رواية المستحيل بقلم شاهندة
اغروقت عيناها بالسائل حيويوع تهز رأسها ببطىء فابتسم بحنان قائلا: يبقي تمسحي سائل حيويوعك دي حالا وتدخلي تفرحي هند بوجودك جنبها زي مافرحتينا باقتراحك. شاركيها فرحة كنت لوحدك السبب فيها. اسنديها وقويها وصدقيني هتلاقي نفسك أقوي من الماضي وقادرة تعديه.
ترك يدها في هذه اللحظة فهمست قائلة: انت أخ عظيم قوي ياخالد وانا فرحانة بجد لانك موجود في حياة هند، وياريت تعتبرني أختك لانه شيء هيسعدني بجد.
اكتفي بابتسامة هادئة بينما تستدير صفية عائدة للداخل بينما يهمس خالد قائلا: دقة قلبي بتقوللي انك مش هتنفعي تكوني اختي ياصفية. وان قدامي مهمة شبه مستحيلة عشان اقنعك بمشاعر اتولدت جوايا من يوم ماشفتك. بس عندي يقين انك قدري وان مهمتي حتى لو مستحيلة ففي النهاية هنجح فيها وهفوز بقلبك اللي زي الدهب ده.
سار يتبعها إلى الداخل بعزم ويقين محب.
قال أدهم باعجاب وهو يري دفتر رسومات هند: انت كنت فين من زمان. ايه الجمال ده؟ التصاميم فيها لمسة مش قادرة أوصفها بس فعلا مبهرة وكإني بتفرج علي تصاميم لمصمم عالمي.
قالت بخجل: مش للدرجة ياأستاذ أدهم. انت أكيد بتبالغ.
بتقولك بتبالغ. بص ياسيدي علي التصاميم وقولها انت جايز تصدقك.
تطلع خالد إلى الدفتر يقلب صفحاته بعيون امتلأت بدورها اعجابا، ينظر إليها قائلا: بيبالغ؟ علي فكرة ياهند. دي اجمل تصاميم فساتين سهرة وقعت عليها عينيا من يوم ما دخلت المجال. يمكن سر جمالها وتميزها أناقتها وشياكتها وبساطتها وأنوثة تفاصيلها وفي نفس الوقت مش واخدة منحني العري اللي موجود علي الساحة. انا مستغرب لحد دلوقت ازاي مابدأتيش كارير خاص بيك وانت بالموهبة دي.
ظهر الحزن علي وجهها فأطرقت قائلة: لما حسيت ان تصميم الملابس مبقاش هواية بالنسبة لي وبس، لأ بقي حاجة أكبر من كدة. اتجوزت والجواز بيبقي مقبرة الأحلام او الطموح. رفض عا…
صمتت للحظة ليشعر الجميع بثقل أحرف اسم طليقها علي روحها، ربما يذكرها بطعنة الغدر التي تلقتها منه، لتردف قائلة وهي ترفع عينيها إليهم قائلة بمرارة: رفض وطلب مني أركز في بيتي وفي الأطفال اللي هنجيبهم للدنيا. استسلمت ووافقت. الحب أصله أعمي والواحدة فيه بتسلم أمورها لحبيبها وبتحاول ترضيه من غير ماتاخد بالها انها بترضيه علي حساب نفسها.
قالت خالد: مش كل الجواز بيبقي مقبرة للأحلام، عندك أدهم أهو كانت مراته الله يرحمها خريجة اعلام ولما اتجوزها مطلبش منها تتوقف عن حلمها بانها تكون مراسلة للقناة اللي شغالة فيها رغم انها كانت بتضطر تسيبه وتسافر كتير. وحتى أجلت مشروع الأطفال لحد ماتحقق طموحها لكنه عمره مااشتكي ولا طلب منها تتخلي عن طموحها.
نظرت هند إلى أدهم تقول بابتسامة باهتة: الأستاذ أدهم مبقاش منه في زمانا ده ياخالد.
طالعها بنظرة طويلة وقد تسارعت خفقاته من جراء بضع كلمات بسيطة جاءت كإطراء له من هذه الملاك، بينما لم تستطع هي اشاحة نظراتها عنه وقد جذبتها نظرة عيونه الحانية. حتى قطع تواصل أعينهم صوت خالد الذي قال وهو يراجع دفتر الرسومات: ناقص بس شوية تصاميم لأطقم صباحية ومسائية وبدل عملية للشغل وتبقي المجموعة كاملة.
رفع عيونه إلى أخته يقول: تقدري تخلصي الشغل ده كله في قد ايه ياهند؟
أسبوعين بالكتير.
قال أدهم بسرعة: خدي راحتك احنا لسة قدامنا وقت، انت لسة خارجة من عملية خطيرة وأكيد مش حابين نتعبك.
القلق بصوته رق له قلبها فقالت بابتسامة: مفيش تعب ولا حاجة ياأستاذ أدهم. دي حاجة بعملها وانا قاعدة في مكاني والجنينة هنا تجنن، هتديني باور جامد.
قال خالد بمرح: نفسي أعرف سر الجنينة دي اللي كل شوية حد يتسلل من وسطنا ويروح يقعد فيها. من شوية صفية ودلوقتي ماما وخالتي.
قالت صفية: جمال الطبيعة ياأستاذ خالد، جنة ربنا علي الأرض. قد ايه بتكون مريحة للنفس ومهدئة للأعصاب. ومثيرة للتفكير الإيجابي والإبداع أكيد.
كجمالك صغيرتي.
فكر خالد قبل أن يقول بمرح: خلاص يبقي ننقل شغلنا للجنينة هنا.
قال أدهم: والله فكرة.
ضحك الجميع ينظرون إلى بعضهم البعض وقد عمت الفرحة قلوبهم ليدرك كل فرد فيهم ان أيام الحزن قد ولت وأن السعادة باقية لاريب.
قبل يد والدته مودعا، ثم اتجه إلى الباب تصحبه دعواتها. خرجت وردة من الحجرة توقفه قائلة: سي عادل متنساش تاجي بدري، انت وعدتني تخرجني الليلة. أني بفكرك أهو.
قال عادل بابتسامة باهتة: منسيتش ياوردة وعامل حسابي. سلام.
غادر المنزل بينما استدارت وردة تنوي العودة إلى حجرتها حين وصلها صوت حماتها الهامس بحنق: شايفة البت لا صبحت ولا حتى عبرتني بكلمة لأ وكل اللي يهمها الدلع الماسخ والخروج.
استدارت تواجهها قائلة: بتجولي حاجة يامرت عمي؟
نهضت نجية تقول بحدة: آه يااختي بقول. ومقولش ليه ماانا فاض بيا، الواد في النازل وكل يوم ياضنايا بشوفه قدامي حاله يصعب علي الكافر، البسمة اللي كانت مبتفارقش وشه راحت وبقيت أشوف لها طيف باهت ملوش طعم. وانت ولا همك غير نفسك وخروجك كل يوم والتاني، بدل يااختي ماتتهبلي علي الفسح ماتتهبلي علي حتة ضنا يفرحني ويفرح الغلبان ده.
أطلقت وردة ضحكة ساخرة اتسعت لها عينا نجية باستنكار قبل ان تقول وردة: ولدك في النازل عشان عرف آخرتها يامرت عمي، الضنا اللي عتموتي عليه معيجيش الدنيا دي واصل. خابرة ليه؟
طالعتها بحيرة بينما تقول: عشان العيب في ولدك. ولدك مش عيجيب عيال واصل.
لتضحك مجددا بينما تتسع عينا نجية في دهشة.
تأملت هذا البساط الطبيعي الأخضر المليء بالآزهار الجميلة مختلفة الألوان. تغمض عيناها لتسمع زقزقة العصافير فتطرب لألحانها التي امتزج صوتها العذب بصوت خرير المياه في هذه النافورة القريبة، فتحت عيناها تنظر إلى السماء التي غابت غيومها وسطعت بها أشعة الشمس لتلون السماء بألوان الطيف فتبعث في الروح بارقة أمل ونشاط. أخذت نفسا عميقا ثم ابتسمت بارتياح وهي تمسك دفتر رسوماتها وتبدأ في رسم التصاميم المطلوبة منها بقلب مفعم بالسعادة، فكانت خطوطها تعكس هذه السعادة في قلبها. ليتردد هذا الصوت في قلبها ويمتد صداه إلى عقلها.
طريق طويل سأمشيه وسأحمل معي أماني الغالية
