فرط الحب دينا ابراهيم ج1

استيقظت ريم أولًا ليطالعها سقف لبني اللون مليء بالرسومات الكرتونية انعقد حاجباها في شرود محاولة استيعاب ما هذا المكان لأنه بالتأكيد ليس غرفتها، حركة خفيفة في ذلك المكان بين كتفها وأعلى صدرها وتلك اليد المتثبتة بها جعلتها تنظر للصغير المتكور بين احضانها وكأنها الحياة.
ضربها الواقع من جديد لتزيد من ضم عُمر إليها تلقائيًا كأنها تحتمى من مشاعرها المتضاربة والمتلاحقة بين حزن وألم وسعادة، لكنها اختارت إبعادها مستمتعة بالدفيء المحاط بقلبها وهي تضم الصغير وكأن كل ما حدث كان حلم قبيح وانتهى.
تنهدت متمنيه لو ان الأمر بتلك السهولة، أبعدت نفسها عنه ثم دثرته جيدًا قبل أن تتجه بدفاعيه نحو الخارج لا تدري بعد ما الذي سيقرره المخبول الذي عاد لحياتها بكل غرور وكأنها ستتقبله وترتمي تحت قدمية بسعادة لعودته.
انقبض قلبها الخائن وهي تتذكر كلماته بأنها لاتزال زوجته لكنها لن تقع في نفس الخطأ مرتين ليس بعد كل ما عانته من ألم في فراقه لتتعلم إن الإنسان أضعف من ألا يبني جدار حوله يفصله عن حماقة العالم.
نظرت حول المكان لكنها لم تجد أثر له ولولا الحذاء الملقى في الردهة لظنت انه ذهب وتركهما، اتجهت نحو غرفتها وهي تكذب شعورها لكنها تفاجأت به نائم في ثبات عميق فوق فراشها، شعرت بحقد للهدوء الذي ينعم به بينما تشتعل هي، فاندفعت نحوه في شر وهزته في حدة هاتفه:
– اصحى يا بني آدم.
انتفض ريان يمسك قبضتها التي تدفعه في ذعر لكنه سرعان ما اعتدل يبعد الغطاء عن جسده النصف عاري ليعترض بنبرة غاضبة وهو يجذبها بقوة أشد من اللازم:
– إنتِ اتجننتي في حد يصحي حد كده!
– إنت اللي ازاي تتجرأ وتنام في اوضتي وعلى سريري اتفضل اطلع برا.
قالت وسط حركتها المفرطة مستنكرة استعراضه لقوته على معصمها الضعيف المتألم، شد عليه أكثر في غضب حتى تأوهت وجثت امامه على الفراش تقابل في استسلام جسده الجاثي المتأهب على أمل إرخاءه لقبضته المميتة على معصمها دون ان تضطر لإظهار ضعفها ولكن ملامحها المتألمة كانت كافية لتجعله يرخي قبضته نوعًا ما قبل ان يزمجر بصوته الصباحي الخشن:
– واضح ان غيابي عنك نساكي أداب التعامل.
ابتسم في سخرية ثم استطرد ببطء حامي:
– طبعًا وجودك مع أحمد رجعك لأصلك من تاني.
كانت كلماته حقيرة لكنها استقرت بصدق داخل روحها، اهتزت ملامحها لكنها سيطرت على تلك الفتاة الضعيفة التي كانت عليها يومًا فنجح هو في تلقينها درسًا قويًا أجبرها على حبسها بعيدًا عن أعين العالم خاصة هو، ازاحت عيناها لأسفل بهدوء ونجحت في إخراج صوتها المدافع في قوة:
– عندك حق وجودي مع أحمد رجعني لعقلي ومبقتش الطفلة الصغيرة اللي كانت بتتمنى منك كلمة حلوة أو لمسة حب،
أحمد علمني إزاي أبقى ست بجد مش طفلة كل هدفها سعادتك.
ارتفع جانب شفتيه في قسوة محاولًا السيطرة على كبرياء رجولته الغير متقبل لنبرة الفخر برجُل غيره على لسان زوجته، ودون إدراك وجد نفسه يحيط وجهها بين أصابعه القوية، يميل نحوها متحدثًا أمام فمها مباشرة دون اهتمام بذعرها:
– أحمد علمك تبقي ست في ايه كمان؟
أتسعت مقلتيها واشتعل الغضب سريعًا لمرمى كلماته وقالت من بين فكها الحبيس داخل قبضه:
– قطع لسانك يا همجي، ابعد إيدك دي عني.
حاولت الفكاك منه لكنه اقترب أكثر حتى الصق وجهه بوجهها وقال في خفوت مريب:
– متفتكريش إني هعدي كذبتك عليا انك مش هتتخلي عن شغلك معاه لأنه الوحيد اللي ساعدك واداكي شغل،
مش ده كلامك وزودي عليه انه مريض وميقدرش يتجوز من الأساس وأنك زي أخته؟
ضغطت على لسانها كي لا تقذفه بشتائم تليق بكلماته لكنه لم يعطها الفرصة واستكمل في تهكم:
– ولما إنتِ أخته، فيه أخت تبقى عايزة تتجوز أخوها العاجز؟
– اخرس انت اللي عاجز بتفكيرك مش هو، أحمد…اممم…
قطع حرقة حديثها المسموم بلهيب مشاعره الثائرة وكل هذا الحديث عن غريمه أفقده صوابه، قبض على كتفيها يمنع هروبها من هجومه السافر على شفتيها الوردية يروي شوق عارم ويطفئ رغبة تمزق صدره في اشتهاء لبتلاتها الناعمة، احاط ذراعيه بقوة حولها.
وفي لحظة هبطت مؤشرات الغضب لتعلو أخرى وقد تناسى كلماته ومشاعره الغاضبة خاصة عندما سكنت بين ذراعيه تحت وطأة قبلاته التي صارت تداعبها برقة وشغف لتتركه يعيث في مشاعرها الفساد بلمساته المتتالية المناداة لمكنونات روحها.
لا تعلم “ريم” كيف انتهى بها الحال من الغضب والتمرد إلى التمايل الحُلو في أحضانه بين ذراعيه القوية، تثبتت بصلابة كتفيه العاريين وفكرت في ضعف “مرة أخيرة ولن تتكرر” لتشتعل دقات قلبها المشتعلة بنيران حبه من جديد.
صوت رنين الباب أخرجها من سكونها الخدر فانطلقت أطرافها دون وعي تلاطم جسده للابتعاد عنها وما ان تركها حتى قفزت وهربت سريعًا للمرحاض دون اهتمام بمن الطارق.
أغلقت الباب بإحكام وحاولت السيطرة على انفاسها العالية بوضع يدها على صدرها الصاعد والهابط في قوة قبل ان تلتقي بانعكاس صورتها في المرأة فتتأوه بغيظ لبشاعة هيئتها، تنقلت بنظرها من عيناها المحاطة بمساحيق التجميل السوداء المنسابة حتى منتصف وجنتها لتبدو كالموتى الأحياء،
هذا ما تحصل عليه فتاة حين لا تزيل مساحيق التجميل من على وجهها قبل الذهاب للنوم، تفقد حقها في الاستيقاظ رطبة وناعمة كالكعكة.
تأففت في سخرية وهي تحاول تهذيب خصلات شعرها الذي عاد لتشعته المزمن بكل الاتجاهات بسبب عبث يديه المتملكة، فتحت الرف أعلى الحوض تخرج مناديلها المرطبة لإنقاذ الموقف وكادت تنتهي من إزالته بالكامل حين سمعت أصوات متشاحنة بضراوة في الخارج، رمت ما بيدها وقد نست تمامًا إن أحدهم كان يطرق الباب لتتفاجأ بريان يمسك بتلابيب أحمد ويدفعه بعنف في الباب الخشبي.
– ريان!
ركضت نحوهم تحاول إبعاد “أحمد” المذهول من قبضته وهي تصيح:
– انت بتعمل ايه؟
سيبه بقولك عيب كده!
– انا اللي عيب، وكونه إنه يجيلك البيت ده مش عيب ويا ترى بيجي عيني عينك كده ولا بيبقى في الخفى.
– ابعد إيدك دي، ريم إنتِ كويسة؟!
قال أحمد وهو يدفع ريان عنه في عنف فنجحت ريم اخيرًا في الفصل بينهما بدفع جسدها بينهما ليلتقط ريان خصرها بتملك وغضب فيجذبها نحوه مبتعدًا خطوات عن غريمه وسمح لها بوضع جانب جسدها في صدره وكأنه تسيطر على تحركاته.
– انا كويسه طبعا، انا متأسفة جدًا…
– ممكن اعرف هو بيعمل ايه هنا؟
تسآل أحمد في اصرار بينما يمسك بنظرها المتوتر:
– اعتقد السؤال ده من حقي انا !
صرح ريان وهو يضغط على ذراعها يحاول إبعادها عنه لكنها رفضت التزحزح من امامه وهي تقول من بين أسنانها:
– ممكن تبطل أسلوبك العنيف ده وتخليك متحضر شوية.
– متحضر لا حاضر من عينيه،
اتفضل تعالى ادخل الشقة عند مراتي وانا هطلع أخد لفه بالستالايت بتاعي لحد ما تخلصوا تحضر مع بعض،
حلو التحضر ده باين على راسي ولا لسه مدفون؟
انكمشت ملامحها في اشمئزاز وغضب من سخريته اللاذعة قبل ان تهز رأسها بخيبة أمل وهي تلتفت لأحمد مجيبة:
– كان فيه حاجة يا أحمد؟
– انا استغربت انك مشيتي بدري امبارح وحاولت اكلمك الفون مغلق فقلقت قولت اجي اطمن عليكي،
قابلني البني آدم ده عندك في الشقة ممكن افهم إنتِ ازاي سايباه يضحك عليكي بعد اللي عمله فيكي.
قال أحمد وهو يحرك ذراعه نحو ريان برفض وغل فجز ريان على أسنانه ثم هتف في غضب :
– أحب افهمك إنك بتكلم مراتي، يعني….
– بابا .. ريم انا خايف.
قطع ريان حديثه وهو يعض على لسانه بينما التفت ريم نحو عُمر وحاولت رسم ابتسامه لتقول في حنو:
– متخافش حبيبي ادخل جوا بليز، بابا متضايق شويه ههديه واجيلك.
هز رأسه بالرفض وانتقلت عيناه الطفولية البريئة رغم تشابه تقاسيمه مع تقاسيم والده الحادة قبل ان يقول في دفاعية غريبه على سنه الصغير:
– مين ده؟
رمشت أكثر من مرة قبل ان ترمق أحمد بنظرة وتجيبه:
– ده أحمد صاحب الشغل انت نسيته؟
عادت ذاكرته الصغيرة إلى كلمات والده حين كان يبكي بتذمر لاشتياقه لها ورغبته في العودة إليها فيخبره والده بحده بأنها تركته من أجل هذا الرجل البغيض ذو العيون الهادئة المخادعة وهاذان الحاجبان المرسومان لأعلى في شر ك “شرشبيل” حين يفشل في القبض على السنافر المساكين.
ركض عُمر نحوها يمسك طرف ثوبها في تملك يوازي تملك والده ثم حدج أحمد في نظرة تحدي طفولية وهو يعلن في صدق:
– انا مش بحبه ، امشي من بيتنا ريم هتفضل معايا انا لوحدي.
– عُمر!
قالت في استنكار فاستغل ريان انشغالها بصغيره وتسلسل من خلفها ليواجه أحمد ويحذره في نبرة حذرة متروية :
– لو قربت من مراتي تاني هجيب أجلك انت فاهمني.
– مش هتبقى مراتك كتير وهتكون مراتي أنا، انت متسحقهاش انت خدت فرصتك وضيعتها من زمان.
لكمة ريان ضربتان متتاليتان في غضب ثم دفعه للخارج قبل ان يغلق الباب بقوة في وجهه لا يرغب في قتله أمام صغيره فحاولت ريم الصارخة تخطيه لفتح الباب لكنها تأوهت عندما انتشلها ريان لجواره ليردف في سوداوية:
– افتحي الباب عشان اقتله وارتاح من وجوده في حياتنا.
جذبت رسخها من بين أصابعه وهمست من بين أسنانها وهي تغطي أذني الصغير:
– طلقني وارحمني من وجودك إنت في حياتي، مش مكسوف من نفسك شايف الولد بقى عنيف ازاي؟
– مش هيحصل.
قالها في لهجة هادئة مزعجة وهو يلتفت مبتعدًا عنها بينما يدلك أصابعه متجاهلًا أصوات أحمد الغاضبة من الخارج قبل ان يذهب، فهتفت في قهر:
– انا مش عايزه اعيش بالطريقة دي.
– وانا مبسوط كده.
استدارت تخفي غليانها من وقاحته واتجهت للداخل فعلى ما يبدو غرفة الصغير ستكون ملاذها لوقتًا طويل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *