خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٤
سألها بخبث أكبر :
– طيب افرضي الفرامل باظت ؟
لم تفهم فسألته بدهشة :
– فرامل ايه ؟
قهقه بشدة وهي تتطلع إليه في بلاهة ثم توقف وهو ينظر إليها بنظرة خاصة فهمتها وفهمت مقصده فتراجعت في ارتباك وقالت :
– طيب خلاص خليها فراخ .
سألها بنفس اللهجة :
– وأنا برده فراخ ؟
هزت كتفيها وكادت تقول ” زي ماتحب ” لكنها عدلت عنها وقالت :
– أيوة.
عاد يقهقه وهي تنظر إليه بابتسامة وبدا نوع من السعادة على وجهها وهي ترى فيه نزعة طفولية راقت لها, انتبهت له يبادلها نظراتها في صمت فأدارت وجهها لتقع عيناها على التلفاز فتصنعت الاهتمام وهي تسأله :
– إنت بتحب الكرتون ؟
نظر إليه هو الآخر وأجاب :
– آها, جدا, عارف إن انا وملوكة هنتفاهم ونعمل فريق ضدك.
ابتسمت ثم التفت إليه وهي تغمغم :
– الظاهر كده.
سألها باهتمام جاد هذه المرة :
– كلمتيها ؟
أجابت :
– لا, كلمت ماما ولميا, قالولي بلاش عشان هما بيحاولوا يشغلوها على قد مايقدروا ولو كلمتني ممكن تعمل مشكلة.
شعر بالقلق فقال :
– طيب هي دلوقتي مش زعلانة ؟ ماتخليها تيجي بقى .
نظرت إليه في دهشة فسألها :
– في ايه ؟
شعرت بالحرج وهي تجيب :
– أبدا أصل غريب تطلب طلب زي ده, ع الاقل مش بسرعة كده مش طبيعي يعني قدام الناس.
عقد حاجبيه في تفكير ثم تساءل:
– طيب وإمتى يبقى طبيعي قدام الناس.
شعرت به مغتاظا لكنها أجابت :
– ع الأقل كمان أسبوع, عشان ماما ولميا.
تنهد في غيظ ثم طلب الغذاء حين أذن العصر, فقال :
– لسه شوية على ماالأوردر ييجي, هانزل أصلي وآجي.
أومات برأسها وهي تجيب :
– أوك
توضأ وخرج ثم أغلق الباب خلفه في عنف أفزعها وهي لا تفهم كعادتها, ذهبت لتصلي هي الأخرى وانتظرت حتى عاد ثم تناولا الغذاء سويا وجلست تشاهد معه فيلم كرتوني آخر وهي تضحك كالأطفال وهو فقط ينظر إليها والعشق مرتسم على ملامحه, بعد انتهاء الفيلم التفتت إليه ضاحكة وهي تهتف :
– بأمو*ت في الفيلم ده ملوكة كمان عشان كده حفظته بسببها, كرتي البعبع ههههههه.
لاحظ أن تحفظها معه قد زال قليلا فشعر بالسعادة لذلك أما هي فصمتت عندما رأت نظرته إليها, ظلت أسيرة عينيه وعلى الرغم من لونهما البني إلا أنها شعرت وكأنها تغوص في بحر عميق لا قرار له, ظللهما الصمت وكلاهما ينظر في عيني الآخر, فكر هو ” ماذا أفعل الآن ؟ ماذا تريدين مني ؟ هل أقترب أم أبتعد ؟ وهل ستقبلين اقترابي ؟ ماذا لو اقتربت وفعلت ما يمليه علي قلبي مهما كانت العواقب ؟ حتى لو غضبتِ ؟ ولكن ماذا لو تسبب ذلك في حزنِك ؟ يمكنني إغضابِك والاستمتاع بذلك لكن ذرة حزن صغيرة في قلبك بسببي لا يمكنني احتمالها أبدا” تنهد بعمق ثم أشاح بوجهه في صمت جعلها تخفض عينيها هي الأخرى, لقد تحررت من أسره, هب واقفا فجأة وقال وصوته لا يكاد يخرج من بين شفتيه :
– أنا هانام, مانمتش كويس امبارح, تصبحي على خير.
ثم اتجه للغرفة في خطوات سريعة بدون أن يعطيها فرصة للرد, فنظرت إليه وهو يغادر في صمت ثم قالت في خفوت :
– وإنت من أهله.
جلست مكانها قليلا ثم أسندت رأسها للخلف تفكر فيه, لما هو هكذا ؟ هل يحبها بالفعل ؟ أحياناً يبدو عليه كما لو كان غارقا في بحر العشق معها حتى النخاع وأحيانٌ أخرى يبدو ساخرا مستفزا لا مباليا كما حدث الآن, لم تدري لما توقعت منه شيئا ؟ ولم تسترح لفكرة أنها تفكر فيه بهذه الطريقة ؟ هل كانت ستستسلم له ؟ نفضت الفكرة من رأسها وهزتها بعنف ثم أغمضت عينيها في سكون.
أما هو فقد نام كطفل صغير, كان إرهاق اليوم كله إرهاقا نفسيا أضناه حتى أنهكه فلم يشعر بنفسه إلا عند الفجر, فتح عينيه بهدوء فلم يجدها بجواره, استغرب وتساءل هل مازالت ساهرة للآن ؟ اعتدل في مكانه وفرك عينيه للحظات ثم قام خارجا من الغرفة, عاد لغرفة المعيشة ليجدها نائمة كملاك صغير وهي في وضع الجلوس وتستند برأسها على ذراعيها المعقودين فوق مسند الأريكة, تطلع إليها في حنان ثم إقترب منها ونادها برفق وخفوت :
– جمانة ؟ .. جمانة اصحي ادخلي نامي جوا .
لم تستجب مطلقا فشعر بالقلق, كاد يمد يده نحوها ليحركها لكنه تراجع وناداها بصوت أعلى هذه المرة :
– جمانة طيب اصحي صلي الفجر !
ظلت على وضعها فشعر بالشفقة تجاهها, مال نحوها ومد يديه يحملها برفق شديد محاولا عدم إيقاظها, وما إن استقرت بين ذراعيه حتى تطلع إليها بوَلَه, ها أنتِ حبيبتي بالقرب من قلبي ولكن هل تشعرين بدقاته تصرخ باسمك ؟ سار بهدوء عائدا للغرفة ثم وضعها على الفراش برقة, قبل جبهتها فعادت تبتسم, عقد حاجبيه في تساؤل, هل تبتسم بسبب قبلتي ؟ لا يعقل أن تكون في المرات الثلاث مجرد مصادفة ! .. ابتسم هو أيضا ثم انطلق للصلاة .
__________________________________
مرت ثلاثة أيام على زواجهما وهما بين مد وجزر, يضحكها, يغيظها, يثير مشاعرها وأحيانا يخيفها ويربكها, في اليوم الثالث كان (كمال) يندفع كالصاروخ إلى بهو منزلهم ليجد أخيه (عبد الرحمن) وزوجته جالسين يتحادثان في خفوت فهتف في غضب شديد :
– شفت اللي حصل يا حاج ؟ أهي بتاعة مصر اتجوزت.
رفع الحاج رأسه إليه وعقد حاجبيه وهو يسأله :
– مين اللي اتجوزت يا كمال ؟
رد وغضبه يزداد :
– مرات سي حسام, راحت اتجوزت اللي رفضتني عشانه أكيد.
هب الحاج واقفا في ذهول ثم انتقلت عدوى الغضب إليه هو الآخر وهو يصيح :
– ايه ؟ اتجوزت ؟ أماال كانت عاملة فيها شريفة وهاعيش على ذكراه وانت بتهينني, يابنت ******** إن ما كنت أوريكي ما أبقاش أني عبد الرحمن كبير عيلة زيدان.
قال (كمال) بعصبية شديدة :
– شوف لك حل يا حاج بدل مااروح أخلص عليها الفاجرة دي, بقى أني ترفضني عشان واحد مصرواي زيها هُزُء ولا يسوى نكلة.
تطلع إليه الحاج في غضب هو الآخر وهتف فيه :
– ياكمال اتهد بقى أما نشوف حل للمصيبة دي ؟ إنت عرفت منين وعرفت اتجوزت مين ولا لا ؟
شعر بالغيظ نعم كان يعلم ومعرفته تلك كانت تثير قلقه لكنه أجاب :
– ياحاج أني ليا عنين هناك ومش سايبها, واتجوزت ابن جلال الحسيني.
اتسعت عينا الرجل وهتف مرة أخرى :
– جلال الحسيني صاحب شركات ….
قاطعه (كمال) في عصبية بلا أدنى قدر من اللياقة :
– أيوة هو, هو في كم جلال الحسيني يعني ياحاج, المهم هنعمل ايه ؟