فرط الحب دينا ابراهيم ج1

***
حرك ريان رأسه في ضيق يكره تلك الذكريات ويعلم تمامًا إنه مزق قلبها إلى قطع وقتها ولكن الله وحده يعلم كم تمزق قلبه أضعاف أضعافها.

الفصل الرابع :

دلف “أحمد” إلى منزله بخطوات هائجة يشوبها الجنون، يحاول إزالة الغيوم من الأفكار السوداء التي تحتل رأسه منذ رأى ريم تغادر الحفل مع ريان.
اتجه إلى غرفته يحاول انتزاع رابطة عنقه في حدة يشعر باختناق كبير ثم رفع جواله ليحاول الاتصال بها من جديد وتلك المرة لغت المكالمة قبل أن تغلق الهاتف بشكل كلي، ارتفعت انفاسه بغل وغضب لان “ريان” عاد من جديد وهي ذهبت معه بكل سهولة و كأن شيء لم يكن.
تفاقم إحساسه بالحقد فمشاعرها ستظل حبيسه لرجل لا يستحق مهما حدث، حتى وهو متأكد من امتلاكه لجزء من مشاعرها واحترامها إلا ان هذا ليس كافيًا في وجود الحب المشتعل بينهما.
غامت عيناه بسوداوية و سيطر عليه الشعور بالحرمان وعدم إمكانية الحصول على تلك العلاقة ينهش قلبه ويمزق ما تبقى من رجولته.
فرك خصلاته البنيه في عنف وغموض وحدها رفيقة الدرب والصعاب تستطيع احتواء الظلمات داخله، كان يظن انه يملك الوقت وإنه سينتشلها من بؤرة حبها لريان ولكن انسحابها السريع خلفه اليوم اثبت له بأنه أحمق بل أحمق كبير.
وقف في حدة يبحث عن قنينة الدواء الخاص بالاكتئاب يرغب في أسهل وسيلة للهروب من الذات بالنوم، إلتهم قرصين دون تفكير وقذف بجسده على فراشه يتململ في وحدته وشقائه.
أغمضت عينيه يتذكر منذ سنوات مضت حين وضع إعلان يطلب فتاة للعمل وكيف دلفت ريم ذات السادسة عشر من العمر المكان ممسكه بورقة بيضاء نزعتها من الباب الزجاجي بين كفين مرتعشين قبل ان تغرِد في رجاء أنها بحاجة للعمل بأقل من المرتب المحدد وانها لا تملك أحد في الحياة وصرحت بوضوح انها تتوقع منه العطف عليها والموافقة بتعيينها.
العطف …. ابتسم في سخرية … هو دونًا عن كل الناس جاءت إليه بعيونها الشبيهة بعيون الريم حقًا مطالبة إياه بالعطف، هو من لم يشعر ابدًا بهذا المسمى عطف او عاطفة بوجود والد مصاب بمرض ما يسمى الجمود والجفاء وفاقد الشيء لا يعطيه ابدًا.
تنهد ليعود بأفكاره إلى ريم التي يتعجب من سرعة تعلق كلاهما بالآخر فهو وريم علاقة أسمى من أن يفهمها أحد سواهما فبدون وجودها بجواره لكان جن جنونه على مجتمع سلبي وبدونه جوارها لأصبحت بلا أدنى شك ضحية سهلة لذات المجتمع.
– يارب.
تمتم في توسل وهو يغلق جفناه ببطء وتروي محاولًا استعاده رباطه جأشه، ومع الوقت انتظمت أنفاسه وهدأت حواسه المتراخية.
****
بعد مرور ساعات على ريان أرهقه فيها التفكير حول معضلة عدم استلامها للرسالة التي ارفقها مع عقد المنزل والتي يخبرها فيها بوضوح انه أعادها الي عصمته وبأنه سيتركها كي تهدأ وتفكر حتى يعود إليها في اجازته التالية.
زفر في حنق فقد أكد له صديقه بأنها استلمت الظرف المغلق بأحكام من جانبه ، اتجه ريان بخطوات هادئة نحو غرفة “عُمر” يفتح الباب بهدوء ويتابع في رضا خلود كلاهما للنوم بين ذراع الآخر وتمنى لو يستطيع محو خطأه الفادح من ذاكرتِها والانضمام إليهما لينهل من حبها جانبًا
لكنه تنهد واكتفى بهذا الشعور القريب للاكتمال وهو يراها تحتوي قطعة منه وشعر بالأمل يشتعل من جديد فها هو قد عاد ولن يسمح لشيء بأن يعرقل طريقة في استعادتها قلبًا وقالبًا.
دلف بخفة ووقف أعلى رأسيهما يملي نظرة منهما خاصة ريم المتقوقعة حول عُمر كأنها تخشى اختفاءه، مد أطراف أنامله يلامس خصلاتها السوداء التي عادت لجزء من تمردها باشتياق وحب.
أيقظه من ولهه تذكره استعداداتها لاستبداله برجل أخر وكيف وقفت هناك تسمح للأحمق بملامسه خصلاتها وملامسة ما ليس له حق به، شعر بغضبه يتراكم فترك خصلاتها كالملسوع كي لا يمزقها بينما هي نائمة وخرج مغلقًا الباب خلفه قبل ان يفعل ما يندم عليه.
لطالما كان شخص قليل الكلام حبيس المشاعر متملك لأقصى حد بكل ما يخصه ويحميه ولكنه فشل في حمايتها من نفسه ومن الغيرة العمياء التي أوقعته في فخ لن يخرج منه بسهولة.
شعر بالضيق لهذا المأزق الذي أوقع نفسه به ومضاعفاته التي لم يتوقعها، فقد ظن طوال السنة الماضية انه يعطيها فرصة ووقت للهدوء والتفكير قبل ان يتمكن من ترك عمله والعودة إلى مصر بل انه حارب كي يتم نقله للعمل بالفرع الجديد داخل مصر من اجلها وهذا سبب عودته قبل موعده بثلاث شهور.
دخل إلى المرحاض ثم خلع قميصه قبل ان يغرق رأسه تحت صنبور المياه لكنه سرعان ما توقف وانعقد حاجبيه في انزعاج غير قادر على التحمل والصبر فرفع رأسه بسرعة أجبرت المياه على التساقط فوق نصف جسده العلوي بإهمال وأخذ يبحث عن منشفة يجفف بها رأسه.
اتجه للخارج يحمل هاتفه من على الطاولة الخشبية الملاصقة للباب حيث تركه مع باقي اغراضه لحمل عُمر من بين ذراعي ريم، عبث بأزرار الهاتف حتى وصل لاسم أخيه الأصغر “بيجاد” ثوان واتاه صوته الاجش الدال على استيقاظه من نومه:
– الو؟
– بيجاد، فاكر لما بعتك لريم عشان تقنعها تديك رقم اتواصل بيه معاها؟
سمع صوت خربشات وتوقع انه يعتدل في فراشه ثم اجابه :
– اه، هو فيه حاجة ؟
– ريم بتقول انها ما تعرفش إني رجعتها على ذمتي، أنا عايزك تفتكر بالظبط تفاصيل كلامك معاها.
ساد الصمت وبيجاد يحاول استرجاع ذاكرته للحدث قبل ان يقول بتروي:
– انا روحت البيت ملقتهاش بعدين نزلت المحل اللي بتشتغل فيه وقولتلها انك عايز تكلمها ضروري وان الطيب أحسن،
اتعصبت وقالتلي مش عايزه اشوفك تاني وانها مستنيه ورقه طلاقها واني اقولك انها مش عايزه تتواصل معاك ومش هتديك اي تفاصيل عن حياتها.
– يعني مقولتلهاش اني ردتها؟
– هقولها ليه مش المفروض ان انت بعتلها على البيت ثم هي مدتنيش فرصة وكانت عايزاني امشي قبل ما أحمد يرجع وندب خناقة زي المرة اللي قبلها.
زفر ريان وهو يأتي ويذهب حول المكان متذكرًا شجار أخيه السابق لتلك الزيارة مع الوقح الذي وقف أمام أخيه متهمًا ريان بعدم الرجولة لأنه لم يفي بوعده ويرسل بورقتي الطلاق والعقد لريم وانه سبب لها خسائر فادحة برفضه لاستكمالها تأجير شقة والديها التي كانت على النظام القديم وتدفع فيها القليل وانه ان لم يعطيها المنزل فهي لن تتحمل تكاليف شقة بإيجار على النظام الجديد وهذا ما دفعه ليرسل العقد مع الرسالة بعدها بأيام معدودة مع أحد أصدقائه كي لا يندلع شجار جديد بين الوقح وشقيقه المنفعل دائمًا، زفر في غضب ثم أعلن في حده:
– ريم اتخطبت لأحمد ومش مصدقة اني ردتها من الأساس!
– أفندم !
يعني ايه اتخطبت وهي متجوزه وانت سكتلها؟
– وانت كنت عايزني أعمل ايه اقتلها مثلًا،
ما انا بقولك مكنتش تعرف انها لسه مراتي.
ابتلع بيجاد كلمات وقحة يصف بها سوء تصرف شقيقه الأكبر ثم سأل في حدة:
– وناوي تعمل ايه، والسؤال الأهم هنا هي عملت ايه؟
سمح ريان لنفسه بالدخول إلى غرفتها فغمرته رائحتها المحلاة كالحلوى المسكرة وكاد ينسى مكالمته مع أخيه لولا تدخل الأخير:
– قولتلك بدل المرة ألف محدش بيقعد بعيد عن شريك حياته في الظروف اللي زي دي.
فأجابه ريان بغضب لعلو صوته وصحة مقولته:
– متزعقش يا بني آدم وبعدين مكنش بمزاجي ولّا كان المفروض اسيب شغلي في الوقت الصعب ده عشان ارجع مصر واضيع مستقبل ابني لأن الهانم بتتقل عليا!
– لا بس على الأقل كان المفروض تبعت تاخدها عندك وحلوا مشاكلكم، أو اي حاجه مش انك تسيبها تنعزل عنك وتكبر الفجوة اللي ما بينكم.
هتف بيجاد من بين اسنانه وهو يقفز من فوق فراشه يبحث عن كوب من الماء يطفئ به ظمأ غضبه.
– وهي كانت بترد عليا عشان ابعت اسفرها، بيجاد روح نام ما تستفزنيش انا مخنوق خلقه.
اجابه ريان في حنق رغم علمه بأنه على حق فتنهد بيجاد وهو يترك الكوب الفارغ ثم قال بنبرة هادئة:
– أنا اسف، بس انت محتاج تحط النقط على الحروف معاها وتعرفها انها مراتك وانت اكيد هتعرف تتعامل معاها وتقنعها ولا ايه؟
– مش عايزه تسمعني وبتقول حتى لو ردتها فهي عايزه تطلق.
صمت بيجاد دون تعليق فاستمر ريان في نبرة مزمجره وقد استعاد غضبه:
– بس ده على جثتي إني اسيبها لغيري.
انعقدت ملامح بيجاد في ضيق فلابد انها لعنة ما تحوم حول حياته وحياة شقيقه، فرك ذقنه في انزعاج ثم قال:
– ربنا يعينك، انا مش عارف افيدك ازاي.
صمت “بيجاد” وقد لاح تفكير في عقله قبل ام يسأل متعجبًا:
– اومال انت فين دلوقتي؟
– انا في البيت عندها.
قال ريان بصوته الرخيم المحبط فارتفع حاجبي بيجاد بذهول وهو يردف:
– الله، مش بتقول مش طيقاك؟
– وايه يعني؟
انا مش هتحرك من هنا من غير لما اقنعها ترجعلي ورجلها فوق رقبتها.
– ليه؟
تسآل بيجاد بغرابة فأجابه ريان متسائلًا:
– تقصد ايه ب ليه؟
– ليه بتعمل كل ده؟
شعر ريان بلسانه يعقد ولم يستطع الإجابة فهمهم بعد قليل بخفوت:
– عشان هي مراتي.
– برافو قولها كده وهي مش هترضى ترجعلك ابدًا.
– تقصد ايه؟
فرك بيجاد رأسه يحاول إيجاد طريقة يوصل بها لأخيه بانه لا وقت لغروره وان عليه الانحناء لمشاعره قليلًا فإن كان لعنة بيجاد الغضب فلعنة أخيه هي الغرور والأنانية.
– شوف.. حاول تتعامل معاها بهدوء هي بردو شافت كتير وتقريبًا كده على حسب كلامك فهي بقالها سنة بتعاني فراقك عنها،
وكلنا عارفين انت وعُمر كنتوا بالنسبه لريم ايه.
ضحك متهكمًا ليقول:
– مش هنكون أغلى من أحمد أكيد.
– تحب اخلصلك عليه؟
اتسعت عيون ريان في ذهول ورغم رغبته العارمة في الموافقة إلا أن صوت العقل انتصر ليقول في نبرة مستنكرة:
– ايه قررت تعالج الغضب جواك بانك تبقى قتال قتله خلاص؟!
ارتفع صوت بيجاد الحاد باعتراض لتنتهي بذلك لحظاته الحكيمة:
– مش كل اللي يكلمني يقولي كلمة اتعالج، انا مش مريض نفسي!
تنفس ريان من انفه قبل ان يقول له بجدية تامة:
– ربنا يهديك لنفسك وتفهم ان الدنيا مش سيناريو واحد.
– ريان انا هقفل عشان انام مش ناقصه فلسفه على المسا.
اخبره “بيجاد” بنبرة تؤكد لريان بانه فهم ما يحاول تلميحه دون كلمات كثيرة فتقبل هروب شقيقه بأن رمى عليه السلام قبل إنهاء المكالمة.
تنهد بأسى يحارب مشاعر محتده تضيق في صدره فحملته قدميه باعتيادية عجيبة حول الغرفة التي كانت مهد غرامهما وإلى فراش حمل العديد من ذكرياتهما، فرد جسده بتعب ومال بعد دقائق يلصق أنفه في تلك الوسادة الممتلئة برائحتها الجذابة التي أثارت جنونه في غربته.
“فالغربة” لم يدرك معناها إلا بفراقها، وحدها هي من جعلته يعاني من هذا الشعور المهلك بحاجته للانتماء لوطن..
وكم كان أحمق حين ظن عندما غادر وتركها انه سيعود لذلك السكون الجاف الخالي من المشاعر في حياته ليثبت له الواقع العكس … فكل خطوة يخطوها تركته حاني لحياة تذوقها من طرف معلقتها…. هي موطنه الذي يرفض احتواءه ويعاقبه بقسوة يستحقها بجدارة.
ترك نفسه للنوم برضا بين فراشها وكأنه محمل فوق السحاب تاركًا تفكير وتدابير الغد للغد.
*****
تتصلب كل عضلة في جسده وذلك الظل الأسود الكبير يعلن عن وجوده فوقه لينتفض جسده بخضه وهو يستيقظ على صراخ وعويل مرعب لوالدته وذلك الظل يمزق خصلاتها بيده الكبيرة ويتوالى عليها بالصفعات وهو الصغير يندفع للخلف يبكى وفقط يبكى كالجبناء ….
وكالومضة انتهى المشهد لتعلو صرخة أخرى وهو يستيقظ بصفعة مدوية على وجهه من ذات الظل بينما هو صاحب العشر سنوات يتلوى كالسمكة على المشواة لا يرى ولا يعي ما يحدث له من ظل أسود كبير…
صرخ والنيران تتلاعب من حوله فأخذ يلتفت ويدور في حيرة متسائلًا تُرى أين سقط هذه المرة، تساقطت قطرات العرق من جبينه وصدغيه بينما شعور مرعب يدفعه للركض والاختباء ولكن أين المفر والنجاة ؟!
صراخ يعلو وجسد ينتفض من جديد منتهي بآنين كحيوان مسكين ارتطمت به سيارة إنسِ تجرد من إنسانيته تاركًا إياه جريح بلا أي حول ولا قوة.
صوت الصراخ يعلو فيعبث في ثباته ويعيث الجنون فيما تبقى من عقله وتلك المرة وجد نفسه عاريًا وصوت ضحكات أصدقاءه وسخريتهم بعدم قدرته على الخوض في رهان قبيح مثل رفقتهم ظل يعلو ويعلو خارج غرفة كاد يبيع فيها نفسه لشيطان تنكّر في صورة امرأة مغوية تلامسه وتنتهك براءته ليأتي العقاب من الله سريعًا على تلك المتعة الغير مكتملة لتنطفئ روحه ورجولته وهو يفر هاربًا يلملم ملابسه ويركض للخارج متجاهلًا ضحكات رفاقه التي توغلت داخل أعماقه كالسكين واستقرت هناك.
صرخة مفجعه اتسعت لها عيناه على وسعهما ليجدها تلك المرة قد خرجت من أعماقه للواقع، تلاحقت انفاس ” أحمد” في جنون ومرر كفه المهتز فوق جبينه بسخرية مفكرًا بأنه يطلب النوم ويجبره اجبارًا وحين يغمض عيناه يهاجمه الجحيم من كل جانب.
نظر إلى الساعة بجواره ليجدها العاشرة صباحًا فقفز في حدة وقد عاد إليه ما حدث بالأمس ثم هرع للمرحاض لأخذ حمام بارد يعيد إليه صوابه ورزانته.
عازمًا النية على الذهاب إلى ريم فهو لن يقبل بتركها له، ومهما كان الثمن لن يقبل بأن يقضي حياته في وحده موحشة تلتهمه في نومه وصحوته.
*****

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *