خارج اسوار القلب بقلم صابرين الديب ج٤
تراجعت للخلف لكنه اقترب أكثر وهي لا تدري لما تشعر بخدر في جسدها حتى قلبها وعقلها, اصطدمت بالدولاب فكادت تغوص فيه وهو مازال على عناده حتى وقف أمامها تماما, رفع وجهها إليه بأصابعه فكادت تحترق من لمسته, لكنه تراجع فجأة عندما سمع الصغيرة (ملك) تنادي والدتها وهي تبكي, اتجه مسرعا نحو باب الغرفة وفتحه ليجدها واقفة أمامه تبكي والنعاس يداعب عينيها, ابتسم في حنان ثم حملها برفق وقال لها :
– ايه يا ملوكة عاوزة تنامي ؟
أومأت برأسها إيجابا فاتجه بها لغرفتها تتبعه (جمانة) وقلبها ينبض بقوة وعيناها تتابعانه وتختلجان لرؤية حنانه مع طفلتها, نعم كادت تستسلم ولو تأخرت (ملك) لدقائق لكانت الآن …. شعرت بالخجل يكسوها عندما وصلت بتفكيرها لهذه النقطة ونفضت رأسها بعنف, وصلت لغرفة (ملك) فوجدته قد وضعها في السرير ووضع فوقها غطاءها المفضل وجلس بجانبها يربت على شعرها وهو يمسك بقصة مصورة صغيرة ويحكي لها منها, رآها فأشار لها بالصمت, فابتسمت ثم انسحبت بهدوء, بعدها بدقائق خرج من الغرفة وأغلق بابها بهدوء شديد, اتجه لغرفة المعيشة ليجد (جمانة) تحتضن الدمية وتتابع التلفاز بلا اهتمام, اقترب منها وجلس إلى جوارها, فشعرت بالارتباك, سألها في خبث :
– هو إحنا كنا بنقول ايه ؟
ردت بسرعة :
– ماكناش بنقول حاجة, يلا ادخل نام عندك شغل بدري.
رفع حاجبيه وعلت شفتيه ابتسامة سخرية ثم سألها :
– طيب وإنت مش هتنامي ؟
ردت وصوتها به لمحة غضب :
– لا كمان شوية ماانا مش باشتغل بقى أسهر براحتي.
علم أنها غاضبة بسبب قراره لكنه أبدا لن يتراجع فيه وإن اضطر لسلسلتها في المنزل, قال بعد فترة صمت :
– طيب على رأيك, انام أحسن وخليكي براحتك.
ازداد غضبها لكنها لم تعلق فدغدغ رقبتها مما جعلها تنتفض من مكانها بسرعة أضحكته وهتف :
– ايه ياجميل بتغير ولا ايه ؟
قذفته بوسادة صغيرة هاتفة :
– روح نام يلا .
ضحك مرة أخرى ثم أرسل لها قبلة على أصابعه في الهواء أشعلت وجنتيها خجلا خاصة عندما قال بعدها :
– ماتمسكيهاش, هي عارفة طريقها .
أدارت وجهها بعيدا فعاد يقول :
– ماتحاوليش, تلفي يمين تلفي شمال هتروح بيتها يعني هتروح .
شعرت به يقترب فهبت واقفة ليضحك مرة أخرى وهو يقول :
– تصبحي على خير .
ردت بسرعة كأنها تدفعه دفعا للذهاب :
– وإنت من أهله.
غمزها بعينه ثم اتجه لغرفتهما ببطء وكأنه يتعمد إثارة أعصابها أكثر ثم دخل وأغلق الباب خلفه في هدوء, وتركها لخيالها بعدما ترك بصمته هناك .
__________________________
كانت (دينا) جالسة مع والدتها وهي تكاد تجن, تقضم أظافرها وتنقر بأصابعها وتهز قدميها, مثالا مجسدا للعصبية في أقوى صورها, قالت لها والدتها وهي تشعر بالخيبة :
– وبعدين يا دينا ؟ هتفضلي كده كتير ؟ اتجوز خلاص وماعملناش حاجة, بقى عرفت تاخده منك وأنا باقول عليكي هتجيبيه لحد هنا.
هتفت في عصبية زائدة :
– يووووووه يا مام, خلاص بقى يعني أعمل ايه أكتر من اللي عملته, مثلا, الموضوع خلاص انتهى .
اندهشت والدتها وصاحت فيها :
– إنت أكيد مش في وعيك, يعني ايه انتهى ؟
صاحت (دينا) هي الأخرى :
– مام كفاية بقى, أنا زهقت .
ثم فكرت لثانية أكملت بعدها :
– أنا هاكلم طارق أخليه يتصرف لو حتى هيلبسها مصيبة وتغور من وشي .
ضحكت والدتها في سخرية وثالت :
– طارق عمره ما هيتدخل بشكل واضح يا دينا, دايما بيساعدك في الضل مادام مش محروم من حاجة معاكي .
كادت تصيح في عصبية مرة أخرى عندما قاطعها رنين هاتفها, التقطته لتجد (هشام) في اسم المتصل, عقدت حاجبيها وألقته ثانية وهي تهتف بقرف :
– وده عاوز إيه هو كمان, مش ناقصة قرف بقى .
سألتها والدتها :
– مين بيتصل ؟
أجابت :
– اللي اسمه هشام ده, خلاص الموضوع باظ عاوز ايه تاني.
شجعتها والدتها :
– طيب ماتردي يمكن عنده فكرة ولا خطة جديدة تنفع .
عاد رنين الهاتف يتصاعد من جديد فأمسكت به وفتحت الخط وهي تضفي على صوتها أكبر قدر من النعومة وتقول :
– إتش إزيك ؟ فينك من زمان ؟ آسفة جدا على آخر موقف كان بيننا فعلا كنت هاتجنن يومها وماعرفتش باعمل ايه … ايه بتتكلم جد ؟ .. احكي لي … امممممم مش هينفع متأكد ؟ … طيب لمحة سريعة …. إزاي ؟ أوك هاقابلك في النادي … ليه لا ؟ ياسلام ؟ … طيب أوك اديني العنوان … أيوة تمام كتبته خلاص … آجيلك إمتى ؟ … اوك سي يو ذين See you then يابيبي .
وأغلقت الخط فسألتها والدته في لهفة :
– ها قالك ايه ؟
عادت لها حيويتها وهي تقفز من مكانها متجهة لدولابها لتنتقي منه شيئا مناسبا وهتفت :
– بيقول عنده خطة جديد هتمحي جمانة من حياة أدهم بأستيكة وتدمر حياتها نفسها .
ابتسمت الأم وبرقت عينيها في جذل وسألت مجددا :
– ماقالكيش ايه هي ؟
ردت :
– لا بيقول مش هتنفع في التليفون, عاوزني اروح له البيت .
قلقت الأم وقالت في تردد :
– البيت ؟ اشمعنى ليه مش أي مكان تاني ؟
هزت كتفيها وهي تجيب :
– بيقول اللي هتساعدنا في الخطة هتيجي على بيته وما ينفعش يقابلها في مكان عام .
ازداد قلق والدتها وهي تغمغم :
– طيب خلي بالك على نفسك, الولد ده مش مطمنة له, ماتنسيش إنه خاين .
ابتسمت (دينا) في غرور وهي تقول :
– ماتقلقيش مام, ده هيتجنن عليا ومايقدرش يعمل حاجة .
صمتت الأم على مضض, وتركت ابنتها تنتقي ملابسها وهي تتطلع إليها في قلق لم تدري له سببا .
_______________________________
وأتى موعد زيارة الحاج (عبد الرحمن) عم (ملك), كان موعده بعد صلاة المغرب وعند العصر وجد (أدهم) هاتفه يرن وأخيه (آدم) يتصل به فأجاب بمرح :
– آدوم .
جاءه صوت أخيه يقول :
– أيوة يا أدهم, عم ملك جه ولا لسه .
(أدهم) في عدم فهم :
– لا لسه ماجاش, ليه ؟
(آدم) في هدوء :
– امسك نفسك معاه يا أدهم, أنا عارفك عصبي واحنا عاوزين نحل الموضوع بهدوء .
ابتسم (أدهم) وقال :
– يابني ماتقلقش, يعني هاتعصب وجمانة وملك معايا ؟
(آدم) بسرعة :
– بمناسبة ملك, هاتها تقعد مع يوسف شوية على ماتخلصوا موضوعكم, عشان البنت ماتخافش من أي حاجة تحصل .
(أدهم) بتعجب :
– يا سيدي ماتقلقش , إن شاء الموضوع هيتحل بسرعة وبهدوء.
