رواية المستحيل بقلم شاهندة

قالت نبيلة بهلع: لا ياابني أمك مكنتش تعرف انك…
قاطعها قائلا بقسوة: قلتلك مش عايز أسمع أي حاجة عنها ولا يكون ليا أي صلة بحد فيكم، من فضلك اطلعي برة ومش عايز أشوف وشك هنا تاني.
اتسعت عيناها بألم واغروقت بالسائل حيويوع بينما قالت منيرة برجاء: خالد ميصحش…

قاطعها قائلا: من فضلك ياماما، متدخليش. عايزة تدافعي عنها وهي جاية تسائل حيوير حياتك بإيدها. آسف. انتهى الكلام. لسة واقفة هنا بتعملي ايه ياست نبيلة؟ قلتلك اطلعي برة.

نكست نبيلة رأسها تجر خطواتها للخارج تتبعها صفية التي ترددت للحظات قبل أن تتوقف وتعود إليه قائلة بألم حازم: والدتي كان مستحيل تيجي هنا وتكسر قلبك بالشكل ده لو مكنتش مسألة حياة او موت. هي جت النهاردة مش طالبة أكتر من انسانيتك. حتى ياسيدي لو مش من لحمك وسائل حيويك. فدى إنسانة خلاص بين ايدين ربنا مستسلمة للموت وفي ايدك بس نجاتها منه بعد مااستسلمت ليه. انت متعرفش هند. متعرفش قد ايه هي واحدة طيبة مأذتش حد في حياتها بس أقرب الناس ليها أذوها، شافت كتير ياقلبي. أبوها مات وهي لسة مكملتش 3 سنين وأمها ماتت وهي عندها خمس سنين. خدناها في احتضاننا وبقت بالنسبة لي الأخت اللي أمي مجابتهاليش، ولما كبرت واتجوزت حماتها أذيتها كتير بس كانت دايما بتعاملها بالحسنى لأنها ملاك مبقاش موجود منها كتير على الأرض، ولما جالها المرض اللي بيقضي على حياتها جوزها الندل اتخلى عنها وسابها للموت ودلوقتي حتى اخوها بيتخلي عنها وكأن الملايكة مش لازم يعيشوا على الأرض. عايز تسيبها تموت اتفضل بس انا مش هسامحك أبدا ولا ربنا هيسامحك وعيش بذنبها لو تقدر.

كان يطالعها بوجه جامد الملامح ولكنها تدرك تأثره من خلال اختلاج عضلات فكه، طالعته بنظرة أخيرة حملت عتاب أليم قبل أن تستدير وتجري لتلحق أمها، تصدعت ملامحه الجامدة وظهر عليه الألم، نهضت منيرة تتجه إليه وتضع يدها على كتفه فانتفض يطالعها للحظات بعيون زائغة قبل أن يسرع هاربا من أمامها إلى حجرته، يغلق بابها عليه قبل أن ينخرط في بكاء حاد.

ممكن أعرف قافل عليك الأوضة وعامل في نفسك كدة ليه؟
طالعه خالد بملامح جامدة وهو يقول: من فضلك ياأدهم أنا مش عايز أشوف حد دلوقت.

اقترب منه أدهم يمسك كتفيه يهزه بقوة قائلا: انت ايه مشكلتك ماتفهمني؟ ايه يعني طلعت فجأة مش ابن الناس اللي ربوك؟ ايه يعني اكتشفت انك ابن ناس تانيين. هتفرق في ايه يعني؟ ده هيقلل منك؟ لأ طبعا. خالد اللي الكل يشهد بأخلاقه. اللي الكل بيحبه. خالد الصاحب الجدع ورجل الأعمال الناجح ميعيبوش أصله. وأصلك ست عمرها مااتخلت عنك. كانت ضحية، ووالدتك؟ الست اللي ربتك وتعبت عليك واديتك من حنانها طول السنين اللي فاتت دي ذنبها ايه تسيبها في الحالة دي؟ سائل حيويوعها مابتخلصش وانت رافض تسمعها أو تسمحلها تقرب منك. جرالك ايه ياخالد؟

نفض عنه يد أدهم قائلا بمرارة: بتلومني مش كدة؟ جرب تعيش كدبة كبيرة فجأة تلاقيها سراب، جرب احساس انك تكتشف فجأة ان ليك أم ماتت من غير ماتشوفها واخت متعرفش عنها حاجة وانت تعرف انا حاسس بإيه دلوقت.
طالعه أدهم بعتاب قائلا: بس ليك أم عايشة هتموتها بحالتك دي. والأخت اللي بتتكلم عنها محتاجالك ياخالد. كل لحظة بتضيعها ممكن تكون آخر لحظة ليها.

ليتنهد قائلا: مش ممكن تكون خالد اللي عرفته طول حياتي. اللي كان بيساعد الغريب قبل القريب، دلوقتي لما أخته احتاجته اتخلى عنها عشان كلام تافه وملوش أي لازمة.
ظهر الصراع على وجه خالد وهو يقول: انا متخليتش عن حد. انا. انا…

انت ايه ها؟ مجروح؟ الوقت قدامك هيداوي جرحك ويطيبه وبسهولة جدا طول ماحواليك ناس بتحبك وواقفة جنبك، لكن أختك دي مقسائل حيويهاش وقت. مابين لحظة والتانية هتستسلم للموت و قلبها هيقف ووقتها صدقني مهما بكيت مش هترجعها ومهما عملت مش هتقدر تمحي ذنبها اللي هيطارد ضميرك طول العمر. فكر ياصاحبي بس ياريت تفكر بسرعة لان الوقت أكيد مش في صالحك.

قالت نبيلة بهلع: يعني ايه الكلام اللي بتقوله ده يادكتور؟
زي ماقلتلك ياست نبيلة حالة هند بتدهور ولو ملقيناش متبرع في أسرع وقت فأنا آسف مضطر أقولك انها مهددة بالموت في اي لحظة.
شهقت صفية وهي تضع يدها على فمها تكتم صرخة ملتاعة بينما رددت نبيلة بانهيار: ياحبيبتي يابنتي. ياحبيبتي يابنتي.
المتبرع موجود يادكتور، أنا مستعد أعمل الفحوصات علطول.

استداروا يطالعون المتحدث ليظهر الأمل بعيون صفية وتغرق السائل حيويوع عينا نبيلة وهي تطالع ابن أختها الذي وقف بهدوء يصحبه شابا في مثل سنه او أكبر قليلا وسيما بدوره قمحي البشرة أسود العينين تظهر الطيبة على ملامحه، بينما قال الطبيب بحيرة: حضرتك مين؟
قالت نبيلة بفخر: ده يبقى خالد. أخو هند الكبير يادكتور.

 

الفصل السابع

كانا يستلقيان على سريرين متباعدين بعض الشيء تتصل أجسادهم ببعض الأسلاك التي تربطهم بأجهزة قياس مؤشراتهم الحيوية، بينما تتطلع إليهما قلوب حملت لهما حبا من خلال نافذة الحجرة حيث منعهم الطبيب من الدخول يكتفون بمشاهدتهما على أمل أن يستيقظا قريبا ويعيدا لهم أنفاسهم المأخوذة قلقا وقلقا. خرج الطبيب إليهم بعد فحص هند وخالد قائلا ببشر ما ان التفوا حوله: أحب أطمنكم دلوقتي وأقولكم ان العملية نجحت ووضع المريضة وأخوها كويس جدا الحمد لله.

قالت منيرة من خلال سائل حيويوعها: لما خالد وضعه كويس زي مابتقول يادكتور ليه مفاقش لحد دلوقت؟ وهند هي كمان مفاقتش.

خلوني أفهمكم. في العملية بندخل حقنة كبيرة لعضم المتبرع وبناخد أجزاء من نخاعه اللي غالبا بتبقى من عضم الحوض ودي حاجة مش سهلة طبعا وممكن تأثر على المتبرع وأنا فهمت الكلام ده للأستاذ خالد قبل مايخضع للعملية. زي ألم في الضهر مكان الحقنة، صعوبة في المشي، دوخة رغبة في القيء، فقدان شهية بس الأعراض دي كلها هتروح بعد كام يوم وهيستعيد المتبرع نشاطه الكامل في خلال كام أسبوع. مسألة فوقانه دي وقت ممكن دقايق ساعات أو ليلة بالكتير. هو هيفضل هنا تحت الملاحظة لمدة 48 ساعة و لازمله طبعا الراحة التامة.

نكست منيرة رأسها بألم وكادت أن تسقط أرضا فأسندها أدهم على الفور ومشي بها تجاه المقاعد المواجهة لغرفة العناية المركزة ثم أجلسها بينما يردف الطبيب: أما بالنسبة للمريضة فنفس الكلام هتفوق اول ماجسمها يتأقلم مع وضعه الجديد، لازم ناخد بالنا منها الفترة الجاية لان مينفعش تصاب بالعدوي اللي هتأدي لفشل عملية الزراعة أو ممكن تتلف عضو تاني في الجسم لا قدر الله زي القلب أو الكلى وفي بعض الأحيان. الوفاة.

قالت نبيلة بلوعة: ياحبيبتي يابنتي. كان مستخبيلك ده كله فين؟
متقلقيش ياست نبيلة بإذن الله مدام هند هتكون بخير، أنت بس ادعيلها. وبعد اذنكم مضطر أمشي عشان ورايا عملية تانية.
قالت صفية: اتفضل يادكتور.
ذهب الطبيب بينما جلست نبيلة على أقرب مقعد تردد: اللهم اني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.

ربتت صفية على كتفها قائلة: خلاص ياماما اهدي. الدكتور قال منقلقش، ربنا زي مابعت اللي ينقذها في اللحظة الأخيرة قادر يكمل شفاها على خير.
شوفتي ياصفية. هي ياقلبي هنا بين الحيا والموت والبيه طليقها بيتجوز النهاردة ولا على باله. منه لله. خدها وردة مفتحة ورماها بعد ماقطفها وداس عليها بجزمته بس ربك المنتقم الجبار اللي ميرضاش بالظلم. حسبي الله ونعم الوكيل فيك ياعادل ياابن نجية. حسبي الله ونعم الوكيل.

كان أدهم يستمع إلى كلمات السيدة نبيلة فحانت منه نظرة إلى المرأة النائمة كالملاك جوار صديقه، شعر بالشفقة عليها. كيف يمكن لفتاة كهذه التي يحكون عنها منذ أيام ان يتخلى عنها زوجها الحقير حين احتاجت إليه؟ كيف طاوعه قلبه ليبعث لها بورقة طلاقها حين احتاجته سندا في أزمتها؟ كيف لرجل تجري سائل حيوياء الرجولة في عروقه أن يفعل شيء بغيض كهذا؟ إن لم يكن يحبها حتى فأين آسائل حيوييته؟ مايجعل الإنسان مستحقا لهذا اللقب العظيم هو قلب لن يتخلى عن إنسان يمر بأزمة. مابالك أن يكون هذا الإنسان في كنفك؟

ستسأل عنها أمام الله ولن تستطيع أن تقول كنت لها سندا ووطنا لإنك حقا كنت ظالما جبارا عتيا.

دلف إلى الحجرة فوجدها تأكل، ابتسمت قائلة: معلش سبجتك ياسي عادل أصل مكلتش لجمة من صباحية ربنا، يلا تعالي سمي الله وكل معايا.
هز رأسه رافضا بأدب قائلا: مليش نفس ياوردة كلي انت وأنا هشرب سيجارة في البلكونة على ماتخلصي.

هزت رأسها فتوجه إلى الشرفة ووقف هناك يطالع الطريق، أخرج علبة سجائره وأشعل إحداها ينفث دخانها بمشاعر تجتاحه منذ تركها، هي مزيج من النسائل حيوي والمرارة والذنب، مشاعر تتعاظم بداخله كل يوم رغم أن كلمات والدته وتذكيره بما كانت تفعله هند بها من وراءه يبعدونها بعيدا عن تفكيره ولكنها تعاود للظهور ماان يختلي بنفسه حتى أنه أسرع بالزواج من ابنة عمه حتى يجد فيها مخدرا لهذه المشاعر فإذا بموقف بسيط كالذي حدث منذ قليل يعيد إليه مشاعره بقوة ويجعله رغما عنه يقارن بين هند ووردة، فالأولي لم تكن لتضع لقمة في جوفها دونه، تنتظره وإن طال غيابه. تجد في إطعامها إياه وإطعامه إياها حبا كما اعتادت ان تقول.

سي عادل أني خلصت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *