وادي النسيان بقلم شاهندة ج٤

أغلقت جورية الهاتف لتشرد فى قصتها مع خالد..كلما إقتربت منه أكثر ..عشقها أكثر وظهر عشقه فى نبراته وكلماته..فتلك المحادثة الأخيرة بينهما..قد عبثت بذرات كيانها تستشعر شوقه العميق لها وإستسلامه التام لعشقها..فلم تخلو عبارة له من دليل على ذلك..كلفظ تدليل لها ..أو إشارة لشوقه لرؤيتها..أو طلبه منها بأن تحافظ على روحها من أجله..وهي تضعف أمام عشقه وإهتمامه..تبا ..هي بدورها تستسلم له..تضرب بأفكارها عرض الحائط..تظهر لها صورة ريم وشاهيناز بجواره فتنحيها جانبا..مخبرة نفسها أن شاهيناز لا تحبه ولا تهتم به فإن كانت تفعل.. ما تركته وحيد فى سفرته تلك..يعانى القلق والخوف على أخته وحده..بل لساندته وكانت إلى جواره وجوار أخته تدعمهما بقوة..ورغم أن الصغيرة هي الضحية حقا فى قصتهما تلك لكنها تثق بخالد فى أنه سيستطيع تدبر الأمر..نعم..لقد خشيت عليه دائما بمعرفة ماضيه معها خوفا على عائلته من الإنهيار..إدعت أن فهد خطيبها المتوفى حتى لا يبحث أكثر عن الحقيقة ..أما الآن فلا داع لذلك..ستخبره الحقيقة كاملة ما إن تراه مجددا..وستدع القدر يكتب النهاية لقصتها.

أفاقت من شرودها على صوت خالتها وهي تقول بحنان:
بتفكرى فى إيه ياجورى؟

نظرت جورية إلى وجه خالتها الذى يظهر حنينها إلى جدها وحزنها منه من تلك العيون التى حاولت جاهدة أن تخفى عبراتها ولكن إنتفاخهما كان خير دليل على بكاءها..لتقول بحنان يمتزج بالحزن:
واحشك ..مش كدة؟

نظرت إليه خالتها تدرك جيدا من تتحدث عنه جورية لتقول بصوت رغما عنها إمتلأ بالحزن:
حتى لو واحشنى..مبقاش ينفع خلاص ياجورى..جدك قفلها فى وشى..عزيز محسش بية عمر بحاله ياجورى..أنا إتعذبت كتير وأنا جنبه..كان عندى أمل يحس بية ولما فقدت الأمل وخلاص السنين دى كلها عدت..قلت أهو كفاية أكون جنبه..يونسنى وأونسه..لكن فى الآخر يحولنى لحالة إنسانية بيعطف عليها..ويقولهالى فى وشى كدة..آسفة..ساعتها أدوس على قلبى أدام كرامتى..

ربتت جورية على يدها قائلة فى عطف:
بس إنتى عارفة إن الكلام ده مش صحيح..وعارفة إنه قاله فى لحظة غضب..إنتى متأكدة زي ما أنا متأكدة إن جدى بيعزك أوى ..أدى بالظبط ويمكن أكتر بس هو كدة على أد ما قلبه طيب بس فى غضبه بيخبط فى الكلام ومش بعيد يكون دلوقتى ندمان.

زفرت جليلة قائلة:
ندمان ولا مش ندمان..قلتلك ياجورى مبقاش ينفع خلاص..اللى قاله جدك مش ممكن هقدر أنساه ولا….

قاطعها رنين هاتف جورى لتنظر جورى إلى شاشته وتقول بعيون متسعة:
ده رقم جدى.

ظهر الحزن فى عيون جليلة قائلة:
ردى عليه ..ده مهما كان جدك..وأنا هقوم أسقى الزرع.

قالت جورية:
إستنى بس…

قاطعتها جليلة قائلة بحزم:
قلت هسقى الزرع ياجورى.

لتغادر بينما هزت جورية كتفيها بقلة حيلة قبل أن ترد على الهاتف..وما إن إستمعت إلى محدثها..حتى صرخت بجزع قائلة:
إنت بتقول إيه؟

********************

إقترب خالد من لين التى تجلس فى الكافيتريا ..شاردة ..أمامها فنجال من القهوة الباردة..تتذكر آخر موقف كان بينها وبين مؤيد..وكلماته عن القهوة..لتبتسم فى مرارة..ثم تزيح الفنجال جانبا..لتنتفض على صوت أخيها وهو يقول بحنان:
أنا قلت برده إنك مش هتشربيها.

نظرت إلى خالد الذى جلس أمامها قائلا:
طلبتلك فنجال قهوة تانى معايا.

أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة..ليستطرد قائلا بحنان:
مش آن الأوان يالين..تفتحيلى قلبك وتقوليلى اللى جواكى..مش آن الأوان تعرفينى إيه اللى بيحصل فى حياتك بجد..مش الكلام اللى بتحاولى تقنعينى بيه من يوم ما رجعت..عشان بجد أحلى ميزة فى إخواتى..إنهم مبيعرفوش يكدبوا.

نظرت إلى عيون خالد الحانية تكاد أن تخبره بمكنون قلبها..ولكن ماذا تقول؟وكل ما ستقوله سيجعل أخاها غاضبا منها لإخفائها الحقيقة عنه كل تلك السنوات..بل وماذا سيكون رد فعله أيضا عندما يعلم أن من فرق بينها وبين مؤيد هي زوجته شاهيناز؟بل ماذا سيفعل عندما يعلم بحقيقتها البشعة؟هي لا تستطيع المخاطرة بإخباره الآن..ربما عند عودتهما إلى القاهرة..وقتها..ستخبره بكل الحقيقة وتخرج مكنون صدرها الذى يمزق قلبها تمزيقا..

رأي خالد ذلك الصراع على وجهها قبل أن تطرق برأسها فى صمت.. ليدرك كل ما تفكر فيه أخته..قرر أن يحسم الأمر ويخرج الكلمات من قلبها..لذا فقد تراجع فى مقعده يستند بظهره إليه قائلا بحزم:
لو بتفكرى تخبى علية تانى..فأحب أقولك إنى عرفت كل حاجة.

رفعت رأسها بسرعة تنظر إليه فى حيرة..ليومئ برأسه قائلا :
أيوة عرفت..عرفت ليه سيبتى مؤيد..ومين اللى كان السبب فى اللى حصل..وعرفت كمان إيه اللى عمله مؤيد معاكى لما خطفك ..أقولك عرفت إيه كمان؟

كانت لين تنظر إليه بدهشة من كلماته ..ليستطرد بصرامة:
عرفت اللى هيخلينى أول ما أنزل مصر هطـ,ـلق الأفعـ,ـى اللى آويتها فى بيتى وأول ما غدرت غدرت بية وبإخواتى….هطلق شاهيناز يالين.

لتتسع عينا لين فى صـ,ـدمة رغما عنها إمتزجت……بالفرح.

********************

كانت جورية تنظر إلى الطريق بالخارج ولكنها لا تراه ..تغشى عيونها الدمـ,ـوع وهي تتذكر كلمات فتحى ..المسئول عن المزرعة ..يخبرها أنه فور رحيلهم أصاب الجد عزيز أزمة قلبية نقل على إثرها إلى المستشفى..وأنه عندما أفاق منها ..طلب منهم عدم إخبار حفيدته..تحسنت حالته بعض الشئ وهو تحت الرعاية بالمستشفى..ولكن عندما أعادوه إلى المزرعة..تدهورت حالته الصحية مجددا..ليخشى فتحى أن يحدث له شئ دون أن تكون جورية وجليلة إلى جواره..يدرك أن الجد عزيز يكابر وأنه يشتاق إليهم وبشدة..لديه يقين أنهما إن عادا سيتحسن الجد ….كثيرا.

ليسرعا بالحضور إلى الوادى فى أول طائرة..وهاهما فى تلك السيارة التى نقلتهما من المطار تتجه بسرعتها القصوى إلى المزرعة.. مدت يدها تمسح دموع وجنتيها حين تناهى إلى مسامعها صوت شهقات صغيرة..نظرت إلى خالتها التى تنظر بدورها إلى الطريق ..اهتزازة جسدها تعبر عن ما يعتريها من ألم وخوف ودموع..مدت جورية يدها وأمسكت بيد خالتها القابعة على حجرها..لتنظر إليها الخالة ..تعلقت العيون الدامعة القلقة ببعضهما البعض..لتحتضنها جليلة بقوة ..تربت على ظهرها بحنان..بينما تهمس جورية من داخل حضنها قائلة:
هيكون كويس..قوليلى إنه هيكون كويس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *