رواية يا دبلة الخطوفة بقلم هدى بكير

الحلقة الرابعة
__________
– نورا .. نورا
صوتٌ يناديها .. صوت ذلك الشاب .. حاولت تحريك جسدها لكنها شعرت انه مثبت بمسامير ، مرت ثواني وهي تحاول القيام .. وقفت علي قدميها و حركتها بتثاقل لتصل للباب ، فكان مقفلاً بالتسريحة .. تذكرت انها ليست في بيتها ، وانها في بيت الشاب المجهول ، ظل ندائها لها يتكرر ، فتاجاهلته و دخلت الحمام … خرجت بعد قليل فوجدته قد صمت ، فجلست علي السرير وهي تفكر .. كيف تتصرف؟
فاجأتها طرقة علي الباب ، لم تكن قوية لكنها اخرجتها من شرودها ، وكان ينادي عليها:
– الفطار جاهز
بمجرد ما سمعت هذا الكلمة ظلت معدتها تنوح ، لكنها لم تبالي ، بل ذهبت للشرفة .. و كانت الصدمة شديدة .. فكانت الصحراء برمالها الصفراء بالأسفل ! انقبض قلبها خوفاً و صرخت بداخلها: انقذوني !
فتحت الدولاب ، تبحث عن شيئاً ما تكلم عنه ذلك الأحمق في الليلة الماضية .. فتحت درج صغير فرأت المئات من طلاء الأظافر ، وفي درج اخر كان يوجد مبرد اظافر و اسيتون و بضع الأشياء الأخري ، فأخذت المبرد و تحركت بسرعة نحو الباب ، و بقوة و انفعال شديدان حركت التسريحة بعيداً عن الباب و خرجت ، بحثت عنه بعينها ، فوجدته جالساً علي أريكة كبيرة في غرفة المعيشة ، وقفت أمامه وبينهم طاوله الطعام و من خلفها التلفاز، نظرت اليه تظرة خاطفة ، فكان فاتح اللون ، بعيون عسلية ببعض الخطوط البنية حول البؤبؤ الداكن ، حاجبان رفيعان بنفس لون شعره البني ، فكان شعره متوسط الطول متناثراً و “منعكش” بشكل جذاب ، انف يتماشي مع تفاصيل وجهه بالاضافة الي شفتان رفيعتان لا تفارقهما الإبتسامة. اخفضت المبرد الذي بيديها لمستوي عينه وقالت بشجاعة مفرطة شعلت الكلمات تخرج من بين شفتيها برعشة حماسية:
– انت لو مقلتليش احنا فيه دلوقتي انا هخلعلك عينك !!
نظر اليها ، اعتدل في جلسته وقال:
– احنا في شقتي. سيبي المبرد و اقعدي افطري الأول ، عملتلك كريب بالشوكولاتا زي ما بتحبيه.
– اية زي ما بتحبيه دي !! انت مين اصلاً عشان تبقي عارف عني اي حاجة !! انت مجنون؟؟
ابتسم وهو ينظر اليها بدهشة ، صرخت بعضب و ركلت الطاولة بقدمها و عادت للغرفة ، اغلقت الباب بالتسريحة مرة اخري و جلست علي الأرض .. و بكت كما لم تبك من قبل.
———————-
خرجا الخمسة من القسم : خالد و والده ، ادم ، والدة نورا و زوجها. نظرت الأم بعيون حمراء دامعة الي زوجها وقالت:
– انا مش هقدر استني اكتر من كدة .. انا بنتي متباتش برة البيت ابداً ! انا لازم ادور عليها بنفسي ، مش لسة هستني لما البوليس لما يلاقيها !
فكان رده هو الصمت ، فكان شارداً حزيناً ، يدعوا الله ان تكون ابنته الوحيدة بخير .. أما خالد فذهب بعيداً عنهم ، ليجيب علي رقم غير مسجل:
– ايوة يا مدحت .. مش عايز اي خبر يتنشر في المجلات ولا الجرايد ، محدش يعرف اني خاطب .. الله يبارك فيك يا سيدي ، زي ما اتفقنا .. مع السلامة.
وضع هاتفه في جيبه و عاد اليهم من جديد ، فكانوا يواسون بعضهم البعض بالكلمات ، لكن هذا الحزن لن تشفيه الكلمات مهما كانت.
—————
وقف أمام الباب وهو يعيد اليها ما قال:
– ممكن تردي عليا؟
لم تجبه فظل ينادي عليها .. وهي صامته ، لا تريد منه سوي اجابة لكل تساؤلاتها ، و اخري تكشف لها عن هويته الغامضة حتي الأن.
اخذت الدبدوب “دودي” من علي الأرض ، ربتت علي رأسه و جلست علي الأرض و اجلسته بجانبها ، اسندت رأسها علي طرف السرير و حدقت بالتسريحة .. مرت دقائق مملة ، اُعلق التلفاز فساد الصمت ، فسمعت صوت خطواته وهو يدخل الغرفة المجاورة ، فقامت من مكانها، اقتربت من الباب و حركت التسريحة شيئاً فشيئاً فلم تصدر صوتاً ، نظرت من “العين السحرية” التي تجعلها تري غرفة المعيشة بوضوح فلم تره ، فتأكدت من انه في غرفة من الغرف.
خرجت وهي تمشي علي اطراف اصابعها بحذر ، نظرت للغرفة علي يمينها فكان الباب مقفلاً ، فقفزت بضع قفزات سريعة و هادئة حتي وصلت الي باب الشقة ، فتحت الترباس ببطء حتي لا يصدر صوتاً ، حاولت فتح الباب لكنه مازال موصداً .. زفرت في ضيق ، فكرت قليلاً ثم فكت بنسة من شعرها و فردتها بصعوبة ، وضعتها في فتحة المفتاح و ظلت تحركها بسرعة يميناً و يساراً ، محاولةً تقليد مشهد اللص في الأفلام لكنها لم تنجح ! ، ظلت تحاول بعصبية لأكثر من دقيقة ، دون توقف ! حتي سمعت صوت باب بفتح ، فكان باب لغرفة اخري داخل الغرفة التي بدخلها الشاب ، فتحركت بسرعة دون ان تصدر صوتاً ، وقبل ان تدخل غرفتها ، فُتح باب الغرفة المجاورة ! فغيرت مسارها بسرعة الي المطبخ ، وجدته واسعاً له ثلاجة ضخمة، فوقفت أمامها مذهوله كمن يري مركبة كائنات فضائية ! و سمعت صوت معدتها تستغيذ …
فقفزت خلف طاولة في منتصف المطبخ ، بمفرش طويل يصل للأرض ، هذا سيساعدها علي الاختفاء ، سمعت خطواته تقترب للمطبخ ، دخل بالفعل و فتح الثلاجة و اخذ منها زجاجة ماء ليشرب ، فأخرجت هي رأسها لتري كل ما تحبه بالداخل .. عالم الأحلام ! لم تدرك انه ينظر اليها الا عندما اُقفل باب الثلاجة ، فكان يرتدي شورت اسود .. فقط !
لاحظت عضلاته البارزة .. ثم نظرت اليه فوجدته ينظر اليها ، تلاقت عيناها بعيناه فشعرت بالإحراج ، اخفضت رأسها و اختفت عن نظره..
عاد هو لغرفته ، فقامت من مكانها ، ودعت الثلاجة بابتسامة شريرة وهي تقول:
– هاخدك معايا و انا ماشية ! بحبك و انتي زي تلاجة بيتنا كدة
ثم ذهبت لغرفتها ، اقفلت الباب و جلست خلفة تفكر في أمر الباب الموصد.
دقائق و سمعت طرقاً علي الباب:
– نورا انا نازل الشغل .. ابقي افطري لو سمحتي ، فيه كل حاجة هتحتاجيها في الثلاجة و الميكرويف موجود بس متحطيش فيه حاجة حديد .. مش عايزة حاجة و انا جي اجبهالك؟؟
– …..
– طيب سلام.
ابتعدت خطواته حتي ذهب بعيداً ، فتح الباب و خرج ، و اقفل الباب بالمفتاح