خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٤
تطلعت إليه في دهشة هذه المرة وكتمت ضحكتها بصعوبة فوجدته ينظر إليها باحتواء أشعرها بالدفء, عادت تطرق برأسها أرضا وهي لا تجد ماتقوله, فسكت تماما, كانت في هذه اللحظة تراوده أفكار عدة, هل ترفضه لكنها تستحي من إخباره ؟ هل يمكنه بالفعل إن هي رفضت أن يجبرها على الزواج منه ؟ وإن أجبرها هل بإمكانه جعلها تحبه يوما ؟ يا إلهي لما هي صامتة هكذا ؟ رفعت رأسها أخيرا وقالت في تردد :
– باشمهندس أدهم, أنا مش عارفة أقول لحضرتك ايه ؟ يمكن حضرتك ماتعرفش علاقتي بحسام الله يرحمه كانت عاملة ازاي ؟ وإزاي صعب بالنسبة لي إني أضطر أرتبط بحد بعده حتى لو بشكل صوري او مؤقت ؟ لما الظروف تضطرك تعمل حاجة كنت رافضها بيبقى صعب عليك اوي تاخد قرارك فيها وتوافق الظروف أو تتحداها, ومش الكل عنده القدرة ع التحدي ده أو إنه يقف في وش الظروف ويرفض إنها تجبره على حاجة ضد رغبته, أنا مش باقول لحضرتك الكلام ده عشان قصدي ازعلك او ارفضك, أنا بس باوضح لحضرتك إني فعلا مش هاقدر استمر في الجوازة دي للأبد, حضرتك لما عرضت علي الجواز قلت لي صوري أوك لكن ينتهي بعد مدة دي معترض عليها, مش عارفة إيه سبب اعتراضك إذا كنت وافقت على اول شرط ؟ فانا باعيد عليك طلبي تاني, حضرتك وافقت تقف جنبي وتساعدني وانا مش لاقية كلام يكفيني أشكر حضرتك بيه على موقفك ده فأرجوك كمل جميلك للنهاية واوعدني وقت مااطلب منك حريتي تديهالي.
كانت كلماتها كالسياط, ألا تعلم تلك المرأة ماتعنيه له ؟ لكنني لن أتركك مهما فعلت وطالما حييت أنت امرأتي أنا وستكونين لي أنا فقط, تخطى كل كلامها وحاول أن يضفي المرح على لهجته وهو يسألها :
– يعني موافقة ؟
نظرت إليه في دهشة مرة أخرى وهي لا تدري مابه ولما يبدو كطفل يلهو هكذا ذلك الذي كان يرعبها, وجدت نفسها تبتسم في خجل لم تدري لما شعرت به وهي تومئ برأسها إيجابا في صمت وتعود للنظر لحذائه مرة أخرى, أما هو فكاد يطير فرحا أو يضمها ويحملها ثم يدور بها في المكان لولا بقايا عقل منعته, توقفت الكلمات في حلقه وشعر بها تسده فتنحنح بقوة جعلتها تنظر إليه في قلق لكنه ابتسم وقال :
– لا لا ماتقلقيش ده حاجة كده وقفت في الحنجرة.
ثم قهقه بلا داعي وهي تقول في سرها : إنه مجنون بالفعل, عاد يسألها في هدوء مفتعل :
– طيب آجي البيت إمتى ؟
ردت في خفوت وهي تشعر بخجل شديد :
– هاكلم ماما وأرد على حضرتك.
حضرتك ؟ فكر فيها, ثم ضحك بداخله وقال لنفسه : سأريك, فقط انتظري, قال بنفس الهدوء :
– أوك, تاخدي تليفوني عشان تبلغيني ولا ايه ؟
ردت بسرعة :
– لا لا هابقى اقول لحضرتك بكرة بإذن الله.
رفع أحد حاجبيه في سخرية وشعر بالغيظ فأراد إحراجها أكثر, تقدم منها خطوة فتراجعت للخلف بسرعة وهي تنظر إليه في دهشة فقال في دهشة مصطنعة :
– ايه ؟
ردت في حياء :
– ايه ايه ؟
عاد يقهقه مرة أخرى وهي تشتعل غيظا أمامه ثم قال :
– رايح لأخويا فيها حاجة ؟
أفسحت الطريق أمامه ومر بجوارها ببطء وهو سعيد بالخجل المرتسم على وجهها وابتسم في ارتياح .
_____________________________
حُدد الموعد وذهب مع أخيه وابنه, والده كان مريضا ووالدته لازالت مصرة على رفضها, لم يهمه الأمر فحبيبته كفيلة بأن تجعل تراب الأرض يعشقها فكيف بأمه, سألته والدتها عن أبويه فتعلل بمرض والده وبقاء والدته إلى جواره, دعت له بالشفاء وإن لم تقتنع بما قاله, اتفقوا على موعد عقد القران وصممت (جمانة) ألا يشتري لها شبكة أو ماشابه فهي تعلم جيدا أنه ليس زواجا حقيقيا لكنه أصر فصممت على رفضها, جاراها وقتها وهو ينوي أن يعلمها درسا لاحقا, أخبرهم بصداقها فصعقت, ظلت تتطلع إليه في دهشة ممتزجة بالصدمة التي تعلو ملامحها, ما الذي يفعله حاولت الاعتراض فمنعتها نظرته الصارمة كأنه يقول : ” هذا أمر بيننا “, كانت شاردة خائفة قلقة مترددة أما والدتها وشقيقتها فكانت سعادتهما جمة به وبحبه الواضح على ملامحه والذي كانت هي الوحيدة التي لا تراه, أخبرهم أنه بدأ في تجهيز شقة مناسبة لهما قريبة من منزلهم هذا, كانت ترغب في البقاء هنا فوالدتها لديها منزل بالفعل لكنه رفض هذا الأمر تماما وأصر على رأيه ولم تفهم هي السبب في ذلك فقبلت على مضض, ثم أنهوا اتفاقاتهم .
جاء يوم عقد القران وأصر والده على حضوره وبصحبته (سارة) , وكم كانت سعادة (أدهم) كبيرة بوجود أبيه, تساءلت (جمانة) كثيرا عن سبب غياب والدته, وخمنت السبب, لم تكن ترغب في مشاكل كثيرة فاكتفت بالتأكيد في نفسها على قرار الزواج المؤقت حتى يعود هو لبيته مع أبويه, وبعد انتهاء اليوم وعقد قرانهما عاد كل منهم لمنزله وذهبت الصغيرة مع خالتها وجدتها وحمدت الجدة الله أن كانت نائمة حتى لا تسبب مشكلة وتجعل زوج ابنتها يأخذها معهما .
عاد والده لبيته بصحبة (آدم) الذي أوصله بسيارته للفيلا فالتفت يتطلع بحنان للصغير (يوسف) النائم على الكرسي الخلفي بجوار (سارة), ثم عاد يلتفت لابنه الصامت, نعم يعلم أنه غاضب منه, لم يأت وقت تطييب الجراح لكنه اكتفى بأن جذبه إليه وقبل رأسه في حنان جعلت الدهشة تكتنفه وهو يتطلع إليه في صمت, دار بين أعينهما حديث مطول خفض بعدها (آدم) عينيه وهو ينتظر هبوط والده وأخته ليبتعد مرة أخرى, هبط الأب من سيارة ابنه ومعه ابنته تتابعهما عيني (فريدة) من شرفة غرفتها في حنق شديد, رحل (آدم) ودخلت (سارة ) ووالدها إلى الفيلا بهدوء, تلفت حوله فلم يجد زوجته, ابتسم وقال لابنته :
– اطلعي إنت نامي ياسارة, يلا تصبحي على خير.
أومأت برأسها وردت :
– وإنت من أهله يا بابا.
ثم اتجه كل منهما لحجرته, ما إن فتح (جلال) باب غرفته حتى طالعه وجه زوجته المحتقن بشدة وملامحها التي خطها الغضب بحرفية, دلف للداخل وأغلق الباب خلفه واتجه للسرير ليجلس عليه بهدوء وهو يشعر بإرهاق شديد. سألته في عصبية :
– الهانم خدت ابنك خلاص يا جلال؟ ابني الوحيد يتجوز بالشكل ده ؟ من غير فرح من غير ما نعزم اصحابنا من غير مانفرح ؟
رد عليها بملل, كان لا يريد الحديث بل فقط يطلب الراحة :
– مش مهم فرح يا فريدة المهم هو يكون مبسوط.
ازداد غضبها فهزت رأسها في عنف وهي تهتف :
– كده يا جلال ؟ مش مهم ؟ امال ايه المهم ؟ نفرح بولادنا إزاي لما جوازهم يبقى في الضل كده ولا فرح ولا ناس تعرف, لما هو بيحبها مكسوف يعملها فرح ليه.
