رواية المستحيل بقلم شاهندة
تنهد قائلا: آه شفت.
نبرته ونظرته إليها أجبراها علي التطلع إليه بحيرة فأشاح ببصره عنها بارتباك يطالع صغيرته قائلا: بس عشان تكوني ديزاينر شاطرة لازم تدرسي كويس.
طنط هند ديزاينر شاطرة ومدرستش تصميم.
وجد نفسه يعود بعينيه إليها قائلا بنبرة حانية: طنط هند دي مفيش زيها.
ازدادت نظراتها حيرة فلم يستطع هذه المرة الاشاحة بعينيه، يود لو أومأ برأسه يجيب تساؤلات مقلتيها.
نعم أهواك. وعن الهوي أبدا لن أتوب.
سلب العشق قلبي فأشرقت شمسي بعد الغروب.
لا اري عيبا في قلب أحب. إنه مغلوب.
ومن قد يري ملاكا ولا يصير به مجذوب.
انه الحب يسلبنا الإرادة كما يسلبنا القلوب.
نسير في دربه مجبرين ونعزف عن السير في باقي الدروب.
حكمة الله قد خلق لنا من أضلعنا
حبيب ومحبوب.
يرزقنا الحب ويجتبينا بسعادته فنحمده علام الغيوب.
انتفض علي صوت نفين تقول: بس انا هكون زيها مش كدة ياطنط؟
أفاقت هند بدورها من مشاعر ثارت بالقلب فأحيته من جديد، ستنكرها قلقا ولكنها تدرك أنها مهما أنكرتها لن تستطع تجاهل خفقات القلب حين تتسارع بهذه الصورة لتجلي حلقها وهي تربت علي رأس نفين تقول لها: أكيد ياحبيبتي بس لازم عشان تنجحي بجد يكون عندك شوية حاجات بسيطة ولازم تنميها مع الوقت.
زي ايه؟
زي الموهبة ودي اكيد عندك مادام حبيتي التصميم. كمان تتعلمي الرسم عشان ترسمي أفكارك.
قال أدهم: بتهيألي مع التكنولوجيا الرقمية الموجودة دلوقتي وبرامج التصميم مبقاش المصمم محتاج لمهارة الرسم.
وجدت نفسها تنظر إليه تقاوم بصعوبة الغرق في مقلتيه الحانيتين وهي تقول: الرسم ده متعة متقدرش تحسها مع برامج التصميم دي. مميزة لدرجة ان لو قارنتها بيهم هتخسر أكيد.
معاكي حق. مميزة فعلا.
هل يقصدها بكلماته كما بدا لها أم يهيأ لها؟ ماذا أصابهما اليوم؟ ستجن بكل تأكيد.
عادت بعينيها لنفين تقول بارتباك: لازم كمان تهتمي بالتفاصيل وتقدري تحتوي الكرو بتاعك وقت الضغط وتشجعيهم كمان ولازم متتغريش وتآمني ان العمل الجماعي يعني الخياطين ومنظمي الحدث وفنانين الماكياج والشعر. الاخراج بشكل عام هو اللي هيخرج تصميمك للنور بشكل يستحقه.
جاء النادل يرفع الأطباق عن الطاولة فطلب منه أدهم آيس كريم لثلاثتهم، بينما رن هاتف هند لتجيبه بابتسامة قائلة: صفية حبيبتي…
توقفت عن الكلام وعيونها تتسع بدهشة بينما يشحب وجهها ليعقد أدهم حاجبيه بقوة وهي تقول: انا جاية حالا.
نهضت فنهض بدوره قائلا: خير ياهند؟ الانسة صفية مالها؟
قالت بانهيار: صفية مفيهاش حاجة بس بتقولي انه خالد. عمل حادثة ونقلوه المستشفي.
استر يارب. يلا بينا.
وضع بعض المال علي الطاولة ثم اتجه ثلاثتهم إلى الخارج يركبون السيارة ليقودها أدهم بسرعة تجاه المشفي.
الفصل الحادي عشر
أنا خايفة ياهند. خايفة قوي. خالد هيعيش مش كدة. طمنيني أبوس ايديكي.
ضمتها هند بين أحضانها بقوة تقول: خالد هيعيش ياصفية. صدقيني. مش بعد مالقيته هيروح مني. ربنا أرحم من كدة. خالد هيعيش. هيعيش.
وكأنها تطمئن نفسها بهذه الكلمات التي ظلت ترددها بصوت مرتعش هز كيانه ومزق قلبه، وجد طفلته تتمسك بيده فنظر اليها ووجدها خائفة بدورها. ضمها إلى جانبه لا يعلم كيف أحضرها إلى هنا ولكنه حقا لم يفكر حين استمع إلى الخبر لا يتخيل أن يفقد ابن عمته وصديق طفولته بهذا الشكل. لا. سيكون بخير. نعم. الله ارحم من أن يصيبهم بابتلاء كهذا. تناهي إلى مسامعه صوت شهقاتهما فطالع حبيبته بألم، يود لو فقط ضمها إليه كما ضم صغيرته فاحتوي القلق والألم بين أضلعه بدلا منهما.
حضرت السيدة منيرة في هذه اللحظة تهرول تتبعها نبيلة حتى أصبحت أمامهم فقالت بانهيار تخاطب أدهم: خالد جراله حاجة؟ طمني ياابني.
أمسك بيدها قائلا: متقلقيش ياعمتي. خالد بخير. لسة مخرجش من العمليات بس هيكون بخير باذن الله.
جلست منيرة علي أقرب كرسي وقد عجزت قسائل حيوياها عن حملها بينما تقول نبيلة بحزن: ياحبيبي ياابني. ليه يارب مكتوبلنا نقضي حياتنا في المستشفيات. أستغفرك ربي وأتوب إليك. سامحني يارب بس القلب تعب ومبقاش متحمل.
خرج الطبيب في هذه اللحظة فتعلقت العيون به ليقول كلماته باختصار يبغي بها طمأنة أهل المريض الواضح علي ملامحهم قلقهم: أستاذ خالد بخير متقلقوش. قطعة حديد كانت في جنبه خرجناها. الموضوع بسيط صدقوني ورعاية الله كانت معاه فممستش أي عضو هو بس فقد سائل حيوي كتير وعوضناه بنقل السائل حيوي. حمد الله علي سلامته.
انطلقت الألسنة تحمد الله علي رحمته ولطفه وهل هناك من أرحم منه علي بني البشر.
كان ينام في سريره تحيطه عائلته التي تحمد الله علي نجاته، يبتسم لهم بوهن بينما يتحدثون عن الدقائق التي سبقت خبر نجاته وكيف مرت عليهم كدهر مرير اللحظات حين طرق الباب فسمح أدهم للطارق بالدخول. دلف الطبيب قائلا: حمد الله علي السلامة يابطل.
قال خالد: الله يسلمك.
كان يفحصه بينما يقول: الحمد لله. كله تمام. حضرة الظابط ممدوح برة محتاج ياخد أقوالك عن الواقعة. هتقدر ولا أخليه ييجي وقت تاني.
قال خالد: ملوش لازمة التأجيل خليه يدخل.
طيب من فضلكم ياجماعة تخرجوا عشان حضرة الظابط يقدر يقوم بعمله.
بدأو بالفعل الخروج من الحجرة حتى كادت صفية أن تخرج بدورها من الباب حين استوقفها الطبيب قائلا: خليكي انت ياآنسة صفية. الظابط أكيد محتاج ياخد أقوالك لانك كنت معاه في الحادثة.
نظرت صفية إلى هند التي ربتت علي كتفها قبل أن تغادر ليدخل الضابط إلى الحجرة يحييهم بعملية ثم يبدأ في إلقاء أسئلته علي مسامعهم.
كاد يخرج من الغرفة حين استوقفه صوتها وهي تناديه، استدار بوجهه فوجدها تمسك المرآة الصغيرة وتتطلع إلى وجهها تعدل من وضع شعرها قائلة: متنساش تجيب الحاجات اللي جلتلك عليها ياسي عادل، عايزة لمن نخرج النهاردة أكون كيف الجمر والكل يحسدك عليا.
طالعها بحسرة فبينما هي تهتم بنفسها وجمالها، ترغب في أن يحسده الجميع عليها. كانت هند توصله حتى الباب تمنحه تقبيل ناعمة حانية تضيء يومه وتشعل حماسه للعمل، أخفي الحسرة بينما تتطلع إليه قائلة: واجف ليه إكده؟ عاوز حاجة؟
لأ معاوزش حاجة ياوردة.
خرج مغلقا الباب بينما تبتسم هي بسعادة قائلة: وبجيت عتتحدث بلهجتي ياسي عادل. ولسة راح تكون كيف الخاتم في صباعي وتبجي توريني نجية عتسوي إيه لمن نروج شجة تانية ونهملها المدعوجة دي تبجي فيها لحالها.
لتضحك بغنج بينما كان عادل يقبل يد أمه بالخارج تصحبه دعواتها فقال بتنهيدة: أيوة ياأمي ادعيلي كدة يمكن قلبي يرتاح.
مالك ياضنايا ايه اللي تاعب قلبك؟
كانت تعلم ولكنها اختارت أن تتظاهر بالجهل فالحقيقة مؤلمة وقد كانت ضلعا أساسيا فيما حدث له من ضياع.
مفيش ياحبيبتي خلي بالك من نفسك. ولو احتاجتي حاجة كلميني.
هزت رأسها بينما اتجه هو للخارج لتغرق عيناها السائل حيويوع تتساقط تباعا وهي تقول: سامحني ياابني، كنت السبب في خراب بيتك، لو كنت عرفت قيمتها كنت شلتها فوق راسي وخسائل حيويتها بعيوني لما تعبت. بس معرفتش قيمة الملايكة غير لما سكنت بيتي الشياطين. سامحني يارب الشيطان عماني وخلاني ظلمت واتجبرت ورد فعلك عادل وهرضي بيه مهما كان.
تنهدت قبل ان تتجه إلى المطبخ لتقوم بمهامها اليومية تردد بحزن: الله يرحم أيامك ياهند ويرحمك لو كنت قابلت وجه كريم.
قالت صفية بحيرة: لما السواق مكانش شارب حاجة، ايه اللي خلاه يدخل بعربيته في عربية خالد بالشكل ده؟
قال الضابط: زي ماقلت لحضراتكم تقرير الطب الشرعي قال ان المرحوم كان في كامل وعيه ومفيش في سائل حيويه أي أثر لأي مخدر بس من أقوال حرمه ان دي كانت عربية الشركة اللي كان شغال فيها وقالت كمان انها كانت بتعاني من مشاكل في الصيانة والمرحوم حذرهم أكتر من مرة بس هم مااهتموش وهو مكنش معاه فلوس يصلحها لانه زوج وأب ل 3 أطفال فجازف بحياته وحياة غيره واستمر بسواقتها لحد ما قضاء ربنا نفذ ودي طبعا كانت غلطة كبيرة منه.
قال خالد بحنق: الغلطة الأكبر في شركة مهتمتش بصيانة عربياتها فبتضحي بأرواح الناس اللي واضح انهم ملهمش قيمة في نظرهم. يمكن السواق غلطان بس غلطته كان مجبر عليها عشان لقمة العيش، العيب علي اللي معاهم وبيغلطوا لطمعهم وجشعهم وقسوة قلوبهم.
وحضرتك ناوي علي ايه؟
هقاضي الشركة طبعا، والتعويض اللي هخليهم يدفعوه هديه لعيلة السواق. مش كفاية انهم فقدوا عائلهم والواضح ان الشركة مش هتعوضهم يبقي علي الأقل هخليهم ياخدوا منهم اللي يعيشهم العمر مرتاحين البال وهصرفلهم مرتب شهري كمان من حسابي الشخصي.
نهض الضابط قائلا باحترام: مش أول مرة أتعامل مع انسان محترم زيك ياأستاذ خالد بس ده المتوقع من أمة فيها الخير ليوم الدين. عن اذنكم. ده الكارت بتاعي. هسيبك ترتاح دلوقت ولما تخرج من هنا أتمني تشرفني بالزيارة ونكون أصدقاء.
الشرف ليا ياحضرة الظابط.
مد له يده قائلا: حضرة الظابط ايه بقي؟ اسمي ممدوح. ممدوح عبد السلام.
