رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل التاسع عشر إلى الخامس والعشرون) بقلم سهام صادق

قالها “صالح” بعدما دلف المطبخ ورائها… لتغمض عيناها لثواني ثم فتحتهما.

_ دي وظيفتي ولازم أقوم بيها على أكمل وجه… أنا هنا مربية لـ “يزيد” ومتخافش أنا شاطره أوي في رعاية غيري.

تجمد “صالح” مكانه بعد حديثها، لقد صدمه ردها… أراد الحديث لكن انحبس الكلام في حلقه.

_ الضيوف هيجوا الساعه كام عشان اكون جاهزة واجهز “يزيد”.

تنحنح ليستطيع إخراج صوته لكن وجدها تمر من أمامه.

_ أنا حطيت الحلويات في التلاجة.. لو فيه حاجة محتاجة تتظبط ممكن تكتبها ليا فى ورقة وتحطها على تربيزة المطبخ.

غادرت المطبخ تحت أنظاره المصدومة… أطلق زفيرًا عميقًا لعله يفيق من صدمته… فما الذي كان سينتظره منها إلاّ هذا.

مر الوقت واقترب موعد استقبال الضيوف… خرجت من غرفتها بعدما تزينت وارتدت ثوب أنيق ناسب قوامها.

عيناه التهمتها وقد هربت بعينيها بعيدًا عن نظراته لها والتهت في البحث عن “يزيد”.

_ خمس دقايق وهيوصلوا…

هزت رأسها دون الإلتفاف له ونظرت إلى الصغير وأخذت تهندم له ثيابه التي ساعدها هو في ارتدائها.

لا يعرف لما شعر بالضيق من تجاهلها له… فهو من يتجاهل الناس وليس هم.

زفرته الطويلة وصلت لها وقد خفق فؤادها بقوة…فهي لا تحتمل النظر له وتكون قربه… هذا الرَجُل يفتنها بوسامته الطاغية.
….

ابتسم “عزيز” عندما وجد “سيف” يقترب منهم؛ فاعتدل في جلوسه ووضع فنجان قهوته الذي فرغ منه للتو.

انتبهت “سمية” على قدومه أيضا؛ فابتسمت قائلة:

_ أخيرًا اتحركت من جنب الهانم.

واستطردت بملامح ممتعضة.

_ مش أول ست تفقد الجنين هي.

تنهد “عزيز” بمقت وهو يرى ملامح “سيف” التي تغيرت.

_ ماما لو سمحتي ياريت تحاسبي على كلامك قدام “كارولين” لأن نفسيتها تعبانه.

لوت “سمية” شفتيها، ليزجرها “عزيز” بنظرة ماقته منه.

_ قهوتك بردت يا “سمية”.

نظرت إليه “سمية” وقد فهمت مغزى حديثه، فهو يريد مغادرتها.

ابتسمت ابتسامة واسعة واسترخت في جلوسها وتساءَلت وهي تنظر إلى “معتز” زوج ابنتها.

_ هتسافر بكره بالليل يا “معتز”؟!

أجابها بأدب بعدما وضع كأس الشاي أمامه على الطاوله.

_ أه إن شاء الله.

اماءت “سمية” برأسها ونظرت حولها تبحث عن “نيرة”.

_ هي فين “نيرة”، لتكون قاعده مع الخدم في المطبخ ما أنا عارفاها.

بضيق هتف “عزيز” الذي ضجر من قدومها اليومي إليهم منذ عودة أولاد شقيقه.

_ “سمية” ممكن تشربي قهوتك اللي بردت وتروحي مشوارك اللي اجلتيه عشان زيارتك السعيدة لينا.

ارتبكت “سمية” وهي ترى نظرات كلاً من “سيف” و “معتز” عليها.

_ تقصد إيه يا “عزيز”.

لم يجيبها “عزيز” بل أصرف عيناه عنها ونظر إلى “سيف” متسائلًا.

_ بكره أول يوم ليك في الجامعه كـ استاذ جامعي… ها يا بشمهندس مستعد؟

احتقنت ملامح “سمية” من تجاهله لها ولكن “عزيز” لم يأبه بها.

_ لازم تشكر “هارون” يا “سيف” على مساعدته ليك.. أنت عارف لولا اتصالاته كان موضوع قبولك في الجامعه هيطول شويه لكن…

طالعتهم “سمية” بعدما ألقت حديثها ثم رسمت ابتسامتها التي تجيدها.

_ ابن اخويا مكنش محتاج لوسطة جوزك يا “سمية” لكن عمومًا السيد “هارون” فعلاً يستحق الشكر.

ازدادت ملامح “سمية” تجهمًا والتقطت فنجان القهوة الذي أصبح بارد جدًا لترتشف منه بوجه حانق.

_ عن إذنك يا عمي… هطلع اشوف “كارولين”.

قالها” سيف” وانسحب؛ فابتسم “معتز” بتوتر.

_ هخرج اشوف “نيرة”.

_ استنى يا “معتز”، هاجي معاك.

تمتم بها “عزيز” ونهض من مكانه… لتنظر “سمية” له بعدما ابتعد.

_ ماشي يا “عزيز”
….

في أحد مقاهي القاهره…

جلس “عزيز” جوار “نيهان” يدخنون النَّارَجِيَلة التي لا يدخنها “عزيز” إلاّ بوجود “نيهان”.

نفث “نيهان” أنفاسه ونظر نحو “عزيز” الذي اكتفى وأشار إلى الصبي أن يتوقف عن تغير الحجر له.

_ ما بك يا رَجُل.

تساءَل “نيهان” بعدما نفث أنفاسه المعبئة بالدخان.

_ أنا مش عارفة امتى هتبطل العادة دي لا وكمان مخليني فى كل مرة تيجي مصر اشاركك.

ارتفعت ضحكات “نيهان” عاليًا وقد جذب أنظار الجالسين.

_ مهما تناولت أفخم انواع السيجار… أشعر بالسعادة وانا ادخن النارجيلة.

نظر له “عزيز” باستهجان؛ فارتفعت ضحكات “نيهان” مرة أخرى.

_ خلص حجرك عشان نمشي يا “نيهان”.

شعر “نيهان” بوجود خطب بصديقه وقد نحىٰ خُرطوم النَّارَجِيَلة جانبًا.

_ ما بك “عزيز”… أنت لا تعجبني.

تنهد “عزيز” بثقل صار يجثم على روحه.

_ مش عارف يا “نيهان”… حقيقي مش عارف أنا فيا إيه.

_ حالك تغير يا صديقي منذ قدوم فتاة القطة.

قالها “نيهان” وقبل أن يقاطعه “عزيز” مبررًا له حاله.

_ “عزيز” أنت تحب هذه الفتاة وترغبها… حركت داخلك اشياء نحن كرجال نعلمها.

شعر “عزيز” بالخزي وهو يسمع الحقيقة المؤلمة..لقد صار يراها في أحلامه… يتوق إلى لمسها ونيل مذاق شفتيها التي تطليها دومًا بلون وردي خفيف يجذب عيناه التي صارت تستبيح ما ليس لها.

_ “نيهان” البنت في عمر بنت أخويا…

احتقنت ملامح “نيهان” وصاح بحده بعدما فقد سيطرته على حاله.

_ فارق العمر بيني وبين زوجتي تقريبا مثل فارق العمر بينك وبينها.

أراد “عزيز” الحديث لكن لم يسمح له واستطرد بمقت من رأس صديقه اليابس.

_ لن تفيق إلا عندما تجد عمها يزف لك خبر خطبتها.

لم يتحمل “عزيز” سماع المزيد، فهو لا يتخيل “ليلى” مع رَجُل آخر يعيش معها مع يعيشه هو في أحلامه.

_ “نيهان” أنا متحاج أبعد عشان ارتب أفكاري… المصنع حاليا محتاجك وانا هسافر اسطنبول اباشر أعمالنا هناك لفتره.

ضحكة ساخرة أطلقها “نيهان” بعدما أخبره “عزيز” برغبته في الإبتعاد.

_ تريد الهرب… لم اعهدك يومًا أنك جبان “عزيز”.

_”نـيـهـان”.

صاح “عزيز” -بصوت مرتفع قليلًا- به بعد نعته بالجبان وأردف ملامحه متصلبة.

_ أنا واثق إن اللي بعيشه ناحية “ليلى” احتياج مش أكتر…

بنبرة متهكمة تحدثت “نيهان”.

_ احـتـيـاج!! ” عزيز الزهار” ينظر لـ امرأة لاحتياجاته كـ رَجُل… أنت تكذب على نفسك “عزيز”…”سمية” حاولت معاك لسنوات طويله حتى وهي متزوجة من رَجُل أخر… لو أشرت لها باصبعك ستلبي لك رغبتك… الكثيرات حاولوا لكن أنت كنت عازف عن النساء ولم تحرك امرأة رغبتك لكن ما أراه الآن في عينيك هو العشق “عزيز”.

ازدرد “عزيز” لعابه؛ فالحقيقة واضحة لكنه ينكرها بحجج واهية.
…..

تنهدت “سلوى” بحالمية وهي تنظر نحو أوراق الحسابات التي أمامها.

_ الواحد مبقاش عارف يركز في الشغل… كان لازم الشريك التركي يمسك المصنع الفترة دي.

رفعت “ليلى” عيناها نحوها بعدما رتبت الأوراق التي قامت بطباعتها.

_ مستر “نيهان” متجوز يا “سلوى” على فكره.

امتقعت ملامح “سلوى” بعدما علمت بالمعلومة التي أحبطتها لكن سرعان ما تساءَلت.

_ عرفتي إزاي يا “ليلى”، انا حاولت اجمع معلومات عنه معرفتش.

هزت “ليلى” رأسها بيأس من أفعال “سلوى”، ليضحك
“بسام” عليها قائلًا:

_ و “ليلى” ليه هتكذب عليكي.

زمت “سلوى” شفتيها بعبوس ونظرت إليهم بوجة ممتقع.

_ ما أكيد هتكون المعلومات عند “ليلى” حصرية…مش عمها سواق “عزيز” بيه.

تلاشت تلك البسمة التي كانت تزين شفتيّ “ليلى”؛ فـ
“سلوى” صارت في كل حديث تتحدث عن وظيفة عمها.

ابتسم “بسام” وهو يتذكر رؤيته لعم “ليلى” عند سيارة السيد “عزيز” من قبل.

_ تعرفي يا “ليلى” إنك فيكي شبه من عمك.

رغم العبوس الذي احتلّ ملامح “ليلى” إلاّ أنها ابتسمت، فهي بالفعل تشبه عمها قليلًا.

_ عمي وبابا الله يرحمه فيهم شبه جامد من بعض وأنا طالعه شبهم.

رمقتهم “سلوى” بنظرة حانقة، فهذا التودد الذي يحدث من “بسام” نحو “ليلى” يضايقها… فالكل يتعامل مع “ليلى” بلطف.

_ فين الورق اللي طلبت منك تطبعيه يا “ليلى”.

هتف بها السيد “عادل” رئيسها بالقسم وقد خرج صوته في صياح مما جعل “سلوى” تبتسم بشماته.

تحركت “ليلى” نحوه تمدَّ له يدها بالأوراق.

_ طبعتها يا أستاذ “عادل” وكنت داخله بيهم لحضرتك.

التقط منها السيد “عادل” الأوراق وألقي عليهم نظرة سريعة ثم غادر المكتب بعجالة.

_ المصنع بقى فيه شد جامد الأيام ديه.

قالها “بسام” وهو يجلس على سطح مكتبه ويعقد ساعديه أمام صدره.
….

نظر “نيهان” نحو الأوراق التي قدمها له السيد “عادل” ثم رفع عيناه قائلًا بحزم.

_ اريد موظف تثق به سيد “عادل” حتى ابعث معه بعض الأوراق لـ “عزيز”.

ضاقت حدقتيّ السيد “عادل” في حيرة وسرعان ما هتف لمعرفته بقرابه “ليلى” من السائق الخاص بالسيد “عزيز”.

_”ليلى” موظفة مجتهده وثقه ده غير إنها….

قبل أن يواصل السيد “عادل” كلامه، قاطعه “نيهان” قائلًا:

_ اعطيها هذه الأوراق واجعلها تذهب بسيارة الشركة لمعرض السيد “عزيز” بالمعادي.

أصابت الدهشة “ليلى” عندما وضع السيد “عادل” الأوراق أمامها قائلًا:

_ سواق الشركة هيوصلك لمعرض “عزيز” بيه…

لم تنتظر “سلوى” سماع المزيد من كلام السيد “عادل” لتقاطعه قائلة:

_ اروح أنا يا استاذ “عادل” اوصل الورق لـ “عزيز” بيه.

رمقها السيد “عادل” ثم ردد بحزم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *