رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل التاسع عشر إلى الخامس والعشرون) بقلم سهام صادق
_ يلا يا “ليلى” عشان منأخرش “عزيز” بيه.
صعدت السيارة بعدما لم تجد ما تخبر به عمها دون حرج.
خفق قلبه الخائن لوجودها قُربه ولم يجد إلاّ اصطناع العبوس حتى لا ينفضح أمره وتظهر مشاعره.
وفي حضورها كانت أنفاسه تُسلب وفي حضوره كانت الحقيقة تتجلى بوضوح أمام عينيها..
أين هي و أين هو؟
….
وضعت “زينب” الحقائب الكثيرة التي تحملها جانبًا وجلست على أحد المقاعد تزفر أنفاسها بتعب.
كانت السيدة “حورية” مثلها تضع ما تحمله جوار مقعدها..
_ برضوه مصصمه منتغداش سوا.
شعرت “زينب” بالحرج منها؛ فهي لا تستطيع تناول الطعام دون جدها وقد وعدته أنها ستأتي قبل الرابعة عصرًا ليتناولوا طعامهم سويًا.
_ سامحيني يا طنط، وعدت جدو نتغدا سوا.
ابتسمت “حورية” بحبور وربتت على يدها بمحبة حقيقية.
_ ولا يهمك يا “زينب”، أنا مش عارفه هتعملي إيه لما تبعدي عنه.
ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيً “زينب” عندما تذكرت ما أخبرها به “صالح” في إحدى مكالمتهم القليلة.
_ “صالح” قالي تقدري تروحي ليه على طول لأنه اغلب الوقت بيكون في شغله.
لا تعلم لما عندما نطقت هذا الكلام، شعرت بشعور سئ عكس وقتما أخبرها .. فعمله يأخذ كل وقته وهذا ما حدث عندما ذهب لمهمة التدريب التي يرأسها هو.
_ هو الشغل دايمًا واخد كل وقته…
تساءَلت بها بخجل؛ فنظرت لها “حورية” وهي لا تعرف بما تخبرها.
_ للأسف شغل “صالح” متعب وهو بيحب شغله اووي، فـ دايمًا حاطه في المرتبة الأولى في حياته.
نظرت إليها “زينب” ثم فركت يديها معًا وقد تحرر أخيرًا الكلام من شفتيها.
_ حتى مكالمتنا قليله ومبعرفش اوصل ليه لما بكون عايزه اكلمه واسأله عن حاجة.
لم تعرف السيدة “حورية” كيف تجيبها ولم يخلصها من هذا الحرج إلاّ قدوم النادل.
استطاعت السيدة “حورية” رسم ابتسامتها الجميله وقد أخفت داخلها غضبها من تصرف ابنها، فحتى المكالمات الهاتفيه يحرم الفتاة منها.
_ خلينا نشرب حاجة ترجع لينا نشاطنا ونلحق نخلص قبل الساعه تلاته عشان متتأخريش على “نائل” بيه.
في الوقت الذي تعلم فيه محادثة ابنها لصغيره كانت تقف قرب الصغير منتظرة إنهاء محادثتهم.
التقط السيدة “حورية” الهاتف من يد “نعمات” بعدما أنهى “صالح” حديثه مع صغيره وأخبره أنه يحبه بشده وسيعود قريبًا.
اندهشت “نعمات” من تحرك السيدة “حورية” بالهاتف للخارج واتجهت نحو غرفتها.
_ قولي اخر مرة كلمة فيها خطيبتك كان امتى…
لم ينطق “صالح” بكلمة لأنه بالفعل لا يتذكر أخر مكالمه كانت لهم… ربما كانت بالأسبوع الماضي.
_ البنت بعد اسبوع هتكون مراتك… عارف يعني إيه مراتك.
_ مساء الخير يا دكتورة “حورية”.
ببرود ألقى “صالح” عليها السلام؛ فامتقعت ملامحها بغضب.
_ والله خسارة فيك البنت ديه…للأسف المرادي في عنادك مع جدك أنت الخسران يا “صالح”.
_ رسالتك وصلت يا دكتورة.
زفرت “حورية” أنفاسها بقوة، وهتفت بيأس منه.
_ هترجع امتى ؟ فرحك بعد اسبوع يا استاذ.
تحرك “صالح” بالغرفة التي يقيم بها وأخذ يفك أزرار قميصه ثم جلس على الفراش بإرهاق.
_ هنزل بعد يومين.
_ “صالح” لآخر مرة بسألك، لو مش عايز “زينب” قول…حرام تظلم البنت معاك…
نظر لها “صالح” طويلًا لتقطع صمته قائله بدهاء.
_ أنا شايفه إن البنت بقت متردده في موضوع جوازكم وأنت اللي هتكون خسران.
تلك النيران التي رأتها السيدة “حورية” في أعين ابنها قبل إنهاء المكالمه جعلتها تتأكد أن ما يفعله ما هو سوى عناد مع جده تتمنى أن يفيق منه قبل فوات الأوان.
…..
ضحك “نائل” من قلبه وهو يضمها لأحضانه بعد مزاحها له بأنه دومًا سيظل الرَجُل الأول الذي امتلك قلبها.
_ طيب و “صالح” هيكون إيه يا بنت “أسامة”.
توقفت “زينب” عن الضحك بعد سؤال جدها، فضاقت حدقتيّ “نائل” بحيرة عندما رأي صمتها وقد انتابه الشك.
_ مالك يا “زينب”، اوعي يكون حفيد “شاكر” زعلك في حاجه… أنا أصلا عايز افركش الجوازة ديه…البيه بدل ما تتعرفوا على بعض الشهر ده قام سافر مهمة تدريب… كان أجلها او وكل المهمة ديه لغيره…
ابتعدت “زينب” عن أحضان جدها وكادت أن تتحدث لكنه أشار إليها بالصمت.
_ هاتي التليفون بتاعي خليني اكلم جده.
_ يا جدو اسمعني.
_ قولت هاتي تليفوني.
قطع نقاشهم ارتفاع رنين هاتفها… نظر لها جدها بعدما التقطت الهاتف وقد التمعت عيناها باللهفة لرؤيتها اسمه.
_ مالك يا بنت “أسامة”.
أخفضت “زينب” عيناها بخجل من نظرات جدها ونهضت من جانبه وتحركت.
_ ده “صالح” يا جدو، هدخل اكلمه.
رمقها “نائل” بنظرة طويلة بعدما ابتعدت عنه وزفر أنفاسه بقوة… حفيدته وقعت في غرام هذا الرَجُل رغم افتقار لقائاتهم.
_ ما انت مجرب الحب يا “نائل”…بيجي من غير ميعاد… ياريت يا “زينب” حظك يكون احسن من اللي اتسميتي على اسمها ويعرف ابن “الزيني” قيمتك.
…
نظرت لها “عايدة” بأسف وهي تراها منهمكة في تحضير صنف الطعام الذي طلبه السيد “سيف” منهم.
_ سامحيني يا “ليلى” حتى يوم اجازتك مش سيباكي ترتاحي فيه ولا تخرجي زي البنات.
التفت “ليلى” نحوها بعدما انتهت من سكب محتوى الصنف الغربي في وعاء الطهي و ارتسم العبوس على ملامحها.
_ هو ليه مش مصدقين إني بكون مبسوطه وأنا بساعدكم.
_ بنت أصول يا بنتي… الله يرحم اللي احسن تربيتك واللي جيتي من صلبهم.
قالها العم “سعيد” بعدما دلف المطبخ واستمع إلى ردها الذي أبهج قلبه.
_ “سعيد”… أمتى هتيجي البنت اللي هتساعدني.
_ يومين وهتيجي يا “عايدة”… اختيار خدامة أمينة في الزمن ده بقى صعب اووي.
واصلت “عايدة” تحريك الملعقة في إناء الطعام وردت قائلة.
_ أفراد البيت رجعوا يزيدوا تاني يا “سعيد” وانا وأنت الصحة مبقتش زي زمان.
هز “سعيد” برأسه؛ فقد عاد الغائب لهم بعروس لا يرى فيها خيرًا.
مر الوقت الي أن جاء وقت تقديم الطعام وقد انسحبت “ليلى” وعادت إلى المسكن لتسرع في تحضير الطعام لهم.
عندما تعلقت عينين “كارولين” بصنف الطعام الذي اشتهته هللت بسعادة.
_ رائحته شهية حبيبي… اشتقت لهذا الطعام.
طبعت قبلة خفيفة وسريعة على شفتيه أتى عليها “عزيز” الذي لم يعجبه الأمر.
امتعضت ملامح العم “سعيد” أما “عايده” أشاحت عيناها واستكملت مهمتها في وضع أطباق الطعام.
_ اكل “عايدة” كله يفتح النفس، تسلم ايديكم.
قالها “عزيز” بعدما جلس على مقعده؛ فابتسم “سيف” واقترب من “عايدة” ليقبل رأسها.
_ تسلم ايدك.
ابتهجت ملامح “عايدة”؛ وربتت على خده بحب.
_ بالهنا والشفا.. بس صنف الطعام اللي طلبته مني مخصوص مش أنا اللي عملاه.
لم ينتظر العم “سعيد” إكمالها لكلامها وقال بفخر وهو ينظر لهم.
_ “ليلى” هي اللي عملته.
•••••••••••••
#سهام_صادق
