رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل التاسع عشر إلى الخامس والعشرون) بقلم سهام صادق
أشارت “شهد” نحو حالها واصطنعت البراءة وسُرعان ما كانت ترتفع أصوت ضحكاتهم مرة أخرى.
انضم إليهم العم “سعيد” الذي صارت ملامحه هذه الأيام مبتهجة لعودة البهجة للمنزل.
_ هروح اقطع الكيكة.
قالتها “ليلى” بعدما تذكرت أمر الكعكة التي أعدتها
“عايدة” إلى “نيرة”.
ابتسم العم “سعيد” وهو ينظر نحو “ليلى” التي نهضت للتو واتجهت نحو المطبخ.
_ اتعرفتي على “لولو” وحبتيها يا ست البنات.
قالها العم “سعيد”؛ فابتسمت “نيرة” ونظرت إليه.
_ وبقينا صحاب كمان.
كانت السعادة تتجلى على ملامح “ليلى” وهي تقطع الكعكة وتستمع إلى حديثهم عنها.
امتعضت ملامح العم “سعيد” عندما تذكر وجود “سمية” بالڤيلا وقد كَثُر تواجدها منذ عودة “سيف”.
_ مالك يا راجل يا عجوز كشرت فجأة ليه.
تساءَلت وهي تنظر إلى “عايدة” التي انشغلت في حياكة أحد الأثواب وقد هزت لها رأسها بيأس من عدم فهمها لأحوال شقيقها.
تنهيدة طويلة خرجت من شفتيّ العم “سعيد” ثم أخذ يضـ,ـرب كفـ,ـوفه ببعضهما.
_ مش عجباني جوازة “سيف” بيه من الخوجاية…بقي يسيب بنات بلده ويروح يجبلنا واحده لا نعرف ليها اصل ولا فصل… كان عقله فين.
حدجته “نيرة” بعدم رضى؛ فهي لم يعجبها طريقة زواج شقيقها وقد أخفي زواجه عنهم لينكشف كل شئ فجأة.
_ نقول إيه يا عم “سعيد” … النصيب.
_ هو صحيح هيعمل ليها فرح.
تساءَلت “شهد” وقد أصرفت نظرها أخيرًا عن السلسال الذي ارتدته.
_ اه يا “شهد” … مصمم إن الناس كلها تعرف بجوازه، ده غير الهانم عايزه تعمل الفرح اللي وعدها بيه.
تجهمت ملامح العم “سعيد” الذي لم يبتلع حتى اليوم تلك الزيجة وسُرعان ما كان يخرج منه الكلام دون ترتيب.
_ مَا دام الباشمهندس اتجوز يبقى لازم تقنعي “عزيز” بيه يتجوز يا ست البنات .. أنا قلبي تعبني معاه.
توقفت “ليلى” مكانها وقد اختراق الكلام أذنيها، غادرت تلك السعادة التي كانت تحتل ملامحها مُنْذ لحظات وانحبست أنفاسها وهي تتخيل اليوم الذي سيتزوج فيه سيد هذا المنزل.
_ بحاول أقنعه يا عم “سعيد” حتى إني اقترحت عليه عمة واحده من صحباتي .. دكتوره جامعيه ومن عيلة كبيره ومناسبه اجتماعيًا ليه.
تهللت أسارير العم “سعيد” عندما استمع إلى مواصفات العروس التي وقع الإختيار عليها.
_ أنتِ من جهة وانا من جهة و “نيهان” بيه كمان معانا لحد ما نقنعه… ده يوم المنى يوم ما اشوف البيه مع عروسته.
ابتسمت “عايدة” كما ابتسمت “شهد” وقد تمنوا هم أيضًا هذا اليوم لكن سُرعان ما تلاشت تلك السعادة التي احتلت ملامح “شهد” وهي تفكر في حالهم عند يصبح لهذا المنزل سيدة … هل ستعاملهم مثلما يعاملهم السيد “عزيز” أم سيحدث مثلما تسمع وترى في المسلسلات.
ارتعشت يدي “ليلى” وأغمضت عيناها بقوة حتى تستطيع طرد تلك الدموع التي علقت بأهدابها.
_ مالك يا “لولو” واقفة عندك كده ليه.
تساءَل عمها الذي دلف للتو إلى المسـ,ـكن واندهش من وقوفها وقد اتجهت أعينهم نحوها بعدما انتبهوا على صوت “عزيز”.
…..
انتهى العُرس الذي حضره العديد من رجال المال والسلطة وقد تم إقامته في أفخم فنادق البلد.
اختفت تلك البهجة التي كانت تحتل مقلتيّ “زينب” عندما أتت لحظة وداع جدها وإدراكها أنها ستذهب لمنزل آخر تعيش فيه.
حضـ,ـنها “نائل” بقوة وقد سقطت دموعه وقد تأثر “شاكر” ووالديّ “صالح” بالأمر.
_ يا “نائل”.. “زينب” في عنينا.
قالها “شاكر” الذي كانت السعادة تحتل ملامحه؛ فقد تحقق مراده أخيرًا.
_ وكمان يا راجل يا شايب ده ربع ساعة بالعربيه تكون عندها أو هي عندك… يلا يا “صالح” خد مراتك.
ابتعد “نائل” عن حفيدته بعدما اجتذبه “هشام” ابنه البكر وقال مازحًا لعله يُداري حقده.
_ هتخليها تعيط ومتروحش مع جوزها يا سيادة اللوا.
_ أنا عايزها تروح معايا.
تمتم بها “نائل” بصدق وجذب يد “زينب” وقد وقف جميع أفراد العائلة مدهوشين من فعلته.
اجتذب “صالح” ذراع “زينب” التي صارت محاصرة بينهم وكل منهم يجذبها نحوه.
_ اعذرني يا “نائل” باشا خلاص بقت بتاعتي…
توردت وجنتيّ “زينب” من شدة الحرج بعد تصريح “صالح” بملكيته لها وقد ابتسم “نائل” بعد حديثه.
احتل المقت بعض الأوجه؛ فابنة “أسامة” ابتسم لها الحظ وحظت بزيجة تتمناها الكثير من العائلات.
ربت “نائل” على كتف “صالح” بعدما نظر نحو حفيدته الغالية.
_ حطها في عينك يا بني، دي امانتي ليك.
ولم تكن الكلمة إلا جمر ملتهب وضِع على قلبه…
…
تنهيدة عميقة حررتها “ليلى” من أسفل الغطاء الذي غطت به كامل جسدها حتى لا تنتبه “شهد” على بكائها الذي رثت به حالها بعد ما سمعته اليوم من حديث.
أغمضت عيناها وضمت شفتيها حتى تمنع تلك الشهقة التي كادت أن تخونها وتخرج منها.
الأمر كان صعبًا عليها ولكن إتخاذ قرار الرحيل والعودة لمدينتها -بعدما استأنست بوجودها مع عائله عمها- أصعب بمراحل.
ليتها تستطيع إخراج “عزيز الزهار” من قلبها الذي لم يَعُد يتحمل حُب رَجُلًا مثله.
_ لازم تحاولي يا “ليلى”، قريب هيتجوز… يعني هتشوفيه مع مراته… عايزه عينك تفضحك؟؟
لازم تنسي حبك ليه.
هزت رأسها في قناعة لما قررته ولكن سُرعان ما كانت تخبر حالها بضعف.
_ بس أنا مش هقدر أنساه.
…
وصلت السيّارة -التي قادها “صالح” بنفسه- إلى مسكن الزوجية وقد شعرت “زينب” بشعور غريب اقتحم فؤادها.
تحدث “صالح” أخيرًا قبل أن يترجل من السيّارة.
_ وصلنا.
نظرت إليه “زينب” بعدما غادر السيّارة وقد أصابتها الدهشة عندما رأته يتجه نحو البناية دون أن يلتفت إليها.
هرول نحوه “سعد” حارس البناية وهتف بتهليل.
_ مبروك يا سعادة البيه.
_ حط العربية في الجراچ.
قالها “صالح” بملامح جامدة أدهشت الواقف الذي ألقى بنظرة سريعة خاطفة نحو العروس التي مَازالت قابعة داخل السيّارة.
خرجت “زينب” من السيّارة بعدما زالت دهشتها،بصعوبة جرت ساقيها خلفه وقد أرجفت برودة الهواء جسدها.
دقائق معدودة ووقف المصعد بهم ثم انفتح… أشار بيده لها بأن تتحرك أمامه هذه المرة.
تعلقت عيناها به وتيبست مكانها.
_ “زينب”.
أخرجها صوته من حالة السكون التي صارت فيها ونظرت إليه ثم تحركت أمامه وقد احتل الهلع وجهها.
ارتعشت أوصالها بعدما دلفوا الشقة التي أتت إليها من قبل لتفرش أثاثها وتعيد طلاء جدرانها.
عندما انغلق باب الشقة تراجعت إلى الخلف وأطبقت على جفنيها بقوة حتى تستطيع التقاط أنفاسها.
_ بيتهيألي كل واحد فينا تعبان ومحتاجين نرتاح…
ثم أردف بعدما تحرر من رابطة عنقه.
_ أنتِ بقيتي عارفه كل مكان في الشقة، تصبحي على خير.
فتحت عيناها ونظرت إليه في ذهول بعد حديثه الذي جعلها تدرك أنها لا تفهم شئ.
زفر أنفاسه بقوة ثم أشار لها نحو الغرفة التي ستكون لها منذ اليوم.
_ دي أوضتك من النهاردة.
اتجهت عيناها نحو الغرفة التي فرشتها ورتبتها لتكون غرفة للضيوف إذا أتوا إليهم.
رمشت بأهدابها وهي تحاول أن تستوعب ما نطقه، بالتأكيد هي أخطأت السمع.
بصعوبة خرج صوتها.
_ بس دي أوضة الضيوف…
كادت أن تشير بأصبعها جهة غرفة النوم التي جعلها تختار أثاثها مثل باقي أثاث الشقة لأنها العروس.
_ لو مش عجباكي الأوضه… مفيش مشكله نقدر نبدل.
اتسعت حدقتاها في صدمة؛ إذا ما استوعبته صحيح ولم تخطئ الفهم .
ازدردت لُعابها ونظرت إليه في حيرة وسُرعان ما كان يخرجها من حيرتها ويصيبها بصدمة ألجمت لسانها.
_ أنا نقلت حاجتك فيها لكن ما دام مش عجباكي بكره انقل أنا حاجتي وانتِ تقدري تاخدي الاوضة التانية.
تحرك من أمامها وتركها في صدمتها… ارتعشت يديها التي تحمل بها فستان زفافها ووقفت تحدق بالفراغ…
لا تعرف كم مر من الوقت وهي تقف جامدة الجسد، شاخصة البصر.
دارت بعينيها في أرجاء الشقة هي بالتأكيد تحلم.
خفضت عيناها نحو ثوب زفافها،تتذكر لحظات سعادتها منذ ساعات وهي تزف له وحين راقصها واحتضنها بين ذراعيه.
بالتأكيد هي فـي حُلم وستستيقظ… هزت رأسها بقوة لتفيق أخيرًا مما ظنته حُلم.
جرت ثوب زفافها ورائها وتحركت نحو الغرفة التي أخبرها أنها صارت لها.