وادي النسيان بقلم شاهندة ج٤
جورى.
إلتفتت إليها جورية تبتسم إبتسامة باهتة وهي تقول:
جدى نام؟
أومأت جليلة برأسها قائلة:
أيوة..ووصانى نروح نطمن على شقة علا ونشوف لو ناقصها حاجة نكملها..إنتى عارفة إنهم أجلوا الفرح عشان خاطر جدك..وجدك شايل ذنبهم..وعايز يفرح بيهم فى أقرب وقت.
تنهدت جورية قائلة:
جدى ده مفيش منه.
إبتسمت جليلة وهي تومئ برأسها فى هدوء لتقول جورية :
وإمتى بقى هنفرح بيكم ياخالتى ..مش خلاص ..المية رجعت لمجاريها.
إبتسمت جليلة ولكن رغما عنها شاب إبتسامتها بعض الحزن وهي تقول:
صحيح أنا وجدك إعترفنا لبعض باللى فى قلوبنا..بس جدك معرضش علية الجواز..الظاهر إن جوازنا هيفضل حلم فى خيالى وبس ياجورى.
قالت جورية :
تحبى أكلمه؟
قالت جليلة بسرعة:
لأ طبعا..القرار ده لازم يكون نابع من قلبه وبس ياجورى وإلا مش هقبله.
لتحاول أن تنفض تلك الفكرة عن حديثهما مستطردة:
وبعدين متضيعيش وقت كتير ..يلا كلمى علا عشان تيجى معانا الشقة ونشوف ناقصها إيه.
قالت جورية وهي تضرب بيدها على رأسها بخفة:
تليفونى..نسيناه فى البيت من إستعجالنا ولبختنا..
قالت جليلة:
مش مشكلة هنكلمها من تليفونى.
قالت جورية بحنق:
ماهو كان جنب تليفونى وإحنا نزلنا من غير ماناخد حاجة غير شنطة إيدى وبس..واللى فيها الفلوس وجوازات السفر.
خبطت جليلة بيدها على جبينها بخفة بدورها قائلة:
يادى الحوسة..هنعمل إيه دلوقتى؟
قالت جورى بقلق:
ممكن نبعت حد لعلا..بس دى مش المشكلة ..المشكلة فى خالد اللى دلوقتى بيكلمنى ومبردش عليه..أكيد هيكون قلقان علية.
أومأت جليلة برأسها قائلة بأسف:
معاكى حق..
نظرت إليها جورية لثوان قبل أن تنظر إلى شجرة الريحان قائلة فى أسى:
يمكن كدة يكون أحسن..لإنى مكنتش هعرف أكلمه من غير ما أقوله على قرارى الأخير..وده صـ,ـعب بجد أقولهوله فى التليفون..لازم أشوفه ويكون وشى فى وشه ….ويارب أقدر.
نظرت جليلة إلى ملامح جورية الحزينة..لتدرك أن نهاية قصتهما لا ترضيها هي أيضا..ولكنها للأسف هي النهاية الصحيحة لعلاقة حكم عليها القدر بالفـ,ـشل…..او هكذا تظن.
*******************
تمددت ليلة على هذا السرير فى حجرتها الجديدة..ودثرتها لين بالغطاء..لتنظر ليلة إلى محيـ,ـطها موجهة حديثها إلى خالد وهي تقول بحيرة:
إحنا مرجعناش على بيتنا ليه ياخالد..جبتنا هنا ليه؟
تبادل خالد مع لين النظرات ثم نظر إليها قائلا بغموض:
هتعرفى بعدين ياليلة..المهم إنى مش عايز حد يعرف أبدا برجوعنا..مفهوم؟
أومأت برأسها دون أن تنطق لينظر خالد إلى فراس الذى يقف متابعا الحديث فى صمت..ليقول بحزم:
تروح دلوقتى دار النشر بتاعتك وتشوف لو جورية سايبة رسالة هناك..إنت عارف إن عاصم لما بعته يسأل عليها قال إن البواب قاله إنها سابت البيت هي وخالتها..وإنها كانت مستعجلة ومن ساعتها مرجعتش..فالأغلب إنها رجعت المزرعة وسايبالك رسالة بكدة..رغم إنه إحتمال ضعيف ..لكن مفيش أدامى غيره..لو ملقتش رسالة منها ..تطلع على المطار وتسأل عنها وتتأكدلى إنها سافرت فى طيارة الوادى فى اليوم اللى قال عليه البواب..لو مكنش ورايا النهاردة كذا مشوار مهم..كنت سافرت وراها علطول..عموما نفذ اللى قلتلك عليه ورد علية ..مفهوم؟
أومأ فراس برأسه قائلا:
مفهوم.
ثم نظر فراس إلى ليلة يقول لها بشفتيه دون صوت:
مش هتأخر.
أومأت برأسها يعلو وجهها إبتسامة رقيقة..ليبتسم بدوره ولكنه إنتفض على صوت خالد وهو يقول بحدة:
يلا يافراااس.
قال فراس بسرعة:
طيب..طيب..ماشى علطول.
وإلتفت مغادرا بسرعة ..لتقول ليلة بعتاب:
ليه بس كدة ياخالد؟..بالراحة شوية على فراس..هو لسة مخدش على طبعك.
قال خالد بلا مبالاة :
بكرة ياخد.
ثم نظر إلى لين قائلا:
أنا مضطر أمشى دلوقتى ..ورايا شوية حاجات هخلصها وأرجعلكم..لو إحتاجتوا حاجة بلغونى علطول.
أومآ برأسيهما بينما إقترب خالد من ليلة ليميل مقبلا جبهتها بحنان قائلا:
إرتاحيلك حبة وحاولى تنامى.
أومأت برأسها موافقة..ليعتدـ,ـل مقتربا من لين مقبلا رأسها وهو يقول:
مش هوصيكم على بعض..وأنا مش هتأخر..سلام.
ليبتعد مغادرا تتابعه عيون الفتاتين..إحداهما تعلم ما ينتوى أن يفعله خالد…. تماما.
********************
لم تصدق نفسها حين رأت رقمه يزين شاشتها..لتفتح الهاتف على الفور تقول بعتاب إمتزج رغما عنها بالشوق:
كدة برده ..كل ده متكلمنيش؟
قال بمداهنة:
معلش ياقلبى..كنت مشغول أوى..ما إنتى عارفة.
تمددت فى سريرها تمسك خصلة من شعرها تلفها على سبابتها وهي تقول بدلال:
مشغول عنى أنا..حبيبتك شاهيناز.
كاد أن يطلق ضحكة ساخرة ولكنه إمتنع فى اللحظة الأخيرة وهو يقول:
محبتش أكلمك غير وأنا محضرلك مفاجأة.
لمعت عيناها وهي تقول:
مفاجأة؟؟
قال بصوت ظهرت فيه إبتسامته:
أنا جيت القاهرة.
إعتدلت بسرعة وظهرت الفرحة جلية على ملامحها وهي تقول:
إنت بتتكلم جد يا مؤيد؟؟
قال مؤيد:
طبعا بتكلم جد..أصلك وحشتينى أوى..ومستنيكى فى أي وقت..ها..فاضية إمتى؟
قالت بلهفة:
دلوقتى حالا طبعا.
قال بصوت ظهرت به سخريته رغما عنه وهو يقول:
تمام أوى..تنورينى ياقطة..سلام.
أغلقت الهاتف بسعادة فلم تلاحظ نبراته الساخرة من فرط سعادتها..لتهبط من على السـ,ـرير بلهفة..تسرع إلى دولاب ملابسها ..تختار منه ما يناسب هذا الميعاد المصيري..مع حبيب قلبها….مؤيد.
********************
كان خالد يقود السيارة يحاول تفادى الزحام فى تلك المنطقة بهذا الوقت..يشعر بالتوتر فى جميع أنحاء جسده..فاليوم لديه العديد من المـ,ـشكلات والتى يجب أن يضع لهم جميعا حلا..وقد بدأ بالمشكلة الكبرى فى حياته..شاهيناز..لقد طلقها الآن وأصبح حرا..حرا أخيرا ليستطيع الإقتراب من حبيبته دون أن تخشى شيئا من ماضيه..حرا ليتبع قلبه.. لتتبقى أمامه فقط مشكلة بسيطة بالعمل وسيعمل على حلها اليوم أيضا أما المشكلة التى يرغب لها فى حل ولكن إرتباطاته اليوم تمنعه من أن يسعى إلى حلها..هي معرفة مكان جورية..ورغم ثقته بوجودها فى المكان الذى يلى شقتها هنا فى القاهرة أهمية لديها(المزرعة)..إلا أنه يتعجب من سفرها إلى الوادى بعد ما حدث فى المرة الأخيرة..يتساءل فى صمت..ترى هل حدث شئ هناك إضطرها للذهاب؟
كاد أن يصطدم بالسيارة التى أمامه ليتفاداها بصعوبة وهو يخبر نفسه بأن عليه تنحية أفكاره جانبيا وهو يقود..وإلا حدث حقا ما لا يحمد عقباه.
********************
إقترب فراس من ليلة يجلس بجوارها قائلا بهدوء:
ياستى قلتلك متقلقيش..هي صحيح مسابتليش رسالة فى الدار..بس ده عشان كانت مـ,ـستعجلة زي ما البواب قال..بس أنا إتأكدت بنفسى إنها سافرت الوادى.
قالت ليلة:
ما هو إستعجالها ده اللى قالقنى ومش مريحنى..تفتكر جدها كلمها وهددها يا تيجى الوادى وتتجوز اللى هو إختارهولها يايحرمها من الميراث؟
خبط فراس على رأسه بخفة قائلا:
يادى الروايات اللى لحست دماغك دى..الكلام ده مبيحصلش فى الحقيقة يا ماما..
قالت بعناد:
أولا إنت اللى بتنشر الروايات اللى لحست دماغى يافراس..ثانيا..الحاجات دى بتحصل..إش فهمك إنت؟أومال هم بيجيبوا الكلام ده منين؟
إبتسم قائلا:
من خيالهم ياقلبى..ثم تعالى هنا..لنفترض مثلا إن ده بيحصل فى الحقيقة..فى حالة جورية مستحيل يحصل..لإن لا جدها ممكن يغصب عليها فى الجواز..وإلا كان غصب عليها من زمان..ولا جورية ممكن تتأثر بتهـ,ـديد زي ده..ساعتها هتقوله إحرمنى من الميراث ياعم الحاج..
جورية ميهمهاش الفلوس ..أهم حاجة عندها قلبها واللى بتمشى وراه وموديها فى داهية دايما.
مطت ليلة شفـ,ـتيها بحـ,ـزن قائلة:
وهو خالد داهية برده يافراس؟
نظر فراس إلى شفتيها الممطوطتين بعيون غائمة من المشاعر ليقول بصوت ظهرت فيه مشاعره:
أنا ياستى اللى داهية بس أبوس إيدك إرحمينى وخدى بالك من تصرفاتك شوية..أنا ماسك نفسى بالعافية.
مررت لسانها على شفتيها تشعر بجفاف فى حلقها من نظراته التى إنصبت عليها لتقول بحيرة:
وأنا عملت إيه بس؟
جاءت حركتها تلك لتقضى على كل ذرة مقاومة لديه ليقتـ,ـرب من شفـ,ـتيها يخبرها بطريقة عملية ما الذى فعلته لتجعله يتلـ,ـظى بنيران الشوق إليها.
********************
كانت لين تجلس فى حجرتها بعد أن تركت حجرة أختها عندما جاء فراس..تشعر بأنها تقف بينهم كعزول أو شرطي حراسة..أحست بالخجل فإنسحبت بهدوء وإتجهت إلى حجرتها..ترجع بذاكرتها إلى الوراء ..إلى أيامها مع مؤيد حيث كان الحب يظلل بجناحيه عليهما كما يفعل الآن مع أختها وزوجها..تندم بشدة لإستسلامها لسموم تلك الأفعى والتى تركتها تسمم حياتهـ,ـا..وتـ,ـتلها بالبطئ..مدت يدها وأخرجت سلسالها الذهبي من داخل ياقة فستانها..تنظر إلى ذلك القلب الذى يتوسطه ..لتفـ,ـتحه بتردد..تنظر إلى تلك الصورة بداخله..كانت صورة لها مع مؤيد..تحمل نظرات الحب بينهما وتلتمع العيون بسعادة لطالما ظللت حياتهما..نفس الصورة التى تقبع على مدفأة منزلهما….تقصد ما كان منزلهما..ترى هل أزال تلك الصور ؟هل مزقها أم أحرقها…..أم إحتفظ بها؟لا تدرى حقا..رفعت إصبعها تمرره على وجه حبيبها بحنان..كم إشتاقت إليه حقا..إشتاقت لكلماته ..لتدليله إياها..لأنفاسه التى لطالما إمتزجت بأنفاسها..لحضنه..مأواها وملجأها..إشـ,ـتاقت إليه بكل ذرة فى كيانها..ترى هل إشتاق إليها بدوره؟وأين هو الآن؟
إنها تبغى قربا مستحيلا..ولكنها ستظل تأمل فى أن يجمعها به القدر يوما بإرادته أو حتى…… رغما عنه.
الفصل التاسع والعشرون
كل قسوة منك ستذوب…فأنا أنثى من حرير
في قلبي لمعت نجوم عينيك و حب عتيق
بالله عليك كيف تهنأ و أذبح انا بلوعة حنين
أما لاحت لك شظايا أشواق كمشاعل حريق
تخترق الحواجز و تلهب آهات أيام و سنين
أمسك بقلبي و ذراعي فأنت البعيد قريب
خلت بعدك الأماكن و ما غيرك لقلبي أنيس
بقلم..نور محمد
*****************
وقفت شاهيناز على باب شقة مؤيد..ترن جرس الباب بلهفة..ليفتح لها مؤيد الباب..إبتسمت وعيونها تلمع بإعجاب وهي تراه بلباسه المنزلي المريح ..ينظر إليها مبتسما بدوره..مفسحا لها الطريق لتدخل إلى شـ,ـقته..وما إن أغلق الباب خلفها حتى إندفعت إلى حضـ,ـنه تضـ,ـمه بقوة قائلة:
وحشـ,ـتنى.
تفاجأ مؤيد من فعلتها تلك ولكنه تمالك نفسه بسرعة وهو يدفعها عنه برفق لتنظر إليه بحيرة..قبل أن تعقد حاجبيها قائلة:
هو أنا موحشتكش ولا إيه؟
إبتسم قائلا:
وحشتينى طبعا..بس إنتى أكيد عارفة عنى إنى مبلمسش واحدة متجوزة..ولا شكلك نسيتى ياشاهي؟
قالت فى حنق:
لأ منستش..بس إنت عارف إنى هطلب الطلاق من خالد أول ما ييجى من السفر..وساعتها هكون حرة.
أشار لها بالتقدم قائلا:
لغاية ما تكونى حرة ياشاهى..مش هقدر ألمسك لإنى لو لمـ,ـستك مش هسيبك وإنتى عارفة.
تجاهلت إشارته وهي تتقدم منه قائلة:
ومين قالك بس تسيبنى؟
أوقفها مؤيد بإشارة من يده ونبرة صوت صارمة رغم توتره من جرأتها وهو يقول:
شاهي..
توقفت فى مكانها وهي ترفع يديها فى الهواء قائلة:
خلاص خلاص..زي ماتحب.
وإلتفتت تتجه إلى الأريكة..تخلع عنها جاكيت فستانها وتلقيه بإهمال عليها قبل أن تجلس بهدوء ليتقدم بدوره ويجلس على مقعد فى مواجهتها..ظهر الإحباط على وجهها ولكنها قالت بهدوء:
قريب وقريب أوى هتكون لية يامؤيد..خلاص هانت..مبقاش فاضل كتير.
نظر إليها قائلا بإبتسامة ساخرة:
زي ما قلتى ياشاهي..هانت خلاص ومبقاش فاضل كتير..
عقدت حاجبيها قائلة:
إنت مش على طبيعتك يامؤيد..أوعى تكون عرفت واحدة فى إسكندرية وده خلى مـ,ـشاعرك تتغير؟
تراجع مؤيد يستند إلى ظهر مقعده قائلا بإسترخاء:
ده كان زمان..أنا إتغيرت..ودلوقتى مفيش بنت تقدر تهز شعرة منى.
قالت شاهيناز بحقد:
إتغيرت فعلا يامؤيد..مش عارفة بنت نصار عملتلك إيه؟..زي ماتكون سحرتلك..غيرتك من مؤيد اللى كان مدوب البنات وراه لمؤيد الاستريت..اللى مش وراه غير بيته وشغله وبس..
تجمد مؤيد عند ذكر لين وإعتدل عاقدا حاجبيه قائلا بحزم:
مبلاش السيرة دى..متقليبيهاش غم ياشاهي.
قالت شاهيناز بإبتسامة:
معاك حق..أنا مبكرهش فى حياتى أدها عشان خدتك منى..بس يمكن الحاجة الوحيدة اللى طلعت كويسة من موضوعها إنى بطلت أفكر فى مـ,ـصايب لصاحباتك اللى تعرفهم..انا كنت مرة هـ,ـتل واحدة منهم ..بس انت سبتها قبل ما أقربلها..حظها بقى.ـ,ـ
قال مؤيد بإبتسامة يوارى بها شعورا مريعا بالإشمئزاز من تلك المرأة المريضة:
أد كدة كنتى بتحبينى ياشاهى..إزاي بس كنت أعمى ومشفتش حبك ده؟
نهضت شاهيناز وجلست على ركبتيها أمامه..تمسك يديه..قائلة بعشق:
