فرط الحب دينا ابراهيم ج1

*****

وقفت ريم أمام الباب الخشبي لغرفة الصغير تجذب بضع أنفاس عميقة حازمة قبل ان تتجه للمفترس الغاضب في الخارج لإنهاء الوضع بشكل تام.
تجاهلت وقفته المتأهبة وكأنه ملاكم يبحث عن منافس يخرج به وحشية مشاعره وقبل ان يصرخ في وجهها صرحت في جدية تامة:
– انا موافقة ومصدقة إني لسه على ذمتك بس ده ميمنعش اني رافضه ارتباطي بيك واني بطلب الطلاق ودلوقتي حالًا.
اختفى انعكاس وجهها من عينيه ما ان انغلقت جفونه لتحتد نظرته التي القاها بها بعد ثوان متهمًا إياها:
– للدرجة دي أحمد قدر ينسيكي حُبك ليا ولإبننا؟
ابتسمت في تهكم وأخفضت نظرها قبل ان تجيب بنبرة صادقة:
– الفضل كله حصري ليك يا باشمهندس ريان، كُتر الآسى بيعلم القاسية.
– انا قسيت عليكي يا ريم؟
ولا إنتِ اللي قسيتي علينا برفضك اني أصلح موقفي.
– اعتقد انت فقدت الحق،
لما وقفت قدام الباب ده ورميت عليا اليمين من غير لحظة تفكير بإنك تديني فرصة أوضح سوء التفاهم اللي حصل.
قالت بنبرة محتقنه بمشاعر مختلطة وهي تشير لباب المنزل، لم تهتز ملامحه ولكن جملتها التالية اربكته بالكامل:
– ودلوقتي افتكرت انه ابننا مش ابنك لوحدك،
بعد قلبي ما اتكسر على فراقه أكتر من ما فراقك قدر يكسرني.
مسحت عبرات هربت من بين جفنيها بظهر كفها غاضبة لأنها أظهرت ضعف، فأجابها في صدق دون أن يبعد نظراته الثابتة عن عيناها الباكية:
– أنا انسان مش ملاك وبعترف اني غلطت وعايزك تسامحيني ونرجع زي الأول،
أنا شاري وإنتِ اللي بايعه.
– بعد إذنك ملوش لازمة الكلام ده انا قراري نهائي.
قالت في نبرة خافتة محبطه فعلت ضربات قلب ريان يستشعر انفلاتها من حياته فحاول الاقتراب منها لكنه قوبل بابتعادها خطوتين للخلف، أسبل جفنيه في غضب قبل ان يسأل بنبرة مهتزة:
– يعني ده آخر كلام عندك؟
– أيوة
– تمام، اديني فرصة أفكر.
انكمشت ملامحها بانزعاج وهتفت في رفض:
– تفكر في ايه؟
هو بمزاجك، الرفض في حد ذاته مرفوض.
غلبت عليه انفعالاته فصاح بها وهو يضرب على صدره:
– والله هو ده اللي عندي، قدّري صعوبة القرار ده !
علت ضحكتها المتهكمة وهي تخبره مؤكدة:
– صعب ليه .. القرار ده إنت أخدته في دقيقتين من سنة ايه اللي جد؟
ده انا قولت زمانك نسيت ياريتك كنت حبيت ولا اتجوزت بعدها وطلعتني من دماغك.
وقف يطالعها في صدمة، هل تتمنى أن يكون لامرأها غيرها بالفعل؟
– اه صح نسيت انت مبتعرفش تقول بحبِك.
نظرت له في جفاء واحتقار متذكرة كيف كانت تغدقه بالحب بينما هو يكتفي بأفعاله المعبرة عن الحب كما صورها لها وهي الساذجة كانت تصدق وتكتفي
– عايزه تقلبيها سخرية وعناد يبقى عز الطلب
قالها بلهجة يشوبها التهديد وصدره يعلو ويهبط بعنف فزمت شفتيها واندفعت لغرفتها قبل ان تعلن في صرامه:
– انا عندي شغل، اتمنى تاخد قرارك بسرعة واتمنى اكتر من كل قلبي اني ارجع البيت ومتكونش موجود فيه.
تنفس ريان من أنفه كي لا يثور كالبركان من خلفها لكنه حسم موقفه برده السريع:
– متأكدة ان ده آخر كلام عندك؟
سندت بكفها على اطار الباب والتفتت نصف التفاته مؤكدة:
– رديت سابق وقولت اه.
– بس انا محتاج أم لعُمر!
كادت تصرخ في وجهه لكنها تمالكت أعصابها وهمست:
– ربنا يوفقك وتلاقيله أم.
– كويس اننا متفقين على المبدأ.
– مش فاهمه؟
– انا مكنش في حسابي اننا مش هنكمل مع بعض ومعنديش بيت غير ده، أنا موافق ننفصل بس بشرط.
قال ببطء وتروي وهو يعقد ذراعيه امام صدره فسألت في تعجب:
– ايه هو الشرط ده؟
– تقريبًا هما اتنين، أنا وعُمر هنفضل عايشين هنا فترة الأجازة،
وقبل فترة الأجازة ما تخلص … انا عايزك تختاريلي عروسة.
– نعم؟!..
لا ده انت أكيد اتجننت.
ابتسم في تحدي وهو يقترب منها حتى صارا وجهًا لوجه وأردف بينما انفاسه تتخبط بجانب وجهها:
– قرارك.
علت انفاس ريم ولمعت عيناها في حقد وهي تشعر بنيران الغضب تجتاح صدرها فهتفت في تمرد بين أسنان مضغوطة:
– دي مشكلتك انت مش مشكلتي.. انا مش خاطبة.
– إنتِ اللي عايزه تخلصي مني يبقى إنت اللي تساعديني!
– انا مش فاهمه جايب الجحود ده منين ؟
هزت رأسها مره قبل ان تمسك بنظراته تحاول حل لغز عيناه القاسية وتساءلت:
– انت ماسك في الشقه ليه ما انت معاك فلوس روح أجر اوضه في فندق ولا شقة!
– ويرضيكي اسيب عُمر لوحده.
قال بنبرة هادئة صادقة وهو يضيق عيناه في تحدي صامت، فانعقد لسانها في صراع بين الرفض والقبول حتى زفرت معلنه:
– ماشي يا ريان.
– ومتنسيش العروسة.
قالها بابتسامه باهته فجزت على أسنانها ودلفت إلى غرفتها قبل ان تنقض عليه وتمزق وجهه الوسيم.
اتسعت ابتسامة ريان فقد وقعت تمامًا حيث يريد ولتريه كيف ستخرجه من حياتها الآن.
أيًا كان ما سيحدث هو على أهبة الاستعداد لخوض المعركة فقلبه النازي لا يرضى سوى بالمحرقة سبيل.
*****
وقفت ريم أمام المرأة كالبلهاء لا تصدق قساوة الرجل الذي أحبته ولا تزال تعشقه حد الجنون، ازدردت طعم العلقم في حلقها فهو لم يخبرها فقط بأن تبحث له عن عروس بديل بل اعلن صراحةً إن سبب زواجهم منذ البداية كان من أجل صغيرُه، ذلك الوقح متحجر القلب وعديم المشاعر.
كيف أحبته يومًا؟!
تساءلت في غل وعقلها يعود بها إلى قبلتها الأولى التي اختطفها منها بسهولة، ارتعشت شفاها بقهر صدق من قال بأن الخطأ ينتهي بخطأ أكبر، ابتسمت بسوداوية وربما هذا هو سبب تخلي ريان عنها بكل سهولة فهي من البداية لم ترفع من شأنها أمام رجل شرقي كتحجر العقلية والمشاعر.
تنفست بعمق تعلم انها أفكار تواسي بها ذاتها لكنها أخطأت أمام الله، أبعدت الشعور بالذنب الذي اجبره فراقه على التولد داخلها والرسوخ.
خلعت ملابسها لترتدي ملابس أكثر اريحيه للذهاب إلى العمل ضغطت على وجنتيها في تعب فأحمد بالتأكيد سيمطرها بوابل من الاسئلة وكيف عساها تخبره بأنها لاتزال زوجة لريان وان خطبتهما صارت منهيه حتى ينتهي الأمر بينها وبين ذلك الحقير … مفترس الفرص.
اللعنة لقد كانت على بعد خطوة واحدة من الاقتناع التام بأنها لا تحتاجه في حياتها وان أفضل قرار في حياتها كانت موافقتها بالارتباط من صديقها ورفيق العمر المسكين، على الاقل ستكون المحبة والامتنان سمه علاقتهما فهي لا تحتاج لعلاقة حميمية كي تتأكد من مشاعر أحمد نحوها فلطالما كان خير أخ وونيس لها منذ اقتحمت مكان العمل تطالبه بمنحها وظيفة وقد قبل وسط صدمتها فحين تصبح وحيدًا بلا سند يتفنن الجانب المظلم من الحياة في اظهار أنيابه حتى تنطفئ داخلك شموع الأمل.
لن تنسى مهما حدث انه الوحيد الذي اشعرها بالأمان والراحة دون مقابل وهي على ثقة بأنه سيضع مشاعرها ورغباتها في قمة اولوياته كما إنها تثق أكثر بأنه لن يتخلى عنها مهما حدث.
ابتسمت في تهكم ومن يحتاج إلى شهوة الجسد والقلب محطم كحطام سفينة لاحت عليها طرقات المحيط، بل كيف تحتاجها وذلك الجسد اللعين لا يرغب سوى بكاسر القلبِ منعدم الضمير.
اخفضت جفونها تكره اعترافها المخجل لكنها تعلم بأنها تقبلت زواجها من أحمد لأنها متأكدة بأنها لن ترغب او تسمح برجل أخر بعد ريان أن يلامسها أو يقترب منها، لقد افسدها ذلك الغبي للأخرين.
– مش فاهمة ازاي الانسان مننا مهزأ ومن غير كرامة ويهون عليه نفسه أوي كده.
همست في اتهام لصورتها المنعكسة في المرآة ثم انكمشت ملامحها في سخرية كارهة المذاق المر الذي يتركه هذا الاعتراف وقد كانت تظن ان حظ أحمد هو التعس.
*****
توجه ريان إلى غرفة صغيره مناديًا:
– عُمر تعالى.
ترك الصغير العابه واتجه نحو والده في تساؤل فجثا ريان وهو يضغط على كتف صغيره ويقول:
– إنت بتحب ريم صح؟
هز عمر رأسه في تأكيد سريع فأكمل ريان في جدية لا تتناسب مع صغر طفله لكنه استوعبها:
– إنت راجل دلوقتي ولازم اعرف هقدر اعتمد عليك ولا لا.
– أيوه يا بابي أنا راجل.
قال الصغير في حماسه وفخر، فأكمل ريان وهو يمسك بعيون صغيره:
– أنا محتاج مساعدتك عشان ريم تفضل معانا يا اما الحيوان اللي جه من شوية هياخدها مننا.
– لا يا بابي عشان خاطري متخلهوش يعمل كده، أنا هساعدك ومحدش هياخدها مننا.
أجابه عُمر سريعًا وهو يرفع قبضته في الهواء باستعداد وغضب كسر جدية الموقف، فابتسم ريان وهو يهمس:
– أهم حاجة ريم متعرفش أي حاجة عن الموضوع ده، اتفقنا؟
– اتفقنا.
أنهي عمر الاتفاق بشفه مزمومه ويد ممدودة التقتها والده يتمم اتفاقهم السري الغريب من نوعه.. ثم أكمل ريان في تأني:
– حلو يبقى تسمعني وتفهم هنعمل ايه بالظبط.
– حاضر يا بابي.
– هات التابلت الأول.
راقبه ريان وهو يركض لجانب فراشه ويركض نحوه في لهفه وترقب، تنهد ريان ثم مال يقبل رأس طفله يواسيه لأنه يعلم تمامًا مذاق الألم واللهفة والذعر اللذان يتملكانه خوفًا من فقدان ريم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *