مابين العشق والهوس لامل نصر

الفصل الأول

في المنزل الكبير والذي توسط المنطقة الشعبية بمساحته الشاسعة وبناءه المختلف عن باقي المباني المجاورة، بعد أن اسسه قديمًا الدكتور رفعت فؤاد، فاتخذ مسكنه وأسرته في الطابق الثاني.

ليترك الطابق الأول كعيادة كبيرة لاستقبال المرضي من أهل منطقته، يُعالج مرضاهم بأسعار زهيدة، ولأجل أن ينشأ أبناءه أيضًا في هذا الوسط الذي تربى عليه، رغم تعليمهم بمدارس أجنبية.

أثمرت التربية الحسنة في ابنه الأكبر عزيز والذي تابع استكمال الرسالة في معالجة الفقراء كنفس فعل والده بل وزادهم بعيادة أخرى لزوجته في نفس المبنى؛ الذي هجره سكانه بعد رحيل الطبيب الأب.

فقد وجد كل فرد منهم طريقه، سافر شقيقاه بهجرة إلى إحدى المدن الأوربية، ولحقت بهما والدتهما أيضًا، وظل الدكتور عزيز مع الدكتورة فاطمة زوجته في الوطن وحدهم مع ابنائهم.

يسكن في إحدى المدن الجديدة ويعالج في عيادته هناك بأسعار خيالية، ثم يأتي اَخر ثلاثة أيام في الشهر ويعمل ليل نهار، بهذا المركز المتواضع لفحص الأعداد الكثيفة من الأهالي الذين سجلوا أسمائهم خلال الشهر.

وحجزوا دورهم قبل أن يأتي الميعاد لزيارة عيادة العظام خاصته، ومثلهم يكون بالضعف مع عدد النساء الاَتي يتوافدن لعيادة زوجته والتي تاتي مع مساعدت لها من طبيبات صغيرات أو ممرضات ذات كفاءة عالية.

حتى إذا انتهى الشهر وعاد الرجل مع زوجته إلى مكانهم الحقيقي بين علية القوم، يظل المنزل ساكنًا على حالته مع مراعاة الحارسين، عصام وعمران اللذين يسكنان بالمبنى الملحق بالمنزل.

عمران والذي تولى العمل به منذ سنوات عديدة بصفته احد أبناء المنطقة وبوساطة من عمه الذي كان يعمل ممرضًا للطبيب الكبير، استوطن بالمنزل منذ عمر الثالثة عشر، بعد وفاة أمه وزواج ابيه بأخرى رفضت وجوده معها في المنزل.

لعدم تقبلها له بينهم؛ بحجة أنه فتى بالغ فلا اَمان لزوجة شابة معه في منزل واحد، فانتقل للعمل في حراسة مسكن الطبيب، والمبيت في غرفة بالحديقة، حتى كبر فوصل لسن الزواج، ليكمل جميله الطبيب الكبير ببناء ملحق للمنزل قبل وفاته.

فنال نصيبه عمران بالسكن بإحدى شققه بعد ان تمكن بصعوبة ليجد من تقبل به زوجًا وهي عزة يتيمة الأب الفقيرة التي قبلت به افضل من بلوغها سن العنوسة بدون زواج، ليُتبعه شريكًا في السكن في الشقة الأخرى في نفس المبنى عصام.

الشاب الذي عُين بعد وفاة الطبيب الكبير وسفر الأشقاء والأم ليكون عونًا لعمران بحراسة المنزل، وقد أتى بزوجته ابتسام من بلدتها الريفية في تجربتها الثانية للزواج، كزوجها الذي طلق قبلها امرأة أخرى أيضًا.

وأصبح المبنى مقتصرًا على أربعتهم، وقد مضى على هذه الجيرة عامان الاَن.

❈-❈-❈

ولج عمران لداخل شقته صباحًا بعد انتهاء نوبة حراسته الليلية بمساعدة شريكه عصام، فهذا وقت استراحتهم اليومية، وقد أتى عامل الحديقة لرعايتها وأتى بعض الموظفين المكلفين بدوام عملهم في المركز الطبي، وضجت الحركة قليلًا بالبشر .

– صباح الخير.
هتف بها كتحية لزوجته التي كانت جالسة في وسط الصالة الضيقة في انتظاره، رددت خلفه وهمت بالوقوف لتتبعه ولكنه منعها على الفور:
-إلى أين يا عزة؟ ظلي مكانك ولا داعي للتعب.

تبسمت بحرج تقول بإصرار رغم امتنانها لقوله الشهم لها:
-وأين هذا التعب يا عمران؟ سوف اَتي لمساعدتك في تبديل ملابسك قبل أن اقوم بتحضير وجبة الإفطار.
زجرها بنظرة محذرة وهو يخلع عنه معطفه الثقيل قبل توجهه لغرفة النوم:

-لا تُجادليني يا عزة بالثرثرة الفارغة، جسدي المُنهك يئن لطلب الراحة والنوم ولست بحاجة للطعام، فقد تناولت إفطاري بشطيرتين من عربة العم رمضان بائع الفول والفلافل، وعن تبديل ملابسي فلدي ساعدين والحمد لله لم أفقدهم حتى ألجأ أليكِ

تمتمت بالأدعية الحافظة، وقد تشاءمت من لفظه لهذا الفأل السيء أمامها فشهقت قائلة بجزع:
-بسم الله الحفيظ، لا تكرر بقولك هذا يا عمران
ضحك ساخرًا من فعلها فقال يشاكسها ليستفز طيبتها وخوفها الشديد:

-كل هذا من مجرد عبارة عابرة يا عزة، وإن افترضنا أنه حدث بالفعل.
صرخت معارضة بارتياع:
-أعوذ بالله من كل شر، ولما نفترض السوء حتى لو بالمزاح؟ بالله عليك لا تكررها يا عمران.

ضحك يرمقها بنظرة حانية وقد سره فعلها، وارتياعها لمجرد التخيل فقال لها ينهي المناقشة:
-سوف ادخل الاَن لأتحمم قبل أن أسقط بجسدي داخل الفراش لكي أنام، أرجو منك عدم الإزعاج وفتح الغرفة،
حتى لا أستيقظ وأنت أعلم الناس بنوم زوجك الخفيف.

اومأت له بطاعة مغمغمة بصوتها الخفيض كعادتها من وقت زواجه بها، فتابع لها بشبه ابتسامة قلقة اعتادت عليها منه من وقت حملها بهذه الطفل:
-واعتني بطفلي وبنفسك جيدًا .

قالها وذهب من أمامها لتنظر في أثره وتعيد بترديد الأدعية التي تكررها ليلًا نهارًا، حتى يحفظ هذا الطفل ويكتمل حملها على خير، فقد مر على زواجها اربع سنوات اجهضت بهما عدت مرات، أرهق بسببه جسدها الضعيف.

حتى توقفت عن الحمل بالأمر المباشر من الدكتورة فاطمة زوجة الدكتور عزيز التي تكفلت بمتابعتها لتُعطيها كورس علاج مكثف وراحة من الحمل الاَخير لأكثر من سنة، حتى يستعيد جسدها بعض القوة التي تعينه على تحمل الجديد.

دنت برأسها تتطلع لهذا البروز الصغير الذي ظهر من جلبابها البيتي الخفيف رغم مرورها بالشهر الخامس الاَن، ولكن يبدوا أن نحافتها الشديدة أيضًا سيرتُها طفلها الصغير، تنهدت بعمق رافعة رأسها للسماء.

تناجي ربها كي يستجيب هذه المرة وينجي جنينها، فما الفائدة التي تجنيها من زواج كهذا خالي من المشاعر بين الزوجين، ورجل غريب كزوجها، سوى طفل يعيد إليها دفء الأسرة التي افتقدتها منذ وفاة والدتها.

❈-❈-❈

في الشقة المجاورة دلف عصام عائدًا من نوبة عمله والسهر في الحراسة هو الاَخر ولكنه لم يجدها في انتظاره في أي ركن أمامه في المنزل، أو حتى داخل المطبخ، فخمن وحده أين هي واقفة الاَن!

-كما توقعت، وقد صدق حدسي، البرنسيسة مازالت تتأمل في جمالها أمام مراَتها العزيزة .
قالها بتهكم لا يخلو من السخرية بعد فتحه لباب غرفته مباشرةً وقد ذهبت انظاره علي الفور نحوها.

أما هي فقابلت كلماته بعدم اهتمام لتلتف إليه متخصرة وتُجيبه بنبرة تفيض بالثقة عن قصد:

-وهل هذا عيب يا زوجي العزيز، إن الله جميل يُحب الجمال، وأنا جميلة فلمَ لا أحب نفسي؟ كي أنظر وأتأمل في ما وهبني الله به؟ من جمال وفتنة حرم منها الآخرون.

أصدر من فمه صوت مستهجن وقد مل وسئِم منها ومن حديثها هذا، وهي لا تنفك تذكره بجمالها وكأنه لا يعلم، ولكن في الحقيقة هو ليس بالغبي حتى لا يعي بقصدها.

بمحاولاتها المستميتة للفلت انتباهه، حتى تحصل منه على كلمة غزل أو حتى نظرة تغذي هذا الوحش بداخلها، المتعطش وبشدة دائمًا للإطراء عليها وعلى حسنها الفتان، وكأن الأرض لم تأتي بنساء غيرها؟

تجعد وجهه بامتعاض يغمغم بالكلمات الحانقة وهو يقوم بخلع ملابسة الثقيلة، قبل أن يلتفت إليها يسألها بابتسامة سمجة متعمدًا عدم الرد على حديثها :
– وهل قامت سيدتي الجميلة والتي تعشق نفسها بإعداد وجبة الفطار؟

أخرجت من فمها زفرة طويلة محبطة، ناظرة إليه بيأس، هذا الجلف تجاهل الرد على كلماتها، ويطالبها بإعداد الطعام، وكأن أصابه العمى عن رؤية ما أنعم الله عليه به حينما تزوجها.

إنه حتى لم يلتفت لمنامتها الحريرية القصيرة بلونها الوردي والتي انعكست على لون بشرتها البيضاء لتساعد في ابراز جمالها بسخاء وإغواء؛ يعلمه جيدًا زوجها ولكنها دائمًا ما ينكر ويتصنع التغافل

-غبي.
تمتمت بها قبل أن تجيبه بنزق وهي تلملم شعرها وقد أخرجها من الحالة الجميلة التي تشعر بها كلما نظرت في المرآة بهيئتها هذه:

-انتظر قليلًا حتى أجهزه فلم استيقظ من نومي سوى من فترة صغيرة….
قاطعها يهتف بحدة وقد أنهي خلع ملابس العمل وبدل لبيجامة مريحة، واقترب ليعلقهم على المشحب خلفها .

-بل كبيرة وقد تكون بالساعات؛ وانتِ لا تشعري فيها بالوقت أمام هذه الملعونة، كم وددت في يوم كسرها، حتى احرق قلبك عليها ويهدأ بالي أنا.

أردف بها بإشارة نحو المراَة، فتغاضت هي عن الرد حتى لا تزيد من غضبه واكتفت بمط شفتيها على زاوية واحدة بضيق قبل أن تتحرك لتبديل ملابسها هي الأخرى.

فتابعها بعينيه صامتًا وقد أشعل بين أنامله سيجارة لينفث منها الدخان، ويرمقها بسهام عينيه الحادة، فهذه المرأة أصبحت كالحمل الثقيل عليه بأفعالها التي تخرج شياطين غضبه،

يعلم أنها طيبة القلب ولكنها خفيفية، لديها هوس الإهتمام بنفسها والشعور بجمالها؛ الذي انطفأ وذبل طيلة السنوات التي قضتها في زيجتها الأولى.

مع زوج لا يفقه في امور النساء ولا يعلم عن الحياة سوى العمل في الزراعة ورعاية الماشية، والطعام والنوم وتنفيذ الأمر من والديه، هذا ما فهمه وأخبرته هي به.

انتهت اَخيرًا تحدجه بنظرة معاتبة زامة شفتيها بصمت، وكأنه قد كسر بخاطرها وتنتظر أسفه، قابل فعلها بابتسامة شامتة زادت من غضبها لتخرج سريعًا صافقة الباب خلفها بقوة، فغمغم داخله بعد خروجها:

-ما أفسدك سوى تدليلي لكِ يا ابتسام ، ليتني فعلت كزوجك القديم، اقسم ظهرك بالعمل والخدمة في بيت
العائلة الكبير نهارًا، حتى إذا جاء الليل ارتميت ع فراشك كالجثة، فلا تجدي الوقت حتى لتصفيف شعرك
.
❈-❈-❈

بداخل المطبخ وبعد أن وضعت الركوة على الموقد لإعداد الشاي، وقد تولت على الشعلة الأخرى تسخين الطعام، كانت تطرق على الأواني وهي تناولها بضيق وانفعال قاصدة إصدار الاصوات حتى تصل إليه بغرفته:

-عديم النظر والإحساس .
لم تعد تفهم هذا الرجل وماذا يريد، لقد كان يمطرها بكلمات العشق في بداية زواجها به، حتى ظنت أنه عوض الله إليها بعد طلاقها من جابر زوجها الأول،

فاقد الإحساس هو الاَخر بجهله التام لمعاملة النساء، وقد كانت حياتها معه ملخصة فقط في خدمة الدار الشاقة ومجابهة المكائد التي كانت تدبر لها من نساء الدار التي كن يحقدن عليها، لأنها من خارج العائلة

وليست منهن حتى فاض بها وانفصلت عنه، بعد معاناة ارهقتها وجعلتها تُبرِئه من حقوقها كاملة حتى تنجو من نيران الغيرة التي كانت مسلطة عليها في هذه الزبجة البائسة.

ثم كان نصيبها بعد ذلك عصام، الوسيم مصدر حسدها من جميع النساء حولها، والذي عرفت على يديه مكامن انوثتها على حق، وذاقت سعادة لم تتخيلها سوى في الأفلام الرومانسية التي كانت تشاهدها في التلفاز.

حتى بدت الراحة ظاهرة عليها لكل من يراها من تورد وجنتيها ونضرة بشرتها وامتلأ قدها بعد الذبول والنحافة التي اصابتها بسبب المعاناة الشديدة في الزواج من جابر، إذن ما الذي حدث الاَن؟ ولما هذا الجفاء منه والتحول الغريب أم انه قد زهد منها؟

انتفضت من شرودها فجأة على صوت الركوة وهي تفيض مع فورانها بالشاي المغلي لتطفئ من عليها سريعًا وتكمل وضع الطعام على الصنية قبل تقديمها إليه على طاولة السفرة الصغيرة بمنزلهم الصغير.

❈-❈-❈

-كيف حال والدتك يا عصام الاَن بعد زيارتك لها بالأمس؟ هل تتحسن بالعلاج؟
سألته في محاولة لفتح حديثٍ عادي معه، فرد والطعام يملا فمه بفضل تناوله بشكل سريع:

-العلاج الجديد يأتي بفائدة قوية معها، ولكنه باهظ الثمن فهو يقتطع معظم المعاش الذي تتحصل عليه شهريًا، ولكني سأسعى لتدبيره على نفقة الدولة .
تحمست سريعَا تردف إليه بالحل:

-ولماذا تذهب للمكاتب الحكومية وتُتعب نفسك بالروتين الممل، تحدث مع الدكتور عزيز حينما يأتي في ميعاده الشهري، فهو يستطيع تدبير العلاج بجرة قلم منه، الا تتذكر مع فعله مع عزة بعد تسمم حملها السابق؟

لقد وفر عليها وعلى زوجها اَلاف الجنيهات
سهم قليلًا يوزن الكلام برأسه وقد بدا عليه الإقتناع ، فاستطردت تكمل بحماس:

– إن كنت خجلاً من مفاتحته، بالأمر أستطيع أنا التحدث مع زوجته السيدة فاطمة لتخبره أو حتى اقوم أنا بالتحدث إليه.

توقف عن مضغ الطعام ليرمقها بضيق وغيظ، لهذا التحول الذي اكتسبته سريعًا بفضله وبفضل العيش في المدينة، فهذه الريفية التي أتت من بلدتها معه تخجل من الرد على أحدهم او حتى المصافحة.

أصبح لديها الجرأة الاَن لتتحدث مع الرجال، بل وتعرض عليه هو عصام الحل في مساعدته!
-لماذا تنظر إلي هكذا ولا تجيب؟ الا يعجبك الحل يا الذي طرحته عليكِ؟

هتفت تسأله لتخرجه من شروده، فكظم يلوك بالطعام الذي داخل فمه قبل أن يجيبها على تمهل بسأم وكلمات محددة:
– حينما نبدل الأدوار وأصبح أنا المرأة وأنت الرجل سوف يصح لكِ التحدث حينها مكاني.

اشاحت بوجهها عن عينيه الثاقبتين كي تزفر بعيدًا عن وجهه قبل أن تعود لترد عليه:
-لا تكن متزمتًا بهذا الشكل يا عصام، لقد تطوعت بقصد المساعدة فقط، لا لشئ اَخر، فوالدتك كوالدتي وأنت تعلم بمعزتها بقلبي.

-نعم أعلم!
أردف بها مقتضبة مبهمة قبل أن ينكفئ على طبقه، ويكمل ما يفعله ويعود لتجاهلها، حتى سئِمت من التحدث وإليه وتوقفت عن الكلام،

انتهى من طعامه لينهض عن مائدته الصغيرة وينفض كفيه مردفًا لها:
-لا تجعليني اتأخر في نومي إلى اَذان العصر، افعلي المستحيل حتى توقظيني قبل ذلك.

اومأت رغم عدم اقتناعها لعلمها التام بنومه الثقيل وردت وهي ترفع الأطباق:
– حسنًا سوف أحاول.
قطعت توقفه قبل ذهابه لغرفته:

– ولكني سوف اخرج الاَن إلى السوق لأبتاع حاجة المنزل الناقصة من الخضر ومستلزمات المطبخ، قبل أن أذهب بعدها واقضي بعض الوقت لمساعدة عزة .
استدار عنها ليشير لها بظهر كفه في الهواء كموافقة بعدم اهتمام.

❈-❈-❈

على فراشه كان يتقلب دون هوادة وكأن أسفلة حمم من الجمر، وعقله لا يهدأ من الفكر، يحتسب الدقائق في انتظارها، لقد مر الاَن اكثر من ساعة منذ مجيئه، وهي
بعادتها لا تتعدى النصف ساعة بعد إطعام زوجها بوجبة الإفطار.

هذا الغبي الذي يرفض تناول شطائر الفلافل معه على عربة العم رمضان، وكأنه يشمئز من الرجل، زفر بضيق فقد تعد الوقت الاَن لساعتين، إذن لابد أنها ذهبت إلى السوق لابتياع الخضروات، ولكن كيف له الإنتظار لأكثر
من ذلك؟

لا هو قادر على النوم رغم احتياج جسده للراحة، ولا هو قادر على إزاحة صورتها وكل أفعالها عن عقله، رغم احتياج الاَخر أن يهدأ من صخبه بها طول الوقت، ليل نهار .

أجفل على صوت جرس المنزل وانتبهت كل حواسه حتى تبين مع فتح الباب لصوتها الذي دوى مع صوت عزة وهى ترحب بها، انتفض على الفور من فراشه يتناول المقعد الصغير الخاص بتسريحة زوجته ليجلس محله ويتابعها

بقلب يتقافز في صدره كلهو أرنب صغير من اللهفة، ثم يجلس خلف باب غرفته ويتابع من هذا الثقب الكبيرة الذي حفره بنفسه بخشبه، ليسمع ويراها جيدًا من محله من بداية جلوسها بالصالة الضيقة.

اَخذة راحتها مع عزة وهي تردف بأحاديث النساء معها، أو حينما تتبرع بمساعدة المذكورة بترتيب المنزل وجلي الأواني في المطبخ المقابل له أيضًا.

فيراقبها بتفحص مع ارتدائها للعباءة المنزلية الخفيفة؛ التي دائمًا ما تنحسر عليها قدها الملفوف، وهي الغافلة عن نظرات تخترقها دون حياء أو ضمير يذكر بحقوق الجار

وعلى مقعد الصالة المرتب بعناية رغم تواضعه جلست بأنفاس لاهثة تنزع عنها حجابها وتفتح السحاب الصغير في أعلى عبائتها السوداء كي تلتقط أنفاسها من السير والحر في زحمة السوق.

رغم هذه البهجة التي تتخلل نفسها من الداخل أيضًا بعد كلمات الإطراء والغزل التي تطرب أسماعها من الرجال في السوق:

-اَه يا عزة، حرارة الشمس اليوم كانت غير طبيعية في الخارج، رغم هذه البرودة الشديدة التي تأتي بالليل، لا اعرف كيف ينقلب الجو هكذا وبهذه السرعة؟
قالت وهي تستريح بجسدها على ظهر الكرسي، وردت عزة بسجيتها كالعادة

-هذه طبيعي فنحن ف نحن الاَن الخريف، وهناك صراع بين الصيف الذي لا يريد ترك مكانه والشتاء الذي يحارب ليأخذ دورته، هكذا كانت تقول أمي .

-رحمة الله عليها
تمتمت بها ابتسام بتأثر لحال جارتها التي لاتكف عن ذكر
والدتها في كل جلسة لها معها، اعتدلت لتُذهب عنها الإنجراف في الخوض في ذكرياتها مع فقيدتها، وقالت هي تخرج لها بعض الأكياس من الخضر،:

-لقد أتيت لكِ بكل ما تحتاجين وما دونتيه لي في ورقة الأمس عن الفواكه والخضر التي تحتاجينها لتغذيتك انتِ والمولود .
تطلعت عزة لما تشير إليه وتفحصتهم بعيناها سريعًا قبل أن تخاطبها بامتنان:

-شكر لكِ حبيبتي، والله لأشعر بالحرج، لأني دائمًا ما اتعبك معي.
بابتسامة متوسعة افتر بها ثغرها تطلعت إليها ابتسام، قبل أن ترد بالحديث المحبب دائمًا لها وهي تلوي الخصلات المتمردة من شعرها على أطرف اناملها:

-ولمَ الحرج يا مجنونة؟ وهذا من أحب الأشياء على قلبي، فيكفي كلمات الغزل التي اتلقاها من رجال لا اعرفهم، حتى تزيد من ثقتي
بنفسي، ويتجدد شعوري بانوثتي المهدرة مع هذا العصام.

❈-❈-❈

تطلعت عزة إليها باهتمام كي تستمع منصتة بإصغاء لهذه الوصلة المسلية من حديث جارتها؛ والتي تُتحفها بها كلما خرجت لتقضي حاجتها من السوق او حتي لتبتاع ولو شيئًا بسيطًا من محل البقالة القريب من مسكنهم، لتُنعش خيالها البرئ

في شئ حرمت منه ولا تجده كمعظم النساء،
وهو الجمال الافت للأنظار، الأنثي التي يتهافت على رؤيتها الرجال ويتسابقون لنيل رضاها، كما تقص وتحكي لها ابتسام الاَن؛ والتي اندمجت في الوصف ببهجة ظاهرة:

– ظل الرجل يلاحقني يا عزة ويسير خلفي من بداية دخولي لسوق الخضار وحتى خرجت واستقليت السيارة الأجرة ولسانه لم يكف ولو لحظة واحدة عن الوصف والمدح في جمالي وعن أمنيته لنيل امرأة مثلي، حتى مللت وكدت أن أطلب له رجل الأمن.

ولكني تراجعت حتى لا أتسبب في أذيته فهو لم يتحرش او يتجرأ على لمسي، ولم يفعل سوى المعاكسة، بالتغزل في جمالي وجمال قدي الذي يوقع اعتى الرجال وهو رجل مسكين كما ذكر.

توقفت لتضحك بانتشاء وهي تتذكر قول الرجل والذي تعدى غزله الوقاحة بوصفه الدقيق لها وما ترتديه من عباءة مُحكمة الضيق على جسدها، مستغلًا سكوتها وعدم ردعه، بالإضافة إلى تباطُئ خطواتها وكأنها سعيدة بما تسمغه.

قطعت شرودها عزة بقولها المتردد مع هذا الشعور القلق والذي ينتابها دائمًا في كل مرة مع جارتها رغم سعادتها بالحديث الممتع وهي تحكي عن لهفة الرجال عليها بتفاخر:

-لكن عزيزتي، ألا تخافي من أن يكون هذا الرجل خطير مثلا فيصُدر منه فعل شيئًا ما لا تتوقعينه ؟
ردت بعدم اكتراث ساخرة؛

-حبيبتي يا عزة وما في بيده أن يفعل؟ نحن في السوق وهذه الأشياء تحدث لي كثيرًا، وأنا بصراحة اعتدت على هذه المضايقات والمناكشات، لكن حينما تزداد معي عن الحد المسموح به أستطيع إيقافه وإيقاف عشر من أمثاله.

-حفظك الله حبيبتي، أنت جميلة ويحق لك الدلال، والتفاخر أيضًا، ما دمتِ قادرة على الحفاظ على نفسك، ضد غدر البشر وأطماعهم.

قالتها عزة بطيبتها المعهودة رغم نبرتها الحذرة في توجيه النصيحة بشكل غير مباشر لجارتها التي تخاف عليها وتهتم بها .

غمر السرور قلب الأخرى دون أن تنتبه جيدًا لمغزى النصيحة التي وجهتها لها عزة، لتقف فجأة وقد دب الحماس بداخلها لتتناول ألأكياس الملقاء على الأرض وفوق الكنبة بجوارها، تنتوي فعل ما تفعله يوميا منذ بداية حمل عزة؛ والتي لحقتها متمتمة بحرج لتمنعها:

-بالله عليك لا تفعل…..
-لا تحلفي حتى تلتزمي برد الكفارة أو الصيام .
قالتها ابتسام مقاطعة لها لتكمل بإصرار:
-سأجلي الأطباق الموجودة في حوض الغسيل سريعًا، ثم نتناول وجبة الإفطار معًا.

كي تأخذي أنتِ بعد ذلك علاجك، ويزداد أنا وزنًا بتكرار الوجبات التي اتناولها مع زوجي ومعك أيضًا.
ضحكت عزة مرردة خلفها:
-ازدادي حبيبتي كما تشائين، فكلما ازدتي في الوزن زاد جمالك.

التفت إليها تسألها بتشكك:
-أرجو أن تكوني صادقة في قولك ولا تجامليني يا عزة.
-أقسم بالله بأني لا أُجاملك، هذا بصدق ما أراه بعيني.
قالتها عزة بابتسامة ودودة زادت الحماس بقلب الأخرى لتردف:-سوف أساعدك بترتيب المنزل أيضًا.

تمتمت خلفها عزة بالكلمات الممتنة وهي تتبعها نحو الذهاب للمطبخ، فجارتها العزيزة منذ أن علمت بحملها وتوصيات الطبيبة لها بالراحة التامة وهي لم تتأخر عنها ولو بيوم واحد لمساعدتها في أعمال البيت وشراء الأغراض من السوق والبقالة.

وخلف باب الغرفة وبعد أن استمع لحديثها اليومي مع امرأته حتى حفظها وعلم بأبعاد كثيرة عن شخصيتها، تابع بمراقبته لهن عبر الثقب الصغير، حتى انتقالهم للمطبخ المقابل لغرفته مباشرة، ليعتدل بانتباه، فالمتابعة الاَن أصبحت أكثر تشويقًا والرؤية أوضح عن الصالة .

تتركز أنظاره عليها وهي واقفة بجوار حوض غسيل الأطباق التي تجليها، وينتظر بشوق انحسار العباءة عليها مع تحركاتها الدائمة داخل المساحة الضيقة.

تباسطها في الحديث مع عزة التي تساعد بخفة معها حتى لا تضر نفسها ويتأثر حملها، وضحكاتها التي تدوي بصخب وتصل إليها لتُلهب خياله المريض، فلا يهدأ ولا يسكن سوى برحيلها بعد فترة طويلة من الوقت.

ثم يأتي بعد ذلك عذاب التفكير في كل كلمة وكل همسة صدرت منها، مع صورتها التي احتلت خياله منذ قدومها مع زوجها من بلدتهم، لتصبح جارة وصديقة لزوجته، مع مشاركتهما هي وزوجها للسكن معهما بنفس الملحق وبهذا القرب بين العأئلتين الصغيرتبن،

تبقى في عقله بطلة لأحلامه، ترافقه في صحوه وتُحرم عليه النوم؛ بالتفكير المتواصل بها والبحث عن طريقة تمكنه من الوصول إليها، ولكن كيف يحدث ذلك؟

بين امرأة تعشق المراَة ليغمرها السرور في كل مرة تنظر لنفسها وترى جمالها بها، وبين رجل يخشى النظر إليها، حتى لا ينظر لنفسه ويرى ما يجعل النساء تنفر منه، وجهه الدميم

❈-❈-❈

في الخامسة عصرًا وبعد محالاوتها المستميتة بإلحاح
استيقظ اَخيرًا عصام من نومه، بوجه متجعد بعبوسه وتجهمه، وذلك بعد أن ألقى نظرة على التوقيت بهاتفه، ليهتف حانقًا عليها:

-في الخامسة يا امرأة توقظيني على قرب انتهاء اليوم!
تأففت زوجته لترد وهي تصفف بالفرشاة على خصلات شعرها أمام المراَة:

-هكذا أنت دومًا يا عصام، تشدد بقولك على الإستيقاظ في الثالثة، كي ترهقني أنا في المحاولات البائسة ولا تستقيظ إلا بصعوبة، ثم تعود لُتحملني الذنب.

ضغط على شفته السفلي يكظم غيظه كي لا يخوض في نزال من جدال لا فائدة منه معها، ونهض عن التخت يهمس كازًا على أسنانه بعد أن وصل أليها وأصبح بقربها:

-أغلقي فمك ولو قليلًا يا ابتسام، فمزاجي العكر الاَن لا يحتمل ثرثرتك .
التوى ثغرها تنفيذًا لأمره، فهي أيضًا لا تريد سماع توبيخه الدائم لها، لتجفل على صيحته بعد ذلك:

-واتركي شعر رأسك وتصفيفه الاَن، أريد الطعام جاهزًا فور أن انتهائي من حمامي وقبل ارتداء ملابسي.
اومأت برأسها له دون رد لتسمع غمغمته من خلفها:

-لا تفلح في شئ سوى الإهتمام بنفسها، اللعنة عليها وعلى شعر رأسها وجمالها الذي تفتخر به.
زفرت تنظر في ظهره حتى دلف لحمام الغرفة واغلف بابه عليه فتمتمت هي الأخرى:

-اللعنة عليك أنت وعلى برودك يا عديم الشعور والإحساس .
تنهدت بالاخيرة لتذهب لمراَتها المحبوبة تحدث نفسها وهي تتلاعب بخصلات شعرها الذهبي الطويل:

-لا يكف عن التذمر ليتهمني دائمًا بالتقصير، رغم كل ما أفعله معه في محاولاتي البائسة لإرضائه، ومع ذلك لاشئ يعجبه مني، ولا ألقى منه الدعم او التقدير بكلمة حتى .
أعمى البصر إنه حتى لم يهتم بلون شعري الجديد؟

…يتبع

الفصل الثاني .

في الساعة السابعة

خرج عمران من شقته بالزي الرسمي للعمل، البنطال الأسود وفي الأعلى قميص باللون الأزرق، والمعطف الثقيل على ساعده يتجهز لأرتداءه، في انتظار عصام

الذي هاتفه منذ قليل.

فقد حان موعد نوبتهما الليلية في حراسة المبنى، انفتح باب الشقة ألمقابلة لشقته ليفاجأ برؤيتها هي أمامه:

-مساء الخير.

القت تحيتها بروتينية ككل مرة تراه بها، وهي تٌخرج الكيس الأسود للقمامة خارج الشقة، لا تضع عينيها بعينيه وتنظر إليه جيدًا، يعلم في قرارة نفسه ان ما يمنعها من ذلك ليس الخجل .

ولكنه النفور من التطلع إلى وجهه الملئ بالحفر، هذا بالإضافة إلى الحرق الذي شمل أكثر من نصفه، فجعل هيئته تقارب المسخ؛ بالتشوه الذي رسم كلوحة فنية بائسة تثير الفضول في النظر إليها من البعض، ويفر من أمامها المعظم.

أجلى حلقه ليرد بلهجة جعلها عادية:

-مساء النور، الم ينتهي عصام بعد من ارتداء ملابسه؟ لقد هاتفته منذ قليل ولم يرد .

أجابت وهي تدعي لف طرحتها جيدًا حول وجهها:

-لقد انتهى وعلى وشك الخروج الاَن، دقيقة وينضم إليك، اتريد مني الدخول إليه واستعجاله؟

من جديد تجيب عن سؤاله متعمدة عدم النظر إليه، ليأخذ هو فرصته كاملة للتأمل جيدًا في ملامحها الفاتنة، هذا البشرة البيضاء الصافية التي لا تشوبها شائبة، عكس زوجته التي انعكس ضعفها الجسدي على بشرتها فجعلها دائمة الشحوب.

رغم كل ما تفعله من اهتمام بها من أقنعة طبيعية في المنزل وكريمات التغذية العلاجية من الصيدلية، فلا يفلح شئ في تصفيتها ولا بتغطية العظام البارزة لوجنتيها الغائرتين، كم ود لو كانت بوجه مستدير كهذه، وجنتين مكتنزتين بلونهما الوردي.

وكأنهن تفاحتين ناضجتبن تنادي صاحب النصيب،

ويا ليته كان هو؟

ارتفعت عيناها فجأة بتساؤل فانتبه من شروده ليرد على الفور بعملية:

-سوف أكون شاكرًا لكِ لو هتفتِ عليه كي يأتي سريعًا،  ويستلم النوبة، فلابد من ذهابي الاَن كي اَتي بالعلاج الناقص لعزة من صيدلية أخرى تبعُد عن هنا كثيرًا.

تطلعت وبدا عليها التأثر لتقول بلهفة:

-حسنا سريعًا سأدخل إليه؟

قالتها والتفت لتجد زوجها أمامها بملابس العمل هو الاَخر يردد:

-لا داعي لاستعجالي فقد خرجت وحدي، كيف حالك يا سيد عمران؟

قال الاَخيرة بلهجة مازحة لرفيقه الذي تبسم له فظهرت أسنانه البيضاء وهو يرد :

-جيد جدًا يا سيد عصام، مشتاق ففط لرؤيتك عزيزي.

أطلق عصام ضحكة رنانة ليكملا الرفيقان مزاحهما

وهما يهبطان درج الملحق الذي يسكنان به، أصابتها ابتسام عدوى الضحك خلفهما، لتغلق باب شقتها سريعًا وتنضم للحديث مع جارتها في الشقة الثانية.

❈-❈-❈

جلس عصام على الكرسي البلاستيكي يرتشف من الكوب الزجاجي لمشروبه الساخن وقد جاء به عمران من القهوة القريبة في اَخر الشارع، والذي كان منشغلًا الاَن بإشعال النيران في الأسفل لتعمل على تدفئتهما وقد

زحف تيار الهواء البارد وشعرت به أجسادهم.

-أممم كوب السحلب الساخن جاء في وقته يا أبا عمران.

قالها عصام متلذذًا بالطعم الجميل بفمه، تبسم له المذكور يرد بامتعاض

-لا أدري يا رجل كيف تُعجبك هذه الأشياء الغريبة؟

ولا يعجبك الشاي الذي يعدل الرأس بالفعل ويدفئ الجسد من كل برد

تبسم عصام يقول متفكهًا:

-لأني كالأطفال يا عزيزي، يعجبني اللون الأبيض وتناول المكسرات بالمعلقة، اقسم انه لمن امتع الأشياء،  لا أدري لما لا يُعجبك؟

-لأني لست طفل

قالها عمران بابتسامة متوسعة بمرح، والتي قابلها عصام بالضحك عاليًا،  حتى انتبها الاثنان على الصوت النسائي القريب منهما..

-أنت يا هذا أنت يا أخ ؟

أجاب عمران على المرأة التي تبدوا في عمر الثلاثين وبجوارها فتاة تبدوا في الرابعة عشر:

-نعم سيدتي هل تقصدينني أنا؟

نفت برأسها سريعًا المرأة لتلتف نحو عصام تسأله بلهفة متهربة هي وابنتها من النظر إلى عمران:

-هل تعرف اين يسكن الدكتور محس عثمان استاذ الطب النفسي؟

أجابها عصام بحرج من صديقه الذي تجاهلت المرأة سؤاله عن عمد، في حدث تكرر أمامه قبل ذلك كثيرًا، حتى انتابه الإشفاق عليه من هذه الأفعال التي تؤذي مشاعر الاَخر:

-استاذ محسن عثمان في الشارع التالي من هنا، هذا مركز الدكتور عزيز لعلاج العظام وزوجته الدكتورة فاطمة استاذة النساء والتوليد .

ردت المرأة بمسكنة أصابته بالضيق:

-أين هذا الشارع الذي تقصده؟ انا غريبة عن هنا ولا اعلم الطرق ولا حتى انتبه جيدًا لقراءة اليافطات المعلقة، هل تتطوع وتذهب معنا ارجوك؟

التف لصاحبه بتساؤل لإنقاذه ولكن الاَخر ابتلع الغصة المسننة بحلقه، واغتصب ابتسامة يومئ له بذقنه مشجعًا:

-أذهب يا عصام كي تدلها على العنوان الصحيح، وسأنتظر أنا هنا ولن اتحرك من مكاني،

تنهد عصام بضيق ليتبع المرأة نحو العنوان المذكور،  ونهض عمران كي يجلس محله يرتشف من كوب الشاي الذي برد، يتطلع لانصرافهم ويراهن بداخله على شئ ما، وكما توقع التفت رأس الصغيرة لتُلقي بنظرة فضوليه نحوه، فشاكسها برفع حاجبه، مع ابتسامة ذات مغزى.

شهقت الفتاة برعب لتعود بنظرها بعيدًا عنه، لدرجة جعلته يشعر نحوها ببعض الشفقة قبل أن يعود ويذكر نفسه أنه لم يخطئ بشئ، هو لم يحُثها على الإلتفات كي تشاهد من جديد الوجه الغريب لتتسأئل عن المتسبب في تشويهه، او عن حجم هذا التشوه.

والأصح قبل كل ذلك، هو ليس مسئولًا عن هذه الهيئة التي خلق بها، وجهه الخالي من المواصفات الجمالية حتى الأقل من العادية، يشبه والدته التي كانت تًعاير من زوجها به؛ بأنها أنجبت نسخة ثانية منها، قبل أن يتوفاها الله في هذا الحريق الذي شب بمنزلهم قديمًا.

فالتهم ألأثاث والتهم نصف وجهه مع محالاته البائسة  في النجاة من النيران التي اخترقت غرفته ليلًا وهو نائم، بعد انفجار أسطوانة الغاز، إثر إشعالها بخطأ من والدته راحت ضحيته.

وبعدها يزداد الطين بله في حظه المشؤم

نفض رأسه من ألأفكار السيئة بالغوص في ذكرايات الماضي، حتى لا يجدد على نفسه شعور الحسرة والحزن، تناول هاتفه من جيب بنطاله، لتتغير ملامح وجهه.

وينبت بداخله الفرح المؤقت، بدخوله على وسائل التواصل الإجتماعي وشخصية أخرى غير شخصيته،، قبل أن يدخل بتطبيق الرسائل ويعيد محاولاته في التواصل عبر حساباته

العديدة المزيفة.

❈-❈-❈

داخل غرفة النوم والتي تقضي فيها معظم وقتها بالمنزل، تُشعل شاشة التلفاز أمامها لتشاهد مسلسلاتها المفضلة في غياب زوجها الذي يُصر دائمًا على مشاهدة مباريات كرة القدم وحلقات المصارعة الحرة.

تتكتئ على وسادتها وتتناول المسليات أو الفواكه كما تريد، مدامت ستنظف كل هذه الفوضى قبل أن يأتي أبا الغضب بعواصفه، فلا يوجد حماة تعكر صفوها بالشجار والتدخل في كل صغيرة وكبيره تخصها، ولا شقيقة تراقب عليها وتعُد عليها أنفاسها.

هذه مملكتها ولا يشاركها بها أحد، وقد حصلت عليها كتعويض من الله بعد معاناتها في الزواج السابق، فلا داعي لتذكر هذه الأيام العصيبة الاَن، حتى تستمع باسترخاء بمشاهدة الفيلم العربي المذاع أمامها.

كما تُسلي نفسها أيضًا بمتابعة هذه الرسائل المتتالية الغريبة التي تصل إلى حسابها في تطبيق المحادثات، بعدم معرفة حقيقية او حتى صداقة عابرة مع صاحبها عبر وسيلة التواصل الأكثر شهرة:

-عرفيني عن نفسك

-انا معجب بكِ

-لما لا تردي وتُريحي قلبي المتعب بعشقك يا أجمل من رأت عيني.

أطلقت ضحكة مدوية بمرح يكتنفها مع قراءة الرسائل ودعوات صاحبها الحثيثة لها بالرد والإجابة منذ عدة أيام، وهي تقرأ مستمعة ولكنها لا تريد إجابته حتى لا يظنها سهلة المنال، مع شعورها بتافهة المرسل.

بهذه الجمل النمطية والتي تتكرر معها كثيرًا برسائل عديدة تصلها من عدة أشخاص:

-أين أنتِ يا جميلة؟

– طاوعكِ قلبك على تركي، لأناجي وأتحدث هكذا مع نفسي؟

أعطفي وردي على قلب محب أرهقه التفكير في عشقك، اليس لديك ذرة من رحمة كي تعطفي على رجل مسكين مثلي؟

– تقرأين في الرسائل ولا تُجيبي، لابد أنك تسمتعين بعذابي أليس كذلك؟

استمرت ضحكاتها بانتشاء وهي تتناول في حبات العنب الصغيرة، وعينيها تنظر بصورة الشاب صاحب الحساب الذي يراسلها وهي تشبه إحدى النجوم الأتراك المدمنة على مسلسلاتهم، بل وتعشق الرومانسية في تدليلهم للنساء، وكم تمنت أن تكون مكانهن.

إنتابها الفضول لتخرج عن صمتها وتكتب له اَخيرًا بجملة واحدة:

-قبل أي شئ فلتخبرني اولًا هذه صورتك الحقيقية أم لأ؟

بعث لها يرد برسائل الفرح مهللًا:

-اَخيرًا اَخيرًا وصلني رد منك يا جميلة، اخيرًا رق قلبك إلي بعد طول انتظار.

طرطقت بفمها صوت اعتراض يكتنفه الدلال قبل أن تضغط وترسل إليه:

-انا لم أعطف ولم أحن، أنا فقط أسألك وأنت عليك الإجابة،

انتظرت قليلًا حتى أتتها إجابته:

-هي ليست صورتي ولكني أجمل من هذا الرجل.

فغرت فمها بغير تصديق، تود الرد برسالة ساخرة.

وكأنه قرأ أفكارها، سبق على الفور برسالة أخرى:

-لو وددت التأكد من قولي، باستطاعتي إرسال الصورة الأصلية إذا أردتي.

كتبت ترد:

-إذن فالترسل الصورة الحقيقة ولا داعي للمماطلة.

وصلتها إجابته سريعًا:

-لن أماطل وسوف أرسل أليك صورتي سريعًا لو أرسلتي أنت إلي بصورتك أيضًا.

أطلقت ضحكة مجلجلة لترسل له رمز ضاحك، تُظهر استخفافها بعبارته.

ثم أغلقت الهاتف بعد ذلك مرددة:

-الغبي يظنني حمقاء حتى يطلب صورتي هكذا سريعًا مع أول محادثة بيني وبينه.

❈-❈-❈

أعاد الهاتف لجيب بنطاله، بعد إنتهاء المحادثة، يتأمل هذه المرة أن تأتي بنتيجة فعالة، فجميع المرات السابقة فشلت ولم يصل بها إلى نصف المسافة التي يرجوها، دائمًا ما تلاعبه وتعلقه وكأنها أدمنت الرسائل وأدمنت حب السيطرة بتعليق الرجال.

هذا الدور الذي تعشقه، ويحتل خيالها الخصب بتفكيرها الذي يذكره بالمراهقات الصغيرات قبل أن يعين على الواقع البائس، ولكنه لا يستبعد فهو كما علم من أحاديثها سابقًا مع زوجته، لم تكمل عامها الدراسي الاَخير في شهادة الثانوي الفني الصناعي.

وقد تزوجت عن عمر صغير، ويبدوا أنها حرمت من هذه الأحاسيس وتريد تعويضها الاَن ومع عصام!

تبسم بداخله على هذا الخاطر الاَخير، فجاره العزيز وصاحبه أيضًا له خبرة طويلة بعلاقاته المتعددة مع النساء جعلته يكتشف طبعها سريعًا بعد زواجهم.

وذلك ما جعله، بخيل في كلماته لها، حتى لا تتكبر عليه وقد أتى بها من بلدتهم خصيصيًا حتى تكون طوعًا له تحت أمره، فلا يكرر ما حدث معه في زواجه الاول من بنت الحضر إبنة خاله، التي كانت تعايره بتعليمها الجامعي إذا ضربها أو تشاجر معها.

-تفكر بي أليس كذلك؟

هتف بها عصام يقطع عنه شروده بعد توصيله لهذه المرأة وابنتها للعنوان المذكور، استفاق عمران ليسأله بمرح مصطنع:

-نعم كنت افكر فيك، فقد خفت أن تأكلك هذه المرأة وابنتها وقد قرات النية في عينيها قبل ذهابكم.

أطلق عصام ضحكته المدوية بصخب قبل أن يتناول الكرسي الاَخر ويقترب بجلسته من عمران:

-لديك حس فكاهي عظيم يا راجل، فلا أحد ينجح بقدرك في إضحاكي، أقسم انك لو أخذت بطولة لفيلم سينمائي، ستقلب الدنيا بفكاهتك.

ردد ساخرًا خلفه:

-نعم سأقلب الدنيا لكن ليس لفكاهتي، وإنما لشكلي الجميل والوسيم الا ترى يا راجل؟

اختف الهزل من وجه عصام وحل مكانه الإشفاق والتأثر من كلماته صديقه التي كان يردف بها وهو يشير بكفه على وجهه.

تنهد بعمق قبل يقول ملطفًا:

-كفى يا عمران، أنا لم أقصد السخرية يا رجل، لقد عبرت عما أشعر به اتجاهك،  فلا تاخذ كلماتي على محمل اَخر، أم تظنني اتنمر عليك بقولي؟

أومأ عمران بشبه ابتسامة لا تصل لعيناه، يرد بلهجة لينة يدعي السماحة:

-لا تقلق يا عصام، أعلم جيدًا بنيتك البريئة نحوي، وانا لست صغيرًا حتى لا أميز بين المزاح والجد،

تنهد عصام يردد بارتياح:

-الحمد لله انك تعلم بذلك، أنت رفيقي يا رجل وصديقي وجاري أيضًا، يعز عليا زعلك، فلا تفعل أرجوك وتحزنني.

– لن افعل ولن أحزنك يا صديقي.

قالها عمران بابتسامة افضل قليلًا من سابقتها، ثم اردف يتابع:

-اخبرتي الاَن ماذا فعلت المرأة معك؟ وماذا قالت لك؟ ضحك عصام وهو يتذكر المرأة التي تركها منذ قليل قبل أن يجيبه:

-إنها امرأة مجنونة يا رجل، طوال سيرها معي لا تنفك تذكرني بأنها مطلقة وابنتها الصغيرة سوف تتولى تربيتها والدتها، وعن ميراث أبيها بعدة فدادين زراعية ومعهم حظيرة للماشية، كان ينقصها فقط ان تخبرني برغبتها في الزواج مني صراحة.

استجاب عمران للمزاح الذي يتبادله مع رفيقه، ليرد:

-بدون قولك، لقد رأيت الإعجاب في عينيها، وهي تخاطبك سريعًا وتتجاهلني، انها مراة مجنونة، ولكن لما لا يا تجرب يا عصام؟

المرأة شكلها مقبول وعقلها خفيف أيضًا، انها صيد سهل يا رجل، ولسوف تنفعك بمالها، وربما اشترت لك بيتًا وكتبته بإسمك، اليس هذا اكبر أحلامك؟ إمتلاك منزل؟

تجعد وجه عصام ليرد بامتعاص وهو يدنو ليجلس حول النار ويدفئ كفيه برفكهما جيدًا:

-تغور بحالها ومالها وجمالها، وحتى البيت الملك إذا جاء من طرفها، بعد خبرتي الكبيرة والعلاقات المتعددة في رفقة العديد منهن.

اقولها لك الاَن ومن كل قلبي، لقد زهدت بهن وكرهتهن جميعًا، كلهن سواء ولا توجد واحدة منهن تستحق.

هذا ما توصلت إليه عن خبرة.

غمغم عمران بداخله:

-ليتني امتلكت نصف خبرتك هذه يا عصام حتى أصدق ما تتفوه به، فخبرتي يا صديقي لا تتعدى عزة المتواضعة والتي لحقت بها كجائزة بعد رفضي من معظمهن.

وحيد منذ نعومة أظافرك، والدتي ذهبت وتركتني سريعًا، فلم يكن لدي حتى شقيقات أشاطر معهن همي، وربما قد وجدت لديهن القبول الفطري بحكم الأخوة بيننا، فلا أشعر بهذه الهوة الكبيرة بيني بين صنف النساء.

❈-❈-❈

.

❈-❈-❈

في اليوم التالي

وفي الميعاد اليومي من الصباح كان جالسًا خلف باب الغرفة يستمع هذه المرة منها ما تقصه على عزة بشأن محادثة الأمس، تتحدث بزهو عن هذا المعتوه الذي ظل يرسل لها الرسائل بالأيام يتغزل في جمالها كي يطلب صورتها هكذا من مجرد أن ردت ببعض الكلمات عليه.

-لقد طلب صورتي يا عزة حتى يرسل إلي بصورته،  الأحمق؛ أيظن أن الشوق يقتلني حتى أرى صورته الحقيقة، أو يعتقدني بلهاء حتى انفذ وأرسل إليه هكذا على الفور؟

قطعت لتكمل ضاحكة:

-لا يعلم أن صورة الشاب الوسيم التي يضعها على حسابه هي من جذبني للرد عليه

قطعت لتنطلق في الضحك مرة أخرى تردف:

-لقد جعلني أضحك لفترة طويلة، لا أذكر عددها.

ردت عزة ببعض القلق رغم إصابتها بعدوى الضحك على ما تتفوه به جارتها العزيزة:

– ما كان يجب عليكِ أن تردي يا ابتسام وتعطيه اهتمام، كنت اتركيه كغيره، حتى لا يظنها فرصة الاَن لكي يلح بالرسائل وربما يتجرأ بإرسال صور غريبة كما حدث معك في المرة السابقة .

سمعت منها وسهمت قليلًا بتفكير قبل أن تجيبها بشرزد وهي تحتضن الوسادة الصغيرة:

-اقسم أنه هذا كان قراري بالبداية، ولكن غلبني الفضول في السؤال، بعد إلحاحه في الإرسال وطلب الرد، ولكن أطمئني، لو تواقح أو ارسل بشئ غير لائق، سوف أحظره.

شددت عزة بقولها الذي ينبع من دافع الخوف عليها، على أمل أن تتبع ابتسام النصيحة:

-على الفور حبيبتي، حتى لا يقع الهاتف بيد زوجك في أحد المرات ويكتشف أنك تردين على رسائل الرجال، ونحن لا نضمن رد فعله وقتها، وقد يظن السوء.

أصدرت صوت شهقة عالية مستنكرة ابتسام، أجفلت عزة، لتردف بعدها باندفاع:

-عصام يظن بي أنا السوء! بأي عين يفعل حبيبتي؟ وكيف يجرأ؟ وتاريخ علاقاته النسائية قد ذكر معظمه أمامي دون حياء.

انا لم افعل ربع ما فعله هو مع النساء التي رافقهن، إن كن متزوجات أو بنات عازبات، هو واثق جدًا بي وانا أيضًا لم اخذل هذه الثقة، كل ما هنالك هو مجرد متابعة او ردود بسيطة من باب الفضول وقتل الفراغ، أكثر من ذلك لم أفعل.

تبسمت عزة تربت بكفها الصغير على كتف جارتها لتهدئ لتقول لها بمهادنة:

-أنا أعلم جيدًا حبيبتي بأصلك الطيب، ولابد أن عصام هو الاَخر يعلم، ولكني أوجه كلماتي إليك من باب الحرص، الا يحق لي تنبيهك يا ابتسام؟

أردفت بالاَخيرة لتجد المذكورة تندفع عليها وتحتضنها بمودة صادقة تقول لها:

– يحق لكِ كل شئ يا عزة، فا أنتِ لست جارتي وحسب، بل أنتِ الشقيقة التي عوضني بها الله هنا في المدينة، بعد ابتعادي عن أهلي في البلدة

-وفي الداخل وبعد إنصاته لمعظم الحديث نهض عن كرسيه ومراقبتة الدائمة، ليرتمي بجسده على التخت وقد اخذه التفكير العميق للبحث عن طريقة أخرى يستطيع بها التواصل معها، وقد فشلت كل محاولاته السابقة بهذه الحسابات المزيفة.

يشعر بالتشتت لأقصى حد معها، يعلم أن لديها الإستعداد مع ضعفها أمام غزل الرجال، بالإضافة إلى سذاجتها مهما فعلت وبينت غير ذلك، ولكن أين يجد الطريقة؟ عقله مشغول بها ليل نهار، يتحرق شوقًا لتبادل الحديث معها، ولكنها لا تعطيه الفرصة حتى بالنظر إليه.

لو كان رجلًا وسيمًا أو حتى يمتلك مجرد القبول، لما واجه هذه الصعوبة على الإطلاق، يملك العقل الجيد ولا يملك الطريقة التي تساعده على التواصل معها، يكتنفه شعور قوي بالعجز على حل هذه المعضلة الكبيرة.

كما تغلي رأسه بأفكار عديدة ينسجها عقله الذي يزداد تصميمًا يومًا بعد يوم للتعلق بالمستحيل، ومع ذلك هو يرى نفسه دائمًا يستطيع الإقتراب مع بحثه الدائم عن الوسيلة، نعم هي الوسيلة؛ إن وجدها لن يبقى هناك مستحيل.

ظل على حيرته هذه والتفكير المتواصل حتى غلبه النعاس مع طلب جسده للراحة بعد السهر في نوبة عمله، بالإضافة إلى هذا الإجهاد اليومي والمستمر، استيقظ بعد ذلك مجفلًا على صوت زوجته وهي تلكزه بخفة:

-عمران يا عمران استيقظ.

انتفض مزمجرًا بصوت خشن جعلها ترتد للخلف مرتعدة مع هذه الملامح المتجهة والنظرة المخيفة التي اعتلت وجهه:

– ماذا؟ ماذا تريدين يا عزة؟

ابتعلت ريقها لتجيب بصوت خفيض وحذر:

-إعذرني لو أقيظتك قبل ميعادك اليومي، ولكني كنت مضطرة بعد أن أرسل إليك الدكتور عزيز مع أحد العاملين في المركز.

-الدكتور عزيز؟!

هتف بها ينهض سريعًا من التخت ليكمل يريد معرفة المزيد:

– ولما يأتي الاَن الدكتور عزيز وهذا منتصف الشهر وليس اَخره؟ وفي هذا الوقت من الظهيرة؟

– لا أعلم ولكنه قد بعث لعصام رفيقك الثاني في العمل أيضًا، يبدوا أنه يريدكما أنتما الاثنان

قالتها تجيبه سريعًا، لتجده يغمغم باندهاش قليلًا قبل أن يتحرك نخو خزانة ملابسه.

فخلع عنه رداء النوم ليرتدي الاَخر والخاص بالعمل حتى يلحق بمقابلة الطبيب صاحب المركز الذي يعمل لديه.

الدكتور عزيز.

❈-❈-❈

بعد قليل

كان الإثنان عمران وعصام بداخل العيادة الخاصة للطبيب داخل المركز، يحملان مع بعض الرجال الاَخرون، عدة أجهزة طبية جديدة لتحل محل القديمة، والتي قاما برفعها بعد ذلك لداخل مخزن صغير خصص  للأدوات الطبية والأجهزة أيضًا.

حتى إذا انتهوا اَخيرًا وخرج الطبيب يهم بالعودة تفاجأ بتجمع عددًا كبيرًا من الأهالي على الدرج الرخامي وقد منعهم من التقدم رجلان من موظفي المركز بالهتاف لأقناعهم:

– أنصرفوا بالله عليكم، فلا فائدة من التجمع هنا، هذا ليس الوقت المخصص لعمل للطبيب، الرجل قد أتى في مهمة محددة وهو على وشك الخروج الاَن.

تكلمت امرأة من وسط الحشد موجهة خطابها للعاملين:

-نحن أعلم بأن عمله يبدأ في المركز على اَخر ثلاثة أيام في الشهر ولكننا نطمع بكشف سريع أستثناءي، فالطبيب عزيز رجل بر كأبيه الطبيب الصالح رحمه الله

قالت المرأة ثم دفعت بطفلتها ذات الخمس السنوات، لتتابع للرجلين:

-ابنتي تشكو من ألم شديد بأقدامها ولا نستطيع الصبر على فحصها حتى اَخر الشهر.

هتف العامل الاَخر بوجهها بنفاذ صبر :

-لا حول ولا قوة إلا بالله، وما ذنب الطبيب عزيز في هذه المشكلة يا سيدتي؟ بإمكانك الذهاب بها إلى طبيب اَخر أو إلى مستشفى حكومي، تحركي يا سيدتي واتركينا لشأننا هداكِ الله.

ثارت المرأة بالكلمات الساخطة توبخ الرجلين حتى استنفرت باقي المجتمعين معها من أهل المنطقة، ليعلو معها صوتهم المنادي على الطبيب عزيز حتى خرج إليهم

مجفلًا على ألأصوات وخلفه كان عمران وعصام بعد إتمامهم العمل بالمخزن.

-مالذي يحدث هنا ولما هذا التجمع الاَن؟

هتف الطبيب بالسؤال ليفاجأ بالصياح والنداء بإسمه، من هولاء المتجمعين، مع تذمر العمال الذين كانوا يجاهدون لمنع تقدمهم الأفراد نحو الطيبب عزيز.

والذي حاول الإعتذار بزوق وكلمات مهذبة، ولفت نظرهم لضيق الوقت لديه على تلبية مطالبهم.

ليقابل بالاعتراض من معظهم مع ازدياد الإلحاح من واقع عشمهم به، كما عاهدهم دائمًا بحسن أخلاقه وعدم صدهم او خذلانهم قبل ذلك.

لم يقو عزيز على صرفهم رغم عدم تقديرهم لمسؤلياته الكثيرة والتزاماته العديدة، فاضطر

للتراجع من أمامهم لداخل المنزل ساحبًا معه عمران للهروب من الباب الخلفي من المطبخ والمؤدي للمخرج الاَخر من المنزل، وقد أمر عصام ليأتي بالسيارة إليه.

خطا الاثنان إلى داخل الممر الذي يفصل بين المبنى الكبير والملحق الجانبي الذي يسكنه الحارسان، وقبل أن يصلا إلى وجهتهم توقفا فجأة ليستديرا على إثر شهقة قوية صدرت من خلفهما، وصوتها يردد بعدم تصديق:

– الدكتور عزيز!

❈-❈-❈

وقف بينهم يتابع الحديث الدائر بأعين متربصة لا يغفل عن هفوة، وهي تتحدث بلهفة مع الطبيب تعرفه عن نفسها بأنها زوجة حارسه عصام، لتسأله ببلاهة إن كان يتذكرها أو راَها قبل ذلك، وعزيز يستمع ويتطلع إليها بأعين الإعجاب والإهتمام، فيستجيب لها بابتسامته.

لتزداد لهفتها في الحديث معه، وهذا يزداد اشتعالًا بغضب مكبوت على موقعه بينهم كالخرقة البالية، التي لا يرها ولا يشعر بها أحد، يقرأ جيدًا ما يدور برأسها الاَن نحو إعجاب الطبيب بها وما قد يشطح به خيالها في ذلك، من أفكار يعلمها جيدًا.

بحكم مراقبته الدائمة وفهمه لها فالغبية لا تعلم ان نظرة الطبيب لها لا تتعدى الإعجاب اللحظي بالمرأة الريفية التي تتحدث معه بطلاقة، بالإضافة لجمال صورتها الذي قد يبهره كرجل بوقتها.

ثم تذهب عن ذاكرته بمجرد استقلاله السيارة أو الأنخراط بعمله المرهق في علاج المرضى، او حتى بحديثه العادي مع زوجته الطبيبة التي تليق به وعلى نفس الدرجة العلمية والفكر الواحد.

فمهما كان تواضع الطبيب وحسن أخلاقه؛ فهو لن يميل سوى لمن تعادله في الطبقة، أو ع الأقل يقترب عقلها من عقله في التفاهم، والأهم من ذلك؛ أخلاقه الراقية لن تجعله يميل أو حتى يفكر مجرد التفكير في زوجة أخرى غير زوجتك.

حتى لو أراد؛ فلن يملك الوقت لفعل ذلك، هذا ما يعلمه بحكم تربيته في منزل الرجل، حينما استلم العمل مع الطبيب الكبير عن عمر الثالثة عشر.

لم يظلا كثيرًا على حالتهم حتى أتى عصام بسيارة الطبيب التي أحضرها من أمام المدخل الرئيسي للمبنى، عدة لحظات بسيطة التي مرت ولكنها كانت كفيلة بإحراقه.

خرج الطبيب ليستقل سيارته على الفور قبل أن يراه أحد الأشخاص، فلا يستطيع الفكاك من حصار اَخر،  توقف عمران وعصام حتى اختف السيارة من أمامهما ليعودا لمسكنهم من خلال الباب الخلفي للحديقة وقد انتهى عملهما مع ذهاب الطبيب.

دلف خلف عصام ليجدها مازالت واقفة محلها ولكنها كانت مستندة على جدار الملحق، ونظرة حالمة على صفحة وجهها ا

لذي محتفظًا بابتسامة السعادة، ليصله على الفور ما يدور بعقلها السازج الأحمق.

ربت على وجنتها عصام مستغربًا هيئتها ليأمرها باتباعه لدخل منزلهم قبل أن يستأذن منه ليغفى ويستريح قليلًا حتى يأتي ميعاد نوبته، خلفه هو أيضًا في الذهاب إلى عزة التي كانت تراقب من شرفتها الصغيرة في الأعلى كل ما دار منذ قليل

….يتبع

الفصل الثالث

وكما توقع كان الطبيب هو بطل الحديث الدائر بين الاثنتان، وهي تقص على زوجته كل ما تحدثت به أمام  عزيز، والأخرى تستمع بانتباه، وابتسامة بالإنبهار تعلو وجهها، للجرأة التي طرأت حديثًا على جارتها.

حيث أتتها الفرصة لكي تتحدث مع الطبيب الذي تسكن بمنزله لما  يزيد عن الأربع سنوات ومع ذلك لم تتمكن من رؤيته سوى بعض مرات معدودة، بفضل انشغاله الشديد، حتى وهي تعالج من قبل زوجته، الطبيبة الراقية الأستاذة فاطمة.

-لما صامتة أنتِ يا عزة؟ تكلمي وادلي برأيك عن ما قصصته عليكِ.

سألتها ابتسام في محاولة منها لتسمع وتعرف برد فعل جارتها عما تتفوه به، وكان رد الأخرى ابتسامة متسعة ومرحة:

-وما الحاجة لسماع رأيي يا امرأة؟ وقد تطورتي وصرتٍ تحادثين الرجال، لقد فشلت تربيتي، أنا لم أربي جيدًا.

قالتها بمزاح لتنطلق الضحكات الصاخبة منهن فتصل إلى هذا المتعوس الملتصق وأذنه خلف الباب المغلق، ليزداد الضجيج في عقله بالتفكير المتواصل.

لقد رحبت  بالرجل وكادت أن تقع من طولها لمجرد رؤيته بالقرب منها، أوقفته واعترضت طريقه بلهفة وخفة غير طبيعية، حتى إذا افتر فاهه بشبه ابتسامة لها؛ حلقت في الفضاء بفرحة وكأنها ملكت النجوم، لتأتي وتقص على زوجته وكأنها فعلت أمر بطولي.

أو أنها التقت بنجمها المفضل في التلفاز، وحصلت منه على توقيع لتظل تفتخر به بجميع سنوات عمرها القادمة، تنهد يغمض عينيه بتمني أن يُصبح هو مكان الرجل، فينال ما يبتغيه من النساء.

نفض رأسه عن هذا الخاطر الغريب، فهو لا يحلم بغيرها ولا يوجد من النساء ما حلت برأسها كمثلها،  لقد سكنت بعقله واحتلت وجدانه وسيطرت على كل حواسه، فلا يرى من النساء غيرها، ولا يسمع بأفضل من صوتها، ولا  يتنشق برائحة كرائحتها التي تتركها في ركن من منزله.

على صوت ضحكاتهم مرى أخرى يقطع عنه شروده، فالتفت رأسه بحدة،  وقد ضاقت أنفاسه وتعب من كثرة التفكير في التعلق بالمستحيل.

خطر إليه النهوض وطردها من منزله كي يستريح عقله ولو لدقائق من مشاغلتها له على الدوام، حتى لو كان هذا بدون قصد منها.

❈-❈-❈

في المساء وعلى ميعاد النوبة المسائية، دلفت لداخل الحجرة على صوت الهاتف الذي لا يتوقف بصوت الإتصالات العديدة التي تتواتر عليه، وزوجها واقف امام المرأة يتأنق بما يرتديه كما ينثر على ثيابه العطر، بتجاهل تام للرد

-عصام الا تجيب على الهاتف اللعين؟ وتريحنا قليلًا من الأصوات المزعجة؟

هتفت بها نحوه مندهشة بانزعاج قابله هو بنظرة باردة لانعكاس صورتها في المراَة، ليرد بعد وقتٍ طويل وقد أحرق أعصابها بالفعل في انتظاره.

-لا أريد الإجابة أو الرد، فلا تهتمي انتِ

صاحت غاضبة وقد أخرجها بهدوءه المستفز عن طورها:

-كيف لا أهتم يا عصام؟ وهذا اللعين قد أصاب رأسي بالصداع النصفي بهذه الاتصالات العديدة، لا تريد الإجابة فاجعله إذن على وضع الصامت أو أغلق الهاتف.

التف إليها صامتًا بنظرة مستخفة تعلمها جيدًا، ظل لعدة دقائق على وضعه، وهي تتطلع إليه بترقب، حتى تحركت شفتاه ليقول اَخيرًا:

-أراكِ اخذت الثقة وأصبحتِ تناطحيني في الرد، بل وأصبحت تأمريني أيضًا بما أفعل وبما لا أفعل.

صمتت تصك على فكها في انتظار المزيد، فهيئة زوجها تدل أن مخزون كلماته القاسية قد أتى ميعاد فيضانه، وكما توقعت وجدته يكمل بنظرة تشملها من اعلى رأسها حتى طرف جلبابها في الأسفل :

-لقد تغيرت يا ابتسام، وأصبحت امرأة أخرى لا أعرفها،  فكما أثرت بكِ حياة المدينة وغيرت في صورتك الخارجية للأفضل، غيرتك في طبعك أيضًا، شعرتِ بالإطمئنان حتى جعلك شديد الجرأة، ليُصبح صوتك عاليًا مع زوجك بقلة حياء .

-انا قليلة الحياء يا عصام .

هتفت بها مقاطعة له، فعلى صوته بالصياح عليها بغضب ظاهر:

-مجرد مقاطعتك لي الاَن قلة حياء أنا لا أرضى عنه، لست طويل البال حتى أصبر عليكِ يا ابتسام.

إرتفعت عيناها إليه بتساؤل يشوبه التوتر، وهو الأعلم بما يدور على الفور برأسها الاَن بعد سماعها العبارة، فتابع يضغط على النقطة التي تخشاها دائمًا برعب، ألا وهي تكرار الفشل في زواجها والعودة مرة أخرى مطلقة ذليله في بيت أباها تنهشها أللسنة البشر بلا رحمة.

-لا تأمني غدري حبيتي، قد تجديني الاَن صابرًا على وقاحتك، ثم فجأة اقلب الطاولة فوق رأسك واقوم بتطليقك على أتفه الأسباب، وبعدها سأجد الحُجة الجيدة أمام اهل البلدة حينما اذكر كل أخطائك من وقت زواجي بك.

تعلمين ان الجميع سيصدقني، بل وسيدعمونني في قراري حتى أهلك يا ابتسام، اليس كذلك؟

توقف يرى رد فعل كلماته على وجهها الذي انسحبت الدماء منه، وانفاسها التي أصبحت تتلاحق سريعًا دون توقف من مجرد التخيل.

حتى كاد أن يتراجع مشفقًا عليها، ولكن عقله اليقظ بذكريات الماضي أبى أن يعطي فرصة لعاطفته للتأثير عليه، يكفيه ما عانى منه في زيجته الأولى من امرأة، عشقها بكل جوارحه، حتى عمي عن عيوبها، فجعلته يتغاضى عن أخطائها التي كانت تزداد يومًا بعد يوم.

وحينما انتفض بالرفض لأفعالها، لم يُعجبها اعتراضه لتذكره بتفضُلها عليه، حينما تنازلت وتزوجت بمن أهو اقل منها تعليمًا بشهادة أقل من شهادتها الجامعية،

نفض رأسه ليجلي عنها زكريات الماضي التي حفرت بالقلب ندبة عميقة لا يعتقد انه سيشفى منها أبدًا.

غلف وجهه بقناع قاسي يدعي الحكمة وقول النصيحة:

-أنا لا أُخيفك ولكني أحذرك، حتى لا تكرري الخطأ، فشلك في الزواج الثاني سيقضي على كل فرصك الجيدة في الزواج للمرة الثالثة.

أنتِ جربتي قبل ذلك ولا أعتقد نسيانك لنمازج الرجال التي تبتغي الزواج من مطلقة، مابين أرمل يريد امرأة لتربية أطفاله، او شاب فاشل لا يجيد تجهيز نفسه فيطمع بجهاز غيره مع مطلقة لن تكلفه شئ، أو رجل عجوز يريد الزواج بمن تعيد إليه شبابه.

ظلت صامتة بأعين غائمة، لجمتها كلماته السامة عن الرد، وقد ذكرها بهذه الأيام العصيبة في الشد والجذب مع عائلتها التي كانت تريد سترها والموافقة على اي خاطب مهما كانت صفته، وهي لا تجد غير البكاء حيلة لردعهم عن الضغط عليها كي توافق .

تنفس أمامها بعمق شاعرًا بالأكتفاء مما فعله بها، كاتمًا هذا الصوت من الداخل والذي يدعوه لطمئنتها، لعدم نيته في فعل ذلك والإنفصال عنها، ليربط على قلبه بالالتفاف عنها ينتوي المغادرة

فتناول هاتفه وعلاقة المفاتيح ليضعهم بجيب بنطالة ثم ذهب منصرفًا دون أن يكلف نفسه عناء النظر نحوها، ومعرفة ما أصابها.

وقد سقطت بجسدها على أرضية الغرفة بعد ان تهاوت اقدامها عن حملها، وقلبها من الخوف ازداد خفقانه بصورة جعلتها تشعر بقرب توقفه، تتمنى الموت ولا العودة لهذه السنوات المريرة التي قضتها كمطلقة، حمل ثقيل على أهلها في المنزل.

وفي الخارج تتربصها الأعين أينما وطئت أقدامها، تُحاوطها الظنون والإتهامات المسبقة على أقل فعل تقوم به، مطمع لكل خسيس يظنها سهلة المنال.

كالبضاعة المستعملة يقل ثمنها مع أي خاطب من الأعداد الغفيرة التي تريد الزواج بها، ولا تجد منهم من ما يناسب او يصلح لها

إلى أين أنت ذاهبة؟

تفوه من خلفها فجأة لتشهق منتفضة واضعة كفها على موضع قلبها وقد أجفلها الاَن بحضوره، فتسائلت بأنفاس متهدجة:

-متى جئت يا عمران؟

تقدم نحوها بوجه عابس فقد استفزه استمرار خوفها الغريزي منه في كل مرة تتفاجأ برؤيته رغم مرور السنوات التي جمعتها معًا، وكأنه تذكره عن غير قصد بتشوه وجهه، فقال مشدد على أحرف كلماته:

-أنا من بدأت بالسؤال، إذن فعليك الإجابة وليس الرد بسؤال اَخر.

ابتعلت لتجيبه ببعض الثبات وقد هدء ارتياعها قليلًا:

-لن أذهب بعيدًا بإسدالي هذا يا عمران، هما خطوتين فقط للشقة المقابلة لشقتنا، سأذهب لجارتي ابتسام.

أخفى ارتباكه لمجرد ذكرها بالإسم، وسألها بنبرة طبيعية:

-ولما لا تأتي هي؟ ألا تعلم بأنك متعبة وكثرة الحركة خطر عليكِ وعلى حملك؟

أجابته بعفوية:

-تعلم كل ذلك وهي دائمًا ما تأتيني وتساعدني أيضًا.

-ولكنها اليوم بحال بائسة ومنهارة من البكاء بعد شجارها مع زوجها، لقد اتصلت بها وعلمت منها ذلك، أود الذهاب للاطمئنان عليها، فهي لم تقصر معي أبدًا.

سألها بفضول تملكه للمعرفة؛

-ألم تعلمي منها سبب الشجار؟

-سوف اعلم حينما أذهب.

قالتها سريعًا وهي تعيد لف حجابها قبل الذهاب، ولكنها تذكرت لتساله:

-لم تخبرني يا عمران، عن سبب حضورك من نوبة عملك بالأسفل الاَن؟

لوح أمامها بالعلبة الفارغة قبل أن يذهب لوجهته في المطبخ، لتعلم انه قد أتى من أجل تعبئتها بالسكر من أجل إعداد الشاي والمشروبات الساخنة كي تساهم في تدفئته ومعاونته على السهر مع رفيقه في الأسفل، اومأت بتفهم وانصرفت بعد ذلك ذاهبة.

وبداخل المطبخ توقف مستندًا بظهره على طرف حوض غسيل الأطباق من خلفه، وقد ذهب عقله إليها، يتسائل بداخله عن المتسبب في المشاجرة التي حدثت بينها وبين عصام الذي تركه بحالة لا يرثى لها في الأسفل، هي منهارة في البكاء وهو متجهم الوجه بشرود.

لكم ود اختراق الشقة المجاورة الاَن ليسمع منها كل  ماحدث بأذنيه كفعل ما يقوم به كل صباح، وليس تلخيص مبهم من عزة التى لا تتحدث بغير المفيد، وهو مغرم بالتفاصيل في كل ما يخصها.

❈-❈-❈

على أرض الغرفة الباردة جلست أمام الأخرى والتي كانت تهتف بالكلمات الغير مترابطة، بانهيار جعلها تخرج ما يعتمل بصدرها أمام جارتها:

-لقد هددني بالطلاق يا عزة، وعلى سبب تافه، اقسم بالله إنه شئ لا يستحق ولكني أعلم أنه يريد التخلص مني ومنذ فترة طويلة وليس اليوم فقط، وربما يريد الزواج بأخرى…

كانت تهذي بالكلمات مع بكاءها المستمر دون توقف والأخرى تربت على ذراعها بدعم لتهدئتها.

-لكن لما يفعل معي هكذا يا عزة؟ يتهمني بالتواقح وقلة الحياء، لأني فقط طبت منه اغلاق الهاتف المزعج؟ عصام لم يعد يُطيقني، لم يعد يريدني..

للمرة الثانية تقطع كلماتها بالبكاء الذي على صوته بشهقاتها، فردت عزة بأسلوبها الرزين الهادئ والذي دائمًا ما يلامس المنطق لتُذهب عنها الأفكار السيئة

-يا حمقاء تعقلي ولا ترهقي نفسك بالتفكير والتنبؤ بالشر،

تلك مجرد كلمات؛ لا تحملي لها هم وأخرجيها من رأسك.

فلقد تفوه بها زوجك في لحظة غضب.

-الرجال أو البشر عموما في أوقات الغضب لا أحد منهم يعي ما يتلفظ به وقتها، لقد علمتني أمي ان من يفعل لا يتكلم، ومن يتكلم لا يفعل، هو فقط يفرغ ضيقه بالضغط عليكِ كما يفعل باقي الرجال.

توقفت عن البكاء وقد لفت نظرها مغزى الكلمات، فتساءلت متناسية ظرفها وما تسبب لها في البكاء:

-وهل عمران يفعل معكِ ما يفعله باقي الرجال بالظغط وإفراغ الغضب؟

تبسمت عزة لقولها قليلًا قبل أن تجيبها بتفكه:

-وكيف يفعل وهو لا يراني من الأساس؟ إنه لا يشعر بوجودي اصلآ!

تعقد حاجبي الأخرى بشدة وتجعد جبينها باستغراب لتسألها على الفور:

-وكيف لا يراكِ او لا يشعر بوجودكِ وهو زوجك؟ أعقلي كلماتك يا عزة حتى أقتنع.

هزت برأسها المذكورة بابتسامة غير مفهومة وردت متنهدة بشرود:

-لا يهمني اقتناعك صديقتي، لأنه وبصراحة لن يفيدني .

نعم لن يفيدني بشئ، فقد علمت بمكانتي عنده من وقت زواجي به، دائما صامت وكلماته بالتنقيط، لدي مساحة محددة لا أقوى على تجاوزها معه، ضيفي على كل ذلك، أني لا أشعر معه بالدفء الأسري، الذي يكون بين الرجل وامرأته

لا يحكي ولا يتحدث معي عن تفاصيل يومه وما يحدث معه، حتى أنا لا أجد الفرصة لفعل ذلك، في بداية زواجي به كنت افعل بفتح الموضوعات العديدة والتحدث بالكثير ولكن ومع شعوري بعدم انتباهه فتر حماسي، وقل حديثي تدريجيًا حتى أصبح عدة الكلمات بسيطة.

تتكرر يوميًا بروتينية ليظل هو بشروده الدائم، وصرفت أنا النظر عن المحاولة لكسر الجمود بيننا، ووضعت أملي بالطفل القادم، لو كان فتاة تُصبح شقيقتي وأمي، وإن كان ولد سصير أبي وأخي، أو لا شى من كل ذلك، ويكفي أن يكون طفلي وفقط، اليس هذا أحب الأشياء؟

-نعم حبيبتي إنه لمن أعظم الأشياء.

قالتها ابتسام قبل أن تجذب رفيقتها تضمها إليها، وهي تتمتم بالدعوات الصادقة حتى يتم الحمل على خير، وتنل صديقتها أمنيتها بهذا الطفل.

نزعت نفسها فجأة عنها لتسألها بفضول:

لا أريد التواقح معك يا عزة ولكن ينتابني الفضول بشدة كي أعرف منك حقًا، كيف تقبلتي زوجك بهذا التشوه الواضح بوجهه، ألم تخافي وتتراجعي لانتظار الأفضل؟

تبسمت عزة بمرح لالتهاء صديقتها في الحديث ونسيان البكاء ومشاجرة زوجها، فردت تجاريها:

-لم أتراجع ولو دقيقة، فقد كانت وجهة نظري التي بنيتها بداخلي منذ أول لقائي به؛ أني لن انظر إلى وجهه، وسوف أنتظر منه أن يأتيني بقلبه ولكن هذا لم يحدث.

أما عن قبولي بالتشوه الكبير بوجهه فقد تعودت حبيبتي، بالتعود يتقبل المرء كل شئ، ثم إني لست ملكة جمال حتى اتكبر عليه.

قالتها بعدم ثقة لم تتقبلها ابتسام فهتف معترضة على الفور:

– لا تقولي هذا يا عزة، أنتِ جميلة ولا يعيبك شئ، ينفصك فقط بضع الدهون التي تسبب زيادة في الوزن لتدور على جميع أعضاء جسدك، خاصة الوجه، وبعدها صديقتي، ستكوني جميلة على حق.

❈-❈-❈

تحرك من أمام النار التي أشعلها منذ قليل بعد أن انتهى من صنع الشاي عليها، فاقترب يناول رفيقه بالكوب الكبير مرددًا له ببعض المرح:

-الشاي التمام، لعصام الهمام.

أومأ له بشبه ابتسامة الاَخر يتناول الكوب الساخن ليرتشف منه على الفور متلذذًا بطمعه ثم عاد لشروده مرة أخرى

يشعر بعظم ما فعله اليوم مع زوجته، ولكنه لا يملك غير ذلك، لن يكون ضعيفًا بعد اليوم لامرأة مهما كانت مكانتها بقلبه، لقد علم وعرف جيدًا أن المرأة إذا اطمانت من جانب الرجل وشعرت بامتلاكها له، لا تتورع بعدها عن الدهس عليه بكل قوتها.

مدامت تملك بيدها صك غفرانه، وإن كانت الأولى تكبرت عليه بشهادتها الجامعية، فهو لن يسمح لهذه الريفية الساذجة ان تتكبر عليه بجمالها،

-كف عن شرودك يا رجل وانتبه إلي.

قالها عمران ليخرجه من حالة الشرود التي تلبسته منذ أن اتى وجلس بجواره، وباستجابة منه التفت إليه بتساؤل، ليكمل له عمران:

-لقد مللت من التحدث مع نفسي وأريدك معي.

أومأ له برأسه ليرد وقد استفاق قليلًا إليه:

-أنا معك يا عمران فلا تشغل بالك.

-كيف لا اشغل بالي يا رجل وأنت تغفل عن عملك معي؟ وقد يأتي اي لص أو مهاجم ليضرب رأسي من الخلف،

وقتها من سينجدني ويرد بالمقاومة؟ إن كان شريكي غافلاً؟

قالها عمران وهو يستند بطرف كتفه على السور الحديدي للمبنى من الداخل، ليكمل وهو يشير بكفه للأمام .

-نحن في حي  شعبي قديم، والمبنى هنا كالدرة التي تميز المنطقة، يلفت الأنظار إليه من جميع الجهات، والنفوس الطامعة لن يهمها الخير الذي يقوم به الطبيب، إن نحن غفلنا عن الحراسة، وتهيئت الفرصة لديهم للسرقة.

تحول وجه الاَخر للعبوس الشديد بعد سماعه لوصلة التقربع الغير مباشر من رفيقه، فنهص فجأة يعدل من ملابسه، ليقول بنبرة جدية يكتنفها اللوم:

-استفقت بالكامل يا عمران، رغم أني لم أصل لهذه المرحلة حتى يصيبك القلق،

تحرك عمران من جوار السور ليقترب منه قائلًا ببعض اللطف:

-لا تأخذ كلماتي على محمل السوء، لقد كان غرضي التنبيه وفقط يا رفيقي.

أومأ له المذكور يدعي التفاهم، قبل أن يتناول كوب الشاي خاصته وقال بعملية وهو يتحرك بخطواته:

-أعلم يا عمران ولك كل الحق.

استوقفه بسؤاله:

-إلى أين انت ذاهب؟

اومأ بذقنه للأمام يجيبه:

-سوف أقوم بجولة تفقدية حول المبني، لأستكشف المكان وحركة الأمن من حولنا.

قالها وذهب تاركًا عمران ليفعل هو الاَخر ويراقب  متطلعًا بتفحص لكل ما تقع عليه عينيه، بجدية اعتاد عليها منذ الصغر وتوليه مسؤلية حرمته من الإستمتاع بمرحلة المراهقة كباقي أقرانه، ظل على بحثه حتى اطمأن.

-جلس ليستريح قليلًا، فمازال ليل الشتاء الطويل لم ينتهي بعد، نظر بالساعة فوجدها قاربت على الثانية عشر مساءًا، ليخمن بعودة عزة للمنزل، فميعاد نومها يبدأ من العاشرة، إذن هي وحدها الاَن.

وربما لو رسالها قد تجيبه وتندمج في الحديث معه كرد فعل طبيعي بعد شجارها الكبير مع زوجها، هكذا يعرف عن بعض النساء أو كما قرأ، تناول الهاتف ليحاول بالإرسال من حساب الأمس، ولكنه توقف بعد تذكره لكلماتها مع عزة وتعبيرها عن تفاهة المرسل.

عاد لإحباطه يفرك بكفيه على صفحة وجهه، شاعرًا بالعجز وقلة الحيلة، يتحرق شوقًا للتواصل معها، ولا يجد الوسيلة، حتى خداعها بحسابات أخرى لا تأتي بفائدة معها، تذكر حديثها صباحًا مع الدكتور عزيز ولهفتها حينما أوقفته واعترضت طريقه.

اغمض عينيه يتسائل بحسرة،  لماذا كل طريق يقطعه محملُ بالأشواك؟ لما لا يجده ولو لمرة واحدة ممهدًا أمامه كباقي البشر؟ كم ود لو أصبح مكان الدكتور عزيز، ليرى لهفتها في الحديث إليه…  انتفض فجأة يقطع شروده على خاطره الاَخير.

فتناول هاتفه يتلاعب به بحرفية وقد توصل بعقله لفكرة مجنونة، يود تنفيذها والمحاولة من جديد، فربما قد أتت هذه المرة بالنتيجة المرجوة، انتهى من فعل الحساب الجديدة بوضع الصورة الجديدة والتي كانت مخزنة بهاتفه منذ فترة كبيرة.

مع كتابة الأسم والمعلومات التي يعملها جيدًا، وبدون انتظار أو طلب صداقة، بعث يراسل على الفور بالأسم  الجديد ورسالة مبهمة قصيرة تثير التساؤل بغموضها:

-هل أنتِ ابتسام زوجة عصام الحارس؟

ثم ترك الهاتف بعد ذلك من يده على الطاولة الصغيرة امامه ينتظر النتيجة.

❈-❈-❈

عادت من حمام سريع أنعشت به نفسها قليلًا، بعد البكاء والإنهيار الذي أصابها وحديث زوجها السام، الذي كاد أن يصيب عقلها بالجنون في التفكير عن مدى جديته والخوف الذي تملكها من المجهول الذي ينتظرها إن صدق بالفعل وطلقها هذا المعتوه .

لكي تعود مرة أخرى لبلدتها محملة بفشل التجربة الثانية في زواج، وترى باعين الحاقدين الشماتة، وتدخل الحسرة بقلوب أحبابها، ولكنها هدأت بعد ذلك، وقد ساهمت كلمات عزة بطمأنتها قليلًا.

فلهتها بمزاحها والحديث عنها وعن علاقتها بزوجها الصامت عن التفكير في مشكلتها، غطست بداخل الفراش تلمتس الدفء فالبرودة في جو الغرفة أصبحت تزداد مع اقتراب فصل الشتاء.

تلحفت بغطائها جيدًا وهمت بالنوم، فتناولت هاتفها تلقي نظرة سريعة على الصفحات والأخبار كعادة تلازمها طوال اليوم، لتجد هذا الإشعار الجديد.

ضغطت لترى هوية المرسل لتفاجأ وتتوسع عينيها بعدم تصديق، فركت على عينيها لترى الصورة التي تعرفها جيدًا، ودخلت للحساب لتجد نفس المعلومات، فتسارعت دقات قلبها، مع رجفة جديدة لا تعلم سببها، إن كان البرد أم هي رؤية هذا الشئ أمامها

ينتابها الشك ويقتُلها الفضول مع هذه الرسالة الغريبة والمبهمة، ظلت تحادث نفسها بالأسئلة عن صدق ما تراه أو الكذب، لتغلبها الحيرة الشديدة، فقامت بالرد لتفطع شكها باليقين مرسلة:

-من انت؟

وفي الناحية الأخرى تلقى الرسالة كهلال العيد بعد انتظار دام لساعات عاد بها رفيقه وتحدثا معًا حتى ارهقمها السهر، ليتخذ كل واحدًا منهما وضعه للحراسة في جهة بعيدة عن الأخر، وقد أثر هدوء الأجواء حولهم فجعل الصمت هو سيد الموقف في جميع الأنحاء.

حاول السيطرة على خفقان قلبه السريع ليلتقط أنفاس طويلة يهيئ نفسه قبل الرد بروية وهدوء، متلبسًا شخصية الطبيب فبعث لها:

-أنا الدكتور عزيز الذي استوقفتيه في الصباح يا ابتسام.

قرأتها لتكتم شهقة قوية كادت ان تصدر منها بصوت عالي وتفضحها في قلب المنطقة كلها، لتضغط بأنامل مرتجفة تريد معرفة المزيد والتأكد:

-وما الذي يثبت صحة كلماتك؟ فحسابك فارغ من الأصدقاء، ولا حتى نشطًا بالمنشورات العادية.

أرسل لها بالرسالة التي حضرها بعقله من البداية توقعًا لما سيدور برأسها:

-هذا حساب جديد يا ابتسام، فعلته أنا منذ قليل حتى أراسلك منه دون مراقبة من زوجتي .

رفرفرت بأهدابها لعدة لحظات تستوعب، وهي تعيد على قرائة الرسالة مرارًا وتكرارًا لفهمها والقصد من وراءها، ليُتبعها بواحدة أخرى طويلة يشرح لها باستفاضة:

– أرجو ألا تفهمي مغزى عبارتي بالخطأ، أو أن يذهبك ظنك للسوء، أنا كل ما أريده عزيزتي هو التحدث معك.

نعم أريد شخصًا نقيًا ببراءتك يستمع إلي وقد أسعدني حديثك العفوي معي في الصباح، بعيدًا عن الروتين والمسؤليات الكثيرة والملقاة على عاتقي، أنا مرهق ومستنزف واريد الراحة يا ابتسام.

-كلماته الخبيثة المقصودة ضغطت على عاطفتها التي تسوقها دائمًا فلغت عن عقلها التفكير السليم، لترد متأثرة بمشاجرتها مع زوجها:

-كلنا نبتغي الراحة ولا نجدها، لست وحدك.

كتم ابتسامة الإنتصار  بكفه، يود الرقص او التنطيط على الأرض بأقدامه من الفرح، فمعنى اندماجها في الرد، أن الخدعة انطلت عليها وصدقت، قبض على قبضة كفه بقوة حتى يسطير على الرجفة التي تسير بداخله.

مجموعة من الإنفعالات المختلطة تفعل بعقله الأفاعيل،  تماسك يذكر نفسه ليتلبس شخصية الطبيب من جديد برسالته:

-ولكني تعبت من الجري طوال اليوم في هذا السباق الذي لا ينتهي للحاق دائمًا بالقمة ومواكبة كل جديد.

لا أملك الرفاهية كي اتوقف، انا أريد الراحة ولا أجدها، هل لي أن أسألك ؟ إنت كنتٍ سعيدة مع عصام أم لا؟

أوقفها سؤاله الغريب، لتتطلع للشاشة لعدة لحظات بعجز لا تود الإجابة فقالت مغيرة دفة الحديث:

-ابعث لي صورة أخرى كي أتأكد من شخصيتك.

أجفلته بطلبها المفاجئ، اضطرب يبحث عن حجة مقنعة، فذاكرة هاتفه الجديد لا تحمل سوى هذه الصورة، أما بهاتفه القديم فهو يحمل الكثير من الصور المنفردة للطبيب والعائلية أيضًا، بحكم عمله معهم منذ سنوات طويلة، فرد يرسل إليها:

-يسعدني طلبك بالتأكيد، ولكني مضطر لأنهاء المكالمة الاَن، كنت اود استئذانك للعودة بمراستلك؟

صمتت قليلًا حتى تمكنت اَخيرًا من الرد:

-لا أمانع، كي يزداد تأكيدي.

هم لإنهاء المحادثة ولكنه استدرك سريعًا يبعث برسالة يذكرها:

– اود منكِ التكتم على محادثاتي معك ولا تخبري عنها أحد اَخر على الإطلاق، حتى لو كان أمام شقيقتك، تعلمي بوضعي الحساس جيدًا اليس كذلك؟

لم تعرف بما تجيبه فعقلها إلى الآن لا يستوعب أن يكون هو بالفعل الدكتور عزيز، وقد ذكر لها عن لقاءها به في الصباح، وهو يناديها بابتسام، وبأسم زوجها عصام.

بالإضافة لحديثه الرزين، والخالي من تفاهات الرجال في إرسال الورود وادعاء الرومانسية بالتدليل وكأنها على معرفة قديمة بهم، ولكنه كيف عرف بحسابها الذي أسسه لها عصام في بداية زواجه بها، أيام الدلال الاولى، قبل أن ينقلب ويظهر طبعه السئ معها.

وهذه الصفحة الفارغة الذي ادعى أنها صفحة جديدة أسسها خصيصًا لمراسالتها، أيعقل أن يكون هذا حقيقًا بالفعل، أن يكون الطبيب أعجب بها كما هي أعجبت به، لدرجة جعلته يبحث عن حسابها ويصنع حسابًا جديدًا لها خصيصًا؟

أما هو فقد أنهى المحادثة ليغمره شعور الإرتياح والبهجة وكأنه فاز باليانصب، بعد تمكنه اَخيرًا من وضع قدمه على بداية الطريق، يعلم جيدًا بصعوبة ما يود تحقيقه ويرسمه في خياله.

ولكن يكفيه المحاولة الاَن بالتحدث إليها، وقد يسعده الحظ في الوصول، لا شئ مستبعد مدامت الحيلة موجودة، لقد وضع اقدامه على بداية الطريق للتعارف معها، حتى لو كان بشخصية غير شخصيته فلا يمانع، فالأهم هو التواصل معها.

انتفض فجأة على نداء رفيقه من خلفه:

-عمران يا عمران.

نهض سريعًا بارتياح حاول السيطرة عليه، والرد بلهجة تبدو عادية وهو يخطوا ليقترب منه :

-لماذا النداء يا عصام؟ وماذا تريد؟

نهض إليه هو الاَخر يرد بعدم انتباه لانشغاله بالهاتف الذي لا يكف عن الإتصال به:

-كنت اهم بإعداد كوبٍ ساخن من الشاي، إن أحببت أفعل لك أيضًا.

ألقى عمران نظرة بتساؤل على الهاتف الذي بيد رفيقه، قبل أن يجيبه:

-انا فعلًا اريد الشعور بشئ ساخن على كفي البار، كما يأن رأسي ليعتدل بفعول الشاي، أستطيع الفعل بنفسي

لي ولك أن كنت مشغولًا.

اعترض برأسه عصام ليترك الهاتف على حاله متجهًا نحو النار المشتعلة في الأسفل ليُعد الشاي بتصميم، تطلع أليه عمران بنظرات متشككة ورأسه يخمن أن رفيقه يتهرب من امرأة أخرى تلاحقه، ليسب بداخله هذا المحظوظ بجمال خلقته التي تجذب إليه النساء بدون مجهود.

…يتبع

الفصل الرابع

دلف إلى شقته في الصباح الباكر بعد إنتهاء نوبة عمله كالعادة، تفاجأ بالسكون المسيطر على الأجواء من حوله مع عدم رؤيتها ولا الشعور بثمة حركة بشرية، جالت عيناه في جميع الأنحاء وهو يكمل حتى وصل إلى غرفته، ليجدها مازالت نائمة على تختها ولم تستيقظ.

في حدث نادر وعلى غير عادتها منذ زواجه بها، وما نشأت عليه هي في حياتها الريفية القائمة على الاستيقاظ مع شروق الشمس، لأداء الفروض اليومية في الزراعة وتربية الماشية وإطعامها.

تقدم بخطوات خفيفة حتى وصل إليها يتأمل وجهها الذابل من بكاء الأمس، يعلم جيدًا بهذا وبدون أن يخبره احد، لقد قسى بالكلمات وهي لا تستحق، أو حتى تستحق؛ فهو لن يهتم.

وقد فقد الثقة في جميع النساء وهي ليست أفضلهن؛ بهذا الجنون الذي يتملكها دائمًا كلما رأت نفسها في المرآة وشعرت بهذه الأنوثة التي تتفاخر بها، وتستفز شياطينه دائمًا لكي يؤدبها أو يعنفها بالقوة حتى تتعقل، نعم تتعقل وتعلم بأنها ليست مميزة.

بل هي زوجة عادية وعليها أن تطيعه وتخدمه بدون أن ترفع عينيها ولا ينفلت لسانها معه، هو أتى بها من الريف لأجل هذا الغرض، لو كان غايته الجمال، لما بحث واتعب نفسه بالذهاب لموطنه الأصلي في البلدة حتى ينتقي زوجة مطيعة ومتواضعة الحال وبتعليم أقل منه.

فلماذا تُصر دائمًا بغباءها على تذكيره بالماضي المؤلم لرجولته؟ ألا تُميز من نفسها أن الجمال لم يُعد يعنيه أو يفرق معه، وأن كل ما يشغله الاَن ويتمناه بشدة هو الراحة وهدوء البال، لماذا لا تفعل وتريحه وترتاح هي الأخرى براحته؟

تنهد من عمق ما يحمله بقلبه، ثم اقترب منها ليوقظها:
-ابتسام، ابتسام، أنتِ يا امرأة.
خرجت الاَخيرة بهتاف عالي أيقظها منتفضة بإجفال، تطلعت إليه قليلًا حتى استعادت وعيها جيدًا، لتنهض بجذعها تخاطبه باندهاش:

-عصام! متى جئت؟
رمقها بنظرة مستخفة قبل أن يتحرك من جوارها ينزع عنه معطفه الثقيل، ليُهم بخلع ملابس العمل، ويُجيبها بشبه ابتسامة ساخرة:

-جئت على ميعادي يا برنسيسة ابتسام، بعد سهر وعمل ليلية كاملة، كي أوقظ امرأتي جميلة الجميلات، بعد أن أغراها دفء الفراش بعدم تركه والنهوض عنه.

صمت برهة وهو يتناول بيجاما قطنية ليرتديها ثم أكمل بسخريته:
-ما رأيك زوجتي العزيزة، أسخن الطعام؟ أم أُعد الشاي؟ أم أجهز لكِ حمامٍك؟

تطلعت به زامة شفتيها بضيق ظهر بشدة على ملامح وجهها، لترفع عنها الغطاء وتننهض عن التخت سريعًا ترد حانقة منه وهي تلملم بشعرها لتعقده بعقدة في الخلف:
-لا داعي للسخرية والاستهزاء يا سيد عصام، لقد نهضت وسوف اقوم بكل ما ذكرته لأجلك، يا سيدي وتاج رأسي.

قالت الاَخيرة قاصدة رد السخرية ليتبسم لها بزواية فمه المغلق قبل أن يرد:
-بل افعلي لنفسك لو تريدي، لأنني لا أريد منك شيئًا .
قالها ليعطيها ظهره بتجاهل ثم اندس سريعًا بداخل الفراش الدافئ يردف إليها من تحت الغطاء.

-إذهبي واتركيني الاَن، لأني لا أريد شيئًا سوى النوم .
تطلعت إليه بدهشة سائلة:
-أتتكلم جديًا يا عصام؟ ألن تفطر أو تستحم قبل نومك؟
هدر بصوت مكتوم:
– اطفئي النور واذهبي، قلت لا أريد شئ، أذهبي.

انتفضت على صيحته الاَخيرة، لتتحرك نحو خزانة الملابس بخفة، لتُبدل ملابس النوم بعباءة بيتية، لتخرج بعد ذلك على أطراف أصابعها حتى لا تثير جلبة بحركتها وتوقظه، فضغطت على قابس الكهرباء قبل أن تغلق باب الغرفة من خلفها.

❈-❈-❈

خارج الغرفة كانت تحرص بخطواتها على عدم إصدار صوت أو أي حركة تُزعجه، أو تتسبب في عدم نومه، وهي لا ينقصها منه، إبتعدت حتى وصلت لوسط الصالة لتقف وتفرك بيديها على وجهها حتى تستعيد وعيها جيدًا.

ثم تفكر بما ينتظرها من أعمال تقوم بها في المنزل، مع صداع رأسها التي لم تأخذ كفايتها في النوم رغم هذا التأخير في الإستيقاظ، والذي لم تفعله منذ طفولتها، ولكن بسببه وبسبب الكلمات السامة التي ألقاها عليها بالأمس اذهبت عنها النوم بالتفكير والبكاء لمدة طويلة، مع عزة وبعد خروجها أيضًا.

ثم هذه المحادثة الغريبة التي قامت بها مع الطبيب بعد مفاجأته لها برسالته، لتكمل عليها بالحيرة فتظل ساهرة حتى اقتراب الفجر، وهي التي تضع رأسها على الوسادة فتنام على الفور دون انتظار.

فركت على وجهها مرة أخرى مستعينة بالله لفعل ما تقوم بفعله يوميًا في هذا الوقت، تتناول وجبة الإفطار أولًا ثم تقوم بترتيب المنزل وجلي الصحون، تحركت لتقف بوسط الشقة فجأة متفاجأة بهذه الكيس الموضوع على الطاولة الصغيرة التي تتوسط المنزل،

قطبت وهي تترقب لترا ما به، ليفتر ثغرها بابتسامة عريضة وهي تتبين محتوى الكيس لفاكهة التين التي تعشقها، تناولت ثمرة منه تنظر لها بفرحة تشابه فرحة الأطفال، لتنتقل أبصارها نحو باب الغرفة النائم بداخلها عصام.

هذا المجنون الذي ابتاع الفاكهة التي تعشقها من أجلها فهو لا يأكلها، إذن فهي بادرة منه للصلح ولكن بشكل غير مباشر، رغم عبوس وجهه معها والتهرب منها بالنوم دون تناول إفطاره، تنهدت مطولًا بقنوط، من طبع زوجها الغريب الذي يجعله حتى لو أراد الصلح لا يتجرأ على القول بفمه.

❈-❈-❈

-عزة يا عزة .
كان يهتف بها بعجالة فور أن دلف لداخل منزله، ليأتيه صوتها الضعيف من داخل المطبخ:
-أنا هنا يا عمران.
سمع منها وفي ظرف ثواني كان عندها.

وجدها جالسة على طاولة السفرة تتناول بعض الأطعمة الخفيفة، القى تحية الصباح وتسمر بوقفته وكأنه يبحث عن كلمات، فبادرت هي بمخاطبته:
-حمد لله على سلامتك، أتريدني فيى شئ؟

نفى بتحريك رأسه سريعًا وخرج صوته بلجلجلة مع تفكيره:
-لااا كنت أريد فقط سؤالكِ عن… شيئًا ما.
أجابتها بنبرة هادئة كعادتها:
-تناول معي الطعام يا عمران، وتذكر بعدها كما تريد.

نزلت عينيه نحو ماتتناول، لتكمل بدعوته وهي تشير على الأطباق التي فوق الطاولة:
-هذا عسل نحل أصلي ومن مصدر موثوق، أتت به جارتي من بلدتها قريبًا وأعطتني منه بالأمس، اجلس وتناول معي لقمتين

سمع منها وعلى ذكر الجارة جلس على الفور يتناول منه بنهم، ليقول بتعجب:
-العسل جميل ورائع ولكن لماذا لا تأكلين شيئًا اَخر معه، هل من المعقول أن يكفيكِ العسل والخبز في وجبتك؟

أجابته وهي تُغمس لقيمة من الخبز في الطبق:
-هذه وجبة خفيفة كي أسيطر الوحوش التي تعوي بداخلي من الجوع، ولتهدئة هذا الطفل الذي لا يتواني عن المطالبة بحقه في الطعام بالرفس بقدميه ليُوقظني حتى لو بأعز أحلامي .

أومأ لها برأسه مع ابتسامة خفيفة حفظتها عن ظهر قلب من كثرة ما رأتها منه، لتعلم بداخلها أنها مجاملة لادعاء استجابته مع المزاح،  ليتها لا تتكلم ولا تمزح أيضًا، فما أقصى على المرأة من تجاهل زوجها وعدم التركيز لحديثها معه، ثم الرد بالمجاملة فقط لها.

تنهدت بداخلها لكي تضع همها في الطعام وليذهب المزاح والتفكير المرهق في طبع هذا الرجل للجحيم، ولكنها رفعت رأسها على أثر هتافه بأسمها:
-عزة.

رفعت إليه رأسها اليها بتساؤل فخرج صوته بلجلجلة:
-كنت أود سؤالك عن هاتفي القديم، الذي أعطيته إليكِ في العام الماضي، كي تأخذيه للاستخدام أو تحتفظين به في مكانٍ ما؟

قطبت قليلًا بتفكير قبل أن تُجيبه بتذكر:
-نعم تذكرته، ولكن لن استخدمه، فهاتفي الأساسي يعمل جيدًا، لذا فقد اخذت هاتفك وخبئته مع الأشياء القديمة بغرفة الخزينة.

عاد برأسه للخلف يرد مستنكرًا فعلها:
– أما وجدتي سوى أشيائي القديمة ان تضعي بها الهاتف يا عزة؟ لابد أن شاشته انكسرت الاَن أو أنه هو نفسه تعطل، كنتِ حافظي عليه أو ع الأقل تُخبريني حتى أفعل انا.

أجفلت عزة من قوله الحاد واتهامها بالإهمال أو التقصير، فدافعت ترد بلهجة معاتبة:
– هاتفك لم يتأذي يا عمران، لقد وضعته بخرانة الملابس، ولو دخلت الغرفة الاَن لن تتعب في البحث عنه سوى بوضع يدك على الرف الأعلى في الضلفة الوسطى.

أشرق وجهه ليزيد من دهشتها وانتفض ناهضًا عن طعامه معها بابتهاج قائلًا:
– حسنًا يا عزة شكرًا لكِ لاحتفاظك بهذا الشئ العزيز على قلبي، ولتعذري حدتي، فقد ذكرت لكِ عن معزة هذا الهاتف بالنسبة لي.

ختم كلماته وتحرك سريعًا من أمامه ذاهبًا نحو الغرفة المقصودة،  لتغمغم من خلفه بتعجب:
-عزيز عليكِ! لم تذكر لي سابقا هذا الأمر يا عمران!!

❈-❈-❈

وبداخل الغرفة التي دلفها سريعًا قاصدًا خزانة الملابس، ليفتح ضلفتها ويخرج الهاتف على وصف زوجته كما ذكرت، وجده بالصندق الورقي الفارغ ليتناوله على الفور ويضعه على الشاحن حتى يتمكن من تشغيله، فجلس على طرف التخت القديم بجواره ينتظر لدقائق.

جال بعينيه على الأثاث المتهالك والذي قضى عليه نصف عمره تقريبًا في غرفة الحديقة، كطفل ضال يقاسي وحشة الوحدة في غياب الأهل والجميع عنه، وكأنه لا يملك العائلة.

تنهد يتطلع جيدًا إلى نظام الغرفة المرتب رغم تكدسه بالاثاث والأجهزة الفاقدة للصلاحية بتعطلها، يبدوا أن عزة الطيبة كما تهتم بنظافة المنزل تهتم أيضًا بتنظيم الغرفة رغم عدم الداعي لذلك.

ربت بكف يده على المرتبة المهلهلة أسفلة، والتي خرج منها معظم الحشو بداخلها من القطن، ليتذكر نعومة مرتبته مع عزة الاَن وملمسها المريح، فيتحسر على هذه الأيام الخوالي وما كان يقاسيه بها.

نفض كفيه من الأتربة التي علقت بهما ليتناول الهاتف ويحاول بتشغيله، ضغط لدقائق على زر الباور حتى فتح، ليتهلل وجهه وهو يقلب في الصور العديدة التي كان يلتقطها قديمًا للطبيب وعائلته منذ دراسته.

هذه كانت اول واحدة التقطها له بعمر ١٦ عشر في الأحتفال بعيد ميلاد والدته، والذي أقيم في الحديقة وحضره العديد من أصدقاء العائلة وشاهده هو بزواية ما مظلمة بالحديقة.

يرى منها البشر ويشاهد الإحتفال ويلتقط الصور، دون أن يراه أحد أو تزعجه نظرات الشفقة والتعجب، كاللعبة الشهيرة والتي تسمى صندوق الدنيا،  حينما يدخل الطفل تحت الغمامة السوداء.

فيشاهد بعينيه في الثقب الصغير ما يبهره من قصص وحكايا يرويها الرجل صاحب اللعبة، ولكن هو كان بزاويته يرى القصص بدون شرح أو تفسير، لأنه لا يحتاج، فيكفيه الحلم والتخيل فقط ليعيش بعالمه الذي يخلقه لنفسه ويتكيف عليه.

ظل يقلب في الصور ويتذكر كل واحدة بتاريخ حدثها مع ذاكرته القوية والتي تسعفه على الفور بالزمان والمكان، حتى أخذه الوقت وغلبه سلطان النُعاس على تخته القديم،  فلم يستيقظ سوى بعد مدة طويلة من الوقت لم يعرف بها .

تثائب ينزل بجسده على الأرض، وعظام ظهره تأن من وجع من النوم على السرير القاسي، وتناول هاتفه ليجده قد أكتمل شحنه للمئة، ليعلم أن نومته مر عليها أكثر من ساعتين، ساعتين ولم تمر به عزة أو توقظه أم أنها ظنته نائم بغرفته، يبدو أن هذا هو الظن الأكيد.

خطا يجر أقدامه الثقيلة حتى خرج من الغرفة القريبة من مدخل المنزل، أغلق على مقبض بابها جيدًا، ليُتابع بسيره بتجاه غرفة نومه أو مخاطبة عزة عن نسيانها له نائما على تخت القديم، ولكنه تجمد فجأة وتسمرت اقدامه برؤيتها، جارته العزيزة؛ كانت واقفة أمام المراَة الكبيرة الملتصقة بجدار الحمام من الخلف.

تتأمل بوجهها جيدًا تلوك فكها وكأنها تمصغ بالعلكة، تراجع للخلف سريعًا حتى تخفى خلف دولاب الاَواني الثمينة (نيش) حتى لا يفوته هذه الرؤية عن القرب وبعيدًا عن ثقب باب الغرفة، تحرك بأكتافاها يمينًا ويسارًا بتخايل بنفسها، فيهتز معها باقي جسدها الممتلئ .

-بلهاء بلهاء.
هذا كان ما يردده بداخله وهو يجزم أن هذه المرأة تجذب الفرد نحوها لاستغلالها حتى لو لم تكن هذه فكرته بها من البداية، إعجابها بجمال صورتها ينسيها العالم وينسيها حتى موقعها في مكانٍ آخر غير منزلها .

-كل هذا بالحمام يا ابتسام؟
هتفت بها من داخل المطبخ عزة لتستجيب لها الأخرى بالذهاب على الفور تردد ضاحكة:
-لقد خرجت من الحمام منذ فترة، وأخفضي صوتك
حتى لا يشعر بنا زوجك ويستقيظ من نومه.

قالتها وجلست بجوارها تشاركها التحضير لطعام الغذاء الذي تعده معها، باستغلال وقت نوم ازواجهما، تتسامر بالحديث بانطلاق عن عصام وفعله الغريب:
-أقسم بالله يا عزة سيتسبب لي في أزمة قلبية يوما ما، أنا لما افهم لما يفعل هكذا معي؟

تنهدت عزة تطالعها بابتسامة غامزة وهي تنقي في الأرز بيدها:
-لأنه يحبك؟
افتر فاهها تطالعها بعدم تصديق:
-كيف؟ وبالأمس قطع أمعائي بنصل كلماته السامة؟ إنه مجنون يا حبيبتي مجنون صدقيني.

ضحكت عزة بصوت عالي نادرًا ما يصدر منها لتقول لها:
-حتى لو كان مجنونًا حبيبتي،  مدام ينهي شجاره دائمًا بالفاكهة المحببة إليكِ نغفر له ونتقبل الصلح، اليس كذلك؟

قالت الأخيرة وهي تُشير بيدها إلى الطبق الموضوع به حبات التين أمامها على الطاولة، وقد أتت به ابتسام معها منذ قليل، والتي استجابت للضحك معها تتناول من الطبق واحدة كببرة وطازجة قائلة لها:

-نعم اغفر واتقبل الصلح حتى لو لم يطلب مني، ولقد أتى بأفضل شئ أحبه على الإطلاق.
توقفت لتتناول منه بتلذذ شديد بالطعم السكري لتنابع:
-امممم يا عزة الوغد يعلم جيدًا بنقطة ضعفي.

رمقتها المذكورة بدهشة شديدة لتقول بتسلية:
-ألهذه الدرجة انتِ تعشقي التين؟ محظوظ أنت يا عصام، متزوج من امرأة بكيلو واحد من التين لن يكلفه أكثر من عشرين جنيه، قادر على أن تملكُها.

ردت ابتسام قائلة بغبطة وتأثر:
-السر ليس بثمنه أو طعمه اللذيذ، هذا التين يذكرني بذكرياتي الجميلة في حقل جدي، فقد كان يملك شجرة كبيرة له بجوار نخلة زُرعت معها في وسط أحواض الخضر .

حيث كنت اذهب معه دائمًا الهو واللعب حوله وهو يعمل بتنظيف حوض القمح من الحشائش الضارة أو الجني أو الحصاد، في كل مرة أطلب منه أن يأتي إلي بالطازجة الحمراء من أعلى الأغصان والتي لا يصل إليها أحد سوى هو بعصاه الغليظة، هو الوحيد الذي كان يدللني.

قطبت عزة تسالها بتعجب:
-الوحيد! ووالديك؟ أليسوا على قيد الحياة كما تذكري لي دائمًا؟
مطت بشفتيها ابتسام وهي تلهي نفسها بتنقية الأرز معها:

-نعم لدي، ولكن أمي حازمة ولا تقبل الدلال للبنات ، بل هي شديدة المعاملة معنا نحن الخمسة، وذلك لقناعتها الدائمة أن الدلال يفسد الفتيات ويجعلهن مائعات.

توقفت لترفع انظارها إلى عزة التي كانت تبتسم بخبث قائلة:
-وانتِ الاَن لست مائعة؟
أستجابت لها ضاحكة ترد:

-لا لست مائعة يا عزة أنا فقط ناعمة وأشعر جيدًا بأنوثتي التي يحق لها الدلال، هذا حقي وحق كل امرأة، جدي رحمه الله كان يدلل جدتي وقد زرع شجرة التين والنخلة مخصوصًا لها وسط أحواض الخضرة.

كنت اراهما بعيني وأنا صغيرة وهو يدللها بست الحسن والجمال وهي كبيرة ووجهها ممتلئ بالتجاعيد فيشرق وجهها بالفرح لتعود اربعين سنة للخلف وكأنها طفلة صغيرة، تُجيد الدلال مع والدها، عكس أبي وأمي.

-توقفت عما تفعل لتستند بمرفقها على الطاولة وتريح رأسها على قبضة يدها، وتنهدت بشرود قبل أن تتابع لعزة التي كانت شديدة التركيز معها:
-أتعملي يا عزة ان أمي على العكس معانا نحن الخمس فتيات.

كانت تدلل أخوتي الرجال الثلاثة، وتٌفرق في المعاملة بيننا، وحينما سألتها أختي مرة في لحظة ود لما تفعل ذلك، ذكرت لها أن الرجال يعرفون انهم رجال، أم النساء فلابد من تذكيرهم الدائم حتى لا يرفعن أصواتهن ولا يفعلن الخطأ.

تغضن وجده عزة ورأسها تعود للخلف وكأنها تستوعب الجملة لتقول بعد ذلك:
-منطق غريب وعجيب، وأين أباك من ذلك؟
تبسمت لها تجيب:

-أبي هو من ربى إمي على ذلك حبيبتي، لقد تزوجها عن عمر الثالثة عشر، لقد تربت على يديه، كقطعة عجين شكلها كما يريد ثم تركها بعد ذلك تربينا نحن على هذه الأفكار التي زرعها برأسها.

أبي لا يعلم في الحياة سوى العمل بالحقل وتوفير القرش على القرش من المحصول وبيع البهائم على طول العام، حتى يأتي العام الذي بعده فيشتري قطعة أرض جديدة يزيد بها على ما نملكه.

أو عجل صغير يعلفه على الموسم حتى يزوج احدانا أو يبني لأشقائي الرجال في الطابق الثاني فوق منزلنا، دائمًا يدور بدائرة ولا يخرج منها سوى بالنوم ليلًا.

توقفت فجأة لتخاطب عزة:
-اوجعت رأسك بالحديث الكثير اليس كذلك؟
استفاقت عزة لتنفض رأسها وترد ضاحكة:

-ليس وجع بالرأس حبيبتي، ولكنني اندمجت معك  وجعلتيني أشعر بما تشعرين به، وقد تبين لي من حديثك أن المرأة تكون جيدة من الرجل، والسيئة أيضًا بفعل الرجل، أليس هذا ما تقصدين؟

زامت بفمها المغلق بابتسامة مع تحريك مقلتيها يمينًا ويسارًا قبل أن تجيبها:
-لا أعلم حبيبتي لاني لم أقصد شيئًا على الإطلاق، أنا حكيتُ لكِ لأبين لكي الفرق بين جدي وجدتي، وأبي وأمي فقط.

ولم افكر حتى بما تقصدينه ولكنك مصيبة في كلامك، نعم كذلك، الرجل في بلادنا هو من يشكل المرأة كما يريد، وهو أيضًا من يجعلها تفيض بالنعومة والأنوثة مع الإهتمام بها ورعايتها، أو يجعلها تجف كشجرة جرداء حينما يهملها ويُعاملها بقسوة.

والدليل هو ما أراه في المسلسلات التركية يا إلهي.
قطعت لتُكمل وهي تعبر بيدها في الهواء حتى أضحكت عزة معها:
-البطل يعامل زوجته كالأميرة، اقسم بالله يعاملها كالأميرة، حتى لو كانت قليلة الجمال أو متواضعة الحال، اه يا عزة لو كنا مكانهن.

قلبت عينيها عزة بسأم رغم ضحكها من أسلوب جارتها في الوصف والمبالغة لتردف بغيظ:
-كم من مرة اقولك لك أن هذا تمثيل يا مجنونة، تمثيل.
استفاقت من حالميتها ابتسام ترد بتشدق:

-وأيضًا في الحقيقة يا عزة، لا تنكري، إن لم تري بعينك استطيع ذكر الامثلة لكِ
-إذكري وسوف نرى.
هتفت بها عزة لتُجيبها الأخرى على الفور

-أقرب دليل إليكِ هو الطبيب عزيز وزوجته ونحن…..
قطعت فجأة على صوت ارتطام قوي ورد إليهم من خارج المطبخ لتنهض عن مقعدها سريعًا هي وعزة معها لترى السبب، ليتفاجأن الاثنتان به:
-عمران!

هتفت بها عزة واستدركت ابتسام لتُغطي رأسها جيدًا بطرحة رأسها التي كانت متراجعة للخلف، تمالك هو ارتباكه ليدعي الغضب بقوله:
-نعم عمران يا عزة، وقد تركتيه عدة ساعات نائمًا بغرفة خزين الأثاث القديم دون سؤال.

التفت عينيها للخلف نحو باب غرفة النوم بدهشة لترد:
-كنت أظنك نائمًا على تختك ومغلق الباب عليك كالعادة.
-لا يا عزة، فقد غلبني سلطان النُعاس على تختي القديم  وأنتِ لم تُكلفي نفسك عناء الإطمئنان علي.

هتف بها بصوت عالي أجفل عزة من حدته، فارتبكت ابتسام لتقول مستئذنة:
-عن إذنكم يا جماعة سوف أذهب إلى شقتي.
قالتها وتحركت مغادرة على الفور، فشعرت عزة بالحرج ولم تستطيع أثناؤها بالقول، ليردد هو من خلفها بارتباك:

-أنا لم أقصدك أنتِ يا ابتسام، لما تذهببن؟
تابعت طريقها ولم تلتف إليه، فاالتفت رأسه إلى زوجته ليرى وجهها مُظلم بالحزن، فقال بدفاعية:
-أنا لم أقصدها بالكلام.
-وأنا لم أعرف بنومك على التخت القديم حتى أطمئن عليك.

هتفت بها عزة ردًا على كلماته بنبرة يملؤها العتب، وذهبت من أمامه عائدة لمطبخها، ليتسمر هو محله  في موقف لا يحسد عليه، شاعرًا بالغباء بهذا الفعل الذي أغضب الاثنتين.

زفر بضيق وعيناه تهبط للأرض نحو زجاجة العصير الفارغة المتهشمة إلى قطع صغيرة بعد اصطدامه بالطاولة التي كانت عليها أثناء تنصته على كلماتهن لتقع على الأرض وقد كادت ان تكشفه..

❈-❈-❈

أمام المراَة وبوجه متجهم او يدعي ذلك على الأصح، كان يزرر في أزرار قميصه المنشي، بعد استيقاظه وحده دون مساعدتها في إيقاظه باختلاف عن كل يوم، نهض بدون تنبيه المنبه وذهب إلى حمامه على الفور وتحمم بنشاط وكانه استغنى عنها.

أما هي فقد حفظته من كثرة ما كرر هذا الأسلوب معها عقب  كل مشاجرة حدثت بينهم، يُخطئ ويعلم بخطئه ويمنعه كبريائه بالإعتراف او ألإعتذار، ثم يفعل هكذا وهي تسامح وتبادر كالعادة بمناوشتها له حتى ينزل إليها من قلعته ويقبل الصلح.

جلس على طرف تخته يدعي تصفح هاتفه بغير تركيز ، فذهنه كان مشغول معها وهي تدخل لتتناول شئ ما من الغرفة، فتسير أمامه ببجامتها الضيقة وقماشها الملتصق بمنحنايتها، قصيرة فوق ركبيتها، وشعرها في الأعلى مرفوع لأعلى رأسها حتى يُظهر جمال عنقها واستدارة وجهها الفتان، واضعة عطرها المميز بقصد تشتيته.

مرة تنحني لتلتقط شيئًا ما من درج تسريحة المرأة، مرة أخرى تقترب لتبحث عن نفس الشئ في درج الكمود من جواره لتزكم أنفاسه برأئحتها وتحتل المجال من حوله فلا يستطيع الفكاك من النظر إليها ومتابعة تحركاتها في البحث عن الشئ الوهمي.

تدعي التركيز في ما تفعل والتغافل عن سهام عينيه وهي تخترقها بتفحص لتفاصيلها بهذا القرب، رغم مكابرته وادعائه تجاهلًا تفضحه عيناه، وانفعالات جسده وصوت تنفسه الذي يصل إليها،  في النهاية وبعد ان تستكفي منه تخرج تاركة له الغرفة،

يزفر بصوت عالي عقب انصرافها، يلعن نفسه وكبرياءه الأحمق؛ الذي يمنعه من القرب منها أو الاستجابة لها، فالملعونة تعلم بتأثيرها عليه، وتفعل هكذا بقصد لتجبره على التنازل بترضيتها او الصلح، ولكن هذا لن يحدث أبدًا، لن يفعل حتى لو كان هو المخطئ.

لن يسمح لضعف نفسه بالأنسياق خلف ما يمليه عليه قلبه، لن يفعل، أجفل من شروده على فتح باب الغرفة وهي تطل برأسها إليه وتناديه:

-عصام، لقد أعددت الطعام ووضعته على طاولة السفرة بالخارج، الن تأتي لتأكل؟
رفع رأسه عن متابعة الهاتف ليومى برأسه بحركة خفيفة صامتًا كموافقة ليعود لهاتف مرة أخرى، فتابعت بنبرة صوتها الناعمة:

-إذن فلا تتأخر وتنشغل بالهاتف حتى لا يبرد الطعام وقد تعبت في تسخينه.
زام بفمه بملل من حركاتها المكشوفة، لينهض عن مقعده ويترك الهاتف ثم يتحرك بخطوات متأنية ورزينة، رغم صياح أمعائه الشديد من الجوع، وذلك لعدم تناوله شيئًا ما منذ الأمس.

حتى طعام أفطاره تنازل عنه اليوم بإرادته، فقد خرج من نوبته باكرًا، قاصدًا الذهاب إلى سوق الخضار في الشارع الخلفي للمركز، حتى يبتاع لها التين الذي تعشقه، لم يستطع تناول شطائر الفول والفلافل من عربة العم رمضان كرفيقه عمران، بعد أن تعود على طعامها الريفي الذي تعده يوميًا.

حتى حينما دلف الشقة بكيس التين كان متوقعًا استقبالها له أو رؤية فاكهتها المحببة عبر الكيس الشفاف بالصدفة في يده فيرى اللهفة في عينيها ككل مرة تفعل.

حينما تجري نحوه بسعادة وتختطفه من يده، فتوفر عليه عناء الكلمات والمحاولة، ولكنه صدم بنومها في هذا الوقت، ولم يملك سوى ترك الكيس خارج الغرفة والغطس في النوم تهربًا منها .

….يتبع.

ارجو التصويت والتعليق برأيك في الرواية
دي اول مرة انزل فصحى واتباد واتمنى التشجيع منكم

الفصل الخامس

خرج من الغرفة وفور أن وقعت عينيه على المائدة الصغيرة للطعام وقد توسطها الطبق الكبير للون الأخضر لمحشي ورق العنب الذي يعشقه بالفعل، صياح الأمعاء الجائعة اصبح وحوش تعوي بداخله وقد زاد جوعها لأضعاف فور الرؤية المحببة إليها، ولكنه اللتزم الهدوء حتى جلس على مقعده على رأس السفرة.

وضعت اقراص الخبز بجانبه ثم ذهبت للمطبخ لتأتي بالبقية، انتهز الفرصة ليتناول اربعة خلف بعضهم سريعًا، والطعم بفمه يكاد أن يطيح بعقله من الروعة، تناول بعضهم سريعًا مرة أخرى قبل إن تخرج من المطبخ ليتمهل بالمضع حتى لا ترى لهفته.

اقتربت لتلامس كتفه الأيمن بذراعها المكشوفة وهي تضع طبق الدجاج المحمر أمامه، ثم الأطباق الصغيرة بالتوالي وهي تتعمد التلامس عن قصد لتزيد من ارتباكه الذي يحاول بصعوبة للسيطرة عليه، رائحتها الرائعة مع شهيته المفتوحة للطعام كل هذا يجعله بعالم اَخر معها.

جلست اَخيرًا لتتناول الطعام على مقعدها،  لتجده انكفأ على طبفه يتناول بصمت دون أن ينظر إليها،  الأمير المتعجرف يتعمد التجاهل رغم كل ما تفعله معه، وكأنها هي من أخطأت كما تفوه بالأمس وأردف بالكلمات التي سرقت النوم منها، ليتها تفهم ما يدور برأسه.

عصام زوجها الذي يشعرها في لحظة أنها ملكة متوجة على قلبه، ثم يقلبها بغتة ليزرع الخوف بقلبها مع تهديده الدائم أنه قادر على الاستغناء عنها في أي وقت وبدون تفكير، ولكنها تعلم أن لها مكان ما في قلبه، ولكنه يأبى الإعتراف أو الشعور به.

تطلعت إلى شهيته المفتوحة وهو يتناول الطعام بنهم، وقد تناسى تحفظه معها، يبدو أن الجوع مع طعم طعامها الشهي قد أتى بمفعوله معه.

-بالهناء والشفاء على قلبك.

قالتها فجأة وكأنه تنبهه على لهفته على طعامها، سمع منها يومئ برأسه لها دون صوت.

تابعت هي بمخاطبته سائلة بقصد فتح الحديث معه وفك جموده، فقد ضاقت من المحاولات الكثيرة التي لم تؤتي بنتيجة جيدة حتى الاَن معه:

-لم تقل لي رأيك في الطعام؟ هل أعجبك؟

صمت قليلًا ثم أجابها وعيناه الحادة تأسر خاصتيها:

-تعلمين أني أحب محشي أوراق العنب، هذا يعني أن طعامه بفمي سيكون جميلًا حتى لو هو ليس كذلك.

اعتلت ابتسامة رائعة ثغرها لتردف له:

-نعم أعلم وفعلته مخصوص من أجلك يا عصام، كما فعلت أنت صباحًا وأتيت إلي بالشئ الذي أحب.

عاد إلى طعامه ليُظهر عدم اهتمامه رغم فهمه لما تقول، وشعورها هي بما يقصده من تجاهل،  لتجفله فجأة بمسك يده ليرفع أبصاره إليها باستفهام ليجدها تخاطبه برجاء:

-أرجو منك ألا تفعلها مرة أخرى يا عصام، انا أحاول دائمًا لإرضاءك، ومجاهد بكل قوة حتى تفشل زيجتنا.

صمتت برهة لتتابع:

– عدني ألا تفعلها أرجوك، إن وجدتني أخطأت نبهني أو حتى وبخني، أو اضربني لو لزم الأمر، لكن لا تهددني بالانفصال.

كانت تتطلع إليه ياستجداء وهو يبادلها النظر بصفحة مغلفة لوجهه لاتظهر أي رد فعل لقولها.

ظل على وضعه لحظات بصمته يحارب لعدم الإستسلام، يرغم نفسه لعدم الإستماع لهذا النداء الخفي بداخله والذي يأمره بمطاوعتها والإستجابة لرجائها، أنهي حديث حيرته بالنهوض فجأة عن الطعام، وقبل أن يلفها الإحباط وخيبة الأمل جيدًا، باغتها بطبع قبلة على وجنتها أجفلتها من خلف ظهرها.

شهقت متفاجئة من فعلته فتبسمت بفرحة، لتجده حاوط كتفيها بكفيه، ليمرر بشفتيه على عنقها بتمهل أربكها عن المقاومة وشتت عقلها عن التفكير، حتى وصل بالقرب من أذنها ليكمل هامسًا لها بصوته الدافئ:

-سأنتظرك بالداخل لا تتأخري….  هممم لا تتأخري.

ختم بقبلة كبيرة أخرى ثم استقام ذاهبًا نحو غرفته، وقد زررع بداخلها فرحة وقتية ونجح بخبرته أن يُنسيها ما كانت تُصر عليه منذ قليل، ألا وهو؛ الوعد الذي لم ينطق به.

❈-❈-❈

في الشقة المقابلة

كانت عزة متكئة بجلستها على الاَريكة تشاهد مسلسلها المفضل على على شاشة التلفاز المعلقة على الحائط، حينما شعرت بفتح الباب الخارجي والذي دلف منه زوجها بعد ذلك، يحمل بيديه عدة أكياس، ألقى التحية لتجيبه على عجل قبل أن تسأله:

-أين ذهبت يا عمران؟ لقد دخلت الغرفة منذ ساعة ولم أجدك نائمًا على فراشك، كيف خرجت وانا لم أشعر بك؟

أجابها وهو يُلقى سلسلة المفاتيح أمامها على الطاولة قبل أن يجلس ويضع بجوارهم الأكياس التي بيده:

-لقد خرجت بعد ان خاصم النوم جفني، فبعد نومي على التخت القديم ظللت لمدة طويلة اتقلب على فراشي ولم أجد فائدة، تذكرت الدواء الناقص معك فنهضت وارتديت ملابسي وخرجت لاَتي بهم، وأنت مشغولة في مطبخك بإعداد الطعام.

صمت برهة ليتابع:

-ألقي نظرة على ما أتيت به من أدوية، لتري هل هي نفسها الأصناف المطلوبة في علاجك أم لا؟

قطبت بدهشة من الأكياس المتعددة أمامها، فاقتربت لتفحصهم، لتجد كيس به مجموعة الأدوية الخاصة بها   والأخر فاكهة والثالث كان….

شهقت بفرحة طفولية وهي تخرج العلبة المغلفة لتردف بغبطة لعمران.

-انها علبة مشكل لمجموعة من الحلويات.

تبسم يجيبها بفرحة لفرحتها:

-نعم يا عزة لقد أتيت بها لأجلك حينما وجدت محل الحلويات أمامي وتذكرت عشقك لهذه النوع.

تطلعت إليه بامتنان قائلة:

-شكرًا لك يا عمران، لأنني فعلا كنت أتشوق لتذوقها ولكني كنت خجلة من طلبها،

-مرة أخرى يا عزة، ألم أقل لكِ قبل ذلك ألا تتردي في ذكر أي شئ ترغبين به، لما الخجل من الطلب بما ترغبين به يا امرأة وانا زوجك؟

قالها باستياء حقيقي.

-حسنًا سوف أفعل.

قالتها بعدم انتباه وهي تفتح العلبة وتخرج لها قطعة حلوة لتأكلها باستمتاع قبل أن تبحث في الكيس الاَخر فهتفت ضاحكة:

-هذا تفاح ومعه.. تين! ما قصتكما اليوم يا رجل مع التين، أو تكون متفق مع جارك؟

سألها يدعي عدم الفهم:

-ماذا تقصدين؟ وما دخل جاري بما ابتعت من فاكهة؟ ما القصة يا عزة؟

ضحكت ببرائة تجيبه:

-ليست قصة ولا رواية إنما فقط هو جارنا العزيز أتى لزوجته بالتين الذي تحبه من أجل صلحها بعد مشاجرة أمس، وقد أتت إلي بطبق منه صباحًا.

-اممم.

زام بفمه يدعي الفهم لما تقصده، ليردف لها:

-إذن هي من أتت بالطبق الذي وجدت به ثلاث حبات في البراد، بصراحة يا عزة رأيت حبات التين الطازجة، وهممت بأخذ واحدة منهم ولكني غيرت رأيي وفضلت أن اشتري أفضل.

حجة زكية منه ليبدو الأمر منطقيًا أمام زوجته الغافلة، فهي لا تعلم أنه قام بشراء التين ليرى رد فعل الأخرى غدًا برؤيته، بعد أن سمع قصتها اليوم عن جدها وجدتها حينما كان يتصنت خارج المطبخ، فلم يتمكن من الرؤية الجيدة كما يفعل دائما من ثقب غرفة نومه.

توقف عن شروده ليرى فرحة عزة بهذه الأشياء البسيطة، وهي تتناول في قطع الحلويات المختلفة وتدعوه لمشاركتها:

-سوف اَتي من المطبخ للطبقين.

هتف بها يوقفها باعتراض:

-لا داعي يا عزة، لقد تناولت قطعة من يد الرجل البائع ولم تعد بي شهية لأي صنف من الحلوى .

أومأت عزة بتفهم لتكمل بعرضها:

-إذن فلتتناول طعامك بوجبة الغداء، سوف أقوم وأحضرها لك، فقد أعددت اليوم محشي أوراق العنب مع جارتي، شهيًا وسيعحبك بحق.

أومأ لها بالموافقة، لتنهض متلهفة رغم حرسها الشديد على صحة الجنين بخطواتها المتأنية، فظلت عينيه مثبتة عليها على ظهرها النحيل وهي تنصرف نحو المطبخ من أمامه بتفكير يحدث نفسه من الداخل:

-طيبة وتستحق كل الخير، ولكنها متواضعة في كل شئ، ولم تصل أبدًا إلى الصورة التي رسمها بخياله، ووضعت نصب رأسه في اختيارات العروس سابقًا، قبل أن يصدم من كم النساء الاَتي رفضنه جميعًا لصورته.

ولكنها الوحيدة التي وافقت عليه، ورغم امتنانه لموافقتها، ولكنه أبدًا لم يقدر أن يراها كما تمنى، أو يراها كما يرى جارته العزيزة إبتسام.

❈-❈-❈

في المطبخ

وبعد أن دلفت إليه وتناولت الأطباق من البراد فوضعتهم في السخان الكهربائي، توقفت محلها بالمدخل، وذهبت عينيها إلى الصالون حيث الاَريكة التي جلس عليها باسترخاء ومد أقدامه على الأرض أمامه، يقلب بجهاز التحكم في شاشة التلفاز بعدم انتباه لنظراتها.

وهي تشمله بعينيها بتفحص ليس بالجديد عليها، بل تفعله دائمًا حينما يكون منشغلًا أو غافلًا عنها، بغض النظر عن التشوه الكبيرة الذي أخذ نصف وجهه، فهو يمتلك بنية جسدية رائعة في طوله وعرض عظامه، لا هو بالسمين المترهل بدهونه، ولا هو رفيع بعظام بارزة.

عريض المنكبين، مستقيم الأنف رغم انفراج فتحتي التنفس قليلًا، شعره ليس بالمجعد ولا بالكستنائي الحريري، انما هو ناعم ومعظم الوقت لا يحتاج ألى التصفيف بالفرشاة، وإنما بأنامل أصابعه تكفي.

لديه مميزات بشكله غافل هو عنها كمعظم من يراه في المرة الأولى قبل أن يعرفه جيدًا أو يتعامل معه بعد ذلك ويعتاد عليه، تذكر اول لقاؤها به حينما تقدم لخطبتها،  بعد أن دله أحد أقاربها عليها ثم تدخل هذا الرجل وكان الوسيط في تجميع رأسين في الحلال.

في هذا اليوم

تفاجأت بكم التعليقات الناقدة له من أهلها، وقبل حتى أن تدخل إليه وتراه؟ فقد أجمع الجميع على أنه لن يعجبها وسيخرج كما أتى، وعلى الوصف المبالغ فيه توقعت أنها سترى وحشا أو مسخ بتشوهه.

ولكن هذا لم يحدث فعندما دخلت إليه كانت مهيأة نفسيًا في استقباله، وحينما رأته لم تركز على تشوه وجهه لتعتبره عيبًا وتأخذه حجة للرفض، لا بل هي تقبلته بشكل وجهه هذا، رغم أنه لم يكن ينظر إليها من الأساس، أتاها إحساس أن هذا من حسن أخلاقه.

واتسمت فيه التعقل، فشعرت أنه مكسور باليتم مثلها،  حن قلبها إليه وظنت أنها ستكون سكنًا له، ويكون هو سندها بعد أن فقدت سندها بموت والديها، فوافقت رغم استغراب ألجميع لموافقتها وظنهم أنها تمزح بالبداية، ولكنها فاجأتهم بإصراراها عليه، حتى استجابوا لرغبتها ووافقوا عليه.

تنهدت بعمق ما تحمله بقلبها نحوه، تتمنى لو يحمل بقلبه لها ولو النصف منه، لتمتم بداخلها بأسى:

-يا ليته يراها كما رأته هي من أول مرة، يا ليته أحبها كما أحبته دون النظر لوجهه لو صورته.

❈-❈-❈

-يا أبا عمران تريدها سادة أم زيادة؟ قولي يا رجل ولا تخجل، الخير كثير.

قالها عصام بتفكه وهو يخاطب الاَخر أثناء نوبة عملهما معًا، والذي كان يتابعه بسكون تام، مندهشًا من مزاحه الدائم وتغير مزاجه عن الأمس من النقيض إلى النقيض، فقال يجيبه:

-تعلم كيف أشربها يا رفيقي العزيز، فما داعي للسؤال؟

جلس على عقبيه عصام يرد متبسمًا وهي يحرك في مشروب القهوة التي يعدها على النار في الأسفل:

-ولكني أًريد أن أسمعها منك، فربما وددت التغير مثلي، أما رأيتني أشربها بالأمس سكر خفيف لكسر المرار فقط، ولكني اليوم سأشربها زيادة، زيادة جدًا.

بادله ابتسامة لم تصل لعينيه ليعقب على قوله:

-تبدوا لي رائق المزاج يا راجل، وهذا ما يجعلك منعتشًا بسعادة، وشهية مفتوحة على الدنيا وعلى كل شئ جميل وطعمه حلو أيضًا.

التف إليه عصام يتطلع إليه بذهول فقد تمكن رفيقه من وصف حاله بدقة، أو يكون هو مكشوفًا أمامه لهذه الدرجة، أومأ له برأسه موافقًا:

-نعم يا عزيزي، لا أعلم كيف تمكنت من إيجاد الكلمات المناسبة لحالتي، ولكنها فعلًا كما قولت هذا ما أشعر به، مزاجي جيد بحق.

اومأ له بابتسامة يدعيها بود عكس ما كان يشعر به بداخله من نيران، فقد تمكن من استنتاجه، لقد تصالحا، هو والغبية زوجته، والتي يجزم من نفسه وعلى غير معرفة، أنها هي من بادرت ولا يستبعد أن تكون ترجته أيضًا الحمقاء، مدام عصام مبسوط هكذا، مشرق الوجه بغبطة بداخله، فهذا يعني أن تخمينه هو الأكيد، غبية.

تفوه بها بداخله قبل يتمتم له بمجاملة:

-أدام الله عليك السعادة يا رفيقي، فمن لا يتمنى ذلك.

رد عصام وهو يُنزل الركوة من على النار قبل فورانها ليصب قهوتها في الكوبين الزجاجيين:

-لي ولك يا صديقي، ومن لا يتمنى؟ إذن فلتتفضل بتناول قهوتك وقد أعددتها مظبوطة لي ولك، فكما قولت، أنا أعلم بها.

تناولها منه ليضعها على الطاولة البلاستيكية بجواره بصمت، يستمع بتركيز إلى ما يردف به الاَخر بشرود:

-أتعلم يا عمران، أن هذه الدنيا دائمًا ما تعوضنا بالأشياء الجميلة بعد الإنكسار، ولكننا لا نراها أو نشعر بها، وذلك لوجود الماضي بأوجاعه بعقلنا فدائمُا ما يضع الحاجر بيننا وبينها.

على الرغم من علمه لما يقول وبدون أن ينطق لسانه بالكلمات، وذلك لمعرفته الوثيقة به منذ توليه العمل معه واخباره بقصة فشل زواجه الأول من المرأة الوحيدة التي أحبها بحق، ولكنه ادعي عدم الفهم ليسأله:

-ماذا تقصد بالحاجز؟ وما هي الأشياء الجميلة التي عوضك الله بها؟ فسر لي كي أعلم .

تبسم عصام يجيبه بمرواغة:

-لا تدقق يا رفيقي، هذه هي الدنيا، يوم جميل واَخر  بائس، وهذا شئ لا يحتاج لتفسير أو تدقيق.

إستجاب إليه عمران بشبه ابتسامة جانبية، لعدم رضاه عن الإجابة المبهمة.

ليظل صامتًا يراقب الاَخر؛ الذي ونهض يتمخطر بخطواته وهو يرتشف من قهوته بتلذذ مع صفاء مزاجه، ليجفله فجأة بالتفافه إليه قائلًا:

-مارأيك يا عمران لو خرجنا قريبًا أنا وأنت وزوجتي مع زوجتك، كعائليتن معًا ونتنزه في مكان ما.

مال برأسه فجأة متعجبًا من عرضه المفاجئ ليسأله باستفهام:

-أين تقصد؟ ولما؟

على صوت ضحكة عصام لتزيد من احتقان الاَخر قبل يجيبه:

-يا رجل، أنا اعرض عليك نزهة للعائليتين، هذا شئ طبيعي ويكفله الدستور، نذهب لمجمع تجاري، أو حديقة عامة أو حتى صالة سينما نشاهد فيلم ما أو مدينة الملاهي نتمتع بالصخب واللعب فيها.

هم ليرد بالإعتراض رافضًا، ولكن لسانه أبى أن ينطقها بعد تذكره لها.

ورؤيتها هن قرب وسماع حديثها وقهقهاتها كما حدث في المرة السابقة في عيد شم النسيم،  حينما جلسا أربعتهم في الحديقة وبين الخضرة على مفرش القماش وأكل معها من نفس طبق السمك المملح، ليشعر بسعادة شديدة؛ ينقصها فقط عدم النظر إليه على الإطلاق أو توجيهها الحديث إليه ولو مرة واحدة حتى.

-ما رأيك يا رجل؟ لما كل هذا التفكير في شئ صغير وعادي كهذا؟

هتف بها عصام بسأم يخرجه من شروده، فرد يجيبه وهو يزوم بفمه:

-أممم. مع عرضك هذا لا أستطيع الفكاك أو التنصل، فعزة لو علمت برفضي لن تمرر الأمر على خير .

أردف عصام بتفكه:

-نعم يا عمران فصديقك لن يبتلع رفضك بدون أن يخبر زوجته والتي بدورها ستُخبر زوجتك.

استجاب هذه المرة لدعابة عصام بابتسامة حقيقية ليرد بالموافقة ولكن بتحذير:

-إذن فقد استسلمت لقدري، ولكن احذر على ذكر عزة لا نريد إجهادها بالمشي الكثير، حتى لا يتضرر حملها، فا أنت تعلم بحالتها.

لا تقلق.

اردف بها عصام ليذهب بكوبه الفارغ ويغسله من صنبور الحديقة وهو يتابع:

-سوف نتفق على مكان ما ولن نذهب لغيره، مطعم أو كافتيريا مثلًا، أو صالة السينما كما ذكرت لك سابقًا، هي فقط تترجل من السيارة أمام المكان المقصود، وإن احتجنا شئ نذهب أنا وأنت ونترك النساء.

أومأ له بتفهم يهز رأسه ثم التفت على صوت طرق على باب السور الحديدي الكبير، ووجه امرأة رائعة الجمال، بكامل زينتها تتبسم وهي تتطلع إليهما:

-من هذه المرأة؟

تفوه بها عمران باستفسار قبل أن تتنقل أبصاره نحو رفيقه الذي تغير لون وجهه واتسعت عينيه بارتياع.

ليتابع عمران بسؤاله:

-أتعرفها يا عصام؟

نفي الاَخر برأسه على الفور بارتباك قبل أن تجفله المرأة بالنداء بأسمه:

-عصام، يا عصام.

حدق به عمران بتشكك لينهض عن مقعده يخاطبه:

-أنا ذاهب إليها لأرى ما تريد.

-لا بل أنا من سيذهب ، ودعك أنت منها

هتف بها عصام بعجالة ثم تحرك على الفور نحو المرأة بفعل يناقض نفيه، ليُشرق وجه المرأة بابتسامة عريضة  برؤيته قادمًا إليها، وتتلقفه بقولها:

-اَخيرًا رأيتك يا عصام؟

وصل المذكور ليلكزها على ذراعها ليدفعها للخلف يقول بتحذير:

-تحركي من أمامي، إمشي إمشي

طاوعته المرأة دون اعتراض وهي مستسلمه لدفعه لها بخشونة كي تسير أمامه، لتردف بميوعة غير مبالية بعنفه أو غضبه:

-جيد حتى ننفرد معًا بالحديث داخل سيارتي  بعيدها عن أعين الناس المتربصين.

❈-❈-❈

وبداخل السيارة وبعد أن انضم بجوارها في الأمام صفق الباب بقوة وهو يغلقه، كي يهدر عليها بغضب:

-أجننتي يا حبيبة؟ في مكان سكني وعملي تأتيني؟

كورت شفتيها المطلية بالأحمر القاني لتُجيبه بدلال يشوبه العتب:

-أشتقت إليك يا عصام وأنت لا تُجيب عن اتصالاتي، ولو برسالة .

هتف بوجهها يكز على أسنانه:

-ولماذا أرد يا حمقاء، ألم تستوعبي ما قولته لكِ في اَخر لقاء جمعنا؟ ألم أُنبه وأُشدد على طلبي لكِ لعدم إزعاجي بالإتصال مرة أخرى؟

-نعم قولت… ولكنك لا تقصد.

هتفت بها تعقيبًا على أسئلته لتكمل بابتسامة متسعة:

-أعلم هذا جيدُا يا عصام، في كل مرة تطلب مني الإبتعاد، وبداخلك لا تريد، والدليل أنك لم تحظرني حتى الآن رغم كل تحذريراتك لابتعادي عنك.

تسمع رنين اتصالاتي وتتركها متعمدُا دون رد، كي اَخذ أنا زمام المبادرة كالعادة لأقترب منك بنفسي،  اليس كذلك يا عصام؟

سمع منها وازداد احمرار وجهه مع احتقان صدره لما تتفوه به متعمدة كشف ما يدور بعقله، رغم إنكاره الدائم،  أجمع قوته ليجيبها بالنفي:

-لا يا حبيبة لست كما قولتي، فا أنت امرأة متزوجة وانا كذلك، لا يحق لي ولا لكِ الخيانة حتى لو بالكلام…

قاطعته بضحكتها الرنانة في قلب السيارة لتقول من بين ضحكاتها:

-رائع أنت جدًا بتفكيرك في هذه  الأشياء الجميلة والرائعة، ولكنك لاتفعل بها وأنا أيضًا، هذا طبعي وطبعك، أنت تريدني وأنا أريدك.

قالت الأخيرة بنعومة لتزداد بإغواء وهي تقترب بوجهها منه لتردف:

-لا يمنعك زواج من امرأة للقرب مني، وأنا لا يمنعني رجل عنك، حتى لو كان زوجي.

بالاَخيرة كانت وصلت بقربها منه حتى أصبح وجهها لا يفصله عن وجهه سوى بضع سنتيمترات قليلة، إزدرد ريقه لهذا القرب المهلك منها، فهم بالتشبث باعتراضه الواهي، ولكنها لم تعطيه فرصة لتكمل:

-لقد سافر زوجي يا عصام لزوجته الأخرى في البلدة، يعني قد أصبحت متاحة الاَن لك وفي أي وقت حتى يعود.

يود رفض الدعوة الكريمة منها وتوبيخها بالكلمات القاسية، رفضًا للخيانة التي تبررها له وبكل سهولة  ولكن شيئًا ما يمنعه.

يربط لسانه، يشل حركته عن المقاومة، تقوده الشهوة لخيانة غرزت اقدامه بوحلها ولا يعرف كيفية للخروج منها، زادت من قربها، لتهمس بأذنه وصوتها يصل إليه كأنه صدى ما يتحدث به لنفسه:

-تعالى لنستعيد أيامًا جميلة مضت، تعالى لتنسى نفسك وهويتك معي بل والعالم أجمع…

❈-❈-❈

في الجهة الأخرى

وخلف باب السور الحديدي من الداخل، صدره كان يغلي كمرجل نار من فرط ما يشعر به من سوء حظ مقابل ما يمتلكه الاَخر، بنفس ظروفه تقريبًا في كل شئ، إلا هذه الصورة الجميلة التي يتميز بها فتجذب النساء إليه كالذباب حول قدر العسل، وهو المسكين يكفيه التجاهل حتى لا يرى النفور منهن.

يضرب بكفه على اختلال ميزان العدل معه دائمًا، فهذا يمتلك المرأة الجميلة التي يتكبر عليها حتى ولو بكلمة غزل، وهو المسكين يحلم بنظرة واحدة منها إليه، يدعي الصلاح وكره النساء ومع هذا لا يستطيع تخطى ما تعود عليه دائمًا.

فالخطيئة أصبحت تجري بدمه، بداخله الرفض ولكن ضعف نفسه يجعله يخفق في كل محاولة منه للإستقامة، يدعي القوة معها حينما يتفوق بإذلالها، على أتفه الأسباب حينما يقرر فرد عضلاته أمامها، حتى لا تتجرأ وتنقلب عليه، ولكنه في الحقيقية ضعيف ضعيف ضعيف.

نفض يده  بضربة قوية على الباب الحديدي حتى اهتز بشدة،  قبل أن يعود لجلسته على الكرسي ويتناول الهاتف ليراسلها على حساب الأمس.

-السلام عليكم.

انتظر ردها ولم تُجيب رغم رؤيته للعلامة التي تظهر أن حسابها يعمل والاَن، فتابع لها برسالة أخرى كنداء باسمها:

-إبتسام

أيضًا لم تُجيب على هذه الرسالة لتزيد من غضبه، فيخرح من فمه اللعنات والسُباب عليها قليلة الكرامة، التي يُهينها زوجها وهي ترمي نفسها عليه تترجى وتتوسل رضاه عنها حتى وهو المخطئ:

-غبية حقاء.

لفظ الأخيرة ليُلقي هاتفه على الطاولة البلاستيك بإهمال، ثم تناول من علبة سجائره واحدة يشعلها ليخرج بها غيظه، ينفث دخان الهواء مع انفاسه المتهدجة، طال انتظاره لردها وطال الاَخر بجلسته في السيارة مع المرأة اللعوب.

ولكن من الوارد أن يأتي في أي لحظة، قبل أن تجيبه هذه الغبية وتضيع فرصته في محادثتها الليلة وربما إلى الأبد إذا استمرت بدور الزوجة التي لا تريد إغضاب زوجها وشغلت عقلها، ومض ذهنه فجأة بتذكر الصور القديمة التي نقلها اليوم إلى هاتفه

تناوله على الفور ليُعيد المحاولة معها بإرسال واحدة منهن وهي كانت للدكتور عزيز وهو شاب صغير في السنة الثانية للتعليم الثانوي، بطلة شبابية مبهرة، وهو يرتدي البنطال الجينز في الأسفل وفي الأعلى تيشرت ملتصق بصدره العريض.

شعره الكستنائي الطويل كان منطلق بحرية قبل أن يدخل كلية الطب وتدهسه مسؤوليات التعلم الجدي والممارسة العملية مع أبيه، واقفًا في وسط حديقة المنزل يتشاجر ويضحك  مع أخيه، تبسم بداخله حينما تذكر كواليس أخذ هذه الصورة وقد التقطها هو بنفسه لهما.

أرسلها ثم كتب معلقًا في الأسفل:

-هذه صورتي وأنا في الصف الثاني الثانوي، لو تريدي اسألي وانا أذكر لك اليوم الذي أتُخذت فيه؟

وكما توقع لم يصبر دقيقتين إلا ووجدها فتحت وجأته علامة رؤيتها للرسالة، تبسم يسترخي بجسده لخلف المقعد ليتنظر ردها بثقة هذه المرة.

❈-❈-❈

في الجهة الأخرى كانت جالسة على الأرض كعادتها في هذا الوقت تشاهد مسلسلها على شاشة التلفاز، طبق المسليات، في حجرها تتناول منه أثناء اندماجها مع الأحداث، وبنفس الوقت تتابع إشعارات الرسائل التي تصلها دون أن تفتح كما علمها عصام حينما يريد الأفلات من محادثة لأحد الأشخاص.

بداخلها كانت عاقد العزم والنية لعدم الرد أبدًا حتى لو هو نفس الدكتور عزيز، بعد ما حدث بينها وبين زوجها،

وانتهاء الجفاء بينهما، لقد وصلها اليوم منه كلمات غزل لم ينطقها، مشاعر عشق فضحتها

عينيه رغم نكرانه الدائم.

لهفة ورغبة حقيقية كافية لرفعها محلقة طائرة في سماء عشقه، رغم خوفها الدائم من انقلاب الأجواء فجأة بالغيوم والضباب المُعتم، فعشرتها معه منذ زواجها به، علمتها أنه غير مضمون، وهي متأكدة من هذا ولكنها تحاول دائمًا لإنجاح الأمر.

….يتبع.

ياريت التفاعل بتصويت والتعليق على شخصيات الرواية وافعالهم حتى لو بين الفقرات انا عارفة انها مختلفة ولذلك حابة اعرف أرأكم

الفصل السادس

كانت مقررة عدم الاستمرار وانهاء المحادثة، حتى وصلها إشعار الصورة، لم تدري بيدها التي ضغطت بفضول حارق لتراها، شهقت بانبهار معجبة بهذة الهيئة الشبابية التي لم تعتاد عليها أبدُا للطبيب الرزين، توسعت عينيها تتطلع في الصورة بتمعن، هذا شكله ولكنه شاب صغير، بشعر ناعم وقصة عصرية كانت سائدة في هذه السنوات.

-يا إلهي.

غمغمت بها بصوت واضح بابتسامة ارتسمت على ملامح وجهها وهي تراه يمازح شاب اًخر يشبهه في الملامح ولكن على أصغر، ذراعه تطوق عنق الشاب بغلاظة وحميمية تُظهر مدى قربهم، حاولت منع نفسها من التعقيب ولم تقدر، لتجد نفسها باعثة بسؤالها الملح:

-متى أخذت الصورة؟ ومن هذا الذي معك؟

بابتسامة ظافرة أجاب على الفور برسالة عاتبة:

-أراكِ لم تُجيبي على رسائلي إلا بعد إرسال الصورة.

عضت بأسنانها على شفتها السفلى بحرج ترسل ردها إليه:

-أنا لم أفتح سوى الان.

قرأ رسالتها ليطلق ضحكة مجلجلة في فضاء المكان الخالي حوله، حتى انتبه له أحد المارة خارج سور المركز، فتسمرت أعين الرجل عليه باستغراب حتى اختفى، وهو مازال يضحك على سذاجة هذه المرأة وردها الغير مقنع لطفل صغير.

تمالك نفسه قليلًا يفكر في رد مناسب، ثم كتب لها:

– أعلم انكِ تكذبين ولكني لن أعيد السؤال، وسأكتفي بإجابتك رغم علمي بعدم صدقها.

قرأت الكلمات وازداد حرجها لترد بدفاعية ورسالة مطولة لأعذار واهية ليس لها معنى، كان يقرأها بتسلية

وضحك مستمر لا ينقطع، ليُجيبها اخيرًا:

-لما هذا التشنج بردودكِ؟ أنا لا أحقق معكِ عزيزتي، لقد ذكرت لك قبل ذلك، أنني أنشأت الحساب مخصوص لمراسلتكِ أنتِ فقط، بعد أن أسعدني لقاءك، وردودك العفوية التي ذكرتني بطيبة اهل البلد، انا اراسلك لأصلك الطيب يا ابتسام.

رفرفت بأهدابها تعيد قراءة الجملة مرارًا وتكررًا، وهي لا تجد من الكلمات ما ترد بها عليه، حتى تذكرت سؤالها الأول لترسل له:

-الله يحفظك، شكرًا لك، ولكنك لم تُجبني على سؤالي حتى الآن؟

تبسم مع قراءة الرسالة وقد نجح برده السابق في تشتيتها، فرد مرسلًا لها:

-حسنًا يا ابتسام، هذه الصورة لأخي مهندس البرمجيات، مروان، وهذا اليوم كان وقت ظهور نتيجتي في الصف الثانوي العام.

كنت قد نجحت بمجموع يقارب الثمانية والتسعون،  وسعيدًا جدًا وقتها لهذا الإنجاز وأنا ارى قرب تحقيق حلمي،  في دخول كلية الطب لأمارس المجال الذي أحبه كأبي، وهو كان يشاكسني على ذلك، فالتقطت لنا الصورة في هذا المكان بالحديقة.

تبسمت وهي تقرأ رده المطول بتفصيل لتردف بما علمته قبل ذلك:

-شقيقك هذا الذي أتته منحة في إحدى الدول الأوربية ليعمل بشركة عالمية كما علمت، واستطاع خلق فرصة أيضًا لشقيقه الأصغر معه، ليُقيما بهذه الدولة ويأخذا جنسيتها؟

أرسل لها رمز حزين مع إجابته التي اجادها بتقمصه لشخصية الطبيب:

-نعم، وأخذا أمي معهما ايضًا، لأظل أنا وحدي هنا في الوطن مع إرث والدي الذي أجاهد لإحافظ عليه،  التمسك بذكريات الطفولة والشباب في المركز عندكم، وعلاج أهل منطقتي.

انهى الرسالة بابتسامة متوسعة وهو يعلم بتأثرها الاَن،  بما اخبرها به، ليصدق تخمينه مع رسالتها التي أتت على الفور:

-لا تحزن، فزوجتك صالحة وأولادك بارك الله فيهم، وأقر عيناك بهم .

أرسل يرد بادعاء الإمتنان لها كرد فعل على رسالتها:

-شكرًا جدًا يا ابتسام، لقد أسعدتني جدًا رسالتك البسيطة، انتِ امرأة رائعة ولابد أن زوجك يعلم بقيمتك، وصفاء قلبك هذا.

أرسلت ترد مع ابتسامة ساخرة اعتلت وجهها:

-نعم هو يعلم قيمتي بحق.

قرأ الكلمات ليعود مجلجلًا بضحكاته العالية، وكأنها ذكرت له نكتة فكاهية، مع معرفته بكذبها المفضوح، ليقطع فجأة منتفضًا على صوت الباب الحديدي وعصام يلج منه، يطالعه قاطبًا حاجبيه باندهاش:

-هذه ضحكاتك أنت يا عمران؟.. يا إلهي، صوتك انت ما كان يصل إلي الاَن في الشارع الخلفي؟!

❈-❈-❈

وكأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسه برؤيته، وقد أجفله بالحضور في هذا الوقت بالذات، بعد اندماجه في المحادثة معها، كان يتقدم نحوه، ويرسم ابتسامة على وجهه لكن مضطربة وليست عادية كالتي كانت منذ قليل، قبل لقاء المرأة، حتى وصل إليه ليخاطبه بمرح:

-لم تُجب على سؤالي يا أبا عمران، ما الذي يضحكك إلى هذه الدرجة يارجل؟ وجعل ضحكتك التي لم أسمعها طوال فترة عملي معك وعشرتي التي تعدت السنتين، سوى في مرات قليلة تنعد على أصابعي كما اذكر .

بضغطة واحدة فعلها الآخر وأغلق الهاتف نهائيًا ليجعل انتباهه كاملًا إلى جاره الذي اقتحم خصوصيته في المحادثة المهمة! ورد بثبات يدعيه:

-رسالة فكاهية من أحد الاصدقاء أو أي شئ آخر لايهم، لماذا تسأل با عصام؟

ضحك يطالعه بمكر وهو يجلس على مقعده المقابل له:

-أسألك من أجل الأسباب التي ذكرتها سابقًا، أنت نادر الضحك يا حبيبي، وأنا رجل فضولي أتشوق لمعرفة السبب الذي جعل عمران رفيقي الكتوم والرزين يضحك للدرجة التي أدت جعلت صدى صوته يصل لخارج السور، انه حدث تاريخي، قل لي يا حبيبي وأرح قلبي.

صمت عمران يتطلع إليه بتماسك دون رد ليتابع الاخر بإصرار:

-هل في الموضوع امرأة؟

توقف للحظة يتابع رد فعل الاَخر على صفحة وجهه المغلقة بإحكام، ثم إجاب على نفسه:

-نعم هو كذلك امرأة، سكوتك المريب هذا يؤكد شكي.

ظل على صمته عمران والاَخر يستطرد بتخيمنه:

-إذن اَخيرًا فعلتها، ولكن أجبني هل هي جميلة وتستحق المغامرة، أم هي امرأة وفقط؟ هل قابلتها وعرفتها وعرفتك؟

الحاحه الشديد جعل حالة عمران تتحول من توتر اللص الخائف على كشف سرقته، إلى الاحتقان الملازم له دائمًا، فعلقه الشيطاني لا يخفى عليه استغراب عصام، خوضه مغامرة الدخول في علاقة مع امرأة مع ظرف تشوه وجهه، فتحرك يجيبه بالسؤال:

-لما الإلحاح يا عصام؟ إن كنت في علاقة مع امرأة أو لا، هذا إن صدق تخمينك.

تبسم عصام بزهو ليرد وهو يتلاعب بياقة قميصه:

-حتى أعطيكِ من خبرتي، فرفيقك لاعب قديم ومحترف، أستطيع إعطاء المشورة وعن ثقة.

-أها

تفوه بها عمران وهو يحرك رأسه يدعي التفهم، ليتبع بسؤاله هو الآخر:

-وهل المرأة التي أخذتك بسيارتها منذ قليل، كانت من ضمن فرقتك؟

تحول وجه عصام ليردف بلهجة غاب عنها الهزل:

-إنها امرأة عادية كنت على معرفة بزوجها قبل تمكني من العمل هنا، يعني امرأة متزوجة وليست من هذا النوع الذي تظنه.

ظهر سن عمران مع ابتسامة ساخرة يخاطبه بعدم تصديق:

-يبدوا أنها فعلًا فاضلة بدليل العباءة السوداء التي تفصل جسدها الممشوق بدقة، وزينه وجهها الصاخبة بالمساحيق المتعددة، وحجابها الصغير العائد لنصف رأسها حتى يظهر خصلات شعرها الملونة بالأصباغ.

رغم الإرتياع الذي شعر به من دقة الوصف التي ذكرها عمران عن المرأة وانتباهه الشديد إلا أنه استطاع التماسك، ورد بادعاء المزاح:

-أرى انك جيد جدًا في وصف النساء، هذه موهبة جديدة اكتشفها بك يا رجل، عكس ما اراه منك دائمًا.

استطاع بكلماته إثارة غضب الاَخر من جديد، فهذا العصام رغم كل ما يدعيه من هدوء، الا أنه ليس قليل الحيلة ودائمًا ما يجد الحل للهرب حينما يحاصره أحد ما في الزاوية، فقال عمران يرد بدفاعية:

-لست أنا يا عصام من ينطبق عليه كلامك هذا، تعلم جيدًا بأخلاقي، وأني دائمًا ما أغض النظر عن النساء.

ولكني لست اعمى حتى لا أرى بعيني وأفهم طبيعة من يقف أمامي، وهذه المرأة بأسلوبها وملابسها توجه دعوة صريحة للفت انظار الرجال إليها والتفكير بها بأشياء أخرى، أنت تعلمها جيدًا .

توقف يتطلع إلى الاَخر وهو يتنهد بغيظ بعد إفحامه ليشيح بوجهه إلى الناحية الأخرى، فاستطرد يجذب انتباهه مرة أخرى بسؤاله؛

-لكن عندي سؤال، ألم تذكر يا رجل في بداية رؤيتك لها؛ أنك لا تعرفها؟ إذن كيف ذهبت وجلست معها بالسيارة وتظل لقرب الساعة.

قال الأخيرة وتوقف يرى انسحاب الدماء من وجه عصام، فقد غفل وتناسى كذبته عقب مفاجأته بزيارتها، ورد يجيبه بارتباك وهو يبحث عن كلمات:

-لم أتبين من شكلها في البداية، ولكن حينما اقتربت منها عرفتها على الفور، زوجة رئيسي في العمل السابق، ولقد أتت طالبة خدمة لزوجها فهو مريض الان.

ردد من خلفه بتشكك:

-جاءت إليك في خدمة لزوجها المريض، وهل أنت طبيب؟

-لست أنا الطبيب، ولكني أعمل لدى الطبيب وعلى معرفة به.

قالها بنفاذ صبر وهو ينهض عن مقعده منهيًا النقاش بقوله:

-أنا ذاهب لأقوم بجولة تفقدية حول المبني، ولأرى حالة الأمن.

تبسم عمران بارتياح وهو يتابع مغادرته، وقد تمكن  بذكائه من صرف انتباهه عما كان يفعل، بعد أن أجفله بقطع المحادثة معها، وعلى ذكر المحادثة غمغم بالسباب بغيظ، وقد تعكر مزاجه بفعل هذا الأحمق، بعد أن شعر بسعادة لم تصادفه على الإطلاق قبل ذلك .

❈-❈-❈

وفي الأعلى كانت ماتزال ممسكة بالهاتف تتطلع برسائل المحادثة وهذه الصور الجديدة، رغم توقفه فجأة، ولكنها لاتزال لا تستوعب ما يحدث، كل ما تراه من شواهد يجعلها تصدق، فالرجل يحدثها بذكرياته الشخصية.

يذكر تفاصيل لا يعلمها إلا هو أو أشقاءه، كما أنه يعبر

عما يشعر به من ارتياح منه نحوها، وعن إعجابه به وبعغويتها التي لا يصادفها في عالمه العملي، وزوجته الطبيبة، بالتأكيد انها لا تجد الوقت لسماعه، وسماع ما يود البوح به عن نفسه وعما يشعر به ويريده

فالمرأة أيضًا معها العذر بهذه المسؤوليات الكثيرة الملقاة على عاتقها من عمل بالجامعة والمشفى وعيادة أخرى غير التي يعملون بها هنا.

-إذن هو أيضًا معه الحق.

غمغمت بها بصوت واضح مع خاطرها الاَخير، ثم نهضت من محلها لتقترب من المراَة لتجلس أمامها تتلاعب في خصلات شعرها الذهبي وتتأمل بجمال وجهها وبشرتها النضرة بفضل الإهتمام المستمر مع المواظبة على متابعة كل جديد يساهم في العناية بها من منتجات جديدة، تطلبها من عصام ولا يتأخر عن تلبية طلبها،

فهذه من أهم مميزاته، ثم أشياء طبيعية أخرى تفعلها في المنزل مع عزة أحيانًا،  فتأتي بنتائجها السريعة لتزيد من نعومته وإشراقه، فتتساءل، هل بحديث الطبيب معها يقصد فقط العفوية والطيبة كما يذكر لها دائمًا؟ أم أنها حجة لإعجابه بها هي نفسها.

تنهدت بحالمية مغمضة عينيها أن يكون ما تتمناه حقيقة بالفعل، الطبيب الشهير يعجب بالمرأة الريفية زوجة الرجل الذي يعمل لدي….

فتحت أجفانها فجأة تستفيق من هذا الخاطر الغريب، لتهزهز برأسها لتنفض عنها هذه الأفكار التي شطح بها عقلها، ليُخالف الواقع الذي تعيش فيه ويخالف المنطق.

نهضت من أمام المرأة لتعقد شعرها للخلف بإهمال قبل أن تعود لتختها كي تغطس تحت غطائها، مقررة النوم حتى تهرب من حيرتها وخيالها البائس، ظلت تتقلب على فراشها وتستجدي النوم حتى غلبها سلطان النعاس، فلم تشعر بنفسها سوى على صوت رنين الهاتف صباحًا، بالنغمة المخصصة بزوجها

تناولته من فوق الكمود لتجيب بصوتٍ ناعس:

-الوو … لماذا تهاتفني يا عصام الان.

وصلها رده من الجهة الأخرى:

-ااا لقد اتصلت بكِ لأخبرك أنني لن اَتي على المنزل بعد انتهاء نوبة عملي بعد قليل، فلدي أمر هام سوف أذهب لأفعله .

-اي أمر هام؟

سألته باستفهام ليجيبها على نزق:

-سأبحث عن علاج أمي المستورد عند أحد أصدقائي القدامي؛ والذي يعمل بالجمارك، هل لكٍ من أسئلة أخرى؟

كانت تود سؤاله عن اسم الشخص أو إلى متى سيتأخر ولكن لهجته الحادة جعلتها تبتلع كل كلماتها،  لتجيبه باستسلام:

-لا يا عصام، صحبتك السلامة.

رد بصوت هادئ نسبيا ليخفف من حدته:

-لن أتأخر كثيرًا، اذهبي انتي اقضي وقتك مع عزة، ولتفرحي معها بالخبر الجديد:

-اعتدلت بجذعها لتسأله بانتباه:

-أي خبر؟

أجابها من جهته:

-لقد وافق زوجها على اقتراحك اليوم، وسنذهب في نزهة عائلية كما اتفقنا.

-هللت بصوتها تساله بلهفة:

-على حق يا عصام، يعني أنت لا تكذب ولا تضحك علي ككل مرة.

وصلها صوت زفرته عبر الاثير ليردف بغيظ:

-لا  أكذب يا ابتسام هذه المرة، واغلقي هذه المكالمة اللعينة الاَن حتى لا أتأخر على الرجل.

-حسنًا، مع السلامة يا عصام.

أردفت بها قبل إنهاء المكالمة من جانبه، لتنهض سريعًا عن تختها تغمرها الحماسة والبهجة.

فهذه النزهة تحلم بها منذ شهور، ولا تصدق انه وافق  اليوم عليها واخذ أيضًا موافقة زوج عزة،

صفقت بكفيها بسعادة لتذهب نحو خزانة الملابس تنتقي ما يليق بالخروج من ملابس، قبل الذهاب إلى عزة لفعل التجهيزات اللازمة والاتفاق على المكان المقصود.

❈-❈-❈

وفي الشقة المجاورة

خرج عمران من حمام غرفته بعد أخذ حمامه اليومي عقب انتهاء نوبته كطقس روتيني تعود عليه كل صباح قبل أن يخلد للفراش، كان يجفف بمنشفته الصغيرة على شعر رأسه، حينما وصل إليه صوتها في هذا الوقت المبكر.

عقد حاجبيه مندهشًا من قدومها قبل ميعادها بساعة على الأقل، فهذا موعد إفطار عصام كما يعلم ويعرف عن كرهه لأكل الشارع، تناول كرسي مراَة الزينة بهدوء ليجلس ويراقب كعادته من نافذته الصغيرة عبر ثقب الباب الخشبي لغرفته.

-سنخرج معًا يا عزة اَخيرًا وافق المجنون واقنع زوجك أيضًا، أقسم بالله مازالت لا أصدق حتى الآن.

قالتها ابتسام بفرحة تخاطب الأخرى اثناء جلوسهم في الصالة التي توسطت المنزل، تبسمت لها عزة وهي ترد على كلماتها ببهجة ارتدت عليها من فعل الأخرى لتشاكسها:

-حبيتي يا فرحانة، الا تجدي انك تبالغين بحماسك هذا؟ فربما كان يكذب عليكِ  ماذا سيكون وقتها رد فعلك؟.

شهقت فاغرة فاهها بقوة وبصوت عالي مستنكرة جعلت عزة تضحك من قلبها، قبل أن تردف لها:

-اقسم بالله وقتها لن أسامحه أبدًا، بعد أن يعشمني يخلى بي؟

أكملت عزة لتتحدث مابين ضحكاتها:

-وماذا ستجني ان لم تسامحيه بعد أن يصيبك الإحباط واليأس.

-عزة!

هتفت بها توقفها لتردف بحزم

-كفي عن المزاح الثقيل يا امرأة، ولا تفسدي فرحتي.

لقد تعطف علي هذا المتعجرف واتصل ليخبرني عبر الهاتف كي ابشرك ولتفرحي معي أيضًا، افرحي يا امرأة وكفي عن رسم السيناريوهات للبائسة.

سألتها باستغراب:

– ولما يتصل بكِ ليخبرك عبر الهاتف؟ الم تنتهي نوبته هو الاَخر مع عمران، لقد عاد الرجل منذ ساعة، قبل أن يدخل غرفته لينام بها.

ردت ابتسام:

-نعم اعلم، ولكن زوجي خرج في ميعاد ضروري، لقد أخبرني انه سيذهب إلى أحد اصدقائه القدامي كي يأتي له بعلاج والدته المستورد، لأنه يعمل بالجمارك.

-ومنذ متى وزوجك يبحث عن علاج غائب لوالدته؟

سألتها عزة بعفويتها لتُنبه الاَخر بداخل الغرفة على غير قصد، وردت ابتسام تمط بشفتيها:

-لم يذكر لي قبل ذلك، ولكن هذا ما أخبرني به.

صمتت برهة بتفكير في ما قالته عزة، ثم ما لبثت أن تنفض رأسها سريعًا قائلة:

-دعينا في المهم الاَن.

رددت عزة من خلفها لتسأل:

-وما المهم الآن؟

اعتدلت لتردف بغبطة تملأ قلبها:

-أننا نجهز بكل شئ، يعني مثلًا تذهبي أنتٍ من الاَن لخزانتك، تختاري الفستان الذي سترتديه والحجاب المناسب له، والحذاء إن كان يحتاج لتلميع

لابد أن تكوني على اهبة الإستعداد، حتى إذا قال لك زوجك هيا، تكوني منتهية من كل شئ.

اومأت لها عزة بتفهم وابتسامة مرحة:

-فكرة جيدة يا أستاذة ابتسام، وقد اقتنعت.

-إذن فتنهضي وتنفذي في التو واللحظة، وانا أيضًا.

هتفت بها وهي تستقيم واقفة من جوارها، سألتها باستغراب توقفها:

-إلى أين يا مجنونة؟

التفت إليها تجيبها قبل أن تستدير:

-سأتناول فستاني الجديد والذي اخرجته من الخزانة قبل قليل، ثم اقوم بغسله وكيه أيضًا، وبالمرة أضع على وجهي بعض الأقنعة الطبيعية لكي تصبح بشرتي نقيه وصافية وقت الخروج.

ردت عزة ضاحكة لها:

-مجنونة.

.

سمعت منها تبادلها الإبتسام وهي تومئ برأسها، ثم ذهبت نحو شقتها لفعل ما قالته، وفي داخل الغرفة نهض هو أيضًا بعد انتهاء الجلسة ليعيد كرسي مراَة الزينة إلى مكانه الطبيعي، ثم ارتمي على تخته وفراشه وعقله يستعيد سؤال عزة، ويبحث عن إجابة عن المكان الذي ذهب إليه عصام في هذا الوقت صباحًا.

لقد انتهت مناوبتهما وذهب كل واحد في طريقه، هو عاد إلى منزله على الفور والاَخر خرج مغادرًا من باب الخروج نحو الشارع فورًا وكأنه على موعد مهم، لقد ظن بعقله ان يكون ذاهبًا لابتياع شئ من سوق الخضروات خلف المركز، أو يشتري شيئًا اَخر من محل البقالة المقابل لهم،

وقد مرت ليلتهما هذه المرة بجو مشحون يشوبه التوتر، بعد حديثهما عن المرأة اللعوب التي مازال منذ الأمس يذكر نظراتها الجريئة نحوهما، ورغم مزاحه في اول ألليل، إلا أنه قضى معظمه تدخين في السجائر والسير على أقدامه ذهابًا وإياباً في الجزء الذي كان يحرسه بشكل فضح توتره .

انتفض فجأة وعقله عمل بسرعة ليخمن مكان عصام لا بل هو متأكد بنسبة كبيرة، بعد هذه الليلة الطويلة من التوتر وانقلاب حالة من بعد رؤيتها، لابد أنه ذهب إلى المرأة، ولابد انها هي صاحبة الاتصالات المتكررة التي تأتيه بكثرة هذه الأيام .

تنهد يعود لنومته باسترخاء وقد توصل للمعلومة دون جهد،

فهذا الغبي تسير الخطيئة داخل وريده مهما فعل أو أنكر، تنهد يتناول هاتفه، ليكمل ما قطعه الأمس، فلا داعي للإنتظار الاَن، أرسل يبدأ بالتحية؛

-صباح الخير.

لم ينتظر طويلًا حتى أتته رد التحية برسالتها:

-صباح النور.

ليتبع بالرسالة الأخرى وكذبه متقنة:

-أرجو أن تتقبلي أسفي لقطع المحادثة امس دون استئذان، فقد اقتحم أولادي الصغار علي خلوتي وقتها ولم اتمكن بعدها من إمساك الهاتف.

وصله رسالتها:

-أنا أيضًا خمنت ذلك، مع أن ظني ذهب نحو زوجتك، لكن لا بأس

ارسل لها:

-شكرًا جدًا لتفهمك

ردت بواحدة أخرى:

-هذه اول مرة تراسلني صباحًا أليس هذا ميعاد تدريسك في الجامعة؟ أم تكون مناوب في المشفى كما اعرف عنك في هذا الوقت.

تنهد متبسمًا بمرح يبعث برده:

-نعم هذا وقت المناوبة، ولكني استقطعت نصف ساعة من وقتي كي أحدثك، هل تسمحين؟

ضحك ينتظر إجابتها المتوقعة بالنسبة إليه:

-نعم نعم، انا أيضًا تقريبا متفرغة الاَن.

زام بفمه المطبق يفكر في رسالة أخرى تتخطى هذا الحاجز الرسمي قليلًا، ثم أرسل لها:

-إذن ماذا تفعلين؟

❈-❈-❈

نهض عنها ليعطيها  ظهره ثم تناول ملابسه ليرتديها سريغًا بصمت، رافضًا النظر إليها وقد تمكنت بإغوائها له حتى راودته عن نفسه، ليعيد تكرار ذنب قد ظن واهمًا أنه قد تاب عنه.

تناول سيجارة من علبتها لينفث دخانها عبر فتحة صغيرة من النافذه تمكنه من استنشاق هواء الطبيعي من خارج هذه الغرفة الملوثة بكل شئ فيها حتى هواءها، وبنفس الوقت لا تلفت نظر الجيران إليه.

يشعر باختناقه ورغبة قوية في كره نفسه وضعفه، لقد كان مصرًا على رأيه وكان يظن أنه قادر على المقاومة رغم معاناته طوال الليلة الفائته في التفكير المستمر وخلق الأسباب التي تمعنه من الذهاب إليها.

لقد وضع خططًا وأشياء يود فعلها لتلهيه عن التفكير فيها او مطاوعة نفسه للإنسياق خلف العرض المستمر لها، لكن ماذا حدث؟ لا يذكر.

يذكر فقط انتهاء مناوبته وبعدها تحركت اقدامه نحو الخروج واللحاق بأول وسيلة مواصلات أتت به إلى هنا.

ثم يجد نفسها بأحضانها وعلى الفراش الذي اعتاد عليه منذ سنوات، وكأنه عقد مشاركة دائمة مع صاحبه!

انتفض فجأة على لمسة من كفها على ظهره من الخلف ليلتفت إليه بوجهه المتجهم يسألها بحدة:

– ماذا تريدين؟

لم تجيبه ولكنها اكتفت بتناول السيجارة من يده لتنفث منها عدة مرات أمام وجهه مع ابتسامة مغوية تجيدها جيدًا.

ثم استدارت عنه لتسير بخطوات متمهلة واثقة، مع ارتداء منامتها الكاشفة عن مفاتنها بسخاء،

حتى وصلت إلى تختها لتجلس على طرفه واضعة قدم فوق الأخرى وكأنه تناكفه أو هي بالأصل تريد استفزازه وإخراج شياطينه، نعم فهي تبرع في ذلك جيدًا.

تخصر بوقفته أمامها يطالعها بغضب، وصدره يصعد ويهبط بتلاحق أنفاسه الهادرة بتحفز لتجد نفسها مطلقة ضحكة مدوية على هيئته تزيد من استفزازه قبل أن تخاطبه:

-مابك يا راجل؟ لما انقلاب حالك المفاجئ هكذا، بعد أن كنا….

قطعت عن قصد  لترى رد فعله وهي تشير بيدها على التخت، ليشيح بوجهها عنها وكأنه لا يحتمل النظر إليه، لتطلق ضحكة مدوية مرة أخرى مرافقة لقولها:

-إلى هذه الدرجة المنظر بشع؟

زفر يضرب بكفيه على إطار النافذة بعنف جعلها تستشعر غضبه هذه المرة بالفعل، لتقف فجأة وتخاطبه هذه  بجدية مصاحبة لانفعالها:

-كف عن أفعالك الصبيانية هذه يا عصام، فلست وحدي الشيطانة.

التف إليها بوجهه المظلم ليجدها تردد بتأكيد:

– نعم حبيبي هذه معلومة معروفة، فلا تحاول التنصل من ذنبك، هذا لو اعتبرته ذنب.

عقد حاجبيه بشدة يطالعها بدهشة وكأنه يريد تفسير،  فوجدها تجيبه على الفور بسهولة أدهشته:

-لا تعتبره ذنب حتى لا تشعر بتأنيب الضمير.

اعتلى وجهه ابتسامة ساخرة وهو يرد على،كلماتها:

– هكذا وبكل بساطة يا حبيبة، لا اعتبره ذنب وكفى، حتى لا أشعر بتأنيب الضمير،  ما بالك يا امرأة؟ هذه المشاعر كان من الواجب أن تسبق إحساسك عني، فا أنتِ امرأة وانا رجل.

اعتدلت لترد باستهجان:

-وما الفرق بين الرجل والمرأة، في الخطأ المسؤلية تقع على الطرفين، وليس واحدًا فقط كما تظن، فالمرأة الخائنة لم تخن مع نفسها والرجل بالمثل أيضًا.

توقفت بعد أن ظهر على وجهه التأثر. فتنهدت بصوت عالي قبل ان تنهض من محلها وتقترب منه مستطردة باستنكار:

-لما تدخلنا في هذا النقاش الأحمق؟ لم نعكر صفو جلستنا، بعد أن كنا على مقربة من لمس النجوم  منذ قليل..

ظل مطرقًا رأسه نحو الأرض فكلماتها تزيده اختناقًا وشعورًا بالذنب، ولكنها تابعت وهي ترفع بسبابتها وجهه من أسفل ذقنه لتقابل عينيها خاصتيه:

-عصام انظر إلى يا حبيبي، أنا وأنت ناخذ حقنا من الدنيا، متعتنا الوقتية هذه كانت ومازالت هي المخذر الذي ينسينا ما نقاسيه، انا بزواجي في السر من رجل أحمق يكبرني بثلاثين عامًا يظن أنه امتلكني بماله، وأنت بهروبك إلي من عشق امرأة كانت تتمتع بجرح كرامتك بتكبرها وتفوقها عليك.

صمت يستوعب كلماتها التي تمكنت من امتصاص غضبه، ثم قال ردًا على كلماتها:

-ولكن الحياة تعطينا الف

رص، وانا دائمًا ما أحاول التمسك بالفرصة، ونسيان الماضي بكل ما فيه، حتى أنت يا حبيبة، فاأنتِ أيضًا من الماضي

تبسمت بثقة لتجيبه:

-لن تستطيع ولو حاولت، فا أنا أجري بدمك وبداخل أوردتك، لقد قولت لك قبل ذلك، أنت تريدني وأنا أريدك،  والاَن اضيف لك، أنت أبدًا لن تستطيع الاستغناء عني .

….يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *