رواية جواد بلا فارس (الفصل التاسع والعشرون إلى الأخير) بقلم الكاتبه منى سلامة

دلف “مدحت” بسيارته بوابة القرية .. أخذت “مديحة” تتطلع الى ما حولها تبحث عيناها بلهفة عن ابنتها “أسماء” .. اتصل “مدحت” بها ليعلمها بوصولهما فوصفت له الطريق الى البناية التى تقيم بها .. نظرت من الشرفة واتسعت ابتسامتها وهى ترى سيارة والدها مقبلة فى اتجاه البناية .. دخلت مسرعة وأخذت طرحة لفتها على شعرها كيفما اتفق ونزلت مسرعة وقلبها يخفق بقوه لا تتحمل تلك الثوانى التى تفصلها عن أحضانهما .. أوقف “مدحت” سيارته بمجرد أن لمحها تخرج من البوابه .. خرجت “مديحة” مسرعة من السيارة وأقبلت عليها تأخذها فى أحضانخا لتروى اشتياقها وحنينها اليها .. بكت “أسماء” فى أحضان والدتها .. ذاك الحضن الذى افتقدته طويلاً جداً حتى عندما كانت تعيش معها فى نفس المنزل .. لا تتذكر متى آخر مرة شعرت بذراعى أمها تلتفان حولها هكذا .. لا تتذكر متى آخر مرة أسندت وجنتها الى هذا الصدر الحانى .. لم تكن “أسماء” بعناقها تروى اشتياق الفترة الماضية فحسب .. بل كانت تروى اشتياق سنوات من الجفاف العاطفى .. أبعدتها أمها لتنظر اليها بأعينها الدامعة وهى تقول :
– “أسماء” .. وحشتيني أوى يا بنتى
قالت “أسماء” بصوتها المرتجف :
– وانتى كمان يا ماما وحشتيني أوى
التفتت الى “مدحت” الذى جذبها الى أحضانه باكياً كما لم تراه من قبل .. احاطته بذراعيها وهى تشعر بإنتفاض جسده لقوة بكاؤه .. كانت الدموع تتساقط من عينيها لكن البسمة مرتسمه على ثغرها فى ثبات .. فى تلك اللحظة شعرت بأن لها قيمة .. بأن وجودها له معنى .. بأن لها من يفتقدها ويشعر بإشتياق الى وجودها فى حياته .. لم تكن سعادتها بالغة لرؤيتهما فحسب .. بل لشعورها بأنها شخصاً مهماً فى حياتهما
أدخلتهما “أسماء” المنزل بترحاب شديد .. جلسا معاً على الأريكة كل منهما فى جهة .. يسمعان منها ما حدث لها منذ أن تركت البيت .. ظهرت تعبيرات الأسى والحزن على وجيهما .. وكل منهما يستشعر كم كان مقصراً فى حق تلك الفتاة التى رزقهم الله اياها

***************************************

شعرت “آيات” بيداً تحيط بكتفيها فانتفضت والتفتت لتجد “كريم” مبتسماً .. وضعت يدها على صدرها قائله :
– خضتنى
ضحك ضحكة خافته وقال :
– هيكون مين يعني اللى يجرؤ انه يحط ايده على كتفك كده
ابتسمت قائله :
– معرفش اتخضيت وخلاص
نظر الى الكراتين التى كانت تتفحص محتوياتها وهو يقول :
– طالعة بكرة مع الفوج السياحى ؟
قالت “آيات” بحماس :
– أيوة ان شاء الله
أومأبرأسه قائلاً :
– ممكن تسيبي شغلك شويه
– أهااا
سارت معه فى اتجاه الشاطى وهو مازال لافاً كتفيها بذراعه .. نظرت اليه “آيات” قائله :
– عارفه انك عايز تتكلم فى ايه
نظرت اليها مبتسماً وقال دون أن يتوقفا عن السير :
– طيب عايزك فى ايه ؟
نظرت أمامها وقالت :
– هتسأنى عن رأيى فى طلب “أحمد”
– مممممم ايه رأيك فى طلب “أحمد”
توقفت “آيات” عن السير ونظرت اليه قائله :
– مش موافقة يا “كريم”
نظر اليها قائلاً دون أن يبدو مندهشاً لردها :
– توقعت كده .. بس أحب أسمع منك أسباب رفضك
نظرت حولها بضيق ثم قالت :
– “أحمد” من أيام من كنا فى الجامعة وأنا عارفه انه بيحبنى .. ووقتها كان الحب بالنسبة لى مهم .. مستحيل كنت أرتبط بإنسان مش بحبه .. وأنا مكنتش بحب “أحمد” عشان كده لما قالى زمان انه عايز يتجوزنى رفضت
ثم نظرت اليه قائله بحزم :
– بس دلوقتى فى حاجات تاينة أهم من الحب .. مش هتنازل عنها فى الإنسان اللى هتجوزه
– ايه هيا الحاجات دى ؟
قالت بحماس :
– اهم حاجة يكون انسان محترم ويعرف ربنا .. ياخد بإيدي وآخد بإيده .. نبقى احنا الاتنين طوق نجاة لبعض .. أحس انه بيحبنى وخايف عليا .. مقصدش الحب الرومانسي اللى كله كلام جميل .. لأ أقصد انه يحبنى بتصرفاته قبل ما يقولهالى بلسانه .. احس انه خايف عليا من النار .. وانه بيبعدنى عن كل حاجة غلط وبيصلح من تصرفاتى .. عايزه همنا يبقى واحد .. ازاى نرضى ربنا ونقرب منه .. عايزاه يخاف من ربنا ويخاف يغضبه مش واحد عايش فى الدنيا كده وخلاص مش عارف هو اتولد ليه ولا عارف هو عايش ليه
اتسعت ابتسامة “كريم” وهو ينظر اليها بإعجاب قائلاً :
– متتصوريش يا “آيات” أنا فرحان بيكي أد ايه .. ربنا يهديكي كمان وكمان
ابتسمت وهى تنظر اليه قائله :
– يعني معايا حق أرفض “أحمد”
– معاكى حق ترفضى كل اللى يخالف أحلامك دى .. لان اللى بتقوليه هو مواصفات الرجل الصالح اللى أتمناه لأختى
أطرقت “آيات” برأسها فباغتها “كريم” بقوله :
– دكتور “آدم” طلب ايدك منى
رفعت رأسها بحدة تنظر اليه وقد اتسعت عيناها دهشة وألجم لسانها .. ازداد ارتفاع وهبوط صدرها .. أكمل “كريم” :
– شرحلى ظروفه .. هو دلوقتى يعتبر هيبدأ حياته من السفر .. وعربيته باعها عشان يسدد دين فى رقبته .. وبيقول انه مش هيقدر يقدملك دلوقتى غير دبلتين
قالت بإقتضاب :
– وقولتله ايه
– قولتله هقولها وانتظر الرد مننا
انفلعت “آيات” قائله :
– انت ازاى يا “كريم” تقوله كده .. كان المفروض تقوله لأ مش هيحصل مش ممكن أختى ترتبط بيك
سألها “كريم” بهدوء :
– ليه ؟
قالت بإنفعال :
– ليه؟ .. مش عارف ليه .. عشان الدكتور الغير محترم .. زانى .. تقبل ان أختك تتجوز واحد كده .. أصلاً مينفعش أتجوزه لان ربنا بيقول “الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً” .. وأنا مش كده .. فمينفعش أنا وهو نتجوز
قال “كريم” بهدوء :
– الآية دى متنطبقش على “آدم”
نظرت اليه بدهشة وصاحت :
– ازاى يعني متنطبقش عليه .. ما انت عارف اللى عمله يا “كريم” وهو أكدلى الكلام ده بنفسه
قال “كريم” بحزم :
– “آدم” بمجرد ما تاب ورجع لربنا سقطت عنه صفة الزنا .. يعني خلاص خرج من الآية اللى اصلاً تفسيرها غير ما انتى فاهمة بس ده مش موضوعنا دلوقتى
قالت “آيات” بعناد :
– بس ربنا بيقول ” وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ” … انت تقبل انى أتجوز واحد كده
رفع “كريم” حاجبيه قائلاً بتحدى :
– كملى الآيات يا “آيات” .. كمليها
صمتت .. فأكمل عنها قائلاً :
– ” إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ” .. مش كده .. مش هى دى الآية اللى بعدها
صمتت “آيات” وقد أطرقت برأسها فى شرود .. فقال “كريم” :
– أنا لا بقولك وافقى عليه ولا بقولك ارفضيه .. بقولك استخيرى واللى انتى هتقرريه هيكون .. انا مستحيل أغضب عليكي واحد انتى مش عايزاه
نظرت اليه “آيات” بحيرة وقالت :
– انت رأيك فيه ايه ؟ .. تاب بجد ؟ .. اتغير بجد
قال “كريم” بثقه :
– “آيات” أنا بقدر أفهم اللى أدامى بسهولة .. لو مكنتش حسيت انه انسان كويس كنت رفضت فوراً من غير ما أرجعلك
تركها “كريم” وسط حيرتها وشرودها .. أكملت السير حتى وقفت أمام البحر الهادر .. تنظر الى علو أمواجه كعلو أمانيها .. لا تريد أن تخطئ الإختيار هذه المرة .. لا تنظر مشاعرها التى تحركت من سباتها .. لكنها لن تفعل كالمرة الأولى وتنساق خلف مشاعرها دون تحكيم عقلها .. تريد أن تتأكد من أنه لن يجرحها مرة أخرى .. تريد أن تتأكد من أنه فــارســهـــا المفقــود !

**************************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *