتمتم كلاهما :
– بسم الله
قالت “آيات” وهى تضع احدى اللقيمات فى فمها :
– بفكر ما أروحش الغشل النهاردة
نظر اليها “آدم” قائلاً :
– براحتك .. أصلاً الفترة دى مفيش ضغط كبير فى الشغل
أومأت برأسها وقالت بمرح :
– أهاا ما أنا عارفه عشان كده قولت أدلع ومروحش الشغل
ضحك قائلاً :
– ماشى يا ستى ادلعى براحتك
انتهيا من طعامهما فردد كل منهما :
– الحمد لله الذى أطعمنى هذا و رزقنيه من غير حول منى ولا قوة
انتهى “آدم” من ارتداء ملابسه بينما كانت “آيات” تنظف حذاءه .. توجه الى الباب وارتدى حذاؤه فقبلته مودعه وابتسامه حانيه على ثغرها وقالت :
– خلى بالك من نفسك

توجهت “آيات” الى المطبخ لتنظيف الاوانى المتكدسة من تحضير الفطور .. انتهت من عملها فى جلى الصحون وبدأ فى الإعداد لطعام الغداء بينما كانت ترتب المنزل وتنظفه .. قبل قدوم “آدم” بنصف ساعة توجهت الى غرفتها لتنتقى شيئاً آخر ترتديه .. زينت وجهها بنعومة وأسدلت شعرها فوق كتفيها .. أعدت المائدة ونظمتها وأضافت بعض اللمسات الرقيقة .. عاد “آدم” من عمله لتستقبله ببشاشه .. بدا عليه الإرهاق فعاونته على تبديل ملابسه وهى تسمعه كلماتها الرقيقه الحانيه التىتخفف عنه تعب النهار من أجلها .. التف معاً حول مائدة الطعام .. أشاد “آدم” بطعامها فاتسعت ابتسامتها .. قال “آدم” :
– على فكرة فى حاجة أنا عملته وواثق انها هتفرحك
تركت ملعقتها ونظرت اليه قائله بلهفة :
– ايه هى
اسند مرفقيه فوق الطاولة ونظر اليها بمرح قائلاً :
– أنا وعدتك لما الظروف تتحسن نطلع رحلة شهر عسل مش كده
قالت على الفور :
– يا حبيبى أنا مش عايزة حاجه .. وبعدين مش محتاجين رحلة شهر عسل ولا حاجة ده احنا عايشين فى العين السخنة .. الناس بتيجي هنا لشهر العسل
اتسعت ابتاسمته وهو يقول بتحدى :
– بس المكان اللى احنا هنروحه لو عرفتيه مستحيل تقولى كده
نظرت اليه بإستغراب قائله :
– ايه هو طيب
تأملها قائلاً :
– هنعمل عمره سوا
اتسعت عيناها وهتفت بسعادة :
– بتتكلم بجد .. بجد يا “آدم”
أومأ برأسه فهبت واقفه تحتضنه وهى تقول :
– ياه كان نفسى أوى أعمل عمره تانى .. بجد ربنا يباركلك يا “آدم” .. أنا فرحانه أوى .. دى ألى رحلة بجد
جلست مرة أخرى على مقعدها فقال “آدم” ببشاشه :
– ان شاء الله هقولك المعاد بس عامة حضرى نفسك من دلوقتى .. وان شاء الله ماما طالعة معانا هى كمان كان نفسها تعمل عمره من زمان
أخذت تتذكر المرة الأولى والوحيدة التى ذهبت فيها الى العمرة مع والدها الحبيب رحمه الله .. وكيف كانت سعادتها لزيارة تلك البقعة المباركة .. وكم تمنت من يومها العودة الى ذاك المكان مرة أخرى .. انتهيا من تناول طعامها .. همت بأن تنهض لتحمل الأطباق الى المطبخ .. لكن “آدم” اوقفها وأمسك بيدها .. وأخذ ينظر الى أصابعها والتى علق بها بعض الطعام .. ثــم .. قربها الى فهمه وهو ينظر اليها وأخذ يلعق صابعاً تلو الآخر تحت أنظارها وقد اتسعت ابتسامتها وضحكت بخفوت .. عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم “إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يُلعقها”
انتهت من جلى الأوانى لتجلس مع زوجها فى حجرة المعيشة يقرآن فى أحد التفسيرات .. فمنذ زواجهما اتفقا على أن يقرآها كل يوم آيه واحده بتفسيرها .. سيأخذان وقتاً طويلاً لنهاية سورة واحدة .. لكنهما اتفقنا على أن قليل متصل خير من كثير منقطع .. كانت “آيات” تستمع فى استكانه الى قراءة “آدم” من كتابة التفسير وشرحه للمعنى .. تدبرا الآية ولسان حالها يقول : سبحان الله .. سُمع المنادى فى المسجد القريب يؤذن للصلاة فنهض “آدم” وتوضأ وشيعته بابتسامتها ثم ارتدت اسدالها لتؤدى فريضتها .
تعالت ضحكاتهما وهما جالسان معاً على الأريكة يشاهدان أحد المقاطع المضحكة .. نظر “آدم” اليها يتأمل ضحكته وبسمتها التى لا تفارق محياها كلما كان فى البيت .. قربها منه وقبل جبينها .. نظرت اليه .. لتروى لها عيناه الشغوفتان ما يحدثه به قلبه من أحاديث خاصة !

أنهت “آيات” عملها المنزلى وتوجهت الى غرفة النوم لتجد “آدم” جالساً فى الفراش يجمع كفيه الى بعضهما البعض ويقرأ فيهما كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم .. فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ” .. جلست على الفراش بجواره وهى تعدل من وضع الغطاء .. انتهى “آدم” من القراءة فى كفيه وأخذ يمسح على رأسه ووجهه وجسده .. ثــم التفت الى “آيات” يمسح بديها رأسها ووجها وجسدها .. ابتسمت له وقبلته قائله :
– تصبح على خير يا حبيبى
– تصبحى على خير يا حبيبى متنسيش تقولى الأذكار
وضعت “آيات” رأسها على الوسادة وأخذت تمتم بشفتيها وتردد أذكار النوم .. ضبط “آدم” هاتفه على ميعاد صلاة الفجر ثم وضع رأسه على وسادته ونام ملء جفونه .

تركت والدة “آدم” العروسين لينعمان ببعض الوقت بمفردهما قبل أن تنتقل للعيش معهما بعد اصرار “آدم” و”آيات” على ذلك .. وأمضت وقتها مع والدة “سمر” التى باتت تعيش بمفردها هى الأخرى .. تقاربت المرآتان وكانت كل منهما للأخرى سلوى وأنيساً

************************************

حمد “آدم” ربه أن رزقه هذه العمرة وكذلك فعلت والدته و”آيات” وهم جالسون معاً على متن الطائرة المتوجهة الى المدينة .. نظرت “آيات” من النافذة فى لهفة تعد الدقائق التى تفصلها عن أحب الاماكن اللى قلبها .. حطت الطائرة فى مطار المدينة ثم توجها الى الفندق لوضع حاجياتهما .. ثــم .. توجها الى زيارة قبــر النبى صلى الله عليه وسلم .. صلوا ركعتين تحية للمسجد فى الروضة الشريفة .. ثم توجها الى قبر النبي صلى الله عليه وسلم .. وقف “آدم” أما القبر وقد جف حلقه .. وأطرق برأسه يستشعر عظمة هذا القبر الذى يسكنه خير البشر وأكملهم .. يقف الآن أمام قبر ذلك القائد العظيم والنبى الكريم .. ذلك الحبيب أمامه .. ذلك النور أمامه .. ذلك الذى تتفطر قداه من قيام الليل أمامه .. ذلك الكريم المعطاء أمامه .. فسالت دموع “آدم” فرحاً وهيبة .. كم أنت عظيماً يا رسول الله .. كم عانيت لأصبح أنا الآن مسلماً .. كم قاسيت فى سبيل تبليغ رسالتك .. كم تألمت وعُذبت وشُجت وجنتاك وكُسرت رُباعيتك وشُج رأسك وسالت الدماء منك لأصير أنا مسلماً .. كم ضحيت فى سبيل الدعوة لا لشئ سوى لنشر تلك الرسالة التى ائتمنك الله عليها .. كم كنت تتألم لموت أحدهم على غير الإسلام .. كم أحبك يا رسول الله .. يا شفيعي يوم العرض .. لم يراك أحداً الا وأحبك .. لم سعرفك أحد الا وأحبك .. لم يسمع عنك أحداً الا وأحبك .. حتى الصخر والشجر أحبوك .. لم أحارب فى أُحد .. لم أجرح فى بدر .. ما هاجرت فى يوم .. ولم أكن من الأنصار .. ولكن يا نبى الله أحبك .. حبك فى قلبى ألهبه .. أبعدتنى ذنوبى لكن ها أنا جئت اليك أخيراً .. أتلمس الهدى والنور والتقى .. أهتدى بهديك وأسير فى دربك .. أنقذتنى من كل خبيث وأنرت لى الطريق الى رب العالمين .. وكنت مثال للصادق الأمين .. كم أتلهف شوقاً لرؤياك .. والنظر الى وجهك الطليق .. والهناء بالشرب من كفك الطاهرة .. جسدى بجسدك .. عرضى بعرضك .. أفديك بقلبى وروحى وبكل ما أملك .. ومن غير للشفاعة يملك !
سلم على الرسول الكريم ثم تقدم قليلاً ليسلم على أبى بكر رضى الله عنه .. وتقدم أكثر ليسلم على عمر رضى الله عنه .. ثم توجهوا الى البقيع للسلام على أصحاب البقيع وهو يدعو لهم بالمغفرة والرحمة .. كانت سعادة والدة “آدم” غامرة وبكت تأثراً فكم تمنت تلك الرحلة منذ أمد بعيد وها هو الله قد رزقها اياها

لم يستطع “آدم” تمالك عبراته التى تساقطت وهو يرى الكعبة لأول مرة .. وكذلك والدته .. خفق قلبهما كما لم يخفق من قبل .. شعر “آدم” بهيبة هذا البيت .. وبرهبة كلما اقترب منه .. كان كالفراشة التى تنجذب الى الضوء رغماً عنها .. لا يحيد عينيه عن الكعبة وكأنه يريد حفر كل تفاصيلها بداخله .. لمس الحجر الاسود .. عندما تذكر أن فى ذلك حط لخطاياه بكى بشدة .. دار فى الطواف ودموعه تغرق وجهه .. أيا رب كم أنت رحيم .. أذنب وأذنب وأنت تغفر وتغفر .. كم أنت كريم .. كم أنت حليم .. شعر وكأن قلبه يُغسل .. وكأن ماء بارد صُب عليه من السماء ليغسل قلبه وينقيه .. لم يشعر بقلبه نظيفاً كما يشعر الآن فى تلك اللحظة .. لم يشعر بقلبه مرهفاً ورقيقاً كما يشعر الآن فى تلك اللحظة .. لم يبكى من خشية الله كما بكى فى تلك اللحظة .. ظل يستغفر ويستغفر .. حاول أن يدعو .. ظل يشرد بخياله .. يفكر ما الذى يريده من الله عز وجل ليسأله اياه ؟ .. فكر وفكر .. لم يجد سوى .. الجنــة .. تلك آخر آماله ونهاية مبتغاه .. لا يريد سواها .. وبصحبته كل من أحب .. أخذ يدعو أن يكرمه الله بدخولها .. باستنشاق عبيرها .. بالجلوس تحت ظلال أشجارها .. وحوله كل من أحب .. وكل من رافق .. وكل من عرف .. وتوسعت أمانيه ليسأل الله الجنــة لكل من قال بقلبه ولسانه .. أشهد أن لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله.

النهاية.

رواية جواد بلا فارس.

بقلم الكاتبة منى سلامة (بنوتة أسمرة)

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *