رواية المستحيل بقلم شاهندة

تنهد ثم ألقى باقي سيجارته من الشرفة، يغلق بابها متجها إلى زوجته يأمل بمرور الأيام أن ينسى هند ولكنه وجد نفسه يتساءل في هذه اللحظة عن أحوالها، ليشعر بذنب يجتاحه الآن وهو يدرك أنها بالتأكيد ليست بخير.

ياماما بتعيطي ليه بس ماانا كويس قدامك أهو وزي الفل.
طالعت منيرة خالد الذي يقف أمامها بعيون أغرقتها السائل حيويوع قائلة: مش قادرة أصدق ياابني انك واقف قدامي بجد، اليومين اللي فاتوا مروا عليا زي مايكونوا سنين وانا مستنية أشوفك مفتح عنيك وقادر تمشي من تاني.
أمسك خالد يديها بين يديه بحنان قائلا: مش انا طمنتك قبل العملية والدكتور كمان؟ يبقى ليه القلق بس؟

اعذرني ياابني أنا أم ولما ما فقتش علطول بعد العملية خفت أكون خسرتك ياحبيبي. انت عارف انت غالي ازاي بالنسبة لي مش كدة ياحبيبي؟
ابتسم بحنان قائلا: أكيد عارف ياحبيبتي.
تركها وعاد ببطئ إلى سريره قائلا: بس خليني اقعد حبة لاني مبقتش قادر أقف.
هندهلك الممرضة تديك المسكن…
قاطعها قائلا: ملوش لزوم، مبقتش محتاجله. صحيح هو أدهم فين دلوقت؟
مسحت سائل حيويوعها وهي تقول: هناك مع الست نبيلة وبنتها بيشوفهم لو محتاجين حاجة.

سامعكم جايبين في سيرتي.
قالت منيرة: بالخير ياابني طبعا.
ابتسم بينما يطالع خالد الذي بدا عليه بعض الإرهاق قائلا: انت كويس ياخالد؟
هز خالد رأسه قائلا: أنا كويس. هند أخبارها إيه؟
لسة مفاقتش.
قطب خالد جبينه قائلا: وده طبيعي؟
هز أدهم كتفيه بحيرة قائلا: الدكتور بيقول ان جسمها بيستعيد حيويته وأول ماتكون مستعدة جسديا هتفتح عنيها.
قال خالد بحنق: كلام فارغ انا بفكر أنقلها مستشفى تانية.
مفتكرش وضعها يسمح.

نظروا إلى هذه التي وقفت على عتبة الباب تطالعهم بملامح مرتبكة، قالت منيرة: ادخلي يابنتي واقفة عندك ليه؟
دلفت صفية بخطوات رقيقة إلى الغرفة عيناها على خالد وهي تقول: دكتور عزيز هو أفضل دكتور في المحافظة وسمعته سابقاه، صدقني مش هتستفيد حاجة بنقلها، شوية ثقة في الله وفيه وبإذن الله هند هتبقى كويسة.

اكتفي بهزة رأس خفيفة وهو يطالعها لتمرر لسانها على شفتيها قائلة: الحقيقة انا كنت جاية أشكرك على اللي عملته مع هند، انت أنقذت حياتها ورديت لينا روحنا.
ده واجبي، هند أختي ومكنش ينفع أتصرف غير كدة. الحقيقة اللي يستاهل الشكر انت وأدهم لإنكم فوقتوني في الوقت المناسب.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تقول: شكلك مرهق هسيبك ترتاح شوية وحمد الله على سلامتكم انتوا الاتنين. عن اذنكم.
ماتقعدي يابنتي.

معلش ياطنط مش هينفع أسيب ماما لوحدها أكتر من كدة. سلام.
هزوا رءوسهم فغادرت الحجرة تتابعها أعينهم قبل أن تقول منيرة: بنت حلال وطيبة. والطيب في الزمن ده حظه قليل.
قطب خالد جبينه قائلا: ليه بتقولي كدة ياماما؟
خالتك نبيلة حكيتلي حكايتها، خطيبها مات قبل فرحهم بأسبوعين، العمارة اللي فيها شقتهم وقعت وهو جواها، وجالها انهيار عصبي وكانت هتروح فيها. تعرف ايه اللي فوقها وخرجها من اللي هي فيه؟

طالعها متسائلا فأردفت: اللي حصل لهند، لقتها محتاجالها فنفضت ضعفها عشان تقوى وتسند اللي أغلى عندها من نفسها. مش قلتلك بنت حلال.
قال أدهم بحزن: بنات عاشوا مآسي وهم لسة في عز شبابهم بس ربنا هيجبرهم بإذن الله.
قالت منيرة: ونعم بالله ياأدهم.

ظل خالد صامتا وهو يشعر بقلبه يشفق على هذه الفتاة، يود لو بيده شيء يفعله يمنحها به سعادة يدرك أنها تستحقها. لاشيء برأسه الآن. حسنا سيفكر لاحقا اما الآن فسيغمض عينيه ويستسلم للنوم حتى يستعيد عافيته وقدرته على التفكير.

انت بتقولي ايه ياخالتي. أنا ليا أخ وهو اللي اتبرعلي بنخاع العضم وأنقذ حياتي كمان؟
قالت صفية: شبهك قوي ياهند، آخد عنيكي وعنين خالتي محاسن الله يرحمها.

بينما قالت نبيلة: والله ده اللي حصل يابنتي. أنا مرضيتش أقولك الحدث غير متوقع دي أول مافوقتي واستنيت لما نقلوكي أوضة عادية عشان أقدر احكيلك عنه وأكون متأكدة انك هتتحملي الخبر. سامحيني يابنتي لو خبيت عليك طول السنين اللي فاتت دي، بس انا كان كل همي مزعلش خالد ولا أكسر قلبه لما يعرف الحقيقة وربنا العالم لولا مرضك ويأسي انا مكنتش هقوله وكان السر ده هيندفن معايا.

اغروقت عينا هند بالسائل حيويوع وهي تقول: أسامحك ايه بس ياحبيبتي، انت قسائل حيويتيلي اكبر هدية، مش حياتي لان حياتي مكنتش فارقة معايا بعد اللي حصلي. انت اديتيلي أمل في بكرة. أخ وسند. ماهو اللي يعمل زي اللي خالد عمله ليا من غير مايعرفني يخليني أعرف انه بجد الأخ اللي اتمنيته طول عمري.
وإنت كمان الأخت اللي اتمنيتها طول عمري.

تطلعت هند إلى خالد الذي ظهر على عتبة حجرتها، عرفته من كلماته وعيونه التي تشبه خاصتها. همست قائلة: خالد.
هز رأسه فأسائل حيويعت عيناها قائلة: ازيك ياأخويا.
بخير طول ماانت بخير ياهند. عاملة ايه دلوقتي؟
خفيت بفضل ربنا وبفضلك.
جلس جوارها يمسك يدها فتمسكت بيده، يطالعان بعضهما البعض بصمت وعيون تبكي دون صوت.
مش كفاية بكا ياولاد، احنا المفروض نفرح مش نعيط.

طالعت هند المتحدثة فوجدتها سيدة كبيرة في السن أنيقة ترفع شعرها على هيئة شنيون وتبدو عليها الطيبة بينما يقف جوارها شابا وسيما يطالعها بدوره، تساءلت عن هويتهما فأسرع اخيها يقسائل حيويهما إليها قائلا: دي أمي وده اخويا وابن خالي وصاحبي وشريكي أدهم.
ابتسمت قائلة: تشرفنا.
هل تبتسم الملائكة وهل تغرد أيضا؟
هذا مافكر فيه أدهم وهو يستمع إلى صوتها لأول مرة. آفاق من أفكاره على صوت منيرة وهي تقول: الشرف لينا يابنتي.

نهض خالد فقالت هند بلهفة لم تخفي على عيونه: رايح فين؟
ابتسم قائلا بحب: مش رايح في حتة.
ليميل ويربت علي يدها مردفا بحب: احنا خلاص لقينا بعض ومش هنفترق تاني ياحبيبتي.
ليستقيم قائلا: أنا بس هسيبك ترتاحي شوية وهرجعلك تاني، عندنا كلام كتير لسة مقلناهوش.
ابتسمت فابتعد مغادرا مع والدته وصديقه الذي استدار يلقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يختفي خلفهم لتقول خالتها بحنان: حنين قوي زيك وزي مامتك الله يرحمها.

بينما قالت صفية: اهو لو كنت شفتيه أول مرة كنت قلتي انه واحد تاني خالص غير اللي كان واقف قدامنا ده.
الدهشة يابنتي تجنن أي حد وخصوصا واحد زي خالد عاش كل السنين اللي فاتت دي ميعرفش أمه وفاكر انه عايش بين أهله الحقيقيين.
بس طنط منيرة حنينة قوي.
وأنا كنت هرضي أدى خالد لحد الا لو كنت متأكدة من حنيته عليه يابنتي.

استمعت لهم هند دون أن تشترك معهم في الحديث تكتفي بابتسامة سعيدة، تحمد الله على ظهور خالد في حياتها. هذا الأخ الذي لولاه لضاعت حقا إلى الأبد، انه عوض الله لها وكم يكون عوضه، جميلا.

الفصل الثامن

كانت وردة تنام في سريرها حين فوجئت بحماتها تقتحم الحجرة قائلة: لسة نايمة يابرنسيسة؟ بقالي ساعة بنادي عليكي.
اعتدلت جالسة تفرد جسدها بغنج قائلة: ومنامش ليه يامرت عمي؟ مش لساتني عروسة جديدة؟
اتسعت عينا نجية باستنكار قائلا: عدا عشر أيام علي فرحك وتقوليلي عروسة جديدة؟
حدانا في البلد بيتجال عليها عروسة جديدة لحدن ماتجيب الولد.
قالت نجية بسخرية: حدانا بقي هو أسبوع وبتقوم تشوف اللي وراها يابرنسيسة.

هبطت وردة من المكان المريح وذهبت تجاه المرآة، جلست علي الكرسي أمامها وأمسكت الفرشاة تمشط شعرها بهدوء قائلة: وأني ورايا إيه يعني غير اني أتزوج لجوزي عشان أبسطه.
لا ياعينيا وراكي كتير، وراكي مسيح وترويق الشقة وطبيخ كمان.
لما أني هعمل كل ده انت هتعملي ايه؟
اقتربت منها نجية تمسك يدها و تجعلها تنهض لتواجهها باستياء قائلة: بت انت اتعدلي ليمين الله أقول لابني وأخلي أيامك سودة معاه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *