وادي النسيان بقلم شاهندة ج٤

ريم تبقى بنتى أنا؟؟

كادت شاهيناز أن تتحدث حين قاطعها صوت يأتى من خلفها قائلا بصرامة:
كنت متأكد على فكرة .

إلتفتت شاهيناز بحدة تنظر إلى صاحب الصوت لتجده خالد يرمقها بوجه جليدي الملامح..تدرك الآن أنه فى قمة غـ,ـضبه..لتقول بصوت مهزوز:
خ..خا..خالد.

إقترب منها خالد قائلا بنبرة حادة كالسيف تقطر غضبا:
أيوة خالد..خالد اللى إستحمل قرفك ..سامحك لما عرف بغـ,ـلطتك قبل الجواز..كمل معاكى وإداكى أكتر من فرصة عشان تبقى واحدة محترمة ونضيفة..بس مع الأسف ..اللى جاي من الوحل بيفضل طول عمره فى الوحل.

قالت بإضطـ,ـراب :
ياخالد أنا….

هدر قائلا بصوت صارم:
إنتى إيه ..ها؟إنتى واحدة حقيرة مكتفتش بإنها قربت من حبيبها بالغش..وحملت منه..لأ..راحت إتجوزت غيره ونسبت بنته ليه..وده طبعا مش كفاية عليها ..راحت كمان فرقت بين حبيبها ومراته..عشان يرجع ليها من تانى..تفكير مريض من واحدة مريضة..أنا عايز بس أسألك..ذنب ريم إيه؟..ذنب لين إيه؟..ذنب مؤيد إيه؟وذنبى أنا إيييييه؟

صرخت قائلة:
كلكم مذنبين..كلكم مذنبين..

أشارت إلى مؤيد الذى مازالت علامات الصدمة واضحة جلية على ملامحه..قائلة:
ذنبه إنه محسش بية وبحبى ليه ..وسابنى بعد ما غلط معاه..حتى لو كنت أنا السبب..فكان لازم على الأقل يستر علية ويشوف لو الليلة دى كانت نتيجتها طفل..وذنب لين إنها خطفته منى ومبصتش لماضيه قبل ما تتجوزه وذنبك انت عشان حسستتى إنك متجوزنى خلاصة حق..وإنك بتشفق علية مش أكتر..أما ريم
فذنبها إنى أنا أبقى مامتها ومؤيد يبقى باباها..يبقى باباها ياخالد.

نظر إليها خالد بإحتقار قائلا:
متجيبيش الذنب علينا..الغلطة غلطتك من البداية..طول عمرى حاسس إن جوازى منك كان أكبر غلطة فى حياتى..والحمد لله إنى خلصت من الغلطة دى النهاردة..وعلى فكرة منصدمتش فيكى ولا إنصدمت من موضوع ريم..من أول مامؤيد ولين قالولى وأنا كنت متأكد من إن ريم هي البنت اللى انتى خدتى منها العينة..كل الشواهد كانت بتقول كدة..بس كنت محتاج إعترافك عشان أحرمك منها وأحرمك من كل حاجة حلمتى تاخديها ياشاهيناز.

ليشير إلى الكاميرات قائلا :
والحمد لله إتفقت مع مؤيد ليلة سفرى لباريس مع ليلة..انى أكون موجود وهو بيخليكى تعترفى بجرايمك..و قدرت معاه آخد إعترافك كله وأصوره صوت وصورة.

ليخرج من جيبه ورقة الطلاق الخاصة بها..يلقيها فى وجهها المصدوم من كلماته وهو يقول:
دلوقتى أقدر أقول إنى إتحررت منك..وحققت إنتقامى..إنتى طالق ياشاهيناز..طالق..طالق.

نظرت إليه شاهيناز بصدمة ثم نظرت إلى مؤيد الجالس على كرسيه منهك القوى..لتقول له بهذيان:
مؤيد الكلام ده صح؟إنت كنت متفق معاه؟عشان خاطرى قولى إن كل اللى قاله ده غلط..قول إنه مش صح..قول إنك مخونتنيش يامؤيد..قووول.

رفع مؤيد عيونه إليها يظهر الكره فى طياتهما وهو يقول بحقد:
هقول ياشاهيناز..هقول إنك أحقر بنى آدمة شفتها فى حياتى..وإنى مبكرهش فى حياتى أدك إنتى..ياريتنى ما قابلتك ولا عرفتك..روحى ياشيخة منك لله.

نقلت شاهيناز عيونها بين خالد ومؤيد..لتطرق برأسها فى إنكسار تنهمر دموعها على وجهها وهي تبتعد بسرعة خارجة من الشقة تتابعها عيون كل من خالد ومؤيد النافرة الغاضبة المحتقرة..وما إن غادرت حتى إلتفت إلي خالد إلى مؤيد الجالس بإنكسار ليشعر خالد بالشفقة عليه..إقترب منه خالد قائلا:
إنت كويس يامؤيد؟

رفع إليه مؤيد عينان دامعتان وهو يقول:
وهكون كويس إزاي بعد اللى عرفته ده ياخالد؟بنتى كانت أدامى طول الوقت ده وأنا محروم منها ومحروم من كلمة بابا اللى حلمت بيها عمر بحاله..أنا مش قادر أستوعب المفاجأة.

قال خالد برفق:
أنا كمان كنت زيك..ضربة قوية خدناها بس الضربة اللى مبتموتش بتقوى يامؤيد..وأنا عايزك قوى عشان خاطر ريم.

قال مؤيد:
تفتكر هقدر أواجهها بالحقيقة دى؟

قال خالد بحزم:
لازم نواجهها مع بعض ونمهدلها الموضوع ولازم كل حاجة غلط تتصلح يامؤيد..ما بني على باطل فهو باطل..ريم هتفضل بنتى طول العمر..الأبوة مش بالدم..بالعشرة والتربية.. بس لازم كمان تعرف إنك باباها..صحيح مش هينفع نقولها الحقيقة مرة واحدة..وهنجيبهالها بالتدريج..بس أنا واثق ان ريم هتقدر تستوعبها وتستحملها..ريم بنت ذكية..وميتخافش عليها..صدقنى.

نظر مؤيد إلى عيون خالد الواثقة القوية ليستمد قوته منهما..يومئ برأسه بهدوء….وراحة.

********************

وقفت شاهيناز فى هذا الوقت المتأخر تتطلع بصمت إلى صفحة النيل العميقة أمامها..تتطلع إلى مياهه السوداء تماما كقلبها الآن..قد خلقه الله صافيا فلوثه البشر..كذلك كان قلبها فى صغرها قبل أن تلوثه أفعال أباها وأمها..فلم تخبر أحدا قط عن نشأتها المتواضعة فى منزل بحي فقير من أحياء القاهرة..لاقت من أبيها تعذيبا وقسوة ولاقت من أمها إهمالا ولا مبالاة بما يحدث لها..لتنشأ حاقدة كارهة لهما..تمتلئ نفسها بالحقد أيضا على أقرانها ممن يمتلكون حياة طبيعية تختلف عنها..لتكون الطامة الكبرى حين ـ,ـتل أباها شريكه فى التجارة وسرق المال..هكذا سمعته يخبر أمها فى تلك الليلة المشئومة..ليصبح بعدها والدها هو توفيق حسان صاحب الشركة التى حولها بالرشاوى والفساد إلى شركة مشهورة..لتنغمس والدتها فى الحفلات تاركة إبنتها تضيع ..تشرب المخدرات وتنتقل من أحضان رجل لآخر غير آبهة بأي شئ ..ليتوفى والدها وتتزوج والدتها بعده عدة مرات..حتى حينها لم تبالى شاهيناز سوى بنفسها فقط..وليذهب الجميع إلى الجحيم..لتستيقظ يوما فى المستشفى يخبرونها أنها كادت أن تموت بجرعة زائدة من الهيروين..وكالعادة وفى أي مصيبة لها وجدت نفسها وحدها تماما..لتقرر الإقلاع عن المخدرات وقد وجدت نفسها فجأة تحب الحياة..وبالفعل أقلعت عن المخدرات بعزيمة وإرادة..وحينها تزوجت والدتها بوالدة مؤيد وأصبح لديها إدمان من نوع آخر.. إسمه مؤيد..أحبته كثيرا بكل كينونته..مميزاته وعيوبه..وسامته وإستهتاره..عقله وجنونه..ولكنه لم يراها..ولن يراها قط..لتدرك فجأة أنها لن تشفى تلك المرة من الإدمان ولن تستطع الإقلاع عن حبه أبدا..سوى بالموت..نعم الموت..ربما هو الحل الوحيد لكل عقدها ..فربما لو ماتت ما شعرت بهذا الألم الذى يعتصر قلبها الآن بقوة..ولإبتعدت عن حياة طفلتها فلا تنشأ مثلها..رغم أنها تدرك أن خالد ومؤيد سيحرمانها منها بالتأكيد..وحتى إن تركوها تراها فماذا ستقول لها عن سبب إنفصالها عن خالد وماذا ستقول لها عن مؤيد؟لقد خربت حياتها بالكامل وخسرت كل شئ..إذا فلتخسر حياتها بدورها..فلاشئ فيها قد يجعلها تتمسك بتلك الحياة الغريبة البائسة..صعدت على السور بسرعة ونظرت إلى المياه المتلاطمة بخوف ولكنها مالبثت أن أغمضت عينيها وهي تقفز فى المياه..أحست بالمياه تغمرها..تخنقها ..تسحب أنفاسها وتزهق روحها..حاولت التمسك بحياة تنساب من بين يديها.. ومقاومة تيار المياه ولكنها كانت أضعف من أن تقاومها لتضعف مقاومتها رويدا رويدا حتى خفتت تماما وغاصت إلى الأعماق.. وإختفت تماما من على سطح الماء..لترحل شاهيناز وقد خسرت دنياها وآخرتها.. نسيت فى غفلة منها أننا مهما عانينا فى تلك الدنيا الفانية فعلينا أن نتمسك بالأمل فى الله وأن نرجوا منه فرجا لهمومنا.. فالمنتحر قانط من رحمة الله.. مثواه جهنم ……وبئس المصير.

الفصل الثلاثون

ويوماً ما ستأخذنى بدرب الحب ننسانا ..
سأجلس على أرجوحة أنت صانعها تفلتها لتعود يديك تلقاها …
سنجوب عالم الكذب سيطوف حولنا الحزن لتكون النجاة يوم لقائنا الحافل فننسي كل ما كان ..
وعلى شرفات الانتظار سأبقى أفكر فى البعد يوماً لكن للقرب منك بالقلب قراراً..
خيالاً كنت أم وهماً سانتظر أن تأتى من الغيمات بأمطار تزرع على حدود صبرى أزهاراً..
بقلم..حنان صلاح

**************

جلس مؤيد فلم تعد قدماه قادرتان على حمله من هول الصدمة قائلا:
إحنا السبب ياخالد..صح؟

جلس خالد بجواره يغمض عينيه ويضع إصبعيه السبابة والإبهام على ذلك الجسر مابين عيناه يقول بحزن:
لأ مش إحنا..ده قدرها..ومتحملش نفسك فوق طاقتها يامؤيد..اللى زي شاهيناز بتكون نهايتهم كدة وأسوأ من كدة كمان.

نظر إليه مؤيد قائلا بمرارة:
مفيش أسوأ من كدة ياخالد..دى ماتت منتحرة يعنى خسرت دنيتها وآخرتها وخليتنى أعيش طول العمر بذنبها..أفكر لو بس كنت خدت بالى من تصرفاتى معاها..لو كنت فهمتها بالراحة إنى مش ممكن أكون وياها ..لو كنت حاولت أصلح غلطتى..جايز كانت….

فتح خالد عينيه و نظر إليه قائلا بحزم:
متفتحش للشيطان مكان يدخل لأفكارك منه..زي ما شاهيناز فتحتله وخلاها تفتكر إنها بكل اللى عملته تقدر تحقق اللى هي عايزاه..خلاها تتصور إن حتى بموتها هتقدر تنهى الفضيحة اللى كانت هتطولها لو حد عرف باللى هي عملته..سمعت كلام الشيطان اللى خلاها أنانية حتى فى موتها .. مفكرتش للحظة واحدة ممكن يأثر على بنتها إزاي؟
للأسف يامؤيد الشيطان لو إتمكن من أفكارنا هيودينا فى سكك مكناش نتصور إن إحنا نوصلها..ولا كنا نتخيل إن الحاجات دى ممكن تحصلنا..قاوم شيطانك يامؤيد بالإستغفار..واطلب ليها الرحمة..ده اللى فى إيدينا ليها دلوقتى .

أومأ مؤيد برأسه ثم فرك وجهه بيديه وهو يقول:
أستغفر الله العظيم..ربنا يرحمها ويغفر لها ويغفر لنا جميعا.

ربت خالد على فخذ مؤيد قائلا:
يارب ..قوم بقى إغسل وشك وتعالى معايا عشان هندفنها..ونعملها كمان فى البيت صوان عزا..أنا قدرت ألم الموضوع بسرعة عشان الفضايح وإتكتب فى المحضر إن موتها كان قضاء وقدر..كانت بتميل تتفرج على مية النيل..فقدت توازنها ووقعت..مش عايز أفتح علينا ألف باب..وأشوه سمعتها وسمعة ريم بنتها..هي خلاص ماتت..ربنا يغفر لها بقى.

عقد مؤيد حاجبيه قائلا:
والشريط اللى معانا؟

قال خالد:
وريته للين ..هي الوحيدة اللى كان من حقها تشوفه..وده كان كمان قبل ما أعرف بخبر موت شاهيناز..دلوقتى هي ماتت والشريط ده مليان بذنوبها..كسرته طبعا..هعمل بيه إيه؟

أومأ مؤيد برأسه قائلا:
معاك حق..الشريط ده كان دليل برائتى أدام أختك..وآداة فى إيدك لو شاهيناز طالبت بحضانة ريم..خلاص فعلا، مبقاش ليه أي لازمة..يلا بينا ياخالد..خلينا نقفل صفحة الماضى بحلوها ومرها.

أومأ خالد برأسه موافقا فى ….صمت

********************

إنتهى العزاء سريعا وكأن الأيام لا تريد أن تتمهل..لتمنح أبطالنا فرصة لمداواة جروحهم القديمة وأحزانهم الحالية..ليقف خالد مودعا مؤيد الذى قال:
أشوف وشك بخير ياخالد.

قال خالد بهدوء:
لسة مصمم تسافر وتسيب البلد؟

أومأ مؤيد برأسه قائلا:
مش هينفع أعمل أي حاجة غير كدة..كل حاجة هنا هتفكرنى بالماضى اللى عايز أنساه..أنا خلاص عملت اللى كنت قاعد علشانه وأثبت برائتى أدام الكل..هقعد ليه تانى؟

قال خالد :
طب وشغلك فى إسكندرية..و ريم؟

قال مؤيد بألم ظهر فى عينيه:
إحنا مكناش لسة خلصنا ورق الشركة فى إسكندرية..يعنى مش هنخسر حاجة..ولو نبيل حابب يكمل عشان سها هيكمل ويختارله شريك غيرى..أما ريم فمن الأحسن ليها إنها تفضل مفكراك باباها أحسن ما أصدمها من دلوقتى وأخليها معقدة نفسيا..جايز مع الأيام أرجع وأفهمها الحقيقة ..بس الأكيد إنى مش هقدر أقولها أي حاجة دلوقتى.

تنهد خالد قائلا:
أنا مش معاك يامؤيد فى قرارك..بس هسكت على أمل إنك تقتنع لوحدك بإن وجودك معانا هو أنسب قرار ممكن تاخده.

ربت مؤيد على كتف خالد قائلا:
معتقدش..أشوفك بخير ياخالد..هروح أودع ريم وأمشى علطول.

قال خالد بدهشة:
إنت هتسافر باريس النهاردة؟

إبتسم مؤيد بهدوء وهو يقول :
لأ..لسة هلغى كل حاجة فى إسكندرية الأول..فهسافر بكرة إسكندرية أخلص كل حاجة وبعدين هسافر على باريس علطول.

إبتسم خالد قائلا:
ربنا يوفقك يامؤيد.

إبتسم مؤيد إبتسامة باهتة ثم تركه مغادرا بخطوات سريعة ..لينظر خالد فى إثره قبل أن يتنهد ويذهب فى الطريق المعاكس ليستنشق بعض الهواء ..فقط يريد بعض الهواء ..يشعر بالإختناق لما آلت إليه الأمور ..يود لو إختلفت تلك الأمور قليلا..ولكنه القدر..وهو نفسه ذلك القدر الذى سيحمله فى الغد إلى محبوبته ليريح قلبه المعذب فى بعدها ويفضى لها بمكنون صدره..

بينما تابعت عيون تحمل العشق والإصرار مؤيد وهو يودع طفلته بعيون غشيتها الدموع..لتهز رأسها تنوى تغيير خططه كلية بعد أن إستمعت لحديثه مع أخيها لتقول بهمس وإصرار:
مش ممكن هكرر غلطة زمان وأسيبك تمشى من غير ما أصارحك باللى جوايا يامؤيد..وساعتها القرار هيكون فى إيدك ياتـ,ـتلنى بسـ,ـكينة بعدك.. ياترحمنى وتسيبنى أعيش.

********************

قال خالد لليلة عندما رآها تغلق هاتفها وهي تزفر بعمق :
لسة بتتصل بيكى؟

قالت ليلة بحنق:
أيوة ولسة مبردش عليها زي ما قلتلى وعلى فكرة ده هيقلقها ومش بعيد يجيبها القاهرة.

قال خالد بغموض:
مش هتلحق.

إتسعت عينا ليلة بفرح قائلا:
هتسافرلها …صح؟

إبتسم قائلا:
بكرة الصبح علطول..مش هوصيكى على ريم..خدى بالك منها إنتى ولين..

إتسعت إبتسامتها قائلة:
فى عينينا ياخالد..متنساش توصل سلامى ليها ومترجعش من غيرها.

إتسعت إبتسامته وهو يقول بعزم:
هيحصل ياليلة..هيحصل.

********************

إقترب خالد من طفلته النائمة بهدوء..نعم طفلته ..يدرك أن الأبوة ليست بالجينات ولكنها بالشعور..لقد ولدت على يديه..وكان بجوارها أثناء نشأتها..يوم بيوم وسنة بسنة..حتى عندما أفاق من غيبوبته فى تلك المستشفى ..ورغم تخبطه من إدراكه بمرور عام كامل لا يدرى كيف مر وهل كان فى الغيبوبة طوال ذلك العام أم كيف مر عليه دون أن يدرى أو يعلم أحد فى المستشفى عنه شيئا ؟..إلا أنه ترك تخبطه وأفكاره على جنب وهو يسرع إلى المنزل..يفتقد بشدة رؤية طفلته الحبيبة ريم..تلك التى لم تفارق صورتها خياله طوال الطريق ولم يشعر بالراحة أبدا حتى ضمها بين حضنه..يشبع توقه إليها..
عاد من رحلة الذكريات إلى أرض الواقع وهو يتأمل ملامح ريم الجميلة..يرى الآن تشابه ذقنها مع ذقن أباها..أما باقى ملامحها فتشبه أمها بشدة..تنهد قائلا بحزن:
إنتى بنتى ياريم..مهما حصل هتفضلى بنتى ياحبيبتى.

ثم دثرها بحنان ومال مقبلا جبهتها برقة ليعتدل ويراها تنظر إليه بعيونها الدخانية الجميلة بنظرة حزينة دامعة..جلس على الفور بقربها قائلا:
مالك ياقلب بابى ؟فيكى إيه؟

إعتدلت جالسة وهي تقول له بصوت متهدج:
إنت مقلتش الحقيقة يابابى ..خبيت علية ..صح؟

نظر إلى عمق عينيها فى وجل قائلا:
خبيت عليكى إيه ياحبيبتى؟

قالت ريم بحزن:
قلتلى مامى سافرت..بس مامى مسافرتش..صح؟

لم يستطع أن يكذب عليها مجددا ..خاصة وهي ترمقه بتلك النظرة ليومئ برأسه فى هدوء..لتستطرد ريم قائلة:
مامى ماتت وراحت عند ربنا زي ماسمعت دادة فريدة وهي بتقول لدادة سناء ..مامى ماتت زي مامة نودى صاحبتى..صح يابابى؟

أومأ برأسه مجددا لتنهمر الدموع من عينيها قائلة:
يعنى أنا مش هشوفها تانى يابابى..ومش هلعب معاها؟مش هتقولى تانى ياأميرتى الحلوة؟

ضمها خالد بين ذراعيه بسرعة..يربت عل رأسها بحنان وهو يقول بحزن:
مامى فى مكان أحسن ياحبيبتى وأنا هنا..مش هسيبك..هكون ليكى مامى وبابى..هلعب معاكى وهقولك كمان ياأميرتى الحلوة.

ثم أخرجها من حضنه ناظرا إلى عينيها بثبات وهو يقول:
مش أنا بس..آنطى ليلة وآنطى لين وآنطى جورية كمان..كلنا جنبك ومعاكى ومش هنسيبك أبدا.

ليصمت لثانية يتأكد من إستيعاب طفلته لكلماته قبل أن يستطرد قائلا:
أنا عارف إنك زعلانة ياريم..عشان مامى مش معانا..بس لازم تعرفى إن كلنا فى يوم من الأيام هنروح لربنا احنا كمان..هي دى الدنيا ياريم..كلنا هنموت..وهنتجمع تانى فى الجنة وعشان تكونى مع مامى وبابى فى الجنة لازم تكونى بنوتة طيوبة وتسمعى الكلام..اوعدينى ياريم..اوعدينى إنك هتكونى بنت بابى الشاطرة اللى هتسـ,ـمع الكلام.

قالت ريم بصوت ضعيف:
أوعدك يابابى.

مد خالد يديه يمسح دموع ريم وهو يقول بحنان:
عايز أشوف إبتسامة ريمو الحلوة عشان بابى مسافر بكرة ومش عايز يمشى من غير ما يطمن على بنوته.

عقدت ريم حاجبيها قائلة:
مسافر فين يابابى؟

إبتسم قائلا:
هسافر أجيب مس جورية تعيش معانا ياريمو..إيه رأيك؟

شعت عيون ريم بالسعادة وهي تقول :
ياريت يابابى ياريت.

إبتسم ليقبلها فى جبهتها مجددا ثم يقول:
طب نامى بقى وإسمعى كلام عماتك وأنا مسافر..عشان أرجع بسرعة ومتأخرش..إتفقنا؟

أومأت ريم برأسها ثم تمددت على السـ,ـرير ليدثرها خالد بالغطاء ثم يتجه إلى الخارج ليستوقفه صوتها وهي تقول :
بابى.

إلتفت إليها بتساؤل لتستطرد قائلة:
متنساش تدعى لمامى بالرحمة..وتقول الله يرحمك يامامة ريم ..مس سوزان قالت لنا نقول كدة لما مامة نودى ماتت..وقالت إن الدعاء ليهم بالرحمة حاجة حلوة وبتسعدهم وتعرفهم إن إحنا كمان بنحبهم.

إبتسم خالد بحنان قائلا:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *