جوازة نت 3

الحلقة الحادية عشر

– منة حبيبتي، ما ينفعش كدا، 3 ايام لا أكل ولا شرب، مامتك هتتجنن، وباباكي كل ما يسأل احمد يقوله خليها هي تقول، وسيف آخر مرة كلم أخوكي قاله لو مش هتردي على تليفوناته هييجي لغاية هنا لولا احمد هدده وقاله ان عمي ميعرفش حاجه لا هو ولا طنط ، ولو عرفوا من سابع المستحيلات انك ترجعي له تاني !!،،
نظرت منة الى ايناس والتي جاءتها بصينية الطعام كما كل يوم لتعود بها كما هي، أشاحت منة بوجهها قائلة بابتسامة حزن:
– ماليش نفس يا ايناس، مش سهل اللي حصل دا، انا حاسة انى في كابوس ، كابوس يا ايناس ،….. ثم نظرت اليها قائلة بابتسامة ممتنة:
– ربنا يخليكي يا ايناس انا عارفة انى تعباكي معايا، كفاية هَـنا وفرح انا سايباهم خالص وانت اللي واخده بالك منهم…
ايناس بعتب:
– اخص عليكي يا منة، هَـنا وفرح دول بناتي…زي مرام بالظبط، ما تتصوريش هما فرحانين ببعض قد إيه، هي فرح حبيبتي اللي احيانا الاقيها مسكتة ولما أسالها تقولي زعلانه علشان بابا ، حاسة انها لسه زعلانه من احمد، مع انه حاول يفهمها انه ما كانش قصده وانه صالح باباها، لكن البنت حساسة اوي، خصوصا ان سيف مش بييجي..
منة بأسى:
– لسه الحزن جاي يا ايناس، بس لازم يتعودوا على كدا، انا مش همنعهم انه يشوفوه، مهما كان دا أبوهم ، لكن حاليا أفضل انهم يتعودوا انه مش هيكون موجود معهم باستمرار زي الأول..، عموما هيتعودوا.. هما لسه صغيرين..
ايناس وهى تنظر اليها بتساؤل:
– وانت هتتعودي على غيابه؟!…
منة بابتسامة أسف صغيرة:
– هتعود يا ايناس، لازم هتعود…
ايناس بتردد:
– منة كنت عاوزة أسألك ومحرجة!..
منة باهتمام:
– لا اسألي يا ايناس، انت اختي حبيبتي…
ايناس بتلعثم طفيف:
– معقولة يا منة الوقت دا كله ما اخدتيش بالك ان سيف متغيّر او انه مثلا بيقعد وقت طويل ع النت؟!..
منة بابتسامة ساخرة:
– اخدت بالي طبعا، بس سيف كان بالنسبة لي فوق مستوى الشبهات، عمري ما كنت أتصور انه يطلع زي الرجالة اللي بنقرا عنهم وماليين #الفيس !!..
اعتدلت في جلستها ناظرة الى ايناس متابعة بحزن غيّم على ملامح وجهها وعينين فقدتا بريقهما:
– عارفة يا ايناس، لما كانت أي واحده اسمعها تقول ان لازم الزوجة تفتش ورا جوزها وتاخد بالها منه ما تبقاش نايمة على ودانها كنت بضحك واقول ايه هتشتغل شارلوك هولمز يعني؟!، وبعدين ايه العيشة اللي كلها شك وغيرة دي ، ما كنتش أعرف انى أنا من الستات اللي نايمة على ودانها وان الموضوع مش موضوع تخوين أكتر من انك تاخدي بالك علشان تلحقي جوزك قبل فوات الأوان خصوصا انه فيه ستات على هيئة شيطان زي اللي اتلم عليها دي…
لم تعلِّق ايناس وتركتها تُخرج ما بجعبتها، فقد شعرت أن منة كانت كأنها تتحدث مع نفسها ولكن بصوت مسموع، تابعت منة بنظرة خاوية:
– لما… لما لاحظت اننا ابتدينا نبعد عن بعض، هو علشان الشغل وانا علشان البنات ، حاولت اننى أكسر البرود اللي في حياتنا، يعني مثلا يوم اجازته كنت أخلي البنات يناموا وافضل سهرانه مستنياه، ولأني عارفة انه صابح أجازة فكنت بحاول على قد ما اقدر اننا نسهر مع بعض ، أنا فاكرة في مرة نزلت صبغت شعري واشتريت قميص لانجيري جديد ، وقعدت استنيته ، تخيلي لما جِه وشافني عمل ايه؟؟…..
نظرت اليها ايناس بتساؤل في حين تابعت منة بابتسامة سخرية:
– قالي ايه الجمال دا، روحت حضرت له العشا، وقعدت جنبه اتعشى ، معلهش يا ايناس اسمحي لي يعني ، لما جوزك يكون راجل في عنفوان شبابه ومراته ست جميلة وبيحبها وبقالهم فترة بعيد عن بعض المفروض لما يشوفها كدا يحصل ايه؟..
نظرت اليها ايناس واجابت بتلقائية:
– اكيد مش هيفوّت الليلة كدا،… ثم ضحكت متابعة:
– هيعملوا ليلة دخلة من اول وجديد !!..
نظرت اليها منة قائلة بجمود:
– بس مش دا اللي حصل!، اللي حصل انه باسني وقاللي معلهش يا منون انا جاي تعبان ، تصبحي على خير حبيبتي!!..
فتحت ايناس عينيها على وسعهما شاهقة بدهشة وقالت:
– ايه!، وانت عملت ايه يا منة؟..
منة بحسرة:
– هعمل ايه يعني؟، بوسته وغطيته ولُمت نفسي إني محسيتش بيه أنه جاي تعبان ، ونمت عادي!!، مش بقولك طلعت مش بس نايمة على وداني لا وبشخّر كمان…..، عارفة يا ايناس اليومين اللي فاتوا دول كنت براجع فيهم كل السنين اللي مرّت عليا انا وهوّ، ( كانت تتحاشى ذكر اسمه فإسمه كفيل بجعلها تشعر بوجع عميق وألم دفين لا تستطع احتماله )…..اكتشفت انى فعلا كنت مغفلة ومع سبق الاصرار والترصد، بس عذري اني حبيته أوي، وآمنت له أوي أوي وعمري ما تصورت انه ممكن في يوم يحصل حاجه زي كدا !!…
احتضنتها ايناس وهى تقول مواسية:
– معلهش يا منة، غُمّة وهتزول ان شاء الله، انا بجد مش عارفة اقولك ايه، بس لازم طنط وعمو يعرفوا، لازم تقوليلهم…
منة وقد بدأ شعور بالدوار يلفّها وهي تحاول مغالبته:
– هقولهم يا ايناس،بس مش دلوقتي… لما أهدى الأول علشان اعرف أتكلم معهم…
قطبت ايناس ملاحظة منة وهي تضع يدها على جبهتها وقد زاغت عيناها، سألت ايناس بخوف:
– منة مالك؟، أجابت منة بصوت ضعيف متقطع :
– مش.. مش عارفة.. يا ايناس، حاسة اني هبطانه، ممـ…ممكن تجيبلي ماية بسكر؟!!،،
هرعت ايناس الى الخارج وهى تقول:
– ثوان حبيبتي…
لم تغب ايناس أكثر من دقيقة لتعود فتُفاجأ بمنة وقد أرتمت فوق الفراش، تقدمت منها وهى تناديها ولكن ما من مستجيب ، وضعت كوب الماء جانبا وأمسكت رأس منة وربتت على وجنتيها وهى تناجي بخوف:
– منة..، منة حبيبتي فوقي ، منة ….و ولكن منة استحالت في يدها الى قطعة باردة من الرخام ، مما جعلها تهرع الى الخارج وهي تصرخ منادية زوجها أحمد…
**************************************************
– ما تقلقش يا استاذ عبدالعظيم، كل الموضوع ان الضغط عندها واطي أوي ، وبعدين أنا ملاحظ علامات سوء تغذيه عليها، واضح انها مش بتاكل كويس،.. عموما المحاليل اللي انا ركبتهالها دي هتخليها تبقى كويسة ان شاء الله، اهم حاجه تتغذى كويس وترتاح وتبعد عن أي انفعالات…، ربنا يطمنكم عليها ان شاءالله…
أومأ عبدالعظيم برأسه قائلا وهو يرافق جارهم الطبيب الذي سارعوا للاستنجاد به ما ان وقعت منة مغشيًّا عليها:
– ربنا يستر يا دكتور حامد، معلهش تعبناك معانا….
نفى الطبيب حامد الرجل الأربعيني العمر بهزة من رأسه:
– ازاي تقول كدا؟، دا الجيران لبعضها بردو، عموما أنا تحت أمركم أي حاجه كلمني بس وانا مسافة السلم أكون عندكم، انت عارف شقتي فوقكم على طول!!…
غادر الطبيب تصحبه دعوات عواطف التي سارعت بالدخول لابنتها فيما غادر أحمد الذي كان يلازمها لدى معاينة الطبيب لها ، قال احمد لعواطف :
– انا هروح أجيب العلاج اللي الدكتور قال عليه يا ماما، وعاوز أحلى أكل من ايديكي علشان الهانم لما تفوق أنا اللي هأكلها بنفسي !!…
عاد احمد بالعلاج الذي وصفه الطبيب ، ودخل ليطمئن على منة فوجدها لا تزال نائمة يرافقها أمه بينما ذهبت ايناس بالاطفال الى الحديقة المجاورة كي لا يصابوا بالقلق لدى رؤيتهم لمنة وهي ترقد مريضة !!….
نادى عبدالعظيم احمد:
– احمد، تعالى عاوزك..
علم أحمد أنه قد حان الوقت للافصاح عمّا حدث بين شقيقته وزوجها…
ما إن أغلق أحمد بابا غرفة الجلوس خلفه حتى وقف والده امامه آمرا اياه بمنتهى الصرامة والحزم:
– حالا… تقولي ايه اللي حصل بين أختك وجوزها، انا كنت ساكت الاول ومش عاوز أدخل بقول مهما كان البيوت اسرار، ومنة أنا عارف دماغها، لكن الموضوع يوصل انها كانت ممكن تروح من ايدينا، يبقى لأ… لازم أعرف كل حاجه وبالتفصيل!..
نظر أحمد الى ولده وزفر عاليا وهو يقول بلهجة التسليم بالأمر الواقع:
– أنا هقول لحضرتك على كل حاجه !!….
—————————————————–
احترم أحمد صمت والده الذي تحدث بعد برهة زمنية قصيرة قائلا بصوت خرج أجشّا رغما عنه، حزنا على صغيرته:
– كلّمه يا أحمد، عاوز أشوفه !!…
عقدت الدهشة لسان أحمد لثوان قبل ان يفيق من ذهوله ويتحدث بحيرة:
– نعم؟، عاوز تشوفه يا حاج؟، الموضوع خِلص خلاص ومافيهوش فصال!!..
نظر عبدالعظيم لإبنه بنظرة متألمة وصوت طغى الحزن على نبراته:
– أختك معاها بنتين منه يا احمد، والبنات بيحبوه ومتعلقين بيه اوي، واختك نفسها… مش شايف حالتها ازاي؟، دي مش حالة واحده بايعه!!..
ليفاجئهم صوت ضعيف ولكن بثقة:
– واحدة ضايعه بعد الصدمة اللي خدتها يا بابا !!…
نظر كلا من عبدالعظيم واحمد بدهشة الى مصدر الصوت لتفاجئا بمنة وهى تقف مستندة الى ذراع كلا من والدتها وايناس، قام احمد من فوره وأجلسها بجانب والدها الذي احتواها بين ذراعيه مربتا عليها بحنان الابوة، بينما أطلقت هي لدموعها العنان ولم تستطع أمها كتم بكائها بينما اكتفت ايناس بالوقوف جانبا وعينيها يغشاهما الدمع….
قال عبدالعظيم بمنطق الأب الحاني الحكيم:
– ليه يا منة خبِّيتي علينا؟…
منة من بين شهقات دموعها:
– ما كنتش قادرة أتكلم يا بابا، سيف… سيف قتلني يا بابا قتلني!!…
وتفاجأ الجميع بمن يقول بصوت أشبه بالعويل:
– لو قتلتك يبقى قتلت روحي وانا مش ممكن أقتل روحي يا منة!!….
نظر الجميع الى هذا النمر الجريح الذي اندفع الى الداخل بعد أن فتحت له هنا ابنته فأشار اليها بالصمت ودعاها للحاق بأخوتها بينما تتبع هو صوت الجميع الذي قاده الى غرفة الجلوس ليصطدم سمعه بعبارة منة التي كانت كالسهم الذي نفذ الى صدره!!…
شهقت منة وهى ترفع رأسها من فوق صدر والدها الحامي هاتفة بعدم تصديق:
– سيف !!….
فمن كان يقف أمامها لم يكن هو أبدا سيفها، حبيبها، ووالد بناتها،…. لقد كان شبحا….يثير الذعر لمن يراه !!…
كانت لحيته قد استطالت فلم يشذبها منذ تركته منة كعادته، وكانت ثيابه مجعدة وكأنه لم يبدلها منذ وقت طويل، واحاطت بعينيه هالات سوداء وأصبحت وجنتيه غائرتيْن داخل وجهه، ولكن ما لمسها حتى العمق تلك النظرة الضائعة التي اعتلت ملامحه!..
اقترب سيف منها وتحدث الى والدها بينما عيناه طفقا يشبعا جوعهما الى ملامح معشوقتهما بنهم شديد:
– أنا جيت لغاية عندك يا عمي، أي حاجه تطلبها منة أنا موافق عليها … بس أرجوك يا عمي خليها ترجع معايا، أنا مش طايق البيت من غيرها هي والبنات، حياتي كلها اتلخبطت من غيرهم..
نظرت اليه منة بغضب تأجج ما ان سمعت صوته، وقد ذهب شعور الشفقة الذي داهمها حياله ما إن وقع نظرها عليه أدراج الريّاح !!….،بينما تحدثت عواطف بغيظ واضح:
– إنت ليك عين كمان….، ليقاطعها صوت والدها الجهوري قائلا بصرامة:
– أم منة….، صمتت عواطف على مضض في حين أكمل عبدالعظيم بحزم:
– عواطف…خدي بنتك وادخلوا جوّه !!….
قامت منة بمساعدة والدتها يساندها احمد الذي تركها لتتلقفها ايناس وغادرن الغرفة بينما يلاحقها سيف بنظرات مشتتة كاد يركض اليها ما ان سارت بمحاذاته مغادرة، يكاد يُجنّ من فرط شوقه إليها….، قاطع صوت عبدالعظيم استرسال افكاره ونظراته الملاحقة لطيف محبوبتها بلا هوادة، قال عبدالعظيم بجدية وهو يشير الى أحد المقاعد:
– اتفضل يا سيف، اقعد علشان نعرف نتكلم..
جلس سيف بينما اعتلى وجهه تعبير لهفة واضحة وما ان استقر عبدتاعظيم في مقعده أمامه حتى هتف :
– انا عارف إني غلطت، ومستعد لأي ترضية تطلوبها، بس متحرمونيش من مراتي وبناتي !!،،،
تقدم أحمد الذي كان يقف على بعد خطوات قليلة منه وتحدث بصوت مكتوم غيظا وغضبا:
– انت بتستعبط؟، هو اللي انت عملته شوية؟!…
قاطع صوت عبدالعظيم الجهوري ابنه:
– احمد، بهدوء علشان نعرف نتفاهم!،…. ثم عاود النظر الى سيف متابعا بحسم:
– ايوة يا سيف، انا سامعك…و انت معترف بغلطك وعاوز مراتك وبناتك صح؟؟؟،،
ليجيبه سيف بلهفة واضحة:
– آه، أكيد..،أنا مقدرش أعيش من غيرهم ثانية واحده، الايام اللي فاتت دي كانت سنين بالنسبة لي، ولولا اني حبيت منة تهدى الأول كنت جيت وراها من اول دقيقة…
عبدالعظيم ببرود وهو يطالعه بنظرة أسى:
– للأسف يا سيف…، غلطتك مش بسيطة، دا لو سميناها غلطة!، لأنها مش غلطة يا سيف…دي جريمة في حق نفسك ومراتك وبناتك ، وفي حق ربك قبل أي حاجه…، ومن غير كُتر كلام.. بنتي مش هتوافق وأنا مش هضغط عليها، اللي حصل مش خناقه عادية سمعتها كلمتين ولا حتى رفعت ايدك عليها .. لا يا سيف الموضوع أخطر وأكبر من كدا بكتير…
سيف وقد بدأ تماسكه الواهن يتزعزع:
– يعني ايه؟، قصد حضرتك ايه؟…
عبدالعظيم وهو يقف انهاءا للنقاش:
– علشان اكون صريح معاك يا سيف، مش من مصلحتك انك تسألني دلوقتي قصدي ايه!، لأني لو عليا هقولك مالكش لا.. زوجة ولا.. بنات عندي، أمشي دلوقتي يا سيف، بس أنا مش هقدر أوعدك بحاجة!!..
وقف سيف ناظرا اليه بخوف حاول اخفائه بينما فضحه نبرات صوته المهزوز:
– يعني همشي من غيرهم؟،…. نظر اليه محاولا التماسك وهو يتابع:
– أنا همشي، بس قبل ما أمشي عاوز حضرتك تعرف حاجه مهمة أوي أنا غلطت واعترفت بغلطي، ومستعد لأي حاجه إلّا إني أبعد عن مراتي وبناتي ، أنا هرجع تاني، والمرة الجاية يا ريت نقدر نتفاهم أحسن من كدا، أنا مقدر طبعا غضبكم علشان منة، لكن ربنا غفور رحيم، وانا غلطت وتُبت وندمت…و ياريت حضرتك تبلغ منة رسالتي… أنا متمسك بيها هي وبناتي طول ما أنا عايش، ومهما حصل عمري ما هسمح أنهم يبعدوا عني سنتيمتر واحد……، عن اذنكم….
وانصرف تاركا احمد ينظر في أثره بحقد بالغ بينما يتابعه عبدالعظيم بنظرات خيبة الأمل والأسف !!….
– بعدين يا عبده، هنسيب البنت كدا؟، زفر عبدالعظيم بيأس ونظر الى زوجته التي لحقته الى غرفتهما تاركة منة في عهدة إيناس، نظر اليها بحزن وقال وهو يهز برأسه بأسى:
– هتبقى كويسة ان شاء الله، منة قوية يا عواطف، وعقلها كبير، بس لازم نسيبها تهدى شوية، اللي عمله جوزها مش بسيط ولا سهل …
عواطف بغضب:
– أنا مش مصدقة ان سيف يطلع منه كدا، مصدقتش نفسي وايناس بتحكيلي بعد ما سبناكم، الا صحيح هو قالك ايه يا عبده؟..
أجاب عبدالعظيم:
– مش مهم اللي قاله، اللي قاله انا متوقعه، سيف مش هيفرّط في مراته وبناته، المهم هو هيعمل إيه علشان منة تقدر تسامحه؟!!، المهم مش عاوزك تفتحي معاها كلام خالص دلوقتي، انت شايفه البنت اعصابها مش مستحمله، انا عموما بفكر أننا نسافر نغيّر جو في أي حتة، اجازة نص السنة خلاص كم يوم وتبتدي، وفرصة احمد موجود أهو ايناس تلهيها شوية …
أشادت عواطف قائلة:
– تسلم افكارك يا عبده، فعلا لما تغيّر جو انا متأكده انها هتبقى أحسن ان شاء الله…
أمّن عبدالعظيم قائلا:
– ان شاء الله يا عواطف، ان شاء الله…..
———————————————————
كانت ايناس جالسة بجانب منة في غرفة الجلوس بعد أن استعادت منة قواها أخيرا ، وكان قد مرّ على قدوم سيف يومين، كان خلالها يهاتف والدها للاطمئنان منه عليها وعلى بناته، فلم يكن أحمد ليجيب اتصالاته، وأراد سيف أن يترك لمنة مساحة كافية للهدوء والتفكير في أمرهما مليًّا، وإن لم يكف عن ارسال رسائل #حب وشوق ملتهبة تجعلها تبتسم حينا وتبكي أحيانا !!….
صوت رنين جرس الهاتف قاطع الحديث الدائر بين ايناس ومنة لتجيب ايناس وبعد ثوان لاحظت منة لون ايناس الذي شحب فجأة وسمعتها تشهق هاتفة بذهول:
– ايه؟، انتي بتقولي يا سحر؟، انتي متأكده؟، …أمتى الكلام دا حصل؟…..، أنصتت قليلا لتنهي المكالمة ودموعها تنهمر تغسل وجهها، قامت منة متجهة اليها وهي تسألها في خوف وترقّب:
– فيه ايه يا ايناس؟، سحر قالت لك ايه خلّاكي كدا؟…
تكلمت ايناس بصوت متقطع من بين شهقات بكائها الحار:
– نشوى، نشوى يا منة…..و هتفت منة وقد تلفت أعصابها:
– مالها نشوى يا ايناس؟…
لتجيب ايناس بنواح:
– نشوى.. نشوى اتـ….اتقتلت!، سحر بتقولي أن…جوزها قتلها!!..
لتصرخ منة هاتفة بذهول:
– إييييييه!!!….
********************************************
– “يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضيّة فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي” – صدق الله العظيم… الفااااااتحة…..
أنهى الشيخ تلاوته، وقام المعزّون بتعزية والد نشوى الذي يقف يتلقى عزاء وحيدته التي لم تكمل عامها الثلاثون بعد، في خيمة العزاء التي نُصبت في حديقة القصر لتلقي العزاء في وحيدته، بينما جلسن النسوة مع والدتها داخل القصر ….
تقدمت منة وايناس برفقة سحر للسلام على والدة صديقتهم وتقديم العزاء، كانت دريّة والدة نشوى كالضائعه، نظراتها تائهة، كانت تتمتم بكلمات غير مفهومة ، تحدثت منة بصوت خفيض مليء بالحزن:
– البقاء لله يا طنط، ربنا يرحمها رحمة واسعة يارب، ان شاء الله شهيدة….
رفعت درية عينيها الى منة التي واصلت:
– أنا منة يا طنط صاحبة نشوى الله يرحمها، نشوى كانت أكتر من أخت بالنسبة لي ….
وقفت الام بمساعدة سيدة تجلس بجوارها وقالت ودموعها تهطل مغرقة وجهها الخالي من مساحيق التجميل لأول مرة مما وشى بعمرها الحقيقي، بينما شفتاها ترتجف بقوة ، تناولت منة يدها لتسندها وسمعتها تقول بصوت متقطع:
– انت منة؟، كانت دايما تجيب سيرتك بكل خير، كانت.. لسه فاكراك قبل ما تموت بأيام، قالت لي منة بس هي اللي بتفهمني…
اجابت احدى النساء الجالسات بجوارها يتابعن الحوار:
– حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا مش هيسيبه، أهوم مسكوه وان شاء الله هياخد اعدام المجرم!، يقتل مراته وهي نايمه… منه لله، ربنا ينتقم منه !!…
صرخت درية قائلة:
– أنا اللي قتلتها قبله !!،،،،
صّعقت منة وتبادلت النظرات مع ايناس وسحر وقالت محاولة التخفيف عن هذه الأم الثكلى:
– ما تقوليش كدا يا طنط، نشوى الله يرحمها كانت بتحبكم أوي..
لتتابع درية وكأن منة لم تتكلم:
– جاتلي قبل ما يحصل اللي حصل بيومين بتشتكي لي انها مش قادرة تستحمل خصوصا بعد.. بعد ما اتجنن خالص واتهمها انها عاوزة تموّته، ما كانش باين قودامنا خالص انه مش طبيعي، ابوها زعق لها وقالها انها واحده مستهترة ومش قد مسؤولية بيت وجواز، وامبارح بس عرفت انها حامل، حبيبتي كانت طايرة من الفرح، وقالت لي هتحاول معاه انه يتعالج علشان خاطر ابنهم أو بنتهم اللي جاية في السكة، بس….. بس مالحقتش، لما قالت له انها حامل كدّبها واتهمها انها عاوزة تخلص منه وتحطه في مستشفى المجانين، و خلّاها نايمة وخنقها بالمخدة!!، هو دلوقتي في مستشفى الامراض العقلية، وانا… انا خسرت بنتي…خسرتها … انا اللي لازم يعدموني مش هو…انا وابوها السبب، آآآآآآآآه يا بنتي……، حاولت منة أسكاتها ولكنها كانت هي الاخرى تذرف دموعا غزيرة حزنا على نشوى التي ذهبنت ضحية اهمال الاهل و العنكبوت المسمّى بالانترنت !!، وكيف لا ومدحت قاتلها كان زوجها الذي تعرفت عليه من خلال هذه التكنولوجيا المتطورة التي جعلت ما كان صعبا أو مستحيل سهلا و… يسير!!…
**********************************************
– منة حبيبتي انت مش عاجباني، من يوم ما رجعت من عزا صاحبتك الله يرحمها وانت قافلة على نفسك، بقولك ايه قومي غيّري هدومك وتعالي معايا انا وايناس هناخد العيال وننزل نشتري شوية حاجات ليهم لزوم المصيف….
اجابت منة والدتها :
– معلهش يا ماما، سيبوني أنا، انا تعبانه مش هقدر ألف معاكم، روحوا انتو وما تشيليش همّي أنا هنام شوية …
عواطف توصيها بنفسها:
– طيب، بس لو اتأخرنا عندك أم محمود خليها تحضر لك الغدا، احمد وبابا انهرده مش هيتغدوا معانا كل واحد في شغله، وانا وايناس احتمال نفوت ع النادي بعد ما نخلص مشاويرنا، انا عموما وصّيت أم محمود وانت عارفاها مش هتعرفي تخلصي منها…
رنين متواصل لجرس الباب جعل منة تقوم من فراشها وهي تتساءل ترى من القام، واين أم محمود؟، لتتذكر أن أم محمود أخبرتها أنها ستذهب لابتياع بعض اللوازم من السوق…
اتجهت منة لترى من الطارق وقد تناولت وشاحا وضعته على شعرها كيفما اتفق فظهرت بعض الخصلات لم تنتبه اليها… تمتمت منة في سرها أنه لا بد ان الطارق زياد ابن جارتها هدى والذي دأب على القدوم للعب مع ابنتيْها، فتحت الباب وهى تقول بابتسامة :
– ايه يا زياد؟، لتبتر عبارتها شاهقة بذهول هى تتراجع بضعة خطوات الى الداخل بينما أمسك القادم بمقبض الباب ليغلقه خلفه جيدا فيما تقدم اليها وهو يتحدث بتساؤل وغضب خفي:
– يا ترى مين زياد دا يا مُنايا؟، هتفت منة غير مصدقة عينيها:
– سيـ… سيف!!،إنت…….، لم يمهلها سيف لتكمل كلامها اذ امتدت يديه لتجذبها بقوة فارتطمت رأسها بعضلات صدره القوية ، وما ان تأوهت ألما ورفعت رأسها لتصرخ به حتى سارع بالتقاط شفتيها في قبلة ضارية أودعها كل شوقه وحبّه و…غيرته !!!….
تركها سيف بعد مدة طويلة ليلتقطا أنفاسهما المحبوسة، اعتصرها بين ذراعيه بقوة حتى أنه كاد يقسم أنه سمع صوت ضلوعها وهي تئز من قوة ضمّته ، وتحدث بصوت لاهث من بين خصلات شعرها التي أسند ذقنه فوقها:
– وحشتيني، وحشتيني أوي أوي ،…
انتبهت منة الى وضعها بين ذراعيه فحاولت الفكاك منه وهى تقول بينما قبضتيها الصغيرتين تضربان صدره:
– ابعد عني يا سيف، انت اكيد اتجننت ابعد…
قاطعها بكلمة وحيدة حاسمة، صارمة، قويّة:
– أبداً…، ليميل برأسها بعد ذلك محتويّا إياها في عناق طويل، كان كالذي كاد يموت عطشا وما إن وجد واحة ماء عذبة رقراقة حتى طفق ينهل منها كي يروي ظمئه ولكن ظمأ سيف لمنة أبدا…… لا يُرتوى !!….

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة الثانية عشرة”
دفعت منة صدر سيف بقوة فتركها رغما عنه وما إن تحررت من قبضته حتى رفعت يدها لتهوى على وجهه بصفعة مدوية من دون شعور !!….
ساد السكون من حولهما والذي لم تجرحه الا صوت دقات الساعة الرتيبة، في حين انتبهت منة الى ما فعلت فشهقت شهقة صغيرة وهي تتراجع بضعة خطوات الى الخلف بينما اكتست عينا سيف نظرة غامضة، خرق صوت سيف السكون المحيط بهما وهو يتساءل بهدوء:
– يا ترى القلم دا خلّاكي تهدي؟…
نظرت إليه منة بشرارات نارية تتراقص في مقلتيها وتحدثت بغضب:
– ولا… أي حاجه هتخليني أهدي يا سيف!…
اقترب سيف منها بضعة خطوات حتى وقف على بُعد إنشات قليلة منها وأجاب بصوت منخفض:
– مسيرك هتهدي يا منة، بس وإنت في بيتي، وبناتي في حضني، أنت عارفاني كويس أوي ، عمري ما بزهق بسهولة، وفي موضوع انت وبناتي طرف فيه يبقى عمري ما هزهق خالص، أنا غلطت واعترفت ما أنكرتش ، توبت واستغفرت ربنا كتير، إذا كان ربنا بيسامح ويقبل التوبة، إنت مش عاوزة تسامحي ليه؟!!…
تحدثت منة بصوت خرج بالرغم منها مهزوزا:
– علشان أنا إنسانة عادية، أنا مش ملاك…، اللي انت عملته دا شيء بشع، انت فاكر الموضوع بسيط؟، ايه واحده عرفتها وسيبتها علشان بيتك ومراتك وخلاص؟!، لا يا باش مهندس، ما سألتش نفسك الجواز اللي بينكم دا مدى شرعيته إيه؟..
أجاب سيف بابتسامة ساخرة بينما حمل صوته دهشته من سؤالها:
– شرعيّة إيه؟، بقولك دا .. نِت!، يعني كدا وكدا، لعب في لعب من الآخر ، فين الشرع اللي في دا عاوز أفهم أنا؟!!..
عقدت منة ذراعيها أمام صدرها وقالت باستخفاف:
– علشان فيه حاجه بسيطة اوي تاهت منك يا أستاذ!، نظر اليها سيف بتساؤل وترقب في حين تابعت هي بجدية بالغة:
– الورقة اللي انتو كتبتوها بينكم ع النت.. اتشيرت لناس كتير، أبسط مثال لاصحابك مثلا واصحابها، يعني….إشهار !!، تقدر تقولي ما فكرتش ولو ثانية انه جوازة الـ… نِت اللعبة دي قلبت جد؟!، ما جاش في بالك الكارثة اللي حصلت؟، المفروض أساس الجواز الاشهار بدليل ايام الرسول عليه الصلاة والسلام ما كانش فيه لا ورق ولا حاجه، بيعلنوا عن الجواز بالدف ووليّ العروسة يقبل زواج العريس ، وفي ايامنا دي لسه في مناطق زي البدو في سينا مثلا.. لا.. فيه مأذون، و…لا ورق، ولا… يحزنون، تقدر تقوللي ما فكرتش انك دلوقتي فعلا متجوز انسانه زبالة زي دي؟!، انا مش هقول مثلا لو جالها عريس يبقى هيّ وضعها ايه متجوزة ولا لأ..لأنه واضح انه مش هيكون فارق معاها، لأنها واضح بردو أن الحلال والحرام دا آخر حاجه ييجي في بالها انها تفكر فيها…، صمتت قليلا بينما تسمّر سيف في مكانه غير مصدق لما يسمعه منها بينما تنهدت منة بعمق وتابعت بأسى:
– الموضوع للأسف عبارة عن كارثة بجميع المقاييس يا سيف، وأنا مش عاوزة أدخل لا أنا ولا بناتي المعمعه دي، علشان كدا يا ريت تقتنع أنه فعلا ما فيش غير حلّ واحد بس….
نظر اليها سيف بنظرات سوداء وسألها بهدوء بينما فضحت توتره اختلاجة عضلة فكّه:
– اللي هوّ؟،،،
أشاحت منة بعينيها بعيدا وأجابت بخفوت:
– الطّ…..، ليصدح صوته آمرا بقوة وهو يقطع المسافة التي تفصلهما في خطوتين اثنتين واقفا أمامها يقول بحدة آمرأ:
– إيّاكي، شوفي إيّاكي تنطقيها، انسي الفكرة المجنونة اللي في دماغك دي، وجواز صح ولا غلط دي مش مشكلتك، دي مشكلتي أنا وأنا اللي هحلها، وحاجه أخيرة يا منة…
وفاجئها بأن أمسك بجانبي رأسها بين راحتيه مقرّبا وجهها منه وهمس أمام شفتيها:
– أنا مش هسيبك، لا انهرده ولا بكرة ولا حتى لو فضلتي بعيد عني عشر سنين!، انتي مراتي وأم بناتي، وانتي وهمّا كل حياتي ، فياريت تدخلي الكلام دا في مخّك الناشف دا لأني لما هآجي المرة اللي جاية هآجي علشان ترجعوا بيتكم…
لم يتثنى لها الرد عليه اذ تناول شفتيها في قبلة سريعة ولكن حارقة ثم تركها وهو ينظر اليها بنظرات متوعّدة ، قبل ان يستدير منصرفا ولكن قبل ان يغادر وقف أمام باب المنزل قائلا:
– بوسيلي هَنا وفرح، وقوليلهم بابا جاي قريب اوي علشان ياخدنا ونرجع بيتنا تاني، فاهمه يا منة؟…
لم يدع لها المجال للأجابة وانصرف مسرعا صافقا الباب خلفه، في حين جلست هي على المقعد وراءها وهي تشهق بغصات بكاء حار بينما سالت دموع غزيرة تغسل وجنتيها الشاحبتين…
*************************************************
سافرت عائلة منة الى الاسكندرية حيث الخالة سهام، صممت الأخيرة على استضافة عائلة شقيقتها كاملة في منزلها السكني، وعندما تعللت عواطف باستحالة ذلك نظرا لضيق المكان مقارنة بعددهم، فهي ستصطحب معها منة وابنتيها واحمد وزوجته وابنته وطبعا خلافها هي وزوجها، ولكن سهام أخبرتها بأن النساء سيمكثن في منزلها بينما الرجال سيمكثن في شقة نادر التي تعلو شقتها!!،،،
كانت منة تسير بمحاذاة الشاطيء تاركة ابنتيها تلهوان مع ابنة أخيها مرام تراقبهن إيناس بينما أحمد يسبح في مياه البحر الفيروزية، كان هواء البحر المحمل برائحته العبقة يضرب وجهها الفتيّ، بينما يتطاير طرف وشاحها الحريري فغدا كشلال من اللون الابيض يتناثر حولها مما أكسبها جمال أخاذ جعلها كلوحة تحبس الانفاس لروعتها التي تخلب الألباب، وقفت أمام شاطيء البحر تتأمل أمواجه المتلاحقة، وشردت في حالها، هي في الاسكندرية منذ يومين ولا تعلم شيئا عن سيف، كما أنها لم تخبره عن سفرها هي والبنات برفقة عائلتها، ولم يفاتحها أحد من عائلتها بشأنها هي وسيف، فشكرت لهم امتناعهم هذا حتى تستطيع جلاء عقلها والتفكير برويّةٍ بأمرها هي وسيف، وكلّما مرّ الوقت وأمعنت في التفكير تجد أنه لا مناص مما منه بُد، فستظل الكلمات التي قرأتها وما شاهدته من لقطات أمام عينيها حتى عند أغماضهما فإن ما علمته يرتسم أمام مخيلتها وبكل وضوح…
– البحر أفضل كاتم أسرار، لما بكون متضّايق ما بلاقيش غيره أفضفض له ويشور عليا أعمل ايه!….
التفتت منة الى محدثها والذي لم يكن سوى… نادر ابن خالتها!..
ابتسمت منة وأجابت برزانة:
– دي فلسفة، شكلك بتحب البحر أوي…
وقف نادر بجانبها ونظر الى البحر الذي تتهادى أمواجه أمامه وأجاب بهدوء:
– البحر الوحيد اللي بيسمع لي من غير ما يزهق، بحس أنه بياخد ويدّي معايا في الكلام، البحر هو الوحيد اللي مخذلنيش #حبّه، يبقى طبعا لازم أحبه !!….
ابتسمت منة وقالت وهي تهمّ بالابتعاد:
– يا بختك بصديق زيّه…
سار بجانبها وتكلم وهو يتوخى الحذر:
– منة..أنا مش هدّخل في حياتك إنت وسيف، خصوصا وأنا معنديش فكرة عن ايه اللي حصل بينكم، لكن احساسي بيقوللي انه حاجه وحاجه كبيرة اوي كمان، على فكرة انا ماصدقتش خالتي لما بتقول انك جيتي معهم علشان احمد موجود وانه سيف عنده شغل فعلشان كدا معرفش ييجي، سيف مش ممكن يسيبك تيجي انت والبنات لوحدكم، وخصوصا إنتي!!، من سابع المستحيلات انه سيف يسيبك تبعدي عنه ثانية واحده، دا طبعا غير الحزن اللي انا شايفه مالي عينيكي !!..
أجابت منة وهى تواصل سيرها بابتسامة صغيرة:
– حكيم عيون حضرتك؟!..، ثم تابعت حديثها بعد أن زفرت عميقا:
– بص يا نادر، أنا مش هكدب ولا ألف وأدور، طبيعي انه أي زوجين بيمرّوا بمشاكل في حياتهم… بس المهم إيه هي نوع المشاكل دي ويا ترى ايه هو الحل الصح ليها؟!، تقدر تقول اني جيت هنا علشان أعرف افكر من غير أي ضغوط، المهم أني أقدر أوصل لحل مشكلتي، مهما كان صعب، الدوا طعمه بيبقى مرّ بس لازم الواحد ياخده علشان يخفّ ، ادعيلي انه ربنا يهديني للدوا الصحّ….
قال نادر وقلبه الخائن بدأ بالطرق بقوة بين جنبات صدره فمعنى كلامها أن علاقتها بسيف تواجه منحنى صعب قد يكون من الصعب اجتيازه، ولكن لينهر عقله قلبه أنها قد أخبرته ان أي زوجين يواجهان الكثير من الخلافات، ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال صعوبة استمرار زيجتهما، ولكن رفض قلبه العاشق الانصياع لحديث العقل!، نفض عنه أفكاره وقال بابتسامة حانية:
– طيب ممكن توعديني أنك لو احتجت أي حاجه أو عاوزة تاخدي رأي حد في مشكلتك ، انك تقوليلي؟!..
ابتست منة واجابت:
– أكيد يا نادر، انت معزّتك من معزّة أحمد اخويا بالظبط…
وهمّت بالسير بخطوات واسعة تاركة نادر وقد أصابه الوجوم من جرّاء تصريحها الأخير بأنه بمعزة شقيقها ولكنه نهر نفسه بعنف من السقوط في فخ الرثاء للنفس وقال محدثا حاله بعنفوان:
– وانا موافق اني أكون زي أحمد، بس لو حصل وحكايتك مع سيف خلصت يا منة تأكدي انه في نفس اللحظة دي حكايتنا أنا وأنتي هتبتدي، أنا مش ممكن أكرر غلطتي تاني أبدا وأسيبك تضيعي منّي، أنا زي ما يكون قلبي حاسس ولغاية دلوقتي ما اتجوزتش، ورافض أي عروسة أمي تقولي عليها، زي ما أكون مستنيكي!!…
لحق نادر بعد ذلك بمنة ليسيرا جنبا الى جنب متجهيْن حيث يتجمع الآخرون…..
**************************************************
عاد الجميع الى المنزل للاغتسال وتغيير ثيابهم ثم دعاهم نادر لتناول الغذاء خارجا، ولكن ما ان انتهى الاطفال من الاغتسال حتى سارعوا مطالبين بالطعام لشعورهم بالجوع فقد لعبوا كثيرا في مياه البحر، ما أن قامت كلا من ايناس ومنة باطعامهم حتى غرق الاطفال في سبات عميق، وفضّل كبار السن تناول الغذاء بالمنزل وأخذ قيلولة بعد ذلك، فلم يذهب لتناول الغذاء سوى الشباب، احمد وايناس ومنة و…نادر!!….
كانوا ملتفين حول مائدة الطعام بأحد المطاعم الشهيرة المطلة على شاطيء البحر والمشهورة بمأكولاتها البحرية اللذيذة، قضت منة وقتا سعيدا ولم تكف عن الضحك على الطرائف والمواقف المضحكة التي كان نادر يرويها لهم مما يصادفه في عمله …
قال احمد من وسط ضحكاته:
– بس يا نادر خلاص، بطني مش قادر، انا عارف انت قاصد تضحكنا علشان بطنا توجعنا فما ناكلش كتير !!..
أجاب نادر مبتسما بينما يرنو ببصره الى سالبة قلبه ومهجته وكله فرح أنه هو من جعل الضحكة تعود ثانية الى شفاهها القرمزية:
– لا يا حبيبي كُل براحتك ولو عاوز تطلب اكل ناخده معانا كمان واحنا مروّحين ولا يهمك…
احمد باستحسان:
– كمان!، دا إيه الكرم الحاتمي دا؟!….
نادر بابتسامة:
– علشان تعرف بس ، ثم أولى انتباهه الى منة قائلا:
– صحيح يا منة ، ابن خالتك ربنا فتحها عليه وبدال الشغل في مكاتب الناس قدرت وبفضل الله اني ألم قرشين وأفتح مكتب سياحة ليّا ومعايا واحد صاحبي شريك فيه، كنت طمعان لو ممكن تشوفيه وتعمليلي الديكور بتاعه، وما تخافيش دا شغل، يعني زيي زي غيري…
منة باستنكار:
– لا..طبعا، ايه الكلام اللي بتقوله دا يا نادر، انت زي أحمد بالظبط، يعني أحمد لو قاللي اعلم ديكور شقته هاخد منه فلوس؟!..
ابتلع نادر غصّة كادت أن تخنقه من مقارنتها له بأحمد شقيقها، قال أحمد بمرح:
– ومين اللي قالك اني كنت هعرض عليكي فلوس من أساسه؟!، يا بنتي انك تعملي ديكور شقتي دا شرف ليكي !!…
ضحكت منة قائلة:
– يا سلام….
تبادل الجميع الضحكات، ووافقت منة على تصميم ديكور المكتب ولكن بعد معاينته أولاً…، واتفق الجميع على المرور بالمكتب لتشاهده منة لتستطيع البدء بوضع تصوراتها لتصميمه الداخلي….
*************************************************
اثناء ذهابهم لرؤية مكتب نادر جاء أحمد اتصال من والدته أن مرام استيقظت من نومها وهي تبكي وقد لاحظت ارتفاع درجة حرارتها قليلا فاضطروا لالغاء أمر الذهاب الى مكتب نادر والعودة رأسا الى المنزل…
ذهب أحمد وايناس بمرام الى الطبيب الذي وصف حالة مرام بعدوى برد للعبها في البحر لوقت طويل مع ضعف مناعتها ووصف لها بعض الادوية والمضادات الحيوية اللازمة لحالتها….
في الصباح الباكر كانت حرارة مرام قد استقرت ولكنهم آثروا عدم الخروج هذا اليوم لكي تنال مرام قسطا وافرا من الراحة وحاولوا على قدر الامكان ابعادها عن هَنا وفرح كي لا تلتقطا العدوى منها، لم ترغب ايناس في ترك ابنتها والذهاب مع زوجها ومنة ونادر لرؤية مكتب هذا الأخير كي تستطيع منة وضع التصميم الداخلي لديكور المكتب، فذهب أحمد برفقتهما وتركت منة هنا وفرح في عهدة والدتها بينما خرج عبدالعظيم وشوقي زوج سهام للجلوس على أحد المقاهي المنتشرة بطول الشاطيء…
أعجبت منة بمساحة المكتب وموقعه، وصرّحت برأيها هذا الى نادر عندما سألها عن رأيها به، وبعد أن انتهوا من معاينة المكتب صمم احمد على دعوتهم الى احتساء العصير في احدى المقاهي المنتشرة على الكورنيش، بعد أن جلس ثلاثتهم وأملوا النادل طلباتهم، أتى أحمد مكالمة هاتفية على محموله الخاص فاستأذن من منة ونادر ونهض ليبتعد عن صوت الضوضاء الصادرة من السيارات المارة حيث كانت جلستهم خارج المقهى على احدى الطاولات المنتشرة خارجه، كان نادر يروي إحدى نوادره والتي جعلت منة تغرق في الضحك عندما هبط ظلّ فوقهما فرفعت منة عينيها لتطالعها عينان مشتعلتان بفحم أسود لاهب جعلتها تشهق غير مصدقة:
– سيف !!، فنظر نادر الى هذا المشرف عليهما كما الطّوْد وقد غابت ابتسامته واستبدلها بابتسامة رسمية صغيرة بينما يقوم من مقعده بجوار منة ويمد يده لمصافحة سيف قائلا:
– أهلا يا سيف…
تطلع سيف لوهلة الى يد نادر الممدودة أمامه دون أن يمد يده بالمقابل للسلام عليه، مما جعل منة تندهش وتدعو الله في سرّها أن ينهي أحمد مكالمته سريعا ويلحق بهم فمنظر سيف لا يبشّر بأي خير!!…
رفع سيف يده وصافح نادر ضاغطا على راحة هذا الأخير بقوة جعلت نادر ينظر اليه بدهشة، بينما تجاهله سيف بعد ذلك والتفت الى منة قائلا بهدوء يخالف الاعصار الذي بدأ بالهبوب بداخله:
– منة، عاوزك شوية…، أشاحت منة بعينيها بعيدا وقالت ببرودة متعمّدة:
– أنا مستنيّة أحمد أخويا، مش هينفع أمشي، عموما لو فيه أي حاجه نادر مش غريب، تقدر تقول اللي انت عاوزه!!….
عضّ سيف على أسنانه حنقا ولم يجبها وعوضاً عن ذلك تقدّم اليها ورفعها قابضا على مرفقها وهو يقول من بين أسنانه بهمس بينما يراقبه نادر بتحفّز:
– قومي من غير ولا كلمة، الّا بقه لو عاوزة نعمل منظر جميل قودام الناس، خصوصا ابن خالتك اللي مش منزل عينه من علينا، وصدقيني لو إتدخل هكون أكتر من سعيد إنًّي أعرفه مقامه !!…
لم ترغب منة في افتعال مشهد يلفت الانظار اليهم، خاصة وأن نادر يوشك على التدخل كما هو واضح من علامات التحفّز التي ارتسمت على وجهه، وهي تعلم تماما أن جنون سيف أكثر من كافٍ لافتعال فضيحة وليس مجرد مشهد مثير!!…
لم يمنعها غضب سيف من تجاهل قواعد اللياقة وإستأذنت من نادر الذي سألها وهو يطالع سيف بنظرات حانقه إن كانت ترغب بأي مساعدة ولكنها رفضت بابتسامة صغيرة وحركت رأسها بنفي مطمئنة اياه أنها ستكون بالجوار ولن تذهب بعيدا، فيما كان سيف يراقبهما وعلامات الإجرام ترتسم على وجهه!!..
ما ان ابتعدا عن الانظار حتى وقفت منة رافضة التحرك خطوة واحده فيما كان سيف لا يزال قابضا على مرفقها بقوة جعلتها تتأكد من أن يده ستترك أثرا على ذراعها موضع قبضته، التفتت اليه وهي تحاول الفكاك من قبضة يده قائلة بنزق:
– فيه ايه يا سيف؟، سيب دراعي، انت.. انت جيت ليه؟، وعرفت منين مكاننا ؟…
رفض سيف افلاتها ووقف مواجها لها وهو يجيب بسخرية بينما أتون غضب مستعر بدأ بالاشتعال داخله:
– ايه زعلانه علشان قطعت عليكم قاعده الضحك والفرفشة؟….
منة بذهول صاعق وغضب بدأ يفور داخلها حتى غدا كالبركان سيحرق الاخضر واليابس ما أن ينفجر:
– إنت .. إنت بتقول ايه؟، إنت اتجننت؟، لعلمك أحمد أخويا معانا بس كان معاه مكالمه قام يتكلم بعيد علشان الدوشة ما كانش سامع، وبعدين أنا برفض تلميحاتك الحقيرة دي، وتابعت بسخرية:
– بس هقول ايه… ما هو أصل كلٌّ يرى الناس بعيْن طبعه!!..
هزّها قليلا وهو يجيب من بين أسنانه:
– منّة، بقولك ايه ، ما تغيريش الموضوع، ايه اللي خلاكي تخرجي مع الانسان دا؟، حتى لو أحمد معكم ازاي تسمحي لنفسك انه يتكمل معاكي وتضحكوا بالطريقة اللي انا شوفتها دي؟…
جذبت منة مرفقها بقوة آلمتها ولكنها استطاعت تحرير نفسها من قبضته وشهرت سبابتها أمامه قائلة بغضب شديد:
– لآخر مرة يا سيف بقولك خد بالك من كلامك، مش منّة اللي يتقالها الكلام دا، انا كنت مع اخويا وابن خالتي مش قاعده مع واحد من الشارع، وبنتكلم عادي جدا، لكن دماغك للأسف اللي مش نضيفة هي اللي بتخلّيك تتصور حاجات في منتهى السفالة، مش مشكلتي أنك غلطت مع واحده اخلاقها اخلاق قطط الشوارع وعلشان كدا بئيت شكاك بالشكل الفظيع دا، دي غلطتك انت ومشكلتك أنت انا خلاص ماليش أي علاقة بالموضوع دا، وكله هينتهي يوم ما تخلصني وتنفذ اللي انا طلبته منك !!…
لو كانت منة دققت النظر الى سيف جيّدا لكانت تيقنت أنه من الخطأ الشديد الإتيان على ذكر هذا الأمر في هذه اللحظة!، حيث اكفهرّت ملامح سيف فصارت كسماء مظلمة في يوم عاصف شديد الظلمة الحالكة، وظهر جليّا أنه على أتم الاستعداد لارتكاب جريمة قتل !!…
جذبها سيف اليه بقوة آلمتها جعلتها تطلق صيحة ألم صغيرة وتلفتت حولها في هذا المكان البعيد نسبيا عن الناس امام البحر، تحدث سيف من بين اسنانه قائلا:
– هقولها للمرة المليون يا منة، طلاق ما بطلقش، هتفضلي مراتي لغاية اخر دقيقة في عمري، مهما قلت وعملتي مش هتخليني أوافق، ودلوقتي مش كمان شوية هتيجي معايا زي الشاطرة كدا نروح نجيب بناتنا ونرجع على #مصر على طول!..
هتفت منة بغضب :
– لأ…….. مش هيحصل يا سيف، انت بتستعبط؟!، هو إيه… إنت دوست على رجلي من غير ما تاخد بالك واتأسفت وخلاص؟!، دي خيانة يا أستاذ وأنا من الآخر مش قادرة آآمن لواحد خاين !!.
زفر سيف بيأس وقال وهو يطالعها بنظرة سوداء:
– دا آخر كلام عندك؟! ..
جابهته منة بتحدٍ قائلة:
– آه،…. حرّك سيف كتفيه بمعنى لا حول ولا قوة ثم…..انحنى الى أسفل ليرتفع فجأة ولكن…. حاملا منة على كتفه حيث رأسها متدلٍّ الى أسفل وقابضا على ساقيها بقوة بذراعه المتينة، حاولت منة الامساك بوشاح رأسها كي لا يطير وقالت بحنق لسيف الذي كان شبه راكضا بها:
– سيف بلاش جنان، سيف الناس بتبص علينا،……، ولكن سيف لم يجيبها واستمر في سيره حتى وصل الى سيارته المصفوفة، فتح باب المقعد المجاور للسائق بضغطة على جهاز التحكم عن بعد الخاص بالسيارة والمعلّق بمفتاحها وأدخلها بقوة مغلقا الباب خلفها واستدار ليركب في مقعد السائق وقد أحكم اغلاق السيارة ليقودها سريعا مبتعدا بغنيمته عن أيّ خطر قد يسلبه إيّاها !!…

” الحلقة الثانية عشرة”ج2
عودة الى الوراء بضعة سويعات….. حيث عمر برفقة سيف في منزل الأخير، كان عمر قادما لزيارته وحثّه على الخروج من سجنه الاختياري والتفكير بحل لمشكلته، كما أشار عليه بالعودة الى العمل كي لا يترك نفسه فريسة للافكار السوداء تعصف به، كان سيف رافضا وبقوة الخروج من محبسه الاختياري، رافضا أي شكل من أشكال الحياة، ولكن كلمة واحده فقط قالها عمر في معرض حديثه جعلته ينتفض من سباته، فقد قال عمر بتلقائية : منة … سافرت !!، لينتفض الوحش الكامن في اعماقه وينقض على عمر جاذبا إياه من تلابيبه وهو يقول بغضب وحشي من بين أسنانه:
– انت بتقول ايه؟، مراتي سافرت؟!، سافرت فين وأزاي؟
حاول عمر الفكاك من قبضة سيف التي كادت تصيبه بالاختناق وقال بصوت مكتوم:
– انت اتجننت يا سيف؟!، سافرت اسكندرية مع اهلها…
تركه سيف دافعا اياه بقوة جعلت عمر يترنح قبل ان يتمالك نفسه ويقف مطالعا اياه بدهشة وريبة بينما هاجمته نوبة سعال قوية جرّاء قبضة سيف له….
تحدث سيف بهدوء خطر:
– راحت اسكندرية؟، ثم تكوّرت يده في قبضة محكمة ولَكَمَ مسند الاريكة بقوّة وهو يرغي ويزبد بينما صورة حبيبته وهي في نفس المكان مع ذاك الـ…نادر – والذي لم يرتح اليه منذ ليلة خطوبتهما وقد صدق حدسه عندما سمع صدفة اثناء مكالمة من أم منة لشقيقتها سهام سؤالها عن احوال ابنها وانها تدعو الله له ليل نهار على أن يرزقه الزوجة الصالحة لتعوّضه خسارته لمنة والتي كان يحلم بها زوجة له، ولم يصرّح لمنة أو لأيّ كان بمعرفته بشأن ابن خالتها اللعين هذا – كانت صورتهما ترتسم في مخيلته لتجعله في حالة جنون مطبق، ولم يلبث أن اتجه الى غرفة نومه ليغتسل ويبدل ثيابه في اقل من عشر دقائق وسط ذهول عمر والذي تحول الى صاعقة من الدهشة عندما فوجيء به يرمي اليه ببضع كلمات بينما يتجه خارجا من المنزل:
– انا خارج، انت مش غريب يا عمر، عن اذنك !!…
لحق عمر به عند المصعد بعد أن احكم اغلاق باب المنزل خلفه وسأله بدهشة بينما يقفان في انتظار المصعد الذي تأخر بالنسبة لسيف:
– خارج؟، خارج رايح فين؟؟…
زفر سيف بيأس واتجه الى الدرج ليهبط بسرعة وهو يجيب بصوت عال كلمة واحده جعلت عمر يقف فاغرا فاهُ وقد تيقن من جنون صديقه:
– اسكندرية !!…
———————————————————
عودة الى السيارة والتي انطلق بها سيف بجنون مختطفا منة والتي كانت تصرخ غاضبة بأن يوقف هذه السيارة اللعينة، ولكنه لم يلق اليها بالا ، حتى اذا ما وصلوا الى منطقة مترامية الاطراف وغير مأهولة أوقف سيف السيارة والتفت اليها قائلا ببرود ينافي الغضب الأسود الذي يعتمل داخله:
– انا وانت مش هنمشي من هنا لغاية ما نشوف حل للمهزلة اللي احنا فيها دي…
عقدت منة ساعديها وأجابت ساخرة:
– وايه بقه الحل في نظرك؟، وخلي بالك الحل دا لازم أوافق عليه أنا كمان، مش حل من وجهة نظرك انت بس!!…
أجاب سيف بحدة:
– أي حل إلّا موضوع اننا نسيب بعض دا، الفكرة المجنونة دي تشيليها من دماغك خاااالص!!…
همّت منة بالكلام عندما قاطعها صوت رنين المحمول الخاص بها، أخرجت هاتفها من حقيبتها اليدوية ليطالعها اسم أحمد شقيقها، فتحت الخط وتحدثت بهدوء نسبي فآخر ما تريده الآن شجار بين هذا المجنون الذي اختطفها وبين شقيقها الغاضب!،
قالت منة بهدوء نسبي:
– ايوة يا احمد، آه.. انا مع سيف..، لا حبيبي ما تخافش، هنتكلم شوية وبعدين يرجعني البيت عند طنط سهام،..إيه؟!، نادر!، لا أبدا ما فيش قلق ولا حاجه….. ما كانش لازم يقلق ويقلقك معاه، ماشي حبيبي مش هتأخر ان شاء الله ،..لا الاه الا الله…
أنصتت قليلا قبل ان تنهي المكالمة ثم سمعت صوت سيف الذي يقول بنزق :
– ايه دا، ابن خالتك قلقان عليكي من جوزك؟! ، واخوكي يآمن عليكي معاه وسايبكم سوا ومعايا أنا خايف!!…، وبعدين ايه حبيبي حبيبي دي اللي عمله تقوليها عمّال على بطّال لأخوكي؟!، انتي عارفة كويّس أوي انى رافض أنك تقوليها لأي حد غيري لا أخوكي ولا حتى أبوكي !!..
أجابت منة من دون النظر اليه:
– دا كان زمان!، توافق ترفض ماليش فيه، حبيبي دي أنا بس اللي اختار اللي اقولها لمين!، أما بقه بالنسبة لقلقهم فما تقدرش تلومهم… خايفين عليا!!، عارفين اللي بيننا كويس، حتى لو كان نادر معندوش تفاصيل لكن الكل حاسس بأنه فيه حاجه غلط …
جذبها سيف من ذراعها فجأة جعلتها تطلق صيحة صغيرة في حين تابع بحزن وغضب:
– موضوع حبيبي دي هنتفاهم فيها بعدين !، وبعدين قوليلي هنا… هيبقوا قلقانين عليكي منِّي أنا؟، أنا….،أنا جوزك يا منة؟!، وأنا ما كنتش قلقان وهتجنن من خوفي عليكي كمان في الفترة اللي فاتت دي كلها؟!، انت ليه #مصرّة تعذبينا؟، انت فاكرة أني هصدق انك كرهتيني بالسرعة دي؟، اللي يحب عمره ما يكره يا منة..، وانا محفور جواكي تمام زي ما انت محفورة في قلبي وبتجري في دمي، ولا أي حاجه عمرها هتقدر تمحينا من جوّه بعض…
منة بحزن وقد هاجمتها الدموع ولكنها جاهدت كي لا تذرفها أمامه:
– الوشم بيروح بماية النار يا سيف، ووشمك اللي في قلبي انت حرقته زي ما حرقت قلبي تمام بعملتك دي !!..
سيف بذهول وخوف من فقدانها:
– لا يا منة ما تقوليش كدا، أحلفلك بإيه إني عمري ما حبيت ولا هحب حد غيرك، كلمة بحبك دي عمرها ما طلعت الا ليكي إنتي..، ارحميني حبيبتي أرجوكي، أنا مش عارف أعيش من غيركم، البيت وحش اوي من غير هَنا وفرح وشقاوتهم، البيت كئيب جدا من غير ضحكتك اللي بتنوره يا منة، اطلبي مني أي حاجه الا انك تسيبيني، مش هينفع، لو وافقتك يبقى بأنتحر!، وأنا مش ممكن أنتحر….
حاولت منة الافلات من بين يديه وهى تئن بينما خانتها دموعها التي بدأت تسيل في صمت:
– مش هينفع يا سيف، صدقني، هيفضل اللي حصل بيننا، مش هقدر أنساه، انت فاكر إني مبسوطة وبضحك وسعيدة؟، لا يا سيف… اللي حصل في دماغي، بفتكره كل ثانية، اللي شوفته عمره ما راح من بالي، لدرجة اني بئيت أدعي ربنا اني أفقد الذاكرة علشان أنسى، لأني لو ما نسيتش هتجنن يا سيف، هتجنن!!..
وشهقت عاليا لتنخرط ببكاء حار جعله يحتضنها معتصرا اياها بقوة ساندا وجنته الى شعرها بينما اختلطت دموعهما سويّة فلأول مرة في حياة سيف تعرف الدموع طريقها الى عينيه، وهو المتبجح دائما أنه ما من سبب يدفع الرجل الى البكاء مهما كان هذا السبب قويّا !، ولكنه لم يعلم وقتها أن #حبّه سيجعله يبكي بدلا من الدموع دماً في سبيل ألا يتركه نصفه الآخر، فعشقه لمنة عشق سرمدي لا نهاية له ولا سبيل له للفكاك منه…، بل إنه لا رغبة لديه أساساً في التحرر من قيْد هذا العشق اللاهب !!….
أبعد سيف منة عن صدره قليلا محتضنا وجهها بين راحتيه ماسحا بإبهاميه دموعها التي تغرق وجنتيها بينما هدأت عاصفة بكائها قليلا، تحدث سيف بصوت مشروخ من شدة الحزن:
– أنا آسف، لو قعدت أعتذر لك من هنا لغاية سنة كمان مش هيوفِّي ، انا مستعد أقعد اعتذر لك عمري كله، لكن ما تبعديش عني، انت اكتر واحده عارفة أنا بحبك وبغير عليكي قد ايه، منظرك وانتي قاعده مع ابن خالتك خلّا الدم ضرب في نافوخي، كويس اوي اني قدرت امسك نفسي وما ارتكبتش جناية فيه !!…
نظرت اليه منة بحزن معلّقة بجمود:
– شوفت انت جرالك ايه من مجرد قاعدتي مع ابن خالتي في مكان عام ومعايا اخويا كمان!،.. اومال أنا بقه اعمل ايه؟، لسه صوتكم في وداني يا سيف، الكلام اللي قلتوه، المناظر المقززة اللي أنا شوفته، أنا… مايتهيأليش إني هقدر أنسى !!…
اجاب سيف بصوت متحشرج:
– انت مش بتدي فرصة لنفسك انت تهدي حتى شوية، انا غلطت واعترفت وربنا بيسامح، إديني فرصة واحدة بس ، مش ممكن كل اللي بيننا يتهدّ وحياتنا كلها تضيع علشان غلطة واحده بس!، ارجوكي يا منة… ما تهديش حياتنا… ، ما تخليش بناتنا يدفعوا تمن غلطة ابوهم، افتكري يوم واحد بس من ايامنا سوا، مافيش حاجه خالص عملتها تخليكي تساميحني؟، حبي ليكي ولبناتنا ما يشفعليش عندك؟؟….
اجابت منة وهي تسلط نظراتها على نقطة وهمية أمامها متحاشية النظر الى عينيه اللتان تطالعانها بلهفة وشوق:
– الموضوع مش سهل يا سيف، زي ما قلت لك قبل كدا، الست دي ممكن فعلا دلوقتي تبقى مراتك….وانا مش ممكن أقبل انه يكون لي ضُرّة فما بالك لما تبقى واحده أقل حاجه تتقال عنها انها بنت ليل!، مافيش واحده بتبقى عاوزة تخرب بيتها بإيدها، لكن لما الاحساس بالأمان يضيع، ..رفعت عينيها اليه تطالعانه بنظرات وخزت قلبه وهي تتابع بحزن:
– لما الشك يبتدي يدخل حياتنا ويتحكم فيها، تبقى الحياة مع الحالة دي ساعتها مستحيلة!، أنا عارفة كويّس أوي ان الشّك هيملاني في كل كلمة هتقولها وكل حاجه هتعملها، صدقني أنا كدا بنقذ الباقي من حبنا ومن ذكرياتنا الحلوة، قبل ما تتحول بالشك والغيرة لذكريات مؤلمة والحب يتقلب لكره!….
همّ سيف بالرد عليها عندما قاطعه رنين هاتفه الشخصي هذه المرة، رفع محموله ليطالعه رقم شقيقته، عقد جبينه بارتياب وأجاب :
– ايوة يا سمية، ازيكم يا حبيبتي…
لتتكلم سمية من وسط شهقات بكائها بحزن طاغ:
– إلحجنا يا سيف يا خويْ، منعم جوز سلمى طردها بعيالها من البيت، وجال كلام واعر جوي عليك…
سيف بتساؤل وحدة:
– انتي بتقولي ايه؟، يطردها ازاي؟، وكلام ايه دا اللي بيقوله؟؟
انتبهت منة لكلام سيف فأنصتت باهتمام في حين تابعت سمية من وسط بكائها الحار:
– بيجول انك ماشي مشيْ بطّال في #مصر، وان مرتك فاتتك بعد ما …….، زجرها سيف لتتابع:
– ما إيه ما تنطقي يا سمية؟…،سمية بخجل وحزن:
– بعد ما شافتك مع واحده تانية، والمصيبة انها متزوجة!!..
صرخ سيف بدهشة:
– ايه؟، انتي بتقولي ايه؟..
سمية بخوف:
– مش أنا اللي عن بجول يا خويْ، البلد كلاتها بتتحدت في الحديت ديِه، ويا ريتها جات على جد سلمى ومنعم بس!!..
قال سيف آمرا بقوة بينما قلبه يطرق بخوف بين جنبات صدره:
– ايه اللي حصل تاني يا سمية؟..وابويا الحاج سكت لمنعم إزاي؟!….
صمت رهيب قابله من الناحية الاخرى جعل قلبه يوشك عن التوقف عن العمل قبل ان تجيبه شقيقته بصوت مجهش بالبكاء:
– هُوَّ دِه السبب اللي خلاني أتصلت بيك يا سيف يا خويْ، بوي وجع من طوله يا سيف، واحنا دلوكيت في المشتشفى والدَّكتور بيجول ان حالته وعرة جوي، ابوس يدك يا سيف تيجي بسرعة، انا خايفة أحسن بويْ يـ…..، .. وسكتت لم تستطع لفظ الكلمة لتتابع بعدها بنحيب عال حتى أن منة قد سمعت صوت صياحها :
– و أُومَايْ ما بطلتش بُكا من وجْتها..
وانخرطت في بكاءها الحار، انتظر سيف قليلا ليستطيع استيعاب هذه الأخبار السيئة ثم تحدث محاولا بثّ الهدوء في نفسها:
– اهدي يا سمية، اهدي يا حبيبتي، انا جاي حالا، مسافة السكة هكون عندكم..
انهى المكالمة ونظر الى منة وهو يقول بينما اعتلى الشحوب وجهه حتى غدا يحاكي شحوب الموتى:
– أبويا يا منة..، قطبت منة في انتظار سماع باقي عبارته،
نظر سيف اليها متابع بينما يحارب عبراته التي غزته بقوة:
– ابويا بين الحياة والموت يا منة، ربنا بياخد لك بحقك وبأسرع مما تتصوري…
شهقت منة واضعة يدها على فمها خوفا وقلقا على هذا الصّرح الشامخ والد سيف والذي كان دائما يغدق عليها بحبه ورعايته ويقف بالمرصاد لأي شيء أو أي شخص يكون السبب في اصابتها بحزن أو سوء حتى وان كان هذا الشخص.. حماتها.. زوجته نفسها!!…
تحدثت منة بخوف متقطع:
– عمّي !!، وافقها سيف بهزة من رأسه بينما انهمرت الدموع تغطي وجهها ولسان حالها يقول بينها وبين نفسها:
– مش قلت لك يا سيف، اللي حصل كارثة بجميع المقاييس، وربنا يستر من اللي جاي !!…

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة الثالثة عشرة”

نظرت منة الى ابنتيها الغارقتين في النوم على المقعد الخلفي للسيارة، رنت بطرف عينها الى سيف الذي كان يتطلع الى الطريق بنظرة جامده وجبين معقود،وقد اعتلت سيمات التجهّم والقلق وجهه….، كتمت تنهيدة عميقة وأسندت رأسها الى زجاج النافذة بجوارها وقد شردت في احداث السويعات الاخيرة منذ تلقي سيف نبأ سقوط والده فريسة المرض وعودتهما سريعا الى والديْها واللذان ما إن علما بما حدث لوالده حتى أصرّا على ان تسبقهما منة مع زوجها وأن يبلغوهما بالأخبار أولا بأول، على أن يلحقوا بهم ما ان تستقر حالته الصحية، فكما اخبرهم سيف الزيارة ممنوعة تماما بأمر الطبيب المعالج…..، تذكرت منة كلمات والدها الاخيرة لها حين انفرد بها قبيل مغادرتها مع سيف، حيث ربّت على كتفها ناصحا لها:
– منة حبيبتي، انسي دلوقتي أي خلاف أو زعل بينك وبين جوزك، لازم تكوني معاه في وقت زيّ دا، أهله ناس كويسين وماشوفناش منهم أي حاجه وحشة لا سمح الله، وحماكي الحاج عبدالهادي بيحبك وبيعتبرك بنته الخامسة، لازم يشوفوكي معاه، أنا متأكد ان وجودك جنبه في الظروف دي هيسرّع من شفاء عمك بإذن الله، لأنك على ما حكيتيلي سبب اللي حصله انه عرف باللي ابنه عمله، يبقى وجودك معاه هيفرق مع الحاج عبدالهادي كتير…
أومأت منة برأسها موافقة وقالت بهدوء:
– اطمن يا بابا، بنتك هتتصرف زي ما ربيتها بالظبط، انا بنت ناس يا بابا وعارفة ان بنات الناس في محنة زي دي لازم يسدّوا فيها، واي خلافات أو مشاكل تتأجل لبعدين!!…
عادت منة من شرودها على صوت استيقاظ ابنتيها اللتان تساءلتا عن موعد وصولهما فأجابت بابتسامة صغيرة:
– قرّبنا حبايبي خلاص، ……خدوا اشربوا العصير دا وكلوا الساندوتشات اللي عملتها تيته، اكيد انتو جعانين دلوقتي…
فتحت الحقيبة البلاستيكية التى بحوزتها وناولت ابنتيها علبتي عصير وبعض الشطائر الخفيفة والتي سبقت أن أعدتها أمها لها، ألقت بنظرة خاطفة الى سيف ثم مدّت يدها اليه بشطيرة وعلبة عصير، نظر اليها بلمحة سريعة ثم أعاد انتباهه الى الطريق قائلا بجمود:
– ماليش نفس يا منة، كُلي إنتي والبنات…
لم تستطع منة التزام الصمت وأصرت عليه قائلة:
– ماينفعش يا سيف، انت من امتى ما اكلتش؟، لازم تاكل علشان تعرف تقف على رجليك وتصلب طولك، والدتك واخواتك محتاجين لك، ووالدك اكيد محتاجك جنبه دلوقتي..
رماها بنظرة سريعة قبل ان يتساءل بهدوء:
– وانتي يا منة؟، تطلعت اليه بحيرة فتابع:
– محتاجالي؟!…، لم تُحِر منة جواباً ففضلت الصمت، في حين زفر سيف زفرة عميقة ثم مد يده اليها متناولا الشطيرة ليقضمها فيما فتحت له علبة العصير ليحتسيها، أشار اليها برأسه مغيِّراً سير الحديث:
– وانتي.. مش هتاكلي؟!….، نظرت اليه منة بتردد ولكنها رحبت بتغييره للموضوع وأومأت مجيبة وهي تقضم شطيرتها بوجوم وشرود !!…
وصلوا بعد رحلة قاربت الخمس ساعات، اتجهوا رأسا الى المشفى حيث والده، وكان قد علم عنوانها من سمية شقيقته عندما هاتفها وهم في الطريق الى البلدة….
صعد سيف الى الطابق حيث غرفة الرعاية المركزة بعد أن سأل في استقبال المشفى الخاص ، يرافقه زوجته وابنتيه…، ما ان وصلوا الطابق المنشود حتى علمت منة أنه الطابق الصحيح، فقد شاهدت عددا غفيرا من الرجال يتجمع في ممر الطابق، ولاحظت تواجد شقيقات سيف اللاتي يجلسن بجوار والدتهن المتشحة بعباءتها السوداء بينما يلتف وشاحا أسود اللون حول رأسها، وتجلس مطأطأة برأسها الى الأسفل بينما تضع يدها على رأسها ومنظرها يوحي بحزن قوي…
اتجه سيف الى والدته تتبعه منة تمسك بيديْ ابنتيها، انتبه لحضوره الموجودون، فسارعوا بالقاء التحية عليه، احترمت منة طريقة استقبالهم لسيف، فمع أنه مؤكد أنهم يعلمون ولو بضع معلومات بسيطة عن سبب سقوط كبيرهم صريع المرض، ولكنهم لا يملكون سوى احترام الإبن، فهو ابن كبير بلدتهم، وأمره فيهم مُطاع، واحترام ولده من احترامه هوَ ….
مال سيف على رأسه أمه مقبلا اياها ، انتبهت زينب لحضورها وحيدها، تعلّقت برقبته ووقفت فسارع باحتوائها بين ذراعيه بينما أجهشت هي ببكاء مرير يقطّع نياط القلب وهي تنتحب قائلة:
– شوفت اللي حوصل يا سيف يا ولديْ؟، بوووك وِجِعْ مرة واحدة يا وَلَدِي ، أنا مَجَدِرشْ أصدِّج لِدِلْوَكْ اللي حوصل!!…
ربّت سيف على رأسها مهدئاً إيّاها وهو يقول راغبا ببعث الطمأنينة في نفسها، طمأنينة هو أبعد ما يكون عنها:
– أطّمني يا أمي، الحاج هيقوم منها ان شاء الله….
التفّت شقيقاته حوله وهنّ يبكين، حتى سلمى كانت معهم والتي طردها زوجها بعدما علِم بأمر سيف، فهو شقيقهم الوحيد وعزوتهم، ولم يستطعن تصديق ما سمعنهن، بل هن على يقين من أن هناك سرّ مخفيّ وأن سيف سيزيح النقاب عنه ليضع كل فرد لسانه داخل فمه، وليعلم الجميع ان إبن عبدالهادي ليس من يقوم بهذه الافعال الشائنة المعيبة…
اقتربت منة جاذبة ابنتيها لتسلّم على حماتها التي بادلتها السلام بصوت مشروخ لكثرة البكاء، رحّب بها شقيقاته، وأفسحن لها لتجلس بجوارهن بينما تركهن سيف متجها الى غرفة الطبيب المعالج للوقوف على حالة والده تماماً….، ولكن سبقه الطبيب الذي قدم اليهم فسارع سيف اليه مستفسرا عن حالة والده، أجابه الطبيب والذي يعلم مدى أهمية هذا الرجل الذي يرقد بالداخل بالنسبة لهذه العائلة بل والبلدة أجمع، قال الطبيب بلهجة رسميّة وان تخللها بعض الشفقة:
– الوالد حالته حرجة أوي للأسف، الضغط ارتفع عنده أوي وهو دا سبب اللي حصل له…
سيف برجاء:
– أرجوك يا دكتور صارحني ، والدي عنده إيه بالظبط؟…
الطبيب متنهدا بعمق وهو يربت براحته على كتف سيف:
– للأسف، الوالد اتعرّض لأزمة قلبيّة حادة، احنا هنعمل قسطرة، وربنا يسهّل ونشوف نتيجتها هتبقى ايه، المهم انه مافيش أي انفعال من أي نوع، علشان كدا أنا مانع عنه الزيارة خالص، حالته ما تستحملش أي انفعال سواء زعل أو فرح..، ثم قطب متسائلا:
– صحيح، الحاج بيسأل على واحده من بناته، وما بطلش يندهْلها!!…
قطب سيف متسائلاً:
– مين من اخواتي يا دكتور؟
الطبيب بتلقائية:
– أعتقد.. منّة!، كان بينادي طول ما هو في نومه عليها!!…
شحب وجه سيف وأغمض عينيه بشدة ليفتحهما على اتساعهما محدّقا بقوة أمامه وهو يكرر عبارة الطبيب:
– منّة!!….، ثم التفت الى الطبيب مستفهما:
– هي ممكن تدخل له؟، سكت الطبيب قليلا ثم نظر اليه قائلا بهدوء:
– هو المفروض لأ، لكن بما انه ما بطلتش ينادي عليها من ساعة ما جِه فأعتقد انها ممكن تدخل له بس مش أكتر من 5 دقايق ويا ريت ما تتعبوش في الكلام، تدخل تبص عليه وبس..
اتجه سيف حيث منة وشقيقاته ووالدته وأشار لمنة التي قامت متجهة إليه بينما أخذت سميحة شقيقته البنتان قائلة أنها ستذهب لشراء الحلوى لهما من كافتيريا المشفى، سارت منة الى سيف ووقفت أمامه متسائلة:
– خير يا سيف فيه حاجه؟، نظر اليها سيف بغموض قبل أن يشيح برأسه مجيباً:
– الحاج عاوز يشوفك، وانا استأذنت من الدكتور انك تدخلي له 5 دقايق بس…
منة بدهشة وحيرة:
– وانت مش هتدخل معايا؟…
أشاح سيف بنظره بعيدا وأجاب بجدية تخللتها نبرة حزن وأسف:
– أنا بالذات مش لازم يشوفني دلوقتي خالص، انتي ناسية ان الدكتور مانع عنه الانفعالات؟!..
هزّت منة رأسها لأعلى وأسفل ، وتقدمته حتى غرفة الرعاية حيث أعطتها الممرضة المسؤولة كمامة للأنف لترتديها…..
تقدمت منة الى الداخل بينما انتظرها سيف خارج الغرفة، اتجهت الى الرجل الكبير الراقد فوق فراش المرض تحيط به الخراطيم ويوصل انبوب للتنفس بأنفه ، مدّت يدا ترتعش لتلمس يده الموصول بها الأنبوب المغذّي وترقرقت الدموع في عينيها، فهي لا تصدّق ان هذا الصرح الشامخ راقدا الآن أمامها فوق فراش المرض لا حول له ولا قوّة، مالت على ظهر يده لتقبلها وهى تقول بخفوت:
– ألف لا بأس عليك يا حاج، إن شاء الله أجر وعافية، وهتقوم لنا بالسلامة قريب بإذن الله….
ارتعشت جفونه قبل أن يفتحها بضعف فأضحت الصورة مهتزة أمامه، ثم تحدث بصوت بالكاد يخرج منه:
– منـ…منّة… بتِّي ، شهقت منة عاليا ورفعت رأسها لتطالعها عيناه المتعبتان وهما تطالعانها بوهن ، هتفت منة بصوت باكٍ:
– ألف لا بأس عليك يا حاج، ما تجهدش حضرتك نفسك في الكلام ، الدكتور طمّنا.. ان شاء الله خير ..
ابتسم عبدالهادي ابتسامة خفيفة وتحدث بصوت واهن متقطع:
– اللي يريده ربّنا هيكون يا بتِّي، أني عاوزك تسمعيني منيح، أني مش هسيّب حجِّك واصل، اللي عِمِلُه فيكي هرجَّعلك حجِّك منيِّه تالت ومتلَّت..
ابتسمت منة وقالت وهي تربت على يده:
– قوم لنا إنت بالسلامة الأول يا حاج، وبعدين سيف معملش حاجه، سيف ابنك يا حاج عمره ما هيعمل حاجه تزعلّك منه..
نظر اليها عبدالهادي نظرات لوْمٍ وعاتبها قائلا بصوته الضعيف:
– بتكدبي عليّ يا بتِّي!، إنت فاكراني مش هجدر أعرف إذا كان عِمِلْ صُح ولا معمِلشْ ؟!..
نظرت منة الى البعيد وهى تجيب داعية الله في نفسها أن يغفر لها كذبتها فهي لا تريد إلّا رأب الصّدع بين حماها وإبنه، وأن يشفى من محنته تلك، فهي ابدا لن تكون المعوَل الذي يهدم ترابط هذه الأسرة ويجعل قائدها ينهار كما حدث، اجابت منة بابتسامة صغيرة:
– يا حاج الكلام اللي وصلك وعرفناه من سمية دا مش مظبوط، قوم حضرتك بالسلامة واحنا هنفهمك كل حاجه، وعلى فكرة بقه سيف واقف برّه مقعدش من ساعة ما جينا، الخبر جالنا واحنا في اسكندرية وجينا على هنا على طول، وما ريّحش ثانية واحده في السّكة، ولما الدكتور سمح اننا ندخل هو رفض خاف عليك أحسن تنفعل لما تشوفه…
سأل عبدالهادي:
– انتو جيتو من اسكندرية مش من #مصر؟..
إلتقطت منة تردده وانتهزت الفرصة لتعضد كلامها السابق واجابت ببراءة مزيّفة:
– آه، احنا سافرنا يومين اسكندرية نغيّر جو، فرصة احمد اخويا هنا في اجازة، والخبر جالنا انهرده الصبح واول ما عرفنا جينا على طول، حتى بابا وماما كانوا عاوزين ييجوا معانا بس للاسف المشوار من اسكندرية لهنا طويل شوية وماما مش هتقدر تركب المسافة دي كلها ، بس أول ما ينزلوا القاهرة ان شاء الله هييجوا يسلموا على حضرتك على طول…
تقصدت منة أن تخبره برحلتهم الى الاسكندرية، فمعنى ذلك أن حياتهما سوية تسير بشكل طبيعي، بدليل سفرهم الى الاسكندرية بصحبة أهل زوجته، فلو كان ما سمعه صحيح لم تكن عائلتها لتسمح له بالاقتراب من ابنتهم ثانية، او الاجتماع بهم في أي أمر ، هي إذن لم تكذب!، بالفعل هي سافرت برفقة ذويها، وهو سافر بمفرده، ولكنها فقط خبأت عنه أن كلا منهما قد سافر بمفرده وان سفر سيف للاسكندرية كان بقصد اقناعها بالعودة اليه، كل هذا لا يهم ما يهم الان أن يشفى هذا الأب العظيم، وبعد ذلك لكل حادث حديث !!…
قطب عبدالهادي وتحدث في ريبة:
– الحديت ديه صُح يا بتِّي؟، انتو كلاتكم كنتو في اسكندرية سوا؟..
أقسمت منة قائلة:
– والله العظيم يا حاج، كلنا كنا في اسكندرية انا وبابا وماما واحمد ومراته وبنته ومعايا البنتين وسيف كمان…
ولم تستطع سوى قول ذلك، فهذه مهما كانت هي الحقيقة وهي لن تؤثم ، فهي لم تقسم بالله زورا وبهتانا، لقد أقسمت على تواجدهم جميعا في #الإسكندرية وهذا ما حدث بالفعل !!…..
تنفس عبدالهادي بعمق وأغلق عينيه وهو يعلّق بصوت ضعيف وان كانت الابتسامة قد ارتسمت على وجهه عميقا:
– ربنا يطمن جلبك زي ما طمنتيني يا بتّي، أجوم بس من وعكتي ديْ وأني أعرف مين إبن الفرطوس اللي جال الحديت العِفِشْ ديه على ولدي…
أجابت منة بابتسامة :
– انت بس شد حيلك وقوم لنا بالسلامة، واللي عايز تعمله كله اعمله، بس علشان خاطرنا، خلّي بالك من نفسك، يا حاج انت ضهرنا وسندنا، قوم لنا بسرعه يا حاج…
خرجت منة من غرفة الرعاية وأغلقت الباب خلفها لتستند بكتفها اليه وقد أغلقت عينيها زافرة بعمق إعياءاً ، انتبهت الى صوت سيف الهامس بجانبها ونبرة القلق تطغى على صوته:
– خير يا منة؟، طمنيني..
فتحت عينيها لتنظر اليه مجيبة بابتسامة شاحبة:
– الحمدلله، اطمن يا سيف، انا سايبه الدكتور معاه دلوقتي وان شاء الله خير ، عمي هيقوم لنا بالسلامة بإذن الله.
خرج الطبيب المعالج ونظر اليهما، ابتسم بأبوة وقال لهذا الشاب الذي لم يجلس دقيقة واحده منذ وصوله الى المشفى قلقاً على حالة والده الصحيّة:
– اطمّن، والدك تقريبا عدّى المرحلة الحرجة،…، نظر الى منة الواقفة تستند بضعف الى الحائط خلفها وتابع بابتسامة:
– تقريبا آنسة منة ليها الفضل بعد ربنا سبحانه وتعالى في تحسّن حالته الواضح دا، واضح جدا انه بيحبها أوي وتقريبا كلامها معاه الدقايق دي كان له مفعول السحر، اللي مقدرتش كل أدويتنا أو مُعدّاتنا تعمله هي بفضل الله عملته وفي اقل من عشر دقايق!!
نظر سيف الى منة بشكر وقال:
– أصل حضرتك متعرفش غلاوتها عندنا كلنا قد إيه، وهي بالذات ليها عند الحاج معزة خاصة جدا…
أومأ الطبيب موافقا وقال:
– واضح جدا، عموما تقدروا كلكم تروّحوا دلوقتي، مالوش لزوم قعدتكم كدا، وان شاء الله من هنا للصبح يكون مؤشراته الحيوية اتحسنت أكتر ونقدر ننقله أودة خاصة لغاية ما نحدد معاد القسطرة….
ثم استأذن منصرفا، في حين اقترب سيف من منة وهمس لها وهو يقف على مقربة منها مستندا بيده على الحائط بجوار رأسها:
– مش عارف أشكرك ازاي يا منة، انا معرفش انتي قولتيله ايه جوّه، بس اكيد حاجه خلّيت معنوياته ترتفع بالشكل دا، بجد أنا معرفش من غيرك كنت اعمل ايه!..
أشاحت منة بنظرها بعيدا وأجابت بهدوء:
– انت عارف ان عمي غالي عندي أوي، وعلى قد ما أقدر لازم أساعده انه يقوم بالسلامة، وفي الاول والآخر الشفا دا بإيد ربنا سبحانه وتعالى، واحنا كلنا أسباب…
همّ سيف بالكلام عندما قاطعه صوت والدته التي وقفت بجوارهم مستندة الى ذراع سميحة ابنتها من جهة وسمية من الجهة الأخرى تستفسر عن حالة زوجها ولماذا لم يدعها تدخل اليه كما فعلت منة، ليجيبها سيف أن حالة والده الصحية قد استقرت وأن الفضل في ذلك يعود الى منّة بعد الله سبحانه وتعالى، وأخبرها بضرورة عودتهم، وعدم جدوى بقائهم بالمشفى أكثر من ذلك، فوافقت بعد عناء كبير، ولكنها قبل ان تهم بالسير منصرفة، تركت يد ابنتها سميحة وأشارت الى منة قائلة بابتسامة حانية مترددة:
– ممكن أتسند عليكي يا بتِّي؟!!…
نظرت منة بدهشة الى حماتها تلك السيدة التي كانت حانية عليها أول الأمر ثم ما لبثت أن تبدّلت قليلا بسبب تأخر حملها أول الزواج، لتعود وتنقلب عليها ما ان رزقها الله ببنتيْن ولم تنجب ذكورا كما لم يحدث حمل آخر من وقتها، استغربت من هذه السيدة قوية الشكيمة والتي لم تكن تمتنع عنها الا بأمر من زوجها، هو الوحيد الذي كان يدافع عنها بل ويزجرها إن سمعها وهي تلقي اليها بكلمات جارحة، لم تكن منة أبدا تشتكي سواءا له أو لزوجها، بل كانت تلجأ في شكواها الى الله وحده، لم تكن تفصح عمّا يحزنها حتى لأقرب المقرّبين منها، ولا حتى لوالدتها نفسها !!…
ابتسمت منة وتناولت يد حماتها قائلة:
– انت تؤمري يا حاجّه، وإن شاء الله الحاج هيقوم لنا بألف سلامة….
امسكت حماتها بيدها وقالت لسيف:
– سيف يا وَلَديْ، بناتك هيرجعوا معانا في عربية فضل زوج أختك سميحة، وانت هات معاك سمية وسلمى وحصّلنا، بس لَوّل مشّي الرجّالة مالوش عازة وجفتهم إهنِه….
قطب سيف معترضا:
– طب ما أروحّكم أنا يا أمي وسمية وسلمى يركبوا مع فضل؟
نظرت اليه والدته قائلة بصوت منخفض ولكن بجدية تامة:
– البنات خلاص ركبوا مع فضل، وبعدين أنا عاوزة مَرَتَكْ معايْ أتسند عليها، اعمل زيْ ما جولتلكْ !!، وانصرفت زينب محاطة ببناتها تحت أنظار سيف المندهشة !!…
**************************************************
جلست زينب فوق فراشها تساعدها منة، كانت زينب قد صرفت بناتها كل واحده الى منزلها فيما عدا سلمى بالبطبع التي رافقت بنات أخيها تحت إلحاح من زينب لغرفتهما في الجناح المخصص لسيف، حيث تقوم بالاشراف على اغتسالهما تساعدها مهجة الخادمة، وقد أمرتها زينب بأن تهتم بإطعامهما فمنة متعبة ويجب عليها الخلود الى الراحة، اعترضت منة باديء الأمر ولكنها سرعان ما أذعنت تحت إصرار كبير من حماتها…
جلست زينب الى الفراش وهى تتنهد وطالعت منة التي وقفت بجانبها لترى إن كانت تريد مساعدتها في شيء آخر قبل أن تنصرف للاهتمام ببناتها فهي لم تعتد على أن يراعي شؤون بناتها غيرها…
ربتت زينب بيدها على الفراش بجوارها قائلة:
– تعالي يا بنيْتيْ، إجعُدي جاري إهنِهْ…
جلست منة حيث أشارت زينب التي نظرت اليها بابتسامة حانية قبل ان تتحدث قائلة:
– جَبْلْ أي حاجِّه أني عاوزة أشكرك و…أتأسف لكْ!..
شهقت منة معترضة:
– تتأسفي لي على إيه يا حاجة، ما فيش أم بتتأسف لبنتها، وبعدين أنا معملتش حاجه تستحق الشّكر!!..
ترقرقت الدموع في عيْنيْ زينب وهي تقول:
– كلامك دِهْ أكبر دليل إنك تستحجي الواحد يشيلك فوج راسه شيل….
اعترضت منة بشدة:
– حاجة لو سمحتيلي لو حضرتك فضلتي مصممة على حكاية الأسف والأعتذار دي أنا هقوم !..
ابتسمت زينب وقالت وهي تمسكها ما إن همّت بالنهوض بالفعل:
– استني بس، إصْبُريّ، ما تُبْجيشْ حنبليّة إكدِهْ……
انتظرت حتى جلست منة ثانية قبل ان تواصل حديثها وهى تلتفت اليها بكليّتها:
– يا بتّي اللي غُلط لازمن يعترف بغلطه، وما تجاطعنيش، سيبيني أجول اللي في نفسي..، قالت هذا عندما شاهدتها تحاول مقاطعتها، أذعنت منة بالموافقة مومئة بصمت فأكملت زينب حديثها:
– أولا.. أنا سمعت الدَّكتور وهو بيجول أن الحاج صحته اتحسّنت بعد ما دخلتي عنديه، علشان إكده لازمن أشكرك، أنا متوكدة إنك جولتيله حاجه عن اللي حوصل وكان السبب في اللي جراله، دي حاجِّه، الحاجّه التانية اللي لازمن أجولها، إني غلطت في حجّك لما كنت بلجّحْ عليكي بالكلام في الرايحة والجاية، وانت عمرك ما رديت عليّا بحرف واحد، حتى عمرك ما حكيتي لجوزك، لأنك لو كنت جولتيله كان لازمن هيفاتحني ويعاتبني، ولدي وأنا عارفاه زين، ميعرفش يداري اللي في جلبُه، الوحيد اللي كان بيسمعنا بالصدفة كان عمك الحاج، وهو اللي كان ياما بيزعل منّي ويجولِّلي بكرة تندمي يا زينب على حديتك الماسخ دِيه مع بنت االناس، لما تعرفي معدنها صُوح تمام زي ما أني جَريتْها من أول مرة شوفناها هي وأهلها فيها، ربّك والحاجْ أنا كنت بغير منِّيكي !!..، طالعتها منة بدهشة وتساؤل فتابعت زينب اعترافها بخجل:
– ما هو أصلي حاسيت إنك أخدتي ولدي منّي، ومش بس إكده لا وزوجي كُمَانْ !!، لما كنت بتكلم مع سيف على انكو إتأخرتوا في الخلفة كان بيجفِل الكلام في ساعتها ويجوللي أنا مبسوط معها وان ربنا راد عطانا من فضله، دِيه كرم ربنا سبحانه وتعالى، ما رادشْ يبجى ديِه نصيبنا من الدنيا وأني راضي بيه، أي حاجه تهون إلا أن منة تبعد عنّي !!، عارفة وجتها كنت بحس بنار بتجيد فيّا ، جَدْ إكدِهْ وَلَدِيْ بيحبك وبيخاف على زعلك وكل مرة لازمن يأكد عليّا ماجبلكيش سيرة الموضوع دِيه واصل!، ولما الحاج سمعني في مرة بعد ما ربنا عوّضك بهَنا وفرح وأني بجولك أنك لازمن تخاويهم بولد علشان يشيل اسم العيلة من بعد أبوهم بعد عمر طويل يا رب، سَمَّعني كلام جامد جوي، كان بيجول الولاد دول عطيّة ربنا، انتي هتدخلي في رزج ربنا لولدك؟!، ولما جولت له أن الشرع محلل للراجل مش بس واحده لاه… أربعة كمان، جالي تجدري تتوكدي كيف إنه برضيك هيجيب ولاد؟، ما يمكن خلفته تكون كلاتها بنات !!، وجتها كنت بسمع من ودن وأطلع من التانية، لغاية ما عرفنا بحكاية سيف وإنه أتزوج عليكي ، وجتها أني مافهمتش هو ليه الحاج إتعصب جوي إكده، وجولت له حجُّه يتزوج علشان الوِلد!!، وجْتها صرخ فيّا جامد وجالي ابنك جاب لنا العار وحط راسنا في التراب، يا ريتني ما خلفته، يا ريت خلفتي كانت كلاتها بنات، هوّ دِيه الوِلد اللي أنت عاوزاه لولدك؟، الوِلد اللي يجيب لأهله العار يُبجى جلِّتُه أحسن !!، و….وِجِعْ في لحظتها، جريت عليه ابكي وأنوح وخصوصي كمان لمان سلمى جات لنا.. الناجِص منعم زوجها طردها بعيالها من البيت، هو ديِه كمان اللي خلاه يتعصب ويتنرفز بزيادة وجِه كلامي معاه غطّى ووطّى، بصي يا بتّي أنا معرفاش إنتي جولتي إيه للحاج، ومافهماش ايه اللي حوصل بالظبط من سيف ولديْ، لكن اللي حاسّاه إنه عمل حاجه وعرة جوي، صوح ولا لاه؟…
لم تستطع منة الانكار، والتزمت الصمت بينما بدأت عيناها تسبح بالدموع، ربتت زينب على يدها الموضوعه في حضنها وقالت بلهجة حانية:
– منة يا بتّي.. يشهد ربنا إن غلاوتك زادت في جلبي، وانك بجيتي كيف بناتي الاربع وأكتر، أني عاوزاكي تصارحيني بكل حاجه، واطمني الحديت اللي بيننا دلوكيت مش هيطلع لحد واصل ولا للحاج ذات نفسيه، بس لازمن أعرف ابني عمل إيه؟!، يمكن الكلام اللي جولتيه للحاج صدّجُه، لكن انا ستّ يا بتّي، والست ما تفهمهاش غير ستّ زيّيها، واني إحساسي بيجولي إنك موجوعه من جواتك!، علشان إكده لازمن أعرف كل حاجه…
لم تستطع منة التزام الصمت أكثر من ذلك أمام حنان حماتها، فهي لم تتحدث مع أيّ كان في هذا الأمر حتى والديْها إكتفت بما علموه من شقيقها، ولكنهم لم يفاتحوها في هذا الأمر خوفا عليها من تذكيرها بما لن تنسَه يوما !!، نظرت الى زينب وقالت ودموعها بدأت تسيل بصمت :
– هحكيلك يا حاجة، لأني بجد تعبت أوي، وفعلا أنا موجوعه أوي أوي… قلبي وجعني أوي يا حاجه، أوي….
وطفقت منة تروي لحماتها كلّما حدث منذ لحظة اكتشافها خيانة سيف لها حتى وقتها هذا….
احتضنت زينب منة بين ذراعيها والتي انخرطت ببكاء حار بعد انتهائها من سرد حكايتها، ربتت على ظهرها وهي تقول بحزن:
– إبكي يا بتّي، لو البُكا هيريّحك إبكي…
منة من بين دموعها المنهمرة كالشلال وشهقات بكائها الحار بصوت متقطع من شدة البكاء:
– مش.. مش عارفة .. أعمل… أعمل إيه؟، تعبت… تعبت والله..، لا أنا قادرة أنسى ولا أنا قادرة أسامح وأصفى ، وبردو مش عارفة أعمل ايه، بناتى صعبانين عليّا ونفسي صعبانة عليّا أكتر!!، أعمل ايه .. شوري عليا أعمل ايه؟!!..
قالت زينب وهي تشاطر منة بكائها رغما عنها:
– بس يا بتّي بس، كفاياكي بُكا يا ضنايا، جومي إغسلي وشِّك بشويَّة مايَّة إهنه في الحمام اللي جصادك ديه وبعدين تعالي وأني هجولك نعمل ايه…، ورغبة منها في التخفيف عن منة قالت بمزح خفيف:
– عمك الحاج واحنا بنجدد الصرايا، صمم إنه يعمل زيْ حداكو في البندر، حط في كل دار حمام ، وجالي – وضخّمت صوتها مقلّدة زوجها – هُمّا بتوع البندر يا زينب أحسن منينا في إيه…، جومي يا بتِّي جومي …
ابتسمت منة من وسط دموعها وقامت لتغسل وجهها، ثم عادت ثانية وجلست بجوار حماتها التي تحدثت بهدوء:
– لوّلْ انتي لساتك رايدة سيف ولدي ولا لاه؟، وجبل ما تجاوبي، انسي أي حاجه تانية، جلبك لسّاته رايده؟!…، نظرت منة الى أسفل وأجابت بألم:
– لو كان قلبي كرهه ما كنتش اتوجعت منه أوي كده، ما كنتش لسه على ذمته…
ابتسمت حماتها وأجابت :
– حلو جوي، ثم تابعت بهدوء:
– اسمعي منّي بجه وشوفي هنعمل فيه ايه…، اعترضت منة قائلة:
– أنا مش عاوزة أعمل ولا أسوي، أنا عاوزاه يسيبني أنا وبناتي في حالنا، يا حاجه اللي سيف عمله مش شويّة !!…
قالت زينب بجدية:
– منة يا بتي… اللي هجولهولك ديه مش علشان مَرَتْ ولديْ، لاه.. لو كان اللي حُصلّكْ ديه حُصُل لحدا من بناتي كنت هجولها نفس الكلام ، ما تخربيش بيتك يا بتّي، ما تسيبيش واحده ولا تسوى في سوج الحريم معدن تخطف زوجك منّك، بالعكس إنت تمسكي في زوجك بإيديكي وسنانك وفي نفس الوجت تاخدي بحجّك منه تالت ومتلّت !!..’، بس لوّل في حاجه مش فاهماها!!..
تطلعت منة اليها وهى تمسح وجهها براحتيها وسألتها:
– حاجة إيه دي؟..
أجابت زينب في حيرة:
– الكلام اللي طلع عنْدِنا إهنِه أنه مشي مع واحده متزوجة، لكن إنتي بتجولي انه عرفها عن طريج السوخام اللي اسمه البت ولا النت ديه، يُبجى اتزوجها كيف طالما هو عمره ما شفهاش ولا جعد معاها؟، ايه زواج بالمراسلة؟!!..
ابتسمت منة بكآبة وقالت:
– تمام يا حاجه، هو دا، زواج بالمراسلة!!..
تساءلت زينب في حيرة أكبر:
– معلهش يا بتّي ما تواخذنيش، يُبجى خانك كيف وهو بالمراسلة؟، ازاي اتجوزها ؟..
سكتت منة ولم تعلّق في حين تابعت زينب متمتمة بحيرة كأنها تخاطب نفسها:
– الله، اتزوجها كيف وكيف خانك، ومنين بيجولوا انه لهم تصاوير على المخروب ديه؟، تاجّي إزايْ ديْ؟!!..
وطالعت منة في حيرة التي أشاحت بنظرها بعيدا ولم تُحر جوابا فهي لا تعلم كيف تشرح لها خيانة ابنها لها وما فعله بـ…..المراسلة، كما سبق وقالت!!…
قالت زينب عندما لم تجيبها منة على تساؤلها:
– عموما، ديه مش موضوعنا، انت تجومي دلوكْ تروحي دارك وتتسبحي، وأني هخلي سلمى تبعت لك الوكل مع مُهجة، أما بجه الباشي مهندز… فأني هعرفك ازاي تربيه من أول وجديد…، وارتسمت ابتسامة مكر على شفتيها ومالت على أذن منة تهمس لها بخطتها مما جعل منة تحمر خجلا و…..حماساً!!..
**************************************************

الحلقة الثالثة عشرة”ج2

اطمأنت منة على بناتها في غرفتهما الملحقة بالجناح الخاص بهم، وقد طمأنتها مهجة التي أتت اليها بالطعام بناءا على أمر سيدتها أن البنتيْن قد تناولوا طعامهم قبل أن يخلدا للنوم، تمتمت منة بالشكر قبل ان تنصرف مهجة التي أخبرتها أنها قد قامت بترتيب الثياب في خزانةالملابس….
اتجهت منة الى الحمام الملحق بالغرفة فقد كانت مجهدة لأقصى مدى، لم يخطر ببالها السؤال عن سيف، فلا بد أنه مع الأُناس اللذين حضروا للسؤال والاطمئنان عن صحة كبيرهم، وهي تعلم تماما أنه لن يأتي قبل وقت طويل، ففي المرات التي كانت تأتي فيها بصحبته، لم تكن تراه إلّا لماماً، فقد كان معظم وقته يقضيه في الاستراحة الخاصة التي شيّدها والده للقاء الناس وقضاء حاجاتهم…
توجهت الى الحمام وملئت المغطس بالماء الدافيء،وقد وضعت به بعضا من صابون الاستحام الخاص بها والذي جلبته معها، ثم رقدت في المغطس لتزيح عن كاهلها تعب اليوم، وتحاول الحصول على بعض الراحة الجسمانية والنفسية…
بعد مضي ما يقرب من النصف ساعه شعرت ببرودة المياه من حولها، فقامت وأكملت اغتسالها بالمرشّة مزيلة بقايا الصابون من شعرها وجسمها ، ثم أغلقت المياه وقامت بتجفيف نفسها بالمشنفة العريضة وارتدت مئزر الحمام الخاص بها، ثم خرجت لتكمل ارتداء ثيابها حينما تفاجئت بـ….سيف يقف مديرا ظهره لها والذي التفت على صوت شهقتها المكتومة!
طالعها سيف مليّا من أعلى رأسها المكلل بخصلات كستنائية تنسدل حتى نهاية خصرها يقطر منها الماء، حتى قدميها الحافية التي ظهرت من أسفل رداء الحمام، جمعت منة طرفي رداء الحمام بيدها وقد انتبهت انها لا ترتدي سواه، أخفضت نظرها الى أسفل وقالت وهى تحاول الابتعاد من أمامه بصوت خرج مهزوزا بالرغم منها كيف لا وسيف يقف أمامها لا يرتدي سوى سرواله فقط بينما نصفه العلوي عارٍ تماما وتلمع عليه قطرات الماء التي تدل على أنه قد قام بالاغتسال هو الآخر في الحمام الخارجي الملحق بالجناح !!…، قالت منة بصوت يرتعش:
– عن… عن إذنك، عاوزة أغيّر هدومي…
اقترب منها سيف وتحدث بصوت أجش بينما تسمّر نظره على شعرها الذي يخفي وجهها تقريبا :
– ما تغيّري يا منة، هو أنا مانعك؟!…
رفعت نظراتها اليه مجيبة بغيظ وقد احمر وجهها خجلا و.. غيظاً:
– لا… بس المفروض تخرج برّه علشان أعرف آخد راحتي!
تحدث بابتسامة مستفزّة وهو يميل عليها بوجهه حتى ضربت أنفاسه الساخنة صفحة وجهها القشديّ :
– أنا جوزك يا منة، ها…. جووووزك!، وشدد على لفظة زوجك ثم تابع:
– أعتقد انه مافيش بين الأزواج.. إحراج !!..
تحدثت منة من بين أسنانها وهى تبعد بوجهها عنه ولكن لم تستطع منعه من شمّ رائحتها المحملة بعبير الزهور الممتزج برائحة الصابون الذي استعملته لتكوّن مزيجا عطريّا مثيرا يكاد يسلب سيف رُشده، لم تنتبه الى تغيّر تنفس سيف وتحدثت بغضب:
– بس أنا مقدرش أغيّر قودامك، واتفضل بقه يا تخرج يا إما هاخد هدومي وأدخل أغير في أودة البنات !!…
امتدت يديْ سيف وكأنها تملك إرادة خاصة بهما فقط وحاولتا جذبها اليه بينما تحدث بصوت متهدج:
– خايفة مني ولا مكسوفة يا منة؟، لو خايفة يبقى مالكيش حق انتي عارفة أني عمري ما هعمل حاجه تخوّفك منِّي، لو مكسوفة ، يبقى بردو مالكيش حق، أنا وأنتي واحد يا مُنايا !!…، ثم مال عليها محاولا تقبيلها بينما حاولت هي التملّص منه هاتفة بشدة:
– سيف، سيف مش هينفع اللي انت بتفكر فيه دا، انت ناسي أني طالبة الطلاق، ومجيّتي معاك بس علشان عمي ربنا يشفيه؟!..
وكأنها سكبت فوقه دلوا من الماء البارد، ارتد الى الخلف وقست يداه الممسكتان بذراعيها ونظر اليها نظرة سوداء قائلا بغضب يلمع في فحم عينيه المشتعل:
– أنا حذرتك كم مرة قبل كدا إنك تجيبي سيرة الطلاق دا؟، لكن واضح انك مش بتتعلمي!، مافيش غير طريقة واحدة بس تخليكي تتأكدي أني مش ممكن أسيبك أو تكوني لحد تاني غيري !!، قطبت بحيرة وتساؤل وقبل أن يتثنى لها أن تستفهم منه عمّا يعنيه، انقض عليها ملتهما شفتيها بقبلة أودعها غضبه وشوقه وغيرته، فهو أولاً وأخيراً رجلٌ عاشقٌ حتَّى النّخاع، وبين يديه حبيبته التي تستفز رجولته لكي يثبت لها بما لا يدع مجالا للشك أنه الوحيد الذي له كامل الحق فيها سواء روحا أو جسدا، فقد ختم قلبها وجسمها بصك ملكيته، ملكيةٌ أبديَّة لا سبيل لحلِّها مهما كان !!….
حاولت منة الفكاك من قبضته التي كانت تزداد قوة كلما زادت محاولتها للافلات منه، كانت كما العصفور بين مخالب نسر جامح، حتى شعرت بأن سيف قد تمادى إذ عبثت يده بعقدة رداء الحمام الذي أوشك على السقوط عنها فانتفضت بقوة بين ذراعيه ولم تجد بدّا من ركله بقوة في قصبة ساقه فتركها فجأة لاعنا من بين أنفاسه الهوجاء، حتى أنها تماسكت بصعوبة فقد كادت أن تسقط أرضاً ، نظرت اليه وهي تعيد ربط عقدة ردائها بإحكام وأشارت اليه بسبابتها قائلة وهي تلهث بينما تحمل شفتيها المنتفختيْن علامات إكتساحه لها! ، قالت لاهثة:
– بقولك ايه يا سيف، دي آخر مرة تحط إيدك عليّا، المرة الجاية هعملك عاهة مستديمة كل ما تشوفها تفتكر سببها فما تقرّبش منّي!..
ابتسم سيف من وسط ألمه وقال وهو يقفز على قدم واحدة مقتربا منها بينما تبتعد هي الى الخلف ناظرة اليه بريبة:
– أنا راضي بأي حاجه تيجي منّك، العاهة اللي هتعمليهالي هتكون علامة منك هتفضل معايا لحد ما أموت!، وإطمنّي يا مُنايا، أنا فدائي ، مش عبد الحليم بيقول قد مات شهيدا يا ولدي من مات فداءا للمحبوب؟!، أهو أنا راضي أني أفديكي بروحي ودمي، وبُعاد عنك مش هبعد!، انت مراتي وأنا بقولك من دلوقتي أهو ، أنا مش هجبرك على حاجه، لكن الأمر ما يمنعش أني أروي نفسي كل شوية كدا بحاجه بسيطة، لكن أنتي مسموح لك تعملي اللي انتي عاوزاه!!..
تخصّرت واضعة يديها في وسطها وسألت بريبة :
– يعني ايه بقه إن شاء الله مش فاهمه؟، ليجيبها وقد اقترب منها حتى وقف على بُعد إنشات قليلة:
– يعني عاوزة تقرّبي، تحضني، تبوسي ، تـ….، شهقت منة عاليا وسارعت بوضع يدها على فمه مانعة اياه من المتابعة وهي تقول بحنق وغضب من بين أسنانها المطبقة:
– أنت سافل ووقح وقليل الأدب يا سيف، وفعلا المفروض إني ما أقفش أسمع كلامك السافل دا، وتركته بعد أن رمته بنظرة زاجرة جعلتها أشبه بمعلمة المدرسة التي تنهر تلميذا لديها قام بفعل شائن!!…..
تعالت ضحكات سيف بينما اتجهت منة الى خزانة ثيابها وتناولت أول شيء وقع عليه يدها فيما تعالت طرقات خفيفة سمعا بعدها صوت مهجة يخبر سيف بوجود زوّار في الاستراحة الخارجية، أخبرها سيف أنه سيلحق بها، ثم أعاد انتابهه الى منة وقال بمرح وهو يغمز بمكر:
– للأسف هضطر أنزل للضيوف، كنت عاوز أحاسبك على الضربة اللي ضربتهالي دي، وأعرفك يعني أيه قليل الأدب اللي قولتيها علشان تتأكدي أني في غاية الأدب معاكي، لكن الجيّات أكتر، واتجه الى خزانة الثياب حيث تناول بلوزة صيفية أدخلها في رأسه ليخفي جزعه العلوي، ورماها بنظرة خُبث قبل أن يتجه الى الباب ليغادر الغرفة بينما ضربت منة بقدمها الأرض غضبا و…غيظا وهي تزفر حانقة !!…
استيقظت منة في الصباح الباكر ونظرت الى الاريكة المقابلة للفراش والتي نام فوقها سيف بالأمس بعد تهديد منها أنها ستذهب للنوم برفقة البنات في غرفتهن، فقد كان #مصرّا على النوم معها فوق الفراش الواسع بينما الأريكة ضيّقة ولن يستطيع النوم بحريّة، ورفض رفضا باتّا عرضها أن تنام هي بدلا عنه فوق الأريكة…..
تذكرت كيف انقضت أحداث الليلة الماضية، فلم تراه حتى صعدت لتنام، حيث لم تخل الاستراحة من الزائرون اللذين قدموا من كل حدْب وصوب للاطمئنان على صحة والده، كانت قد أبدلت ثيابها واستقرت في الفراش بعد أن اطمئنت على نوْم ابنتيها عندما سمعت صوت فتح باب الجناح، أعقبه صوت قدميه متجها الى غرفتهما، أغلقت عينيها مدعيّة النوم وهي تدعو في سرّها أن يوافيها النوم قبل خروجه من الحمام حيث توجه للاغتسال، ولكن هيهات أن تغمض عينها بينما تسمعه وهو يتحرك بمنتهى الأريحية في المكان حولها !!…
بعد أن أنهى ارتداء ثيابه لفت نظره المنامة التي قد أعدتها له فوق الأريكة حيث وضعت وسادة وغطاء، ابتسم وهو ينظر اليها وهي توليه ظهرها مصطنعة النوم وهو يعلم جيّدا أنها ليست نائمة، اقترب منها ومال فوقها فاضطربت أنفاسها فيما أغلقت عينيها بقوة، همس لها في أذنها وهو يمد يده:
– عينيكي هتتفعص من كُتر ما إنتي مغمضاهم بالشكل دا!، عن إذنك، … قطبت في حيرة وهي لا تزال مغمضة عينيها مما جعله يبتسم فهي لا تعلم عن أي شيء يعتذر حتى شعرت بشيء يُسحب بقوة من تحت رأسها، فتحت عينيها واسعا بدهشة، فقد سحب وسادتها من تحتها!!، قال ببراءة مصطنعه:
– معلهش أصلي مبعرفش أنام غير على مخدتين، انتي مش بتنامي على مخدّات، عارفك ما كنتيش بتنامي غير في حضني!..
تحدثت بحدة وهى تزحف الى الناحية الاخرى بعيدا عنه:
– خُد المخدة اللي تعجبك وسيبني أنام…
ليفاجئها سيف بسؤاله فيما يقف مشرفا عليها:
– انتي ليه ما حكيتليش على اللي كانت أمي بتعمله أو بتقوله ليكي؟!…
تسمرت منة في مكانها ثم تساءلت بوجل وريبة:
– حاجات ايه اللي مامتك عملتها عاوزني أحكيهالك؟…
مد يده وأدارها ناحيته ومال عليها قائلا:
– الكلام اللي كانت بترميه عليكي علشان تأخير الحمل كل شوية، ولما ربنا رزقنا بالبنات ، ولما ما حاصلش حمل تاني لغاية دلوقتي!!
اضطربت منة قليلا ولكنها حاولت التماسك وقالت وهي تحاول الهروب من نظراته القوية التي تتفرس فيها:
– مين اللي قالك الكلام الغريب دا؟، ماحصلش….،قاطعها سيف بحزم:
– أنا سمعتكم انهرده يا منة !!، شهقت منة بدهشة وقالت بتلعثم طفيف في حين أصبح عقلها يعمل كالمكوك لتتذكر الحديث الذي دار بينها وبين حماتها وعمّا إذا كان سيف قد سمع كلّما دار بينهما أم لا:
– انت.. انت بتقول ايه؟، أومأ سيف برأسه موافقا وقال:
– أيوة يا منة، أنا سمعت أمي وهي بتعتذر لك على الكلام اللي كانت بتقوله في حقك، وإنى أبويا هو اللي كان بيمنعها عنك، وأنا يا منة؟، أنا فين من دا كله؟، مش المفروض كنت أنا اللي أعرف علشان أنا جوزك المفروض ما أخليش حد يضايقك خالص…
ابتسمت منة باستخفاف وأجابت:
– إنت قلتها يا سيف، دي أمك!، يعني ما كانش ينفع أني احطك بيني أنا وهي، لأنك مهما حصل مش هتخسر والدتك، وكنت هتبقى بين نارين ترضيني ولا ترضيها، وأنا كنت بحاول أحط نفسي مكانها، يعني والدتك ست بسيطة وانت ابنها الوحيد ومن حقها حسب المجتمع اللي هي اتلابت فيه انها تحلم بولد لأبنها يشيل اسم العيلة، دا كان بيخليني أقدر أعذرها، وبعدين عمي ربنا يشفيه كان دايما مش بيسمح لها أنها تزوّد في الكلام معايا، وأديك سمعتها في الآخر وهي بتراضيني وتطيّب خاطري، كفاية عليّا كدا، لكن لو كنت قلت لك ما كنتش هكسب غير عداوتها ليّا أكتر وأكتر، وتعيش في حيرة بيني وبينها، اختيار ما أقبلش أني أحطط قودامه، الأم مهما كان الأم !!….
نظر اليها سيف مطوّلا قبل أن يتكلم بصوت خشن:
– ومستغربة انا ماسك فيكي ليه؟، صدقيني الكون دا كله في كفّة وانتي في كفّة، وساعتها كفّتك بردو هي اللي هتكسب!!، كان نفسي أسمع الكلام اللي دار بينكم للآخر بس مهجة الله يسامحها جات نادتني علشان فيه ناس جوم،.. ومال عليها مقبلا جبينها بعمق قبل أن يتنفس نفسا طويلا مشتمًّا رائحتها العطرية وقال :
– تصبحي على خير يا أحلى حاجه في حياة سيف، يا عمري كلّه إنتي !!..، وابتعد ليرقد فوق الأريكة وقد أولاها وجهه، لينظر اليها حتى داعب الكرى جفونه فغرق عميقا في النوم، بينما تقلّبت هي مراراً قبل أن يغلبها النوم هي الأخرى….
************************************************
اغتسلت منة وأبدلت ثيابها ثم خرجت لتتفقد ابنتيها فوجدتهما بالاسفل مع أولاد عماتهما يلبعان، ألقت تحية الصباح على حماتها التي أمرت بتحضير طعام الفطور لها قبل الذهاب لزيارة زوجها فقد أعلمتها والسرور يعتلي ملامحها أنه قد تم نقله الى غرفة خاصة بعد أن استقرت حالته الصحيّة…
تم عمل القسطرة لعبدالهادي وجاءت النتيجة مطمئنة للغاية، ولكن آثر الطبيب ان يمكث بالمشفى أسبوعا على الأقل حتى تتحسن صحته تماما ويبدأ الدواء الجديد الذي تمّ وصفه بإعطاء النتيجة المرجوة منه..
كانت منة تذهب اليه يوميا في الصباح الباكر حيث تظل برفقته الى موعد انتهاء الزيارة الصباحية، فتعود الى المنزل لتغتسل وتبدل ثيابها وتطمئن على بناتها ثم ترجع ثانية بصحبة سيف في موعد الزيارة المسائية…
لم يلتقي عبدالهادي مع سيف إلا بعد يومين من انتقاله الى غرفة عادية، وذلك بطلب من عبدالهادي نفسه، بينما لم يستطع سيف أن يضع عينيه في عيني والده، كما أنه لم يعلم الحديث الذي دار بين منة ووالده أثناء مكوث الأخير في غرفة الرعاية…
دار حوار طويل بين سيف ووالده، صُعق سيف عندما أخبره والده بما أخبرته منة، قال بجدية:
– مَرَتك جالت إنه مافيش حاجه حوصلت واصل من الحديت اللي احنا سمعناه ديه، مش عارف ليه مش إمصدج، لكن يكون في معلومك يا سيف لو ظُهر انه الكلام بحج وحجيج وجتها حسابك معايا هيكون عسير جوي !!..
تدخلت منة محاولة تلطيف الأجواء بينما عقد سيف جبينه متنقلا بنظراته بين والده ومنة في ريبة فهو لم يفهم قصد والده من كلامه أن منة قد أنكرت ما سمعه!، قالت منة محاولة تلطيف الاجواء:
– أنا قلت لحضرتك يا حاج، صدقني مافيش حاجه من دي حصلت !!، نظر اليها سيف مصعوقا بينما سألها عبدالهادي:
– أكيد يا بتّي؟، مالكيش صالح بصّحتي، أنا أدرى بنفسي من الحُكَما، لو كان ضايجك أو عمل اللي احنا سمعناه ، جوليلي وأني أعرف شغلي أمعاه !!،،،،،،،
ابتسمت منة وقالت وهي تجلس على طرف فراش عبدالهادي:
– يعني أزعل منك يا حاج؟، انت #مصرّ تكذبني ليه؟!…
نفى عبدالهادي بشدة وقال:
– لاه لاه لاه، مش بكذبك لا سمح الله، أني بس عاوز أتوكد أنك مش بتاجي على نفسك علشاني، حجّك أني جادر أخده ولو من ابني نفسه، انما طالما أنتي أكدتي ليْ بدال المرة عشر انه ما حوصلش حاجه يبجي ما حوصلش حاجه، ومنعم زوج أختك سلمى حسابه عاندي آنا ، لما أجوم بالسلامة ان شاء الله هلففه حوالين نفسه علشان بس يشوف ضوفر حد من عياله ولا مَرَتُه!
لم يستطع سيف الانفراد بمنة بعد حديثه مع والده، بل أنه أنغلق على نفسه واستأذن مغادرا تاركا منة برفقة والده على أن يرجع اليها ليعودا سوية…
كان الطبيب المعالج يمدح منة دائما ودائما ما كان يقول لعبدالهادي أنه محظوظ بوجود إبنة مثلها بجواره، لم يهتم عبدالهادي بإيضاح أنها ليست ابنته بل زوجة ابنه، حتى كان يوم!!…
دخلت منة وسيف وبعد أن ألقيا السلام على عبدالهادي تحدث عبدالهادي بصوت ضاحك:
– سيف… ايه رأيك في الدكتور مصطفى اللي متابع حالتي؟. تحدث سيف الذي جلس على كرسي بجوار فراش والده بينما كانت منة تقوم بتنسيق الزهور التى ابتاعتها من المتجر في طريقهما الى المشفى:
– الدكتور مصطفى ممتاز، انما بتسأل ليه يا حاج؟
أجاب عبدالهادي بابتسامة مكر تعلو ملامحه:
– أصله عنده وِلد، دَكتور زيّيه إكده، ..ثم وجه حديثه الى منة متابعا:
– الدكتور نبيل انت شوفتيه يا منة يا بتّي..
اقتربت منة من عمّها الراقد فوق الفراش ووقفت مستندة إلى حاجز الفراش المعدني وقالت بابتسامة:
– ايوة صحيح يا حاج، يوم القسطرة الدكتور نبيل كان مع الدكتور مصطفى، دا أنسان ممتاز بصراحه، كان شايفنا كلنا قلقانين على حضرتك ازاي وفضل معانا ما سابناش الا لما اطمنا على حضرتك، بصراحه دكتور بيشوف شغله بمنتهى الاخلاص، زي والده الدكتور مصطفى تمام، يا ريت الدكاترة تعرف ان الطب مهنة كلها رحمة مش تجارة !!..
لم يستسغ سيف قصيدة المدح التي ألقتها منة في حق هذا الطبيب ووالده والتفت الى عبدالهادي متسائلا:
– انما أنت بتسأل ليه يا حاج؟؟
أجاب الحاج بصوت ضاحك:
– أصله بصراحه حوصل لخبطة!، الدَّكتور مصطفى كان فاكر منة بتِّي، وأني ما جاتش مناسبة إني أجوله أنها مَرَتْ ولديْ، لكن لاجيت أني كنت غلطان بعد اللي حوصل انهرده الصّبح!..
عقدت منة ذراعيها وطالعته بابتسامة وهي تقول:
– وايه اللي حصل انهرده الصبح يا حاج؟
ليجيب الحاج بمرح:
– جالك عريس!، الدكتور مصطفى طلب يدِّك لولَده الدكتور نبيل، واضح إكده ان الدَّكتور نبيل مستعجل جوي، عاوز يعرف ردك بأي طريجة انهاردِه!، ديه ما سابليش فرصة أني أجوله أنك مَرَتْ وَلَديْ !!..
هبّ سيف واقفا وهو يهتف صارخا:
– نعم؟!، بينما اعتلت الدهشة ملامح منة التي أنزلت ذراعيها وقالت بصوت خافت مذهول:
– أزاي دا يا عمي الحاج؟، حضرتك عاوز تقول أنه جالي عريس وحضرتك ما قولتلوش أنى متجوزة ابنك؟!!..
تحدث سيف صارخا ناظرا اليها بغضب أسود:
– إيه جاي لي عريس دي أنتي التانية!!، ثم التفت الى والده متابعا بحنق:
– ازاي يا حاج ما تعرفهومش أن منة مراتي؟!..
قال عبدالهادي وهو يحاول تهدئة ولده:
– يا سيف يا بني إهدى مش إكده، أنا صحيح ما جولتش للدَكتور نبيل لأنه ما أدانيش الفرصة إني أجولّه، لكن أنا جولت لـ بوه… الدَكتور مصطفى، وهو اعتذر من سوء التفاهم ديه، وخلاص ما حوصلش حاجه لزعابيب أمشير اللي إنت عاملها ديْ!!..
تحدث سيف محاولا تمالك نفسه بينما داخله بركان يوشك على الانفجار فيكفيه ما يعانيه من حرمان من نعمة القرب منها، فهو لا ينام أكثر من ساعتين كل ليلة ، تصاحبه فيها أحلام تجعله يصحو منتفضاً لتطالعه هيئتها وهي نائمة فوق الفراش براحة لا يشعر بمقدار عُشرها!، ولا يطفيء ناره المستعرة التي تأكل أحشائه سوى حمام بارد!، حتى أنه أصبح لا يعلم كم عدد الحمامات الباردة التي يضطر الى أخذها كل ليلة، حتى يسقط في النوم من شدة الارهاق ولا يدوم نومه أكثر من ساعتين يستيقظ على إثرها ليغادر الغرفة وكأنه يفرّ من شيء يركض خلفه!، وأقربها ما حدث اليوم صباحا أثناء خروجه من الغرفة اذ حانت منه التفاتة الى الفراش لتطالعه منة وهي تنام بمنتهى الراحة، وقد انحسر الثوب الى أعلى ساقيها مما جعله يشعر بالدم الساخن وهو يهدر بقوة في عروقه، ومد يدا ترتعش وأعاد الغطاء فوقها، ثم سارع الى الحمام الخارجي للاغتسال للمرة التي قد تكون الرابعة في هذه الليلة !!…
تحدث سيف وهو يزفر بقوة:
– كويس انك قولت له يا حاج، عموما أنا شايف ان صحة حضرتك بئيت كويسة، ممكن الدكتور يكتب لك خروج، وأنا هكلمه على ممرضة كويسة تيجي تباشرك في البيت!!..
استدار ليغادر فهمّت منة بالذهاب معه عندما نهرها بنظرة زاجرة وهو يتحدث بحنق من بين أسنانه:
– أنتي رايحه فين؟، يكون تطلعي بره الاودة دي خطوة واحده!، انا هروح أكلم الدكتور وأجي، سامعاني يا منة؟، اوعي تتكلمي مع حد.. فاهمه؟!…
وانصرف دون أن يسمع جوابها لما أمرها به !!…
*************************************************
خرج عبد الهادي من المشفى وتم الاستعانة بممرضة خاصة للاهتمام بمواعيد تناول الدواء…..
كان الجميع فرح بعودة الأب الحاني والزوج والسند اليهم ثانية ، ساعد سيف والده في الذهاب الى غرفته بينما انفض الباقين حيث ذهب كلٍّ منهم للاهتمام بشؤونه الخاصة ..
– يا مهجة، انتي يا مهجة ……
صدح صوت رمّاح الغفير عاليا، أتت مهجة سريعا وهي تنهره بقوة :
– جرالك أيه يا رمّاح؟، عمّال تزعِّج زي الجاموسة اللي عتولِد ليه؟، انت ماتعرفش أن أبويا الحاج بيرتاح في داره؟!!…
قلب رمّاح وجهه وقال بأسف:
– أني جاموسة بتولد؟، الله يسامحك !، أني كنت عاوز الحاج في حاجه مهمة جوي !!..
عدلت مهجة من وضع وشاحها الأسود الذي يستر رأسها وقالت مقطبة بتساؤل:
– حاجة إيه المهمة جوي دي اللي عاوز فيها أبويا الحاج؟!..
مال عليها رمّاح وكأنه سيخبرها بسرّ خطير وهو يهمس:
– فيه ضيوف عاوزين يشوفوا أبويا الحاج ضروري، ومستنيينه في المُندرة !!…
سألت مهجة بحيرة:
– ضيوف؟، ضيوف مين دول يا رمّاح؟!…
هز رماح أكتافه التي يعلق في احداها البندقيّة الخاصة للحراسة:
– ما خَبِرشْ… هي جالت لي انها عاوزة الحاج عبدالهادي ضروري!!،،
سالت مهجة ثانية:
– هما الضيوف دول فيهم ستات يا رمّاح؟!..
زفر رمّاح عاليًّا وقال:
– يا بوووويْ، ومش أي ستات!!، ديه ست وست وست كُمَانْ..
سكتت مهجة قليلا ثم صرفت رماح قائلة:
– طيب أمشي أنت دلوك، أني هبلغ سيف بيه، ابويا الحاج بيرتاح في داره مش هيجدر ينزل يشوف حد…
************************************************
اتجه سيف بخطوات سريعه حيث الاستراحة لمقابلة الضيوف التي أخبرته مهجة برغبتهم في مقابلة الحاج عبدالهادي كما أخبرها رمّاح، فتح الباب الاستراحة وهو يقول مبتسما:
– أهلا وسهلا..، لتغيب إبتسامته ما أن وقع بصره على هؤلاء الزوّار واللذين لم يكونوا سوى زائرة واحده!، زائرة لا يَرغب برؤيتها بالمرّة!..
قامت من مكانها واتجهت بخطوات مغناجة أليه وهي تتمايل أثناء سيرها في ثيابها التي تلتصق بها فلا تدع للمخيلة شيئا، حيث تبرز مفاتنها الانثوية بصورة فجّة، وقفت أمامه ومدت يدا ذات أظافر طويلة كأظافر الساحرة الشريرة مطلية باللون الأحمر الناري، وقالت بصوت به بحة مثيرة:
– أزيك يا فوفو، وحشتني أووي…..
لم يتثنى له الرد عليها اذ سرعان ما فُتح الباب خلفه واندفعت منة هاتفه:
– سيف انت هنا أنا كنت عاوزة…، لتبتر عبارتها وهي تتطلع بتساؤل الى هذه السيدة التي يبعث مظهرها على الريبة، سألت سيف بينما لا تزال نظراتها معلقة على تلك الغانية التي تتمايل أمامها على كعب حذائها المدبب:
– مين دي يا سيف؟، …
ابتلع سيف ريقه بصعوبة وقال وهو لا يزال تكنفه الدهشة:
– دي.. دي…، لتقاطعه الأخرى وهى تقترب منه وترفع ذراعيها لتحيط بهما عنقه مجاوبة سؤال منة بدلا منه بصوت يقطر دلالا كاد يصيب منة بالسقم:
– أنا… أنا مراته!،…… شهقت منة وتراجعت للوراء بضعة خطوات ولكن الاخرى لم تهتم وتابعت وهي تطلق الرصاص على قلب أخضر تم ذبحه بأبشع الطّرق:
– أنا، أنا…. قلبي دليلي !!….

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة الرابعة عشر”

طرقات متتالية سريعة جعلت زينب تتجه ناحية باب الجناح الخاص بها وزوجها والذي يرقد نائما بعد أن تناول دواءه، أسرعت وهي تضع الوشاح فوق رأسها تريد صرف الطارق أيّا كان كي لا يقلق منام زوجها..، فتحت الباب سريعا لتقابلها مهجة وهي تستعد لمعاودة الطرق ثانية، نهرتها زينب وهو تخرج مواربة الباب خلفها كي لا يُزعج صوتهما عبدالهادي:
– مالك يا بتّ، اتخبطتي في نافوخك ولا إيه؟، حوصل ايه عشان تاجي وتخبطي إكده؟، اتهبلتي إياك!!،….
هتفت مهجة وهي ترتعش:
– أني ..آسفة يا ستّ الحاجّة، بس…..، وسكتت ولم تكمل، زفرت زينب حانقة وزجرتها قائلة:
– بس إيييه؟، مالك مش على بعضيكي إكده؟، ما تتحدتي على طول جاك خابط في نافوخك…
تحدثت مهجة وهي تفرك يديها في توتر:
– أصل…أصل فيه ضيوف جوم عشان يجابلوا أبويا الحاج… فأني جولت لرمّاح أنه نايم وهجول لسي سيف ، وخبّرت سي سيف ، راح المُندرة ، وكانت وراه ست منة … بس.. بس…
زفرت زينب بحنق وغيظ وهتفت فيها بسخط محاولة ألا يعلو صوتها:
– بس ايه؟، أنطجي يا مجصوفة الرجبة !!…
أجابت مهجة وهى توشك على البكاء بينما ترتجف من قمة رأسها لأسفل قدميها:
– حاضر يا ستّ الحاجة، أني روحت أشوف الضيوف يشربوا إييه ،… سمعت ست منة بتسأل سي الاستاذ سيف تبجى مين الحرمة ديْ؟، وسمعت الحرمة وهي بتجول انها تُبجى ….تُبجى مَرَتْ… مَرَتْ سي سيف !!..
رفعت زينب رأسها عاليا وهتفت:
– أييه؟، أجابت مهجة وهي تلعن حظها العاثِر لوقوعها في هذا المأزق فهي أعلم الناس بغضب سيّدتها:
– والله العظيم زي ما جولت لحضرتك إكده، الحُرمة اللي موجودة جالت إكده وأني أول ما سمعتها جيت جري أجولك لأني ست منة موجودة معاهم وما خابراش حوصل أيه دلوكْ؟
نظرت زينب أمامها وشدت قامتها وتحدثت آمرة بهدوء يخالف ما يمور في داخلها من غضب أسود:
– ماشي يا مهجة، روحي إنت دلوك وابعتيلي رمّاح، وجوليلو يجيب معاه عوضين وصابر وما يجيبيش سيرة لحد واصل هو رايح فين ولا لمين؟….
أومأت مهجة بالايجاب سريعا وما أن التفت للانصراف حتى نادتها زينب فوقفت ناظرة اليها فيما قالت زينب بنبرة تحذير جاد:
– إوعاكي أي كلمة من اللي جولتيهالي إهنه ولا سمعتيها تخرج برّات خشمك، إنت عارف أني هعمل إيه وجتها !!..
قالت مهجة بخوف:
– عارفى يا ستّي الحاجه، هتجصّي لساني !!..
ابتسمت زينب وأجابت ببرود وهي تشير الى رقبة مهجة بسبابتها راسمة خط وهمي أمام رقبتها من اليسار الى اليمين:
– لَهْ وانتي الصادجة…. هجُص رَجَبْتِكْ !!…
أومأت مهجة في ذعر وركضت لتنفذ ما طلبته منها سيدتها في حين لمعت عينيْ زينب وقالت متوعدة:
– بجى وصلت فيكي البجاحة أنك تاجي لغاية عندينا برجليكي، ماشي يا غندورة،…. جبتيه لنفسك… ماحدش يدخل بيت الاسد برجليه ويخرج منّيه صاغ سليم !!…
———————————————————-
لم تعرف منة كيف استطاعت الصمود أمام هذه الساقطة، ولكنها لم تكن لتهرب من المواجهة في نفس الوقت الذي حاول فيه سيف تجنيبها مثل هذا اللقاء إذ سرعان ما تحدث قائلا وهو يفك ذراعي تلك المرأة من حول رقبته بإشمئزاز ليدفعها جانبا بنزق :
– أظن مالوش لزوم الحركات دي، ومعرفش أنتي جاية اساسا ليه ولا إيه اللي جابك، ولا منين عرفت طريقي، كل اللي انا عاوزه دلوقتي انك تخرجي فورا من غير مطرود، وما أشوفش وشّك ولو صدفة بعد كدا !!…
وقفت تلك المرأة تطالعه بنظرة اغواء فجّة أصابت منّة بالغثيان المفاجيء ولكنها حاولت مقاومته فهي لم تكن لتنسحب من دون أن تضع هذه الساقطة في حجمها الطبيعي، تكلمت تلك المرأة وهى تنظر الى سيف نظرة مغوية من تحت رموشها الثقيلة، وبصوت زادته بحّته إثارة:
– تؤ تؤ تؤ ، إخص عليك يا فوفو ، دلوقتي الوشّ دا مش عجبك!، الله يرحم أيام ما كنت بتتحايل بس أني أفتح الكاميرا علشان تلمحه، وأنا وإنت عارفين ان الموضوع ما كانش بيفضل كلام وبس!!، غامزة اياه بصفاقة ، ثم نظرت الى منة قائلة باستهتار وسخرية:
– شكلك كدا المدام؟!، على فكرة جوزك دا شقي أوووي، ..،أطلقت ضحكة عالية خليعة جعلت منة تتمنى لو أطبقت بيديها حول عنقها فلا تتركها إلا جثة هامدة!، ولكنها تطلعت الى سيف بنظرة تعبّر عن إشمئزازها مما قيل بينما أمسك سيف بيد المرأة وقال وهو يدفعها الى الخارج:
– البيت دا شريف ونضيف، واللي زيّك ما تدنسوش برجليها، من مصلحتك انك تختفي حالا من قودامي وإلّا أنا مش مسؤول عن اللي هيحصل !!….
جذبت الرمأة يدها بقوة من قبضة سيف ووقفت أمامه تقول وهي تتخصر بينما أطلقت ضحكة رنانة عالية:
– أخاف وأكش من دا الوِشّ !! ، أموت أنا في الحمشنة !!…
ثم اتجهت اليه بخطوات متمايلة راقصة ووضعت يديها على صدره وهي تقول بهمس مغوٍ:
– بس حمشنتك دي هي اللي جابت رجليّا، وحشتني يا فوفو، ما وحشتكتش شاهي!، انت ناسي كنت بتقولي ايه؟،،
أمسك سيف بمعصميهما ليبعدهما عنه وهو يهتف بغضب:
– ومش عاوز أفتكر!، أنتي كنت غلطة سودة هفضل أكفّر عنها طول عمري، شاهيناز امشي من قودامي، أنا مش همسك نفسي كدا كتير ، ومالكيش دعوه بمراتي، ويا ريت ما أشوفكيش ولو صدفة بعد كدا !…
وقفت شاهي أمامه رافعة ذقنها بتحد وقالت ببرود وهي ترفع حاجبها:
– بس أنا مراتك يا باش مهندس، وليّا زيّها بالظبط !( في إشارة منها الى منة التي وقفت تراقب ما يحدث أمامها في ذهول غير مصدقة لما يجري مرددة في نفسها أنها لا بد وأنها تحلم وليس بحلم عادي بل هو كابوس رهيب )..،
سيف بحدة:
– مرات مين؟، انتي هتستعبطي!، اللي كان بيننا دا لعب عيال، اوعي تفتكري أنك مراتي بجد!، ساعتها تبقي اتجننت رسمي وعاوزة مستشفى المجانين !!..
أجابته شاهي وهي تطالعه بنظرات مستفزة:
– بس جوازنا حصل يا سيف بيه!، انت ناسي انه أتشهر قودام الناس؟!، والجواز أساسه ايه غير الاشهار؟!!…
انطلقت ضحكة فجائية جعلت كلا من سيف وشاهي يطالعان مصدرها والذي لم يكن سوى منة التي كانت تضحك بشكل هستيري وقد انتبهت لنظراتهما المتسائلة فقالت وهي تشيح بيدها من وسط ضحكاتها:
– حلو أوي حتة انه الاصل في الجواز الاشهار!، مش مصدقة!، معقولة انتي عارفة ايه الصح من الغلط فيه الجواز؟!…
مسحت دموعها التي نزلت نتيجة ضحكها ، ثم هدأت قليلا وقالت وهي تنقل نظراتها بينهما:
– كويس انك تكوني عارفة الصح من الغلط، بس انت عاملة زي اللي بيسأل اللحمة حلال ولا حرام من غير ما يسأل اللحمة دي نفسها جابها منين؟، حتى لو جابها من واحد ميّت !، مش مهم عنده، المهم انه اللحمة حلال !!…..وانتو مش مهم جوازكم كان ازاي لكن المهم أنه أتشهر !! ، تحدث سيف محاولا تهدئة منة:
– منة، ما تتكلميش مع الاشكال دي، دي مش من مقامك!!..
طالعته شاهي باستهجان في حين نظرت اليه منة بلوْم وعتاب وهتفت:
– ومين اللي خلَّا الاشكال دي تقف قودامي دلوقتي؟، مش..إنتَ!، مين اللي عمل للزبالة دي سعر وقيمة؟، قبل ان تتابع قاطعتها شاهي وقد تغضن وجهها بتعبير شيطاني أخفى أي جمال زائف- صنعته كثرة الالوان التي أغرقت به وجهها -كانت تتحلى به بينما صوتها يعلو كمن يتشاجر في بيئة شعبية:
– بقولك إيه .. احفظي أدبك يا حلوة…. أنا ماضربتوش على إيده يا حبيبتي!، جوزك راجل زي أي راجل بيريّل على واحده سمعته كلمتين حنينيين!!..
شهقت منة وابتعدت وهى تخفي فمها بيدها وتحرك رأسها يسارا ويمينا باستنكار تام لما تسمعه بينما أمسك سيف بساعد شاهي وهو يتوعدها قائلا رافعا يده الأخرى:
– إخرسي يا بنت الـ ******، وهوى بيده بصفعة مدوية على وجنتها رمتها بضعة خطوات الى الوراء من قوّتها حتى أنها كادت تسقط لولا أنها أمسكت نفسها ، وقفت وهى تقول بغضب بين فحيح أنفاسها:
– بتمد إيك عليّا يا سبع الرجالة!، طيب لما نشوف أبوك كبير البلد هيقول إيه ولا يعمل ايه ، وحياة دا، وأمسكت خصلة من شعرها وتابعت بحقد أسود:
– وحياة دا لا أخليك لبانة في بؤ اللي يسوى واللي ما يسواش، انت متعرفش شاهي يا حبيبي، انت دخلت لعبة ما إنتش قدها يا عينيّا ، فاكرني هتهوّش بقلم وكلمتين؟!، لا يا روحي دا أنا شاهي والأجر على الله ، انت مش هتكون أول مغفل ولا آخر مغفل ، دا شغلي يا بابا ، واللي زيّك كتير، وماهيش أول مرة و…….، كان سيف يطالعها بدهشة ممزوجة وغضب واحتقار لها ولنفسه وهمّ بمقاطعتها عندما دوى صوت عالٍ يقول بصرامة:
– بس هتكون آخر مرة !!، هتفت منة بما جال ببال سيف ما إن سمع الصوت :
– ماما الحاجة !! ، راقب سيف والدته وهي تدخل رافعة هامتها بكل هيبة ووقار ، تطالع شاهي بنظرات احتقار وقالت مخاطبة اياها وهي تشير بسبابتها:
– اسمعيني زين ، الكلام اللي هجوله مش هتنِّيهْ، انتى هتخرجي من أهنه على أي داهية تاخدك، مش هتجفي في طريج ابني أو مرته أو حد من عيلته ولو حتى صدفة!، مفهوم يا بتّ الـ….، ولا بلاش ، مع أنك جايبة العار لهَلِكْ، حجهم يجتلوكي علشان يغسلوا عارهم…
تحدثت شاهي بعد أن أفاقت من ذهولها قائلة بنبرة ساخرة:
– وانتي أن شاء الله فاطمة تعلبة بتاعت العيلة دي؟، اسمعي يا حاجة .. ابنك اتجوزني، وفيه شهود ، وانا مراته، وخروج من هنا من غير ما نتفاهم مش هيحصل، وأدي قاعده!! ،…
تقدم سيف منها صارخا:
– انت بتتكملي أزاي مع أمي بالاسلوب دا، أنتي اتجننتي ! ، ورفع يده ليصفعها فأوقفته يد والدته التي أمسكت بيده بقوة وهي تطالع تلك العاهرة التي جلست أمامهم بكل أريحية واضعة ساق فوق أخرى وتؤرجح ساقها بلا مبالاة بينما ترتسم ابتسامة برود مغيظ على شفتيها اللتان تصطبغان بلون الدم، قالت والدته بصرامة وحسم:
– مالكش صالح انت بالحديت ديه!، خُد مَرَتَكْ ، وأطلعوا فوُجْ!
إنتبه سيف الى وجود منة التي تتباع ما يحدث امامها في صمت تام، التفت اليها ليراها تراقب ما يجري حولها وتعبير من الذهول الممتزج بالاستنكار يلوّن محيّاها، لاحظت منة نظرات سيف اليها فابتعدت بضعة خطوات وهي تهتف بحدة:
– ابعد عنّي، أنا لا يمكن أفضل على ذمتك ثانية واحده بعد كدا،…، ثم تابعت باشمئزاز وهي تنقل نظراتها بين سيف وتلك الساقطة التي تبادلها النظر ببرود ثلجي:
– جاتك القرف، جاتكو القرف انتو الاتنين !!، وهرعت خارجة ليركض سيف في أثرها وهو يناديها تاركا والدته بمفردها مع تلك الـ….عاهرة !!….
———————————————————
لحق سيف بمنة الى جناحهم الخاص ولكنها استطاعت الدخول الى غرفة النوم واغلاق الباب خلفها بإحكام قبل أن يصل إليها..
طرق الباب بقوة مناديا عليها بإلحاح:
– منة، منة … افتحي الباب ..، تصنتّ قليلا ولكنه لم يسمع صوتا ، أعاد نادئه بإلحاح:
– منة حبيبتي علشان خاطر بناتنا طيّب افتحيلي ، سمع صوت مكتوم ثم أتاه صوتها يقول بنبرة مشروخة وبغضب صارخ:
– ما تقولش حبيبتي!، انا مش حبيبتك يا سيف ، انت مش بتحبني، لا يمكن تكون بتحبني وتعمل فيّا اللي إنت عملته دا!
مال سيف برأسه الى الباب وقال وكأنه يراها فلا يفصل بينهما سوى الباب الخشبي:
– والله العظيم بحبك، أنا مش بس بحبك، أنا بعشقك يا منة، علشان خاطري خليني أدخل واعملي فيّا ما بدالك ، بس خليني أطمن عليكي !!..
أجابته بانهيار تام وصوت بكائها يعلو يكاد يصمّ الآذان:
– لا…. اللي بيحب حد ما يجرحوش، ما يخونوش يا سيف، انت قتلتني بعملتك دي يا سيف، قتلتني ، وكفاية لغاية كدا….أنا مش ممكن هسمح لك أنك تدوس عليّا بعد ما دبحتني بإيدك !!..
كاد سيف أن يقتلع الباب ويدخل اليها عنوة، فحبيبته ليست بحالتها الطبيعية، لأول مرة يرى منة بهذه الحالة الهستيرية، أوشك على فقدان عقله خوفا من أن تؤذي نفسها وهي بحالتها تلك، أعاد الطرق على الباب ولكن بهدوء نسبي وقال بصوت يغلفه الحزن الشديد بينما شعر بغصة بكاء تكاد تكتم حلقه، وسبحت عيناه بدموع خوف وحسرة، خوف على فقدان حبيبته وحسرة على ما فعله بها وبنفسه وبحياتهما سويّة، قال سيف برجاء حار:
– انا مش ممكن أأذيكي يا منة، أنا بموت لو شوفتك تعبانه من حاجه، أنت عارفة انتي وبناتي كل حياتي، أنا غلطت واعترفت، غلطت غلطة غبية ومشيت ورا شيطان ملعون، لكن حتى أنا ما استاهلش انك تعملي في نفسك كدا علشانه، أرجوكي يا منة افتحيلي، هتجنن عاوز أطمن عليكي ، وأوعدك هشوفك وأمشي على طول، بس أشوفك يا منة….
سمع صوت حركة بطيئة فنظر الى مقبض الباب بأمل وابتسامة رجاء بدأت بالظهور على وجهه لقبولها رجائه، ولكن سرعان ما غابت الابتسامة وإندثر أمله عندما سمعها تتحدث بصوت غريب وكأنها تهذي من خلف الباب ، حيث قالت بصوت مهزوز وكأنها في حالة اللاوعي:
– أنت وعدتني قبل كدا يا سيف وما وفيتش بوعدك، فاكر؟!، فاكر لما وعدتني انك عمرك ما هتخلي الحزن يعرف طريقه لقلبي؟، فاكر لما وعدتني إنك عمرك ما هتخلي عينيا تنزل منها دمعه واحدة؟، مش قلت لي أنك مش هتخلي على وشّي غير الابتسامة بس!، وايه اللي حصل؟، اللي حصل ان عينيا مابتبطلش دموع، وقلبي الحزن سكنه ومش عاوز يفارقه، ووشّي ما بقاش يعرف يعني ايه الابتسامة ….إنت.. إنت كدّاب يا سيف.. كدّاب..، ثم انهارت ضربا على الباب الفاصل بينهما بقبضتيها وهي تصرخ بصوت عال:
– كداب ، كداب يا سيف…، كداب ……
هتف سيف في الجهة المقابلة من الباب بلوعة:
– منة .. منة حبيبتي اهدي ، منة افتحي وإلا هكسر الباب ، منة ..منة …
وفي الناحية الاخرى كانت منة كالمغيّبة، سقطت على الارض بجوار الباب وهي تكرر بخفوت وقد نضبت طاقتها فلم تعد قادرة على الوقوف بينما صوتها يخفت وهي تكرر من بين نشيج بكائها:
– كداب يا سيف، كداب، خاين وكداب… كد…كدااااب….
ليسود الصمت بعد كلماتها بينما سقط سيف هو الآخر على الأرض بجوار الباب وهو يقول بتوسل حار بينما يقطع الحزن على ما آل اليه حال حبيبته بسببه نياط قلبه، وقد فرّت دمعة خائنة من عينيه لتسقط على لحيته فيذوق ملوحة دمعته بينما يتوسل بإلحاح:
– بحبك… والله بحبك … بحبك ……، ويظل يكرر كلمته تلك بينما على الناحية الاخرى استندت منة برأسها الى الباب وسقطت رأسها وكأن سيف يهدهدها لتنام، فغفلت عيناها على صوت هذيانه بحبها وكأنها أنشودة قبل النوم حيث سمعتها فنامت من فورها بينما لم تسكت شهقاتها اثناء نومها ذاك حيث كانت تنتفض بين آن وآخر وهي تكرر وكأنها تهذي في نومها:
– كداااب….، بينما يقابلها سيف بهذيانه الخافت بكلمة واحدة:
– بحبك …بحبك….، مراراً وتكراراً….

الحلقة الرابعة عشر2

تقدمت زينب من شاهي الجالسة تطالعها بإستعلاء، نظرت اليها زينب مليّا قبل أن تقول بصرامة:
– من غير تضييع وجت، أنا ولدي مالوش غير حرمة واحده بس، هي منة ….اللي انت شوفتيها إهنه…، واحده بنت ناس، ومحترمة ، والعيلة كلاتها بتحبها، وتبجى أم بناته، لكن غير إكده .. ابني لا تزوج ولا نعرف حاجه واصل من الحديت الماسخ الي انت بتجوليه ديه، يعني جُصر الكلام تاخدي بعضيكي وترحيلي من إهنه، وتنسي اسم سيف ولدي ديه خالص!!…
سكتت شاهي لثوان قبل أن تطلق ضحكة ساخرة عالية وقالت وهي تطالع زينب بنظرات متفكّهة:
– لا بجد خوفتيني يا حاجة ، ثم قامت من مكانها وسارت حتى وقفت إليها وتابعت بلا مبالاة:
– بصي يا حاجه، ابنك اتجوزني ، صحيح مش عند مأذون لكن الجواز أساسه الإشهار ، وجوازنا مُشهر، والناس كلها تقريبا عارفة ان شاهيناز زيدان مرات سيف عبدالهادي، ولو ابنك مش عاوز يكمل في الجوازة ، ….حركت كتفيها بلامبالاة وهي تتابع:
– براحته، بس……، وفركت اصبعيها الابهام والسبابة وهي تتابع بابتسامة لزجة:
– كله بتمنه يا .. حمااتي !!..
نظرت اليها زينب بنظرات غامضة قبل أن تتحدث ببرود ينافي ما يشتعل في قلبها من غضب حارق تجاه تلك الساقطة التي تقف أمامها تتغنج عليها بمنتهى الوقاحة:
– جولتيلي!، تمنُه !!، وايه هو التمن بجاه اللي انتي عاوزاه ؟!
أجابت شاهي وقد بدأت تشعر بالظفر لاقترابها من تحقيق هدفها، فسيف مثله مثل غيره من مئات الرجال اللذين قامت بمثل هذه الحيلة الرخيصة معهم ، زواج عن طريق النت ، ثم فضيحة مدويّة ، ولكي تنتهي لا بد من الدفع لكي تبتعد نهائيا عن طريقهم ، وسقوط هؤلاء الرجال ليس بالعسير، فـ… النت جعل الامر غاية في السهولة ، فبالنسبة إليهم النّت ليس بشيء حقيقي، وبالتالي ما يقومون به من خلاله لا يُعدّ أمراً جاد، كحالة سيف، فلم يكن أمر وقوعه في شباكها بالصعب، الامر بمنتهى السهولة ، تعارف عن طريق احدى المجموعات المشتركة على موقع التواصل الاجتماعي #الفيس بوك ، والتمثيل جيدا فأكثر ما يعجبها أنها لا تضطر الا للكذب بالكلمات فقط !، فهي ترسم لها صورة في عيون الآخرين بعيدة تماما عن صورتها الحقيقية بل وتتقمص شخصيتها الجديدة جيدا، ويبدأ الأمر بصداقة عادية ، الى أن تتوطد العلاقة، ثم تبدأ هي برمي بعض الايحاءات لترى مدى قبول الطرف الآخر لها ، وكأي رجل يبيح لنفسه التمادي معها ، فهو قد فقد احترامه لها، وهي من تقوم بإعطائه الضوء الأخضر ليقوم بما يريد سواء قولاً أو فعلاً !!، و يظن الرجل بعنجهية ذكورية أنه يستطيع اخراجها من حياته بكبسة زر بسيطة لعمل ” حظر ” لها أو ” بلوك “، لتنتهي صفحتها ولكنه لا يعلم أنه قد سار الى شباك العنكبوت بقدميه ، وأنه قد وضع نفسه تحت فكّيها بكامل وعيه، فهي لم تكن لتسمح بذلك، وتبدأ المرحلة الثانية من اشهار لهذا الزواج الاضحوكة ، وبالتالي فضيحة مدويّة ، ثم ظهورها كنجوم الحفل كما فعلت مع سيف، لتعلن نفسها زوجة ، ولكن سيف اضطرها للذهاب بعيدا هذه المرة، ففي المرات السابقة لم يكن الأمر يصل الى الأهل ، بل ما أن تبدأ بالتهديد أنها ستصل الى زوجته حتى يسارع بدفع ما تريد كي يرفع أذاها عنه، بينما سيف قد بدأ بالهروب منها قبل أن تعلم زوجته بوقت طويل ما جعلها تقوم باشهار الزواج عن طريق اختراق موقعه على #الفيس بوك ، ثم تقصّت عنه حتى علمت عن طريق إحدى العاملين بمكتبه بوجوده في بلدته فشدت الرحال الى هناك كي تكمل الجزء الاخير من لعبتها القذرة، وما ان رأت الثراء الفاحش الذي تعيش فيه عائلته حتى سال لعابها وصممت على أن تكسب من وراءه أضعافا مضاعفة مما كانت تناله من أي ضحيّة أخرى …
برقت عيناها بنظر ظفر وهي تقول :
– شوفي انتي يا حاجه، اسم عيلتكم، واسم سيف ، وسمعتكم وسمعة الحاج ، وسمعة ابنك .. كل دا يساوي في نظرك كم؟، وزي ما أنا شايفة انتو ربنا مدِّيكم ….فبيتهيألي يعني ان الفلوس بالنسبة لكم حاجه تافهة، تقدروا بيها تشتروا سمعتكم واسمكم !!
ابتسمت زينب وقالت ساخرة:
– دا إنتيْ على إكده عارفه عنِّينا كل حاجه تجريبا ، بس تصدجي حلو انك عارفة يعني ايه سمعة واسم و… شرف يا ….عديمة الشرف!، جوصر الكلام عاوزة كم ؟..
ابتسمت شاهي وأجابت ببرود مُغيظ:
– أنا بردو مش هزعل منك لأني مقدرة حالتك كويسة والصدمة اللي انتي خدتيها ، وأنا هجيب من الآخر .. 300 ألف جنيه ، ودا علشان خاطرك !!..
سكتت زينب قليلا قبل أن تنطلق ضحكاتها عاليا لتهدأ بعد ذلك وهي تقول :
– يا سلام …. بس إكده ! ، لَهْ تصدجي … طلعت كريمة …..
قطبت شاهي بينما تابعت زينب بصرامة مفاجئة:
– ولو جولتلك مالكيش عندي ولا مليم ، ولمصلحتك إنك تخرجي من إهنه على المخروب اللي إنتي جيتي منِّيه، وإوعاكي تفتكري انك تجدري تلوي دراعنا، ديه بُعدك !!..
صمتت شاهي قليلا قبل ان تتحدث بهدوء:
– دا آخر كلام عندك يا حاجة؟، تمتمت زينب بالايجاب فيما تابعت شاهي بلا مبالاة:
– وأنا هشتري نفسي زي ما قولتيلي ، انما صحيح ، صحة الحاج عامله ايه دلوقتي، تصدقي زعلت اوي لما عرفت انه وقع وجات له أزمة قلبية ، بيتهيالي الدكتور مانع عنه الانفعالات ، انما في دنيا زي اللي احنا عايشين فيها دي ازاي الواحد يقدر يهرب من الانفعال ولا ….الاخبار اللي ممكن تصدمه والمرة اللي جاية تكون فيها … نهايته مثلا !!!..
ضيقت زينب عينيها وتحدثت بهسيس غضب من بين أنفاسها:
– انتي بتهدديني يا فاجرة؟!…..، أشارت شاهي برأسها يمينا ويسارا وهي تقول :
– تؤ تؤ تؤ ، ما أحبش الشتيمة ، دا عرض انا عرضته وانتي رفضتيه، دي صفقة ، بيزنيس يعني شغل يا حاجة ، ماتستنيش مني اني اخاف وأجري، دا أكل عيش، ومعاكم انتو جاتوه كمان مش عيش ، ابقى غبية لو خفت وجريت !!..
هزت زينب برأسها وأجابت بجدية :
– ماشي، ديه آخر كلام عنديكي،….فأومأت شاهي ايجابا، تابعت زينب بغموض:
– تومام، هتاخدي اللي تستاهليه وزيادة كومان، عشان بس تعرفي اننا كُرما ….
ابتسمت شاهي منتشية ، فيما توجهت زينب الى باب الاستراحة الذي أغلقه سيف خلفه ، ففتحته وأشارت بإصبعها ليدخل على إثر اشارتها رجل أسمر ضخم يحمل بندقية على كتفه، يعلو وجهه شارب عريض يكاد يخفي نصف وجهه، تحدث بصوت جهوريّ أجش يثير الذعر في النفوس لخشونته:
– أمرك يا كَبيرة …، سارت زينب الى الداخل ثانية يتبعها رماح وقالت بابتسامة صغيرة وهي تتطلع الى شاهي التي تنظر اليها بريبة وتساؤل:
– عندينا ضيفة عاوزين نعملوا معاها الواجب!!….، وأشارت بحركة طفيفة من رأسها الى شاهي الواقفة امامها فاتجه اليها رماح بخطى واثقة فيما تقهقرت شاهي بضع خطوات الى الوراء وهي تقول بحدة مشهرة سبابتها في وجهه:
– إيه، عاوز إيه؟، إبعد عنّي….
لم يعرها رماح التفاتا وأمسك بمرفقها بقوة بينما تحدثت زينب بابتسامة تشف بأسف زائف:
– مالك يا غندورة، انت ضيفة وواجب نكرموكي،.. لم تنتظر ردّ منها ووجهت كلامها الى رماح آمرة:
– فينهم يا رماح؟، أجاب رماح بخشونة:
– تحت أمرك يا كَبيرة، واجفين برّه، منتظرين إشارة واحده منيّكي…
سارت الى الباب ففتحته وأشارت بسبابتها للدخول ، فدخل رجلان أضخم من رماح، فالأخير بالنسبة لهم لم يكن سوى أقزمهم!!، أشارت بسبابتها الى رماح فاتجها اليه فيما فتحت شاهي عينيها على وسعهما وهتفت صارخة:
– إيه شغل العصابات دا؟، انتو فاكرينها سايبة؟، أنا هوديكوا في ستين داهيـ….، وكتمت باقي عبارتها عندما أمسكت زينب بذقنها بعنف وقالت بغضب قوي:
– لسانك ديه تحطيه جوه خاشمك وما أسمعشي نَفَسك واصل!، انتي بتجولي فاطنة تعلِبة !، أني بجه هوريكي شغل التعالب صوح…، رمّااح…
– أؤمري يا كبيرة …، أجاب رماح في التوّ واللحظة، تابعت زينب وهي لا تزال قابضة على ذقن شاهي التي تنظر اليها بعينين كعيني قطط الشوارع وقالت بابتسامة ظفر:
– ضايفوا البرنسيسة في الكوخ الغربيّ ، مش عاوزاها تشتكي واصل،….
– أمرك يا كَبيرة ، أفلتت زينب يدها ليكمم رماح فمها بيده الغليظة وهو يشير للرجلين قائلا بغلظة وكأنه قائدهم:
– عوضين .. صابر، فأومأ الرجلين برأسهم وسرعان ما أخرج أحدهما كيس خشن كبير واقترب منها فحاولت الصراخ ولكن شدد رماح قبضته على فمها في حين تحدثت زينب بصوت مسموع بافتخار:
– ما تخافيش يا سنيورة، واضح إكده انو مالكيش أهل يربوكي، أحنا إهنه بجه هنكسبو فيكي ثواب ونربوكي من اوّل وجديد، بعون الله هتطلعي من عندينا وانتي مكفرة عن كل اللي عملتيه سوا مع ولدي ولا مع غيره، عشان تعرفي انه مش كل الطير اللي يتاكل لحمه، وانك غلطت غلطة عمرك لما حبيبتي تلعبي معانا احنا السوالمة ، عارفة يعني إيه السوالمة؟، يعني الداخل مفجود والخارج مولود…..واللي زييكي مالهاش ديّة، هي رصاصة بربع جنيه تخلص عليكي ونرميكي في الريّاح ولا من شاف ولا من دِرى، لكن أنا حابّة أكسب ثواب فيكي،…، ثم وجهت كلامها الى رماح قائلة :
– شوف شغلك يا رماح !!، ..اقترب من شاهي المنتفضة ذعرا احد الرجلين ليلقي فوقها بالكيش الخشن ويحكم ربطه، ثم حمله كجوال من البطاطا واتجه خارجا يتبعه الاخر مع رماح الذي نادته زينب فاتجه اليها فقالت محذرة:
– ولا حرف من اللي حوصل إهنه يطلع لحد واصل ، ولا حتى سيف بيه، وطبعا الحاج ما يعرفش كلمة ، مفهوم ولا لاه؟…
أومأ رماح برأسه مرارا وهو يقول بخوف ينافي هيئته المرعبة:
– مفهوم، مفهوم يا ستي الحاجة، مفهوم يا كَبيرة ..
قالت زينب بتهديد:
– انت عارف لو حرف واحد خرج من خشمك إنت ولا حد من الرجالة التانية هعمل فيك إيه؟. أجاب رماح بخوف بينما نظراته تدل على خفّة في العقل:
– هتضربيني يا كبيرة !، همست زينب بوعيد :
– لاه، الضرب ديه مش لـِسنّك يا رماح، انما هخليك لا تحصل راجل ولا….مَرَهْ! ، فهمت؟!!..
فتح رماح عينيه على وسعهما وتمتم بذعر:
– فهمت ، فهمت يا كبيرة ..
زينب وهى تأمره بالانصراف:
– خلاص، روح دلوك ، وزي ما جولتلك الوكل والشرب يتحطوا لها مرة واحده بس في اليوم ، والحاجه اللي تخليها تصلب طولها بس، احنا مش هنعلفها، خليها تكفّر عن بلاويها، مفهوم كلامي ؟!..
أومأ رماح متمتما بنعم وانصرف لتنفيذ أمر سيدته التي زفرت بعمق وحمدت الله في سرّها على أستطاعتها ازاحة هذه العاهرة قبل ان ينتبه زوجها ، ثم حانت منها نظرة الى خارج الباب حيث اختفى سيف ومنة منذ فترة وقالت وهي تتنهد:
– يا ترى يا سيف يا ولدي عملت إيه مع المسكينة ديْ؟!…
**************************************************
– سيف يا ولديْ، ايه اللي مجعدك إهنهْ؟!..، هتفت زينب بذلك ما أن أبصرت سيف جالس على الأرض مستندا بظهره الى باب غرفة النوم، ما ان سمعها سيف حتى انتفض واقفا واقترب منها وهو يقول برجاء:
– منة، منة يا أمي ، من ساعة ما دخلت وهي قافلة على نفسها، انا هموت من قلقي!…
أبعدته عن طريقها واتجهت الى الباب لتطرقه بدقات حانية وهي تناديها قائلة:
– منة، منة يا بتِّيْ، افتحي الباب يا حبيبتيْ، أني أمك الحاجّة..، لم يكن هناك أي استجابة، فانتقل قلق سيف اليها، نظرت الى ولدها وقالت:
– ماتخافش يا ولدي، ثواني وجاية…، وانصرفت وما هي الا دقائق معدودة مرّت على سيف كسنوات ضوئية.. حتى أتت زينب مهرولة واتجهت الى الباب ففتحته بمفتاح آخر، قالت وهي تدير المفتاح في قفل الباب:
– الحمدلله إن معايا نسخة من كل مفاتيح الابواب اللي إهنه، إطمن يا ولديْ..، فتحت الباب ولكنها عندما دفعته أبى أن يُفتح سوى شق بسيط، نادت بقلق:
– منة، منة يا بتّي ، سمعت صوت أنين مكتوم، فنظرت الى سيف الواجم أمامها وهتفت:
– إلحج البنيّة يا ولديْ ، لم تكمل عبارتها إلّا وسيف يدفع الباب بكتفه وهو يقول :
– عنك يا أمي، وانفتح الباب ليكشف عن منة الساقطة مغشيّا عليها خلفه!!..
ضربت زينب على صدرها براحتها وانتحبت وهي ترى منة وقد شحب وجهها وحاكى شحوب الموتى:
– يا ضنايا يا بتِّيْ، بينما أسرع سيف بحملها ووضعها فوق الفراش بخفة، ثم جلس بجانبها وأخذ يربت على وجنتها وهو ينادي بألحاح بينما سكبت والدته كوب ماء وناولته اياه لينثر بعضا منها على وجهها ولكنها لم تستجب وما أثار الذعر في أوصاله أنها استحالت كقطعة رخام باردة بين يديه!!…
هرولت والدته حيث منضدة الزينة لتأتي بأحدى العطور المصفوفة، رشّت بعضا منها في راحتها ووضعتها على أنف منة والتي أيضا لم تستجب، فما كان من سيف الا أن إحتضنها بقوة وأزاح يد أمه وتحدث بنبرة شاردة غريبة:
– إبعدي عنها يا أمي، خلاص، هي هتبقى كويسة، لازم هتبقى كويسة ، …ثم أسند وجنته الى رأسها وهو يتابع بينما رفع يدها اليمنى ليقبل باطنها:
– منة حبيبتي، منة انا مقدرش أعيش من غيرك، منة..، وطفق يقبل كل إنش في وجهها ويدها ثم يعود الى زرعها في أحضانه مجددا وهو يتمنى لو استطاع إدخالها الى داخل صدره ليغلق عليها فيضمن ألّا تبتعد عنه مقدار أنملة!!..
هتفت زينب بلوْم:
– جرى ايه يا سيف ولديْ، ديه وجت الحديت ديه، مرتك هتبجى زي الفل ان شاء الله، روح إنت جيب الدكتور، وأني هفضل معاها لحد ما تاجي..
رفع سيف عينين معترضتين وقال:
– لا، أنا مش هسيبها ، خلِّي رماح يروح للدكتور!،،
لم تستطع زينب اخباره بمكان وجود رماح الآن، فهتفت به:
– جوم يا ولدي، رماح راح مشوار شوية وراجع ولازمن نطمن ع البنيّة ..، لم يجد سيف بدّا من الاستماع الى نصيحة والدته، احتضن منة بقوة مقبلا إيّاها وكأنه ينفث فيها قبلة الحياة، ثم تركها هامسا:
– شوية صغيرة يا مُنايا وجايْ، اوعي تسيبيني ..
ثم نهض سريعا متجها الى الخارج وقال قبل ان يخرج لأمه:
– خلِّي بالك منها يا أمي، أنا مسافة السكة!!..
خرج الطبيب من غرفة منة وكانت ترافقه زينب، أجاب على سؤال سيف الظاهر في عينيه:
– المدام عندها حمّى شديدة للأسف، أنا كتبت لها ادوية خافضة للحرارة، لو الحرارة من هنا للصبح ما نزلتش لازم تدخل المستشفى، الحرارة ارتفعت مرة واحده وبصورة غريبة وفوق الـ 40 كمان، لازم تنزل بأي طريقة، أنا ادتها حقنة دلوقتي، وحقنة تانية تاخدها بعد 12 ساعة، غير الادوية اللي لازم تاخدها في مواعيدها، وأهم حاجه الغذا، واضح جدا ان المدام بتعاني من سوء تغذية، ولو اتكرر موضوع الاغما دا تاني يبقى لازم تحليل دم كامل ، شكر سيف الطبيب وأشار لمهجة بمرافقته الى الباب بعد أن أعطاه أجرته …
دخل الى الغرفة فوجد والدته وهي تقوم بعمل كمادات باردة لها، تناول منها المنشفة القطنية الصغيرة، وقال:
– قومي انتي يا أمي ارتاحي، أنا هسهر جنبها!!..، ربتت أمه على كتفه قائلة:
– أني هروح أعملها عصير برتُجان، الدكتور جال العصاير مهمة جوي لحالتها….، الحمدلله أن البنات راحوا مع سميحة أختك ولّا كانو اخترعوا عليها دلوك!!..
وانصرفت تاركة اياه غير واعي لمغادرتها فجُلّ اهتمامه راقدا أمام عينيه لا حول له ولا قوة !!…

– عشان خاطري يا بنيتي، خلصي وكلِكْ، احنا ما صدجنا، انتي كنتي فين وبجيتي فين!!…
نظرت منة الجالسة فوق فراشها الى حماتها بابتسامة صغيرة بينما يشي ذبول وجهها الواضح بمدى مرضها الذي شارف على الانحسار، وقالت بصوت واهن ضعيف:
– معلهش يا ماما الحاجة، مش قادرة ، حاسة اني لو أكلت لقمة كمان هرجّع…..
أجابت زينب وهي تضع ملعقة الطعام جانبا:
– أني مش عاجبني حالك يا بتّي، إنت عارفة ان عمّك الحاج هيتجنن عاوز يشوفك لولا الدرج عفش عليه كان طلع لك، جولناله انه جاتك نزلة برد وعرة جوي هي اللي رجدتك إكده، تمام زي ما جولنا لِهَلِكْ لما كلمونا يطمنوا عليكي وعلى الحاج إكمنك جعدت كم يوم مش تكلميهم، شوفي يا بتي أني مش عاوز أتكلم في حاجه تكدّركْ، لكن لازمن تسمعي الكلمتين اللي هجولهوملك دول، سيف ولدي غلط، وغلطة كبيرة جوي، بس مين منينا مش بيغلط يا بتّي؟!، اني عمري ما شوفت سيف بالحالة اللي هو فيها ديْ!، صدجيني مش بتكلم اكمنه ولديْ، لكن شكله يا نضري لا يسر عدو ولا حبيب، وجولتلك جبل سابج لو حد من بناتي حوصله اللي حوصلك ديه كُنت هجول نفس الكلام، انتي المهم تاخدي بالك من صحتك، أما سيف فديه هنربيه من اول وجديد، زي ما اتفجنا ، وأي حاجه تانية شيليها من بالك، ما تستاهلش انك تفكري فيها!!….
نظرت منة اليها وقالت بابتسامة ساخرة صغيرة:
– أنسى!، أنسى ايه يا ماما الحاجة؟، أنسى انه خانني، ولا انه جاب واحده من الشارع وعمل راسها براسي؟، ولا …أنسى منظرها لما جات له هنا؟..
ربتت زينب على يدها وقالت:
– معلهش يا بتي واحدة واحدة، المهم دلوك صحِّتك انتي..
قاطع حديثهما رنين محمول منة فاجابت المتحدث الذي لم يكن سوى نادر!، الذي سارع للاطمئنان عليها فور معرفته بمرضها من خالته والتي لا تزال لديهم هي وعبدالعظيم زوجها بينما عاد احمد الى القاهرة لينهي أوراقه اللازمة لعودته الى البلد الخليجي حيث يعمل، كانت مكالمة قصيرة تبادلا فيها الاخبار واعتذرت منة من نادر على تقصيرها في عملها بالنسبة الى مكتبه، حيث كانت قد أحضرت النماذج معها للعمل عليها، ولكنه قاطعها مؤكدا أن أهم شيء سلامتها وألا تلتفت الى أي شيء آخر، وقام بسرد نادرة من نوادره الطريفة ليُذهب عنها الحزن الذي سمعه في صوتها، ضحكت منة على طرفته وأنهت المكالمة وهي لا تزال تبتسم، نظرت اليها زينب وابتسامة صغيرة ترتسم على محياها وقالت وهي تشير الى المحمول في يدها:
– الحمدلله اني سمعت ضحكتكي!، شكل المكالمة ديه وشّها حلو عليكي ..
أجابت منة بتلقائية:
– دي من نادر ابن خالتي كان بيطمّن عليّا، عرف من ماما اني تعبانه، بصراحه نادر الوحيد اللي لما تقعدي معاه يقدر تخليكي تضحكي وانت في عزّ زعلك !!…
سكتت زينب قليلا ثم سألت باهتمام :
– هو وِلد خالتك ديه متزوج؟، أشارت منة برأسها نفيّا وقالت:
– لا .. ، ابتسمت زينب ابتسامة نصر صغيرة على شفتيها وقالت وهي تغمز بعينها اليمنى في خبث:
– حلو جوي، فاكرة الخطة اللي جولتلك عليها عشان نربي سيف ولديْ؟، أومأت منة بالايجاب وهي في حيرة من أمر حماتها التي تابعت بحماس:
– اتفرجي بجه عليّ وأتعلمي يا بت المدارس، أني صحيح حرمة جاهله لا دخلت مدارس ولا جامعه، ومتربية في الصعيد إهنه مش في البندر، لكن وبفضل الله حماتك مخّها يوزن بلد، ولما وعدتك اني هجيبلك حجّك من ولديْ ، ما كانشي كلام وبس،لاه….، بكرة هتتوكدي من كلامي صوح…..ودلوك بجه جِه الوجت اللي هنربيه فيه لحد ما يجول حجي برجبتي !!..
لم يتثنى لمنة التعقيب على كلام حماتها اذ سرعان ما طرق الباب بطرقات صغيرة أتبعها دخول سيف، تجهم وجه منة ما ان شاهدته، فهي لم تخاطبه ولم تنظر اليه منذ ما حدث، فما ان أفاقت من اغماءتها وقد شاهدته راقدا بجوارها حتى قاطعته ولم تقبل بالحديث معه أبدا، ولكنه لم يكف عن زيارتها والاطمئنان عليها، بينما ذهبت البنتان لدى سميحة للاقامة معها لحين شفاء أمهما وكانا يأتيان لرؤيتها يوميا والعودة مع شقيقته ثانية والتي أحباها وأحبا اللعب مع أولادها…..
أشاحت منة بوجهها جانبا في حين تعامل سيف مع الأمر بصورة عادية، سار حتى وقف الى جوارها ونظر الى صينية الطعام ليرى أنها لم ينقص منها الا أقل القليل، تحدث بعتاب خفيف:
– كدا بردو يا منة ما أكلتيش!..
قالت زينب بزفرة عميقة:
– مرتك مخها ناشف جوي، غُلبت فيها يا ولدي ، ما عيزاشي تاكل واصل، يدوب شربت حبة شوربة بالعافية، شكلها إكده صعيدية، مش بتوافج بسهولة، ..سكتت قليلا لتتابع غامزة منة في غفلة من سيف بمكر:
– ولا نجيب لك ولد خالتك علشان ترضي تاكلي؟، اللي يخليه يجدر يضحكك يبجى سره باتع !!..
شحب وجه منة وهي ترى سيف والانطباع الذي وصله، أغمضت عينيها بقوة وهي تتمتم في سرها:
– لا لا ، ما لاقيتيش غير نادر يا حماتي!! دا غلبان !!، هي تعلم تماما مدى ضيق سيف من ذكر نادر، حانت منها التفاتة اليه لتراه ينظر اليها بتساؤل ونظرة سوداء أعتمت مقلتيه، بينما ينتفض عرق في رقبته دليل توتره، تحدث سيف بخشونة:
– ابن خالتها؟،…اجابت زينب:
– ايوة يا ولدي، اسمه نادر!!..
لاحظت منة بطرف عينها قبضة سيف وهي تتكور بقوة ويشد على اصابعه حتى بانت سلاميات اصابعه البيضاء، تساءل سيف محاولا قمع غضبه الذي بدأ بالتصاعد:
– وانتي تعرفي نادر منين يا أمي؟…
أجابت زينب:
– ما هو بسلامته كان بيتحدت إمعاها دلوك علشان يطمن عليها، بصراحه من يوم منة ما جات إهنه واني ما اسمعتش ضحكتها زي دلوكْ….
نظر سيف الى منة بحدة وعلّق:
– طيب كويس، يعني ضحكت معاه…
قالت زينب وهي تقف وتتناول صينيه الطعام قبل ان تتجه الى الخارج:
– أومال، ديه كركعت كمان مش ضحكت بس، إتعلم منيه شوفه بيجول ايه يخلي اللي جودامه ما يجدرش يمسك نفسه من الضحك زي ما مرتك حاكتلي !!….، وانصرفت غير مدركة للقنبلة المدويّة التي فجّرتها بكلماتها !! ….
نظر سيف الى منة قليلا بنظرات تسودها الغموض، قبل ان يتقدم ليجلس بجوارها فوق الفراش وهو يمد يده ليمسك يدها قائلا بهدوء:
– مش راضية تاكلي ليه يا منة؟، عجبك رقدتك دي؟!..
نفضت يدها بقوة من يده ورمته بنظرة ساخطة ثم أشاحت بوجهها جانبا ولم ترد عليه، كتم سيف غضبه بصعوبة وأعاد إمساكه ليدها ولكن بإحكام هذه المرة فكان نصيبه نظرة زاجرة لم يعلّق عليها وتابع بصوت بدأت وتيرته تتغير وان كان يحاول التحكم في غضبه الوحشيّ كي لا يفلت من عقاله:
– ما كنتش أعرف يعني إن نادر ابن خالتك بيكلمك!، لا تصدقي فيه الخير….كله زوء بصراحه !!…
استنكرت منة نبرة السخرية التي يتحدث بها سيف، وجذبت يدها من قبضته بقوة فيما نهضت من فوق الفراش والتفت لتنظر اليه ليتطاير شعرها حول وجهها بينما إنعكست اشعة الشمس القادمة من النافذة خلفها على شعرها لتجعل خصلاته الكستنائية تتوهج كألسنة اللهب، فيما بدا مظهرها في رداء النوم المحتشم الذي يلتف حولها يغطيها من أعلاها الى أسفلها بلونه الأبيض المزدان بكشكشات حول أساور أكمامه، بينما تحيط برقبتها قبّة من الدانتيل الأبيض تمتد حتى بداية صدر الثوب، كان مظهرها بالرغم من احتشام ثوبها في غاية الفتنة بالنسبة له!، فقد بدت كطفلة صغيرة ترتدي رداء النوم الخاص بوالدتها!، بينما أظهر انعكاس ضوء الشمس عليها مفاتنها الانثوية المختفية خلف هذا الثوب الذي أتتها به حماتها في لفتة منها كي تبعث السرور الى نفسها، فقماشه الحريري المزدان بالدانتيل كان في غاية النعومة والرقة مما جعلها تلبسه كي تحاول إرضاء هذه السيدة التي لا تألوا جهداً كي تسري عنها!
وقفت امامه قائلة باستخفاف ظاهر:
– نادر طول عمره بيفهم في الزوء والواجب والأصول، وما اسمحش أنك تتكلم عليه بالاسلوب دا !!..
كان يستفزها عامدا كي تتحدث معه وان كان للمشاجرة!، فلقد افتقدها حقًّا وافتقد حديثها وصوتها ونظراتها المنصبة عليه وان كانت لوما أو تقريعا أوعتابا كما هو الحال الآن!، ولكن دفاعها عن ابن خالتها لم يرُق له، فنهض من مكانه وتقدم بضعة خطوات حتى وقف أمامها وقال فيما هو يضع يده اليمنى في جيب بنطاله:
– وأنتي ايه اللي ضايقك بالشكل دا؟، ولا يمكن تكوني ندمانه انك ما استنيتيش يتقدم لك رسمي ووافقتي عليا أنا الأول؟!، قطبت منة وهتفت باستهجان وهي تشيح بيدها:
– إيه؟، انت بتقول ايه؟، هو مين دا اللي يتقدم لي؟…
أجاب سيف ساخرا بينما تكورت يده في جيبه لتشكل قبضة قوية من فرط غضبه:
– ايه.. عاوزة تقوليلي انك ماتعرفيش ان ابن خالتك المحترم كان عاوز يتقدم لك واتصدم لما لاقانا اتخطبنا؟!!..
شهقت منة واضعة يدها فوق فمها قائلة:
– معقولة؟، نادر…
كرر سيف عبارتها باستخفاف:
– ايوة نادر!، نادر اللي بيكلم واحده ست متجوزة وبيتعمد يصطاد في الماية العكرة وهو حاسس انه فيه خلاف بيننا!، نادر اللي عمّال يلف حواليكي ، من امتى تقدري تقوليلي بيكلمك فون يطمن او أي حاجه؟، احنا متجوزين بقالنا اكتر من 4 سنين عمره في مرة كلمك حتى في ولادة بناتنا؟، كانت خالتك بس اللي بتيجي تزورنا او تتكلم وهو ..لأ، تقدري تقوليلي ايه اللي خلّاه يتكمل دلوقتي علشان يطمن عليكي ؟، لأ وايه ما خلصوش تكوني زعلانه فضل وراكي لغاية ما ضحكتي!!..
هتفت منة عاليا وهي تشهر سبابتها في وجهه قائلة :
– إخرس !!..، بُهِت سيف وقال:
– إيه؟…، تابعت منة بعنفوان:
– بقولك إخرس!، اوعى تقول كلمة زيادة بعد كدا!، انت فاكر علشان انت خاين يبقى انا كمان خاينة زيك؟، ولا نادر هيخون اهله وربّه قبلهم ويبص لواحده متجوزة؟، لكن هقول ايه… كل يرى الناس بعين طبعه!، وطالما وصلت لغاية هنا .. يبقى كدا خلصت !!..
تحدث سيف بهدوء ينذر بهبو عاصفة هوجاء لم تنتبه اليها منة في خضم غضبها الصارخ:
– يعني ايه مش فاهم؟..
أجابت منة وهي تنظر اليه بتحد:
– يعني ماما وبابا جايين مع نادر بكرة ولا بعده بالكتير وأنا هاخد بناتي وأرجع معاهم !!…
تقدم سيف بضع خطوات وئيدة ووقف على بعد انشات منها وقال :
– معلهش ممكن تعيدي كدا؟، مين اللي هيسافر مع مين؟، ومين أصلا اللي هيسمح لك بالجنان اللي انتي بتقوليه دا؟…
لم تستطع منة الصمت أو ادعاء البرود أكثر من ذلك وصرخت عاليا:
– أنا اللي بقول!، وانت خسرت حقك انك توافق أو ترفض، بقول أني أرفض أعيش مع واحد خاين كدّاب زيّك، عرفت بقول ايه يا باش مهندس ولا أقول كمان؟!!
سكتت وهي تلهث بعد انفجارها المدوي في وجهه بينما انتشرت خصلات شعرها الثائرة حول وجهها فيما كان صدرها يعلو ويهبط وهي تحاول إلتقاط أنفاسها اللاهثة، ودموعها تلمع بإباء في مقليتها رافضة النزول، لن تبكي ثانية، يكفي ما سكبته من دموع من أجل ما فعله بها ، وقفت شامخة بينما تقضم شفتيها بأسنانها اللؤلؤية الصغيرة بتوتر ظاهر كعادتها دائما عندما تتعرض لأي انفعال أو قلق ، تقدم منها قاطعا الانشات البسيطة التي تفصلهما بخطوات وئيدة ووقف أمامها يطالعها بنظرات يسودها الغموض، ثم أخرج يده من جيبه ، بينما وقفت هي تراقبه بنظرات حاقدة غاضبة لتتحول الى شهقة مختنقة عندما مد يده الى شفتها السفلى ليخلصها من براثن أسنانها، ويمسح عليها بطرف إبهامه الخشن، ثم مال عليها يهمس بخطورة:
– علشان أنا عاذرك … مش هحاسبك على الكلام اللي قولتيه دا، ومش محتاج أقولك أنا عملت إيه، أظن انت كنت حاضرة كل حاجه ، وواعية للي انا عملته وبعمله علشان أكفّر عن غلطتي في حقك وحق نفسي وحق ربي قبل أي حاجه تانية، لكن أقسم بالله يا منة اني هعرف أحط لعنادك دا حد، هي كلمة واحده … سفر من هنا مستحيل ، مش هتتنقلي خطوة واحده من غيري ، رجلي على رجلك ، وسي روميو اللي مستنيكي دا وجاي لغاية هنا برجليه أنا هعرف أتصرف معاه ، قودامه حل من اتنين ، يا يبعد عنك خالص وينسى إسمك بالمرة ، يا إمّا ….عُمره !! ،،،
شهقت محتجه ورفعت اليه عينان ثائرتان تموجان بغضب عاصف وحاولت الفكاك من أسر يده لوجهها ولكن دون طائل بينما همست بفحيح من بين أسنانها جعلته يشتم عطر أنفاسها الساخنة التي لفحته برائحتها التي استثارت جميع حواسه فغدا الدم يجري ساخنا في عروقه ، وقد غشيت عيناه نظرة مبهمة لم تعيها وهى تتحدث بانفعال:
– أوعى تفكر انك تقدر تسجني عندكم هنا، لو عاوزة أمشي من هنا مافيش قوة على الارض هتقدر تمنعني أني آخد بناتي وأمشي ، وتهديدك دا علشان نادر أحسن لك تسحبه ، نادر بني آدم محترم وعمره ما تجاوز حدوده معايا ، حتى لو كان فكّر فيّا في يوم من الأيام زي ما قلت فـدا شيء طبيعي ، لكن عمره ما قلل من قيمتي، ولا عمل أي شيء يقلل من احترامي له أو احترامه ليّا!
تحدث سيف بنرة هامسة تحمل في طيّاتها خطورة كامنة بين أحرف كلماته:
– واضح انك لسه مافهمتيش!، انتي خط أحمر بالنسبة لي، منطقة محرّمة…..وأي حد يقرّب من المنطقة دي يبقى حكم على نفسه بالموت !!…
فتحت فاها دهشة مما تسمعه، فما تراه أمامها الآن جانب جديد من سيف لم يسبق لها وأن اختبرته سابقا!، تابع وهو يمسك بشفتها السفلى بين إبهامه وسبابته :
– وأظن سبق وإني حذرتك قبل كدا إنك تلعبي في ممتلكاتي!!
قطبت مستهجنة وهمّت بالسؤال ليسبقها قائلا وهو يميل ناحيتها لتشتم رائحته الرجولية المثيرة التي استنشقتها بالرغم منها حتى أنها شعرت بها تسري في دمها وتشيع الفوضى في أوصالها:
– انتي كلك ملكي، و… شفايفك دي ممتلكات خااااصة جدااا ليّا!!…
لم يمهلها الحديث لينقض عليها ملتهما شفتيها في قبلة حسيّة خدّرت جميع حواسها، بينما التفت يداه حولها يطوقانها بقوة آلمتها، ولكنها لم تستطع الابتعاد عن أسر ذراعيه، لتستسلم الى طوفان حبه بعد مقاومة شرسة منها في البداية وإصرار أعنف منه قبل أن تضعف مقاومتها لتصبح مقاومة واهنة حتى خضع قلبها لجبروت عشقه فرفعت راية الاستسلام، لترتفع ذراعيها عاليا يعانقان عنقه الضخم القوي، بينما تعتصر ذراعيه جسدها الهشّ لتلتصق به بشدة، حتى أضحا وكأنهما شخصا واحدا ، تماما.. كالتوأم السيامي لا سبيل لفصلهما !!……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *