بها متيم امي نصر ج4

-❈❈

لا تقوى على النظر في عينيه، تخجل من نظراته المصوبة نحوها دون تحفظ كعادته، هذه المرة غير كل مرة، هذه المرة اكثر جرأة اكثر فرحًا بعودتها، وجلوسها أمامه، هذه المرة ترى كلامًا على صفحة وجهه غير منطوق، ولا تعلم تفسيره، وكأنه اتفق مع حلمها اليوم ليزيدها حرجًا، ويزيدها ارتباكًا، ما بالها؟ وما هذا الذي يحدث معها؟ وما صفة هذا الرجل ليأخذ كل هذه المساحة من التفكير بعقلها؟
– شهد
سمعت بإسمها لتلتف برأسها وتجيب صاحبة الصوت:
– أيوة، ايوة يا لينا.
ردت الاَخيرة:
– يا حبيبتي انا بسألك، لو تحبي تشربي شاي زي الجماعة؟
اجابتها بارتباك:
– لا يا لينا، بس لو هتعبك، ياريت تخليها قهوة
عقبت مجيدة:
– قهوة! قهوة ليه يا بنتي؟ اشربي عصير ولا حاجة مفيدة لصحتك.
خرج صوتها بضعف:
– لا ما انا اتعودت عليها، بحبها وبتعدل مزاجي.
– دي بتدور على مزاجها يا ماما، محدش يلوم المقاول على مزاجه.
قالها حسن بتفكه جعل الجميع يضحكون، لتبتسم هي بخجل اصبح يزداد في حضوره، واستغراب من نفسها بدأت تسشعره داخله، حتى أصابها التوتر، وقالت في محاولة لتغير دفة الحديث نحو الجهة الآمنة لها وهي العمل:
– انا كلمت عبد الرحيم وقالى ان اللي فاضل على استكمال الموقع يدوب اسبوع بكتيره، وتستلمه انت بعدها .
هم أن يرد ولكن أنيسة سبقتها:
– خلاص يا شهد مش قادرة تصبري ع الشغل، يا بنتي ريحي دماغك شوية، خدي بريك على رأي لينا .
سمعت الأخيرة لتدلي بقولها هي الأخرى:
– دي مفيش فايدة منها يا ماما، مخها اتبرمج ع الشغل وبس.
اضاف على قولها حسن:
– عندك حق يا لينا، دي اكيد بتحلم بالأرقام والمساحات واجور العمال
على ذكر الحلم برقت عينيها فجأة باستدراك، والصور تتوالى برأسها، لتبتلع ريقها بتوتر، وكأنها في عالم موازي، تتبادل ضحكاتهم ومُزاحهم المتواصل بالابتسام دون تركيز، حتى سألتها مجيدة:
– يعني النهاردة مش شايفة البت رؤى، هي راحت فين؟
ردت تجيبها:
– راحت البيت عندنا، تجيبلي وتجيبلها كام غيار من الهدوم، الظاهر كدة ان قعدتنا مطولة.
قالت الأخيرة بمشاكسة جعلت لينا تناظرها بابتسامة مفهومة، فضحكت مجيدة قائلة:
– اقول الحق يا شهد، بصراحة انا من ساعة ما دخلت هنا وانا حاسة البيت دا انتي جزء منه، واكنهم عيتلك بالدم، مش مجرد صحاب .
– دا حقيقي والله، انا بحس كدة فعلا.
قالتها شهد لتضيف على قولها أنيسة:
– شهد اتربت هنا مع لينا، يوم بيوم وسنة بسنة بتكبر قدامي، دي كانت هتبقى مرات ابني، ورمزي كان بيموت فيها.
– رمزي مين؟
خرجت من حسن الذي اشتعلت الدماء برأسه واحتدت عينيه بشكل ظاهر، ردت لينا بعفوية:
– رمزي دا يبقى اخويا.
اضافت على قولها أنيسة بتسلية تشير على الإطار المعلق على الحائط:
– شايف صورة الواد الحليوة ابو عيون فيروزي وشبه لينا ده، اهو ده بقى رمزي،
بوجه شاحب تطلع لصاحب الصورة الوسيم بحقد، وقبل أن يتابع أسئلته سبقته مجيدة التي انتابها القلق هي الأخرى:
– طب وو ايه اللي حصل؟ ليه مكملتش الجوازة يعني.
– اتوفى.
قالتها أنيسة بابتسامة باهتة اجفلت حسن ومجيدة التي أصبحت تردد بالكلمات الروتينة الداعمة والمترحمة بتأثر، قبل أن تنتبه على الوقت لتنهض باستئذان:
– طب احنا نقوم بقى يا جماعة كفاية كدة .
قالت أنيسة بمودة حقيقية للمرأة:
– وتمشي ليه يا ست مجيدة؟ ما تخليكي قاعدة ومونسانا، دا انتي عشرية وانا ارتحتلك بجد والله.
كلمات المرأة أتلجت قلب مجيدة لتبتسم لها بابتهاج قائلة:
– مش أكتر مني يا ست أنيسة، انا بقيت حاسة ان اعرفكم بقالي سنين.
تدخل حسن الذي نهض على غير إرادته لكن مضطر:
– ربنا يديم الود ما بينكم، بس احنا لازم نمشي مدام اطمنا على شهد.
نطق اسمها لتلتقي عينيها بخاصتيه بعناق سريع، قبل أن يتابع بتنهيدة من العمق:
– انا عندي اجتماع مهم في المصلحة ولازم احضره
– مكشوف مكشوف مكشوف.
غمغمت بها مجيدة داخلها وعينيها تتابع ملامح أنيسة المبتسمة بمكر، قبل أن تجفل على قول لينا:
– طب هو وراه المصلحة، انتي وراكي ايه طنت مجيدة؟ خليكي معانا اتغدي دي ماما أكلها يجنن وتموت في اللمة، واهو يا ستي نردلك العزومة بتاعتك ولا انتي نسيتي؟
المجنونة، المتقلبة المزاج، من يراها في الشجار مع ابنها كالقطة الشرسة، لا يصدق هذه الرقة والوجه الصبوح الاَن.
كان هذا الحديث الدائر داخل مجيدة، بعد أن استجابت لطلبهم قائلة:
– لا يا حبيبتي ولا عمري انسى، خلاص يا حسن روح انت.
ذهب الاَخير ليترك والدتها مع هذه الثلاث نساء، لينا وشهد وأنيسة التي لم تكف عن الترحيب بها وإدهاشها بكم الحلويات التي تجيدها، لتقضي معهن وقتًا لا يستهان به من المرح، وعقلها الدائر بالأفكار يتسائل كالمنبه يذكرها:
– ماذا بعد؟ ماذا بعد؟
تدراكت فجأة لتقول بمكر:
– يا لهوي صحيح، أنا قاعدة معاكم وناسية نفسي، عندي دوا لازم اخده قبل الغدا.
تطوعت أنيسة تجيبها:
– قولي إسمه يا ست مجيدة وانا اتصلك بالصيدلية تجيبه.
باعتراض سريع ردت مجيدة:
– واجيب غيره ليه، ما انا اتصل بابني يجيبه معاه في طريقه وهو رايح على شغله، حكم دا ميعاده، تقبلي يا لينا بحضرة الظابط يجيبلي الدوا؟
أجفلتها بالسؤال كما فاجئت أنيسة أيضًا لتجيبها باستسلام وهي ترتب الطاولة مع شهد:
– اتصلي بيه يا طنت، أكيد طبعا مينفعش تأخري الدوا بتاعك.
بابتسامة النصر، تناولت مجيدة الهاتف على الفور تتصل بابنها:
– ألوو يا حضرة الظابط ممكن خدمة؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *