رواية جواد بلا فارس (الفصل التاسع والعشرون إلى الأخير) بقلم الكاتبه منى سلامة
الحلقة ( 30 ) الجزء التانى
***************
جلست الأربع فتيات فى غرفة “آيات” بينما نام أبوى “أسماء” فى غرفة “إيمان” .. والغرفة الثالثه بقيت بوالده “سمر” .. قالت “آيات” بسعادة :
– أنا فرحانه أوى عشان انتى فرحانه يا “أسماء”
قالت “أسماء” ببهجة لم تشعر بها منذ وقت طويل :
– فرحانه بس .. ده أنا حسه زى اللى كان ضايع منه حاجه مهمة وأخيراً لقاها .. بجد مكنتش متوقعة انى هفرح كده لما أشوف بابا و ماما .. بس بجد فرحت اوى أوى
ابتسمت لها “سمر” قائله :
– ربنا ما يحرمكوا من بعض أبداً
بادلتها “أسماء” الإبتسام وقالت :
– يارب
سألتها “إيمان” :
– وبعدين ناوية على ايه .. هتكملى شغل فى القرية ولا هترجعى معاهم
قالت “أسماء” بحيرة :
– بصراحة لسه مقررتش .. مش عارفه
قالت “آيات” بحنان :
– استخيرى ربنا .. وان شاء الله أى ان كان اختياره هيكون خير ليكي
أومأت “أسماء” برأسها وقالت :
– ماشى هستخير بس ابقى اكتبيلى دعاء الاستخاره فى ورقة عشان مش حفظاه
قالت لها “سمر” :
– يا بنتى سهل جداً .. ” اللّهم أني أستخيرُك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تَقْدِرُ ولا أَقَدِْر وتعلَمْ ولا أَعْلَمْ وأنت علاَّمُ الغيوب .
اللّهم إن كنت تعلمُ ( وتقولى الحاجة اللى بتستخيري ربنا عشانها ) خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقْدُرْه لي ويسِّرْه لي .
وإن كان هذا الأمرُ شراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفّهُ عني وأصرفني عنه واقْدِرْ لي الخير حيث كان ، ثم رَضّتَيِ به ”
سألتها “أسماء” :
– وأصليها ازاى ؟
قالت “سمر” :
– عادى زى الصلاة العادية ركعتين وبتقولى الدعاء ده بعد التشهد الأخير وقبل ما تسلمى .. أو ممكن تقوليه بعد ما تسلمى من الصلاة
أومأت “أسماء” برأسها .. قالت “إيمان” لـ “آيات” :
– طالعة بكرة مع الفوج السياحى ؟
أومأت “آيات” برأسها وقالت :
– أهاا
سألتها “سمر” :
– طالعين فين
قالت “آيات” :
– جبل عتاقة .. الفوج اللى طالع رجاله وستات .. فقولنا يكون فى 2 دليل .. راجل عشان يتعامل مع الرجالة .. وبنت عشان الستات يتعاملوا معاها برحتهم
ثم قامت قائله :
– فكرتونى .. هقوم أجهز شوية حاجات كده عشان أخدها معايا بكرة ان شاء الله
*****************************************
فى الغرفة المجاورة كانت تلك هى المرة الأولى منذ فترة طويلة يضطر فيها “مدحت” و “مديحة” الى المبيت معاً فى غرفة واحدة .. شعرت “مديحة” بالحرج كما لو كانت مع رجل غريب .. جلس “مدحت” فوق فراشه مستنداً ظهره الى احدى الوسائد شارداً .. خرجت “مديحة” الى الشرفة تستنشق هواء الليل العليل .. بعد دقائق تبعها “مدحت” ووقف بجوارها يتأمل الطبيعة الساحرة تحت ضوء القمر الذى صار بدراً يزين السماء ببهائه وروعته .. قالت مديحة قاطعة هذا الصمت :
– الحمد لله اننا لقيناها .. لما شوفتها مكنتش مصدقه نفسى
أطرق “مدحت” برأسه ينظر الى الأشجار التى تتحرق أوراقها بنعومه مع نسمات الليل :
– الحمد لله .. أنا كمان مصدقتش نفسى لما سمعت صوتها فى التليفون .. ومصدقتش انها سليمة وعايشة .. الحمد لله ان ربنا حفظها طول الفترة دى .. كان ممكن نلاقيها بس نلاقيها فى حال تانى وفى وضع تانى .. الحمد لله
دمعت عينا “مديحة” وهى تقول :
– قصرت كتير أوى فى حقها .. حسه بإحساس فظيع .. حسه بجد بإحساس بشع
نظر اليها “مدحت” قائلاً :
– أنا كمان قصرت معاها كتير .. محستش ان عندى بنت الا لما راحت منى
ثم قال :
– وقصرت معاكى انتى كمان
التفتت تنظر اليه .. كانت تلك هى المرة الأولى التى تجده معترفاً بتقصيره تجاهها .. فأكمل وهو مازال يتطلع اليها :
– عارف انى غلطت كتير .. وان أى مشكلة بتحصل كنت بكبر دماغى وأشوف مزاجى بره .. مفيش مرة أعدت معاكى وحاول أحل المشكلة بهدوء
قالت وهى على وشك البكاء :
– أنا كمان غلطت
صمتت والدموع تتساقط من عنييها .. فقال بحنان لم تألفه :
– غلطتى فى ايه
هزت كتفيها وتطلع أمامها قائله :
– فى حاجات كتير
ابتسم “مدحت” وقال :
– تعرفى ان دى المرة الأولى اللى تعترفى فيها انك غلطتى فى حقى
التفتت اليه بحده وقالت :
– ودى برده المرة الأولى اللى تعترف فيها انك غلطت فى حقى
اختفت ابتسامته وقال بجديه :
– بصى يا “مديحة” أكتر حاجة بيكرهها الراجل هو انه يلاقى مراته واقفاله الكلمة بالكلمة .. دى حاجة بتستفز أى راجل .. أى نعم أنا عصبي ولما بزعل ببقى غبي .. بس انتى برده بتنرفزيني يا “مديحة” وبتخرجيني عن شعورى .. فى مواقف كتير ممكن تحتويها بهدوء .. من غير ما تعندى معايا ومن غير ما تتحديني
قالت بعصبيه :
– بس انت لما بتتعب يا “مدحت” مش بس بتكون غبى انت بتكون عنيف جداً .. مفيش ست تقبل على نفسها وكرامتها انها تتضرب كل شوية والتانى وعلى حاجات تافهة
قال “مدحت” بحده :
– ما هو انتى بعنادك اللى بتنرفزيني لدرجة انك بتخليني أمد ايدي عليكى
صاحت بغضب :
– برده أنا اللى غلطانه .. حاجة حلوة أوى والله انت اللى بتضرب وأنا اللى غلطانه
تنهد “مدحت” بقوة وقال :
– اظاهر اننا مش هنعرف أبداً نبقى زى أى اتنين متجوزين بيتكلموا مع بعض بإسلوب محترم
قال ذلك ودخل الى الغرفة وترك “مديحة” وعيناها غارقه فى بحر دموعها
****************************************
فى صباح اليوم التالى توجهت “آيات” الى الحافلة المنطلق بالفوج السياحى الى جبل عتاقة .. شعرت بالصدمة عندما صعدت الحافلة لتجد “آدم” جالساً على أحد المقاعد فى منتصف الحافلة .. نظرت اليه بدهشة شديدة .. فإبتسم لها بعذوبة .. أشاحت بوجهها وتحدثت مع زميلها فى الرحلة وتم التأكد من صعود جميع الركاب .. جلست فى مكانها فى المقعد الأول وهى لازالت تشعر بالدهشة لوجود “آدم” على متن الحافلة .. انطلق السائق بهم فى طريقهم الى جبل عتاقة حيث تقع احدى العيون الكبريتيه الطبيعية والتى تصل فيها درجة حرارة الماء الى 35 درجة والتى تقوم بعلاج العديد من الأمراض الجلدية والجهاز العضلي الهيكلي والأمراض الروماتيزمية .. توقفت الحافلة فى المكان المنشود .. قادت “آيات” النساء .. وقاد زميلها الرجال .. شعرت بنظرات “آدم” المصوبة تجاهها لكنها تجاهلته تماماً .. كانت الجولة رائعة استمتع به السائحين .. انتوا من أخذ الحمامات الكبريتيه فأمرتهم “آيات” بأخذ حماماً ساخناً حتى تتفتح المسام وتتبدد رائحة الكبريت .. ثم توجه الفوج الى الحافلة للعودة الى القرية وأخذ قسطاً من الراحة .. فبعد حمام الكبريت يكون الجسم متثاقلاً ويلزم فترة من الراحة بعدها للإجهاد الذى يصيب القلب والدورة الدموية بحمامات الكبريت
انطلقت الحافلة بهم عائدة الى القرية مرة أخرى .. وفى منتصف الطريق .. انفجرت أحد اطارات الحافلة .. فتوقف السائق لتبديل الإطار التالف .. نزلت “آيات” تنظر الى الجبل حولها .. والى المنطقة الصحراوية والرمال تحت أقدامها .. نظرت الى السماء بلونها الرمادى والى الشمس التى غربت فى الأفق والتى تعد بالعودة مرة أخرى مع فجر يوم جديد .. سارت قليلاً تتأمل صفحة السماء الصافية وهى تشعر بحيرة كبيرة بداخلها .. حيرة ما بين مشاعرها وبين تجربتها المريرة التى آلمتها أشد ايلام .. فجــأة .. تجمدت الدماء فى عروقها عندما سمعت من خلفها انطلاق الحافلة مكملة طريقها فى اتجارة القرية .. التفت جرت “آيات” مسرعة وهى تصرخ بأعلى صوتها :
– استنى .. استنى
لكن صوتها كان أضعف من أن يصل الى السائق أو لأحد الركاب .. نظرت بفزع الى الحافلة التى ابتعدت تماماً … توقفت على الجرى وهى تلهث .. نظرت حولها الى الليل الذى بدأ فى الهطول .. أخذت تلهث بشدة .. وهى تحاول تهدئه خفقات قلبها المضطرب
أطل “آدم” برأسه من الممر الفاصل بين جانبي الحافله .. لم يتمكن من رؤيتها فوق مقعدها .. ظنها نائمة ولربما تستند برأسها بزاوية مائلة لذلك لم يتمكن من رؤية رأسها أعلى المقعد .. عاد يسند ظهره الى مقعده .. كان يعلم بأن الفوج سنقيم الى رجال ونساء وأنه لن يتمكن من رؤيتها طويلاً .. لكنها أراد أن يكون معها .. فما كان يطيق البقاء فى القرية وهى ليست موجودة بها .. أخذ يحاول رؤيتها مرة أخرى دون جدوى .. تسرب اليه الشعور بالقلق .. على الرغم من ان الوضع يبدو طبيعياً .. قام من مقعده ليُصعق عندما وجد مقعدها فارغاً .. قال للمشرف الجالس فى الجهه الأخرى :
– فين الآنسة “آيات” ؟
التفت زميلها الذى كان يسند رأسه الى زجاج الحافله .. ونظر الى مقعدها الفارغ ثم قال بدهشة :
– معرفش
هتف “آدم” بالسائق :
– اوقف لو سمحت
التفت السائق ينظر الى “آدم” بدهشة .. فرخ به :
– بقولك اقف
نزل “آدم” من الحافلة وهو ينظر حوله .. قال المشرف على الرحلة بقلق :
– أكيد نزلت لما كنا بنغير العجلة ومخدناش بالنا انها مركبتش
صاح فيه “آدم” بغضب بالغ :
– ازاى يعنى مخدتش بالك .. هى مش مشرفة معاك على الرحلة .. ازاى مخدتش بالك انها مش أعده فى الكرسى بتاعها
أطرق الرجل برأسه ولم ينطق ببنت شفه .. أمره “آدم” وهو يبدو فى قمة قلقه :
– لازم نرجع ندور عليها
صعد “آدم” ليطلب من السائق العودة مرة أخرى لكن السائق فاجئه بإقتراب نفاذ الوقود .. فلن يكفى للعودة مرتين .. أخذ “آدم” يسب بخفوت وهو يشعر بالحنق الشديد .. نظر الى المشرف وقال :
– روح انت عشان السياح اللى معانا .. وابعتلى حد بأى عربية
قال ذلك ودون أن يعطيه فرصة للرد نزل من الحافلة وانطلق يعدو بأقصى سرعته فى عكس اتجاه سير الحافلة .. ظل يردد بلسانه :
– يارب .. يارب
شعر بخوفه يتصاعد خاصة بعدما أسدل الليل أستاره .. أخذ يفكر فى “آيات” التى حتماً هى خائفة الآن .. زاد من سرعة عدوه وكأنه يسابق الزمن !
نظرت “آيات” حولها بفزع وقد هبط الظلام ليسود المكان .. لولا القمر المضى فى السماء لما تمكنت من رؤية ما حولها .. سمعت أصوات الرياح تزأر وتزمجر فى غضب .. والرمال تتحرك لتلسع وجهها ويديها .. عقدت ذراعيها أمام صدرها وهى تردد بعض الأذكار حتى تطمئن قلبها الفزع