رواية المستحيل بقلم شاهندة
محمد مشغول مع الناس اللي بيبيضوا الشقة وطلب مني أروح لعم سعد أختار أوضة النوم وأوضة الضيوف. بصراحة بحب ذوقك قوي وقلت تختاري معايا.
أيوة بقى هانت ياصافي وهشوفك عروسة. عايزين نفرح ونبل الشربات.
والله قلبي مقبوض ياهند ومش عارفة مالي، المفروض اكون فرحانة زي أي عروسة بس فيه غصة في قلبي معكننة عليا وكأن فرحتي ناقصها حاجة.
اي عروسة بيجيلها الشعور ده. متقلقيش بس زي ماقلتلك تفائلي خير وهتبقى ليلتك ولا ألف ليلة وليلة.
طب سرعي خطواتك ياست المتفائلة عشان نلحق نرجع بسرعة قبل المغرب.
هو انت مش هترجعي معايا البيت عشان اوريكي تصميم فستان الفرح قبل ماأبدأ فيه؟
انا واثقة فيكي يا هنودة، ده لسة فستان خطوبتي الكل بيتكلم عنه وبيسألوني عملتيه فين؟ انا مش عارفة ازاي تبقى بتصممي بالحلاوة دي وفستان فرحك تشتريه.
أعمل إيه بس؟ الوقت مأسعفنيش. وكل حاجة جت بسرعة. عموما هعوضها فيكي ياعسل.
تأبطت صفية ذراع صديقتها قائلة بحب: ربنا مايحرمني منك يابنت خالتي.
ولا يحرمني منك ياصافي.
الفصل الثاني
ما ان رأته يدلف من الباب معها حتى ابتدرته قائلة باستياء: بقى بتوديها لدكتور تاني من ورايا ياعادل؟ دلوقتي الدكتور بتاعي بقي كخة. روح يااخويا أما نشوف آخرتها. ماهو عشم إبليس في الجنة. هي الأرض البور بينصلح حالها ياموكوس؟
ماما! من فضلك؟
أسرعت هند تجاه حجرتها تدلف إليها باكية بينما قال عادل بحزن: عاجبك كدة؟
طالعته بحنق قائلة: خايف قوي على زعلها طيب مخفتش على زعل أمك ليه وأنا بكتشف انك موديها لدكتور تاني ومخبي عليا؟
أهو أنا خبيت عليك مخصوص بسبب اللي عملتيه ده. ياماما ياحبيبتي هند بنت رقيقة مينفعش كل شوية تسميها بكلامك.
ظهرت الدهشة على ملامحها وهي تقول: بقى كدة ياعادل؟ أمك كلامها سم. هان عليك تقولها؟ أهو ده اللي كنت خايفة منه. غيرتك مراتك وخلتك تقسى على أمك حبيبتك اللي ملهاش غيرك في الدنيا.
اقترب منها بسرعة يمسك يدها ويقبلها بحنان قائلا: ماعشت ولا كنت لو للحظة قسيت عليك ياأمي، انت عارفة غلاوتك عندي وعارفة كمان ان لو الدنيا كلها في كفة وانت في كفة هختار كفتك ياحبيبتي.
ربتت بيدها الحرة على رأسه قائلة بحب: الله يرضى عليك ياابني.
رفع وجهه إليها قائلا: بس عشان خاطري. حاولي متزعليش هند. انت عارفة غلاوتها في قلبي وزي ما بقدرش على زعلك وبيوجعني، زعلها برضه بيوجعني.
أصابها الحنق مجددا، يقارنها بهذه الفتاة السخيفة. كادت أن تقول شيئا ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة لا تقوى في هذه اللحظة على نظرات عينيه المتوسلة إليها، ستخضع مؤقتا حتى تستطيع أن تجعله هو بذاته يلفظ هذه الهند من حياته، للأبد.
لذا هزت رأسها بهدوء فأسرع يقبل يدها بسعادة ثم يتجه إلى الحجرة بلهفة، لتنظر والدته في إثره بغيظ تقول بهمس حانق: روح ياأخويا وراها وأقعد صالح في البرنسيسة للصبح، يلا معلش. مسيرك ياملوخية تيجي تحت المخرطة وساعتها…
ضمت قبضتها بينما أفكار شيطانية تداعب مخيلتها. وتزيد من رغبتها بالتخلص من هذه الفتاة.
اللونين حلوين قوي مع بعض. مكنتش متوقعة انهم هيطلعوا بالشكل ده أبدا.
وضع يده على قلبه يقول بطريقة مسرحية: كنت شاكة في ذوق حبيبك محمد؟ آه ياقلبي.
وكزته قائلة: بلاش أفورة. الراجل بيدهن في الأوضة اللي جنبنا وممكن يسمعك.
ماهو ده اللي موقفني عن اني أستفرد بيكي ياجميل.
تستفرد بيا. ده بعينيك. ولا هتلمس ضافر مني قبل مانكتب كتابنا.
أهو أنا نفسي أكتبه بس الحاجة نبيلة مش راضية مش عارف ليه مع اني ابن عمك. يعني من العيلة والله.
انا كمان طلبت منها كتير ورفضت، عموما مبقتش قضية يامحمد، كلها أسبوعين ونتجوز ووقتها كدة كدة هتوافق نكتبه.
قال بمزاح ساخر: وليه تيجي على نفسها؟ مانأجل كتب الكتاب لبعد الفرح.
وكزته مجددا قائلة: ماتهزرش. هو ينفع فرح من غير كتب كتاب؟
إيه ياصفية هو كله زغد زغد مفيش شتيمة؟
فيه ياخفيف. تحب تسمع؟
لا وعلى إيه. خلينا مؤدبين أحسن.
أيوة كدة ناس مبتجيش غير بالعين الحمرا.
نظرت إلى ساعتها قائلة: بقولك ايه. أنا إتأخرت قوي همشي بقى عشان يادوب ألحق أوصل البيت قبل المغرب. انت عارف تعليمات الحاجة صفية.
عارفها طبعا، استنى هاجي أوصلك.
لأ خليك مع عم ناجي. احنا عايزينه يخلص وميبلطش في الخط. ولو نزلت هياخد راحة وهو خلاص مبقاش قدامه غير أوضة الضيوف اللي شغال فيها دلوقت وتبقى الشقة تمام قوي. تتساب بقى تنشف أسبوع قبل ماأفرش.
ماشي يااسطي.
طالعته بحنق فأسرع يقول: بهزر معاك. انت مبتهزرش يارمضان؟
لأ بهزر. بس مش الهزار السخيف ده. فيه حد في الدنيا يقول لخطيبته ياأسطي؟
في دي معاك حق. ممكن تتقبلي أسفي ياجميل؟
اتقبلناه. يلا بقى أشوفك بخير. سلام.
سلام.
أسرعت تغادر يتابعها بعينيه قبل أن يتنهد وهو يضع يده على قلبه قائلا: هانت ياحلو وهتبقى ملكك وساعتها أحلامك معاها كلها هتتحول لحقيقة.
كانت تقف على أول الطريق تنتظر سيارة أجرة تقلها إلى المنزل حين سمعت صوتا يبدو كما لو أنه إنفجارا، ثم ساد الهرج والمرج وتعالت الصرخات على مقربة منها، غصة أصابت حلقها تزامنا مع قبضة اعتصرت قلبها جعلتها تقترب من المكان الذي يأتيها منه الصراخ بسرعة، لتتسع عيناها بدهشة فأمامها كانت العمارة التي تقع فيها شقتها حطاما بينما الجميع يهرعون إلى هذا الحطام بحثا عن أحياء. ولكن من قد يستطيع النجاة من حطام كهذا؟ شعورها أخبرها أنه لم يعد على قيد الحياة. لتخبو خفقاتها رويدا رويدا مع خفقاته حتى وجدت نفسها فجأة تسقط أرضا مغشيا عليها.
خلاص بقى متبقيش عبيطة وتاخدي على خاطرك من كلمتين قالتهم ست كبيرة. انت مش قلتيلي هتعتبريها زي والدتك الله يرحمها؟ فيه حد بياخد على خاطره من والدته برضه؟
قالت من وسط سائل حيويوعها: أنا فعلا قلت كدة. بس كنت فاكراها هتعتبرني هي كمان زي بنتها وتعاملني بما يرضي الله. انا استحملت كتير ياعادل بس خلاص فاض بيا. كلامها بيوجعني قوي. بيكسرني.
سحبها بسرعة إلى احتضانه يضمها بين ذراعيه، يملس بيده على خصلاتها قائلا بحنان: متزعليش ياقلبي حقك عليا أنا، أقولك امسحيها فيا وأنا ياستي هنبه عليها متزعلكيش تاني، وأنا يهون عليا برضه كسرة قلبك. ده حبيبي انا وروحي وحياتي كلها.
استكانت باحتضانه قائلة: هو كمان ملوش في الدنيا دي غيرك. ساكن فيه ومش طالب في الدنيا دي غير رضاك عنه.
طب ماتيجي ندلعه حبة.
خرجت من احتضانه قائلة: لأ آجي فين. انت ناسي الدكتور قال ايه؟
قال بحنق: لأ مش ناسي. 3 أيام بلياليهم أبعد عنك. طب وجاله قلب يفرقنا بالشكل ده؟
لازم نتحمل. كله عشان خاطر ابننا ياعدولة.
أهي عدولة دي اللي مودياني في داهية، ماشي ياستي نتحمل وأمرنا لله أما نشوف…
قاطعه رنين هاتفها المتواصل، فأخرجته من حقيبتها تطالع شاشته قبل أن تجيب ابنة خالتها قائلة بمرح: صافي حبيبتي…
صفية مجددا تقاطع لحظاتهم الحلوة. هكذا فكر عادل بينما عقدت هند حاجبيها قائلة: مش فاهمة حضرتك. هو ده مش تليفون…
صمتت ليعقد عادل حاجبيه حين شاهد هلع زوجته وشحوب ملامحها وهي تقول: انا جاية حالا.
أغلقت الهاتف بينما يقول عادل بحيرة: خير ياهند؟
قالت هند بحسرة: مش خير أبدا ياعادل، العمارة اللي فيها شقة صفية اللي هتتجوز فيها وقعت.
لا حول ولا قوة الا بالله. ربنا يعوض عليهم.
بدأت سائل حيويوع هند في السقوط وهي تقول: العمارة وقعت وكان فيها خطيبها وقتها، محمد مات ياعادل وصفية في المستشفى عندها انهيار عصبي زي ماالدكتور بلغني دلوقت ولازم أروحلها وأبلغ خالتي قبل ماأروح وانا مش عارفة هعمل كدة ازاي؟
قالت جملتها الأخيرة وهي تجلس على المكان المريح تنخرط في بكاء حار فأسرع يجثو أمامها يمسك بيدها قائلا: مش وقت انهيار ياهند، خالتك وصفية محتاجينلك، قومي معايا نروحلهم. أزمة وهتعدي. والحزن هو الشيء اللي بيتولد كبير وبعدين بيصغر.
طالعته بعيون حزينة وهي تقول: كل حزن ممكن يصغر الا حزن الفراق لحد بتحبه وروحك فيه، بتبقي نار قايدة بتشعلل بزيادة كل ماتفتكره.
انت جنبها هتخففي عليها حزنها، هتسنديهم زي مااتعودتي منهم يسندوكي. قومي ياهند خلينا نروح.
طالعته للحظة قبل أن تتمالك نفسها وتقرر أن تسمع كلامه وتصير سندا لعائلتها كما كانوا لها دوما، لتنهض معه وتستسلم ليده التي تقودها للخارج، تتمنى لو كانت حماتها قد خلدت للنوم فلا قبل لها بسماع كلمات تؤلمها أكثر. فهي الآن تتألم بما يكفي.
الفصل الثالث
عنسائل حيويا حان الفراق أحرقني الغياب، لا أصدق أنك فارقت الحياة وتركتني.
وعدتني أن تمسك يداي حتى فنائي، فتخليت عني وجعلتني وحيدة في هذا الكون البائس.
لكنك نسيت قبل أن تذهب أن تعلمني كيف السبيل إلى النسيان؟
كيف أكفكف مدامعي التي لا تنضب وكيف أطبطب على قلب مزقه الألم وأسائل حيويته الحسرة؟
كيف أبعد غصة حلقي فأستطيع التنفس دون ألم؟
رصاصات الذنب ترديني في بعادك.
تجبرني أن أتساءل. ماذا لو،؟
ماذا لو تركتك حدي ولم أرسلك بعيدا. هل كان المصير سيغدو مشرقا؟
أم أنه القدر أراد سلبي إياك على كل حال؟
سأعيش يحادثةني الفراق حتى يحضرني الردي أو قد يصيبني الجنون فأصير للهذيان أسيرة. في كلتا الحالتين أشعر بالموت يحلق فوق رأسي وياللعجب أدرك أني حقا لا أبالي.
كانت تبكي بصوت متهدج أليم النبرات، تقول من بين شهقاتها: محمد مات وسابني لوحدي ياهند؟ سابني لوحدي.
قالت هند بألم: وحدي الله يا صفية. انت مؤمنة بربنا وعارفة ان الموت قضاء ربنا ولازم نرضا بقضائه.
انا السبب، كان عايز يوصلني وأنا اللي مرضيتش. قلتله خليك مع الراجل اللي بيدهن، لو كان جه معايا كان عاش. صدقيني ياهند أنا السبب. أنا المجرمة اللي سلمته بإيدي للموت.
ياصفية ده قدره. ساعته اللي ربنا كتبهاله، لو كان معاكي كان برضه هيموت. لكل أجل كتاب.
هزت صفية رأسها نفيا تقول من وسط سائل حيويوعها: لأ انا السبب. صدقيني أنا السبب. أنا اللي قلتله خليك. أنا اللي قلتله خليك. أنا المجرمة صدقوني. أنا اللي حادثةت محمد. انا اللي حادثةته.
ظلت تردد هذه الكلمات بصوت مدوي، ليدلف كل من خالتها وزوجها إلى الحجرة فقالت هند بانفعال: انده الدكتور ياعادل. بسرعة.
أسرع عادل يلبى طلبها بينما حاول كل من هند وخالتها تهدئة صفية حتى وصول الطبيب ليمنحها حقنة مهدئة تجعلها تذهب إلى سبات يريحها من هذا العذاب الذي تعانيه.
كانا يقفان خارج الحجرة ينتظران خروج الطبيب ليطمأنهم على حالة صفية بينما بقيت هند بالداخل ترفض الخروج معهم وتصر على المكوث معها، خرج الطبيب بعد لحظات يخبرهم أنها من الأفضل لو تتابع مع طبيب نفسي ثم انصرف فجلست الأم تبكي بحرقة قائلة: ياحبيبتي ياضنايا، مكتوبلك الهم ده كله فين؟
ربت عادل علي كتفها قائلا: وحدي الله ياست نبيلة، ده قدر ومكتوب.
لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله. اللهم اني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.
ظهرت هند على أعتاب الحجرة شاحبة الوجه فاقترب منها عادل يقطب حاجبيه قلقا وهو يقول: مالك ياهند وشك أصفر كدة ليه؟ صفية كويسة؟
انتبهت الخالة فأسرعت إلى هند تقول بقلق: صفية مالها ياهند؟ ردي علينا يابنتي.
قالت هند بصوت واهن: صفية كويسة متقلقوش، من ساعة ماخدت الحقنة وهي نايمة. أنا بس…
صمتت فاستحثها عادل قائلا: انت إيه؟ مالك ياهند؟
مش عارفة ياعادل، دايخة وحاسة روحي بتنسحب مني وألم رهيب في سائل حيوياغي و جسمي…
لم تكمل كلماتها والدنيا تسود أمام عينيها، لتسقط مغشيا عليها فالتقطها عادل بين ذراعيه بينما خالتها تصرخ بلوعة.
مغمضة العينان تسمع همهمات جوارها، تحاول أن تفتح عيناها ولكنها تجد صعوبة في ذلك، نيران في عمودها الفقري تحرقها، ترغب في أن تنقلب على جانبها فلا تستطيع أيضا، وجنتاها رطبتين تشعر بأنامل لا تخصها تمسح شيئا من على وجهها، الأصوات لم تعد همهمات بل صارت أكثر وضوحا، انها خالتها تقول بألم: ياعيني عليكم يابناتي، عين وصابتكم. دي بتبكي ياحبة عيني وهي نايمة.
صوت زوجها يقول: خلاص ياست نبيلة، ملوش لزوم البكا دلوقتي. شوية أنيميا وضغط واطي زي ماقال الدكتور، واهي خدت المحلول وهتبقى زي الفل.
والله الدكتور ده مابيفهم حاجة. تحاليل ايه اللي عملهالها دي؟ هو تحليل واحد اللي كان مفروض تعمله.
تحليل ايه ده بقى إن شاء الله؟
تحليل حمل.