القطة المدللة بقلك اكرام يوسف ج١

الفصل الثامن
ألم شديد ينخر فى رأسها , هذا كل ما تشعر به , لا تشعر بأى من أطرافها , تشعر كأنها لوحٌ من الثلج
تسمع صوت طرق نعل حذاء على الأرض بالقرب منها
لا تقوى على فتح أعينها لتتبين الأمر , حاولت مراراً لكن دون فائدة كل محاولاتها باءت بالفشل
إنحشر صوتها داخل حلقها , كانت تريد أن تصرخ , كانت تريد أن تخرج من تلك الدوامة من الصور المشوشة التى تجول بذهنها
سيارة أبيها , الطريق , فستانها اللأبيض الخلاب , أحمد
أحمد , لا تتذكر شيئاً سوى يده الممدودة تجاه وجهها بذلك المنديل , لتتحول ملامح وجهه إلى شخص أخر أكثر صرامة وهو يحاول كتم أنفاسها بهذا المنديل الذى يحمل رائحة غريبة , لم تكد تستوعب الأمر حتى شعرت بالأريكة وهى تستقبل رأسها
صاحت صيحة مكتومة وهى تحاول أن تعدل من وضع رأسها
كان يمشى ذهاباً وإياباً أمامها فى توتر لا يعلم ماذا أصابه ؟ أهو قَلِق بشأنها ؟ أم مما سوف يحدث بعد ؟
لاحظ حركتها , توجه إليها وهى ملقاه على ذلك الفراش الذى يتوسط تلك الغرفة الخاوية من أى أثاث سواه وبُساط مهلهل وُضع على أحد جوانبها على الأرض
أخذت عينه تتنقل على خلجات وجهها فى ترقب , فهو ينتظر إستيقاظها فى أى وقت
كان قلبه يدق بسرعة كبيرة وهو محدق بها , لدرجة أنه شعر أن صوت دقات قلبه من الممكن أن يوقظها
أخذ نفساً يهدأ به نفسه وزفره فى هدوء , أغمض عينيه للحظة ليريحهما من عناء تحديقه بها منذ أكثر من ساعة
ليسمع صوتها وهى تزوم بألم وهى مغمضة العينين , ليعود كل شئ على حاله مرة أخرى , أعين محدقة , وقلب يرجف
إستطاعت تلك المرة أن تفتح عينها ببطئ ولكن أغمضتهم سريعاً عندما سطع فيهما ضوء ذلك المصباح المتدلى من منتصف سقف الغرفة
حاولت فتحها مرة أخرى , تجولت بعينها فى الغرفة لتقع عينها عليه وهو يراقبها بعيناه كالصقر
نظرت إليه برعب وهى تحاول إبعاد نفسها عنه بوهن وهى تقول :
– احنا فين ؟
أخيرا خرج صوته :
– متخافيش انتى فى امان
حاولت أن تعتدل فى جلستها وساعدها هو على النهوض , أبعدت نفسها من يديه , وإستجاب هو لرغبتها , نظرت له وهى تقول بصوت مرتعب :
– احنا هنا بنعمل اية ؟ وليه جبتنى هنا ؟
كانت كلماتها تخرج مرتعشة , ولكنها كانت تحاول أن تحافظ على ثباتها الإنفعالى أمامه , لإنها لم تكن تعلم ما ينوى فعله ؟
قال بعد أن جلس أمامها على الفراش :
– انتى معايا , وهتفضلى معايا يا حبيبتى
إبتلعت غصتها وهى تقول بترقب :
– انت عايز منى اية ؟
وضع يده على شعرها يتحسسه , وهو يقول :
– انتى كل دة ولسة مش عارفة انى بحبك
أبعدت رأسها عنه بلطف , ثم قالت بهدوء إستغربته من نفسها :
– طيب ممكن نروح ؟
أماء برأسه نافياً , وهو يقول بأسى :
– مبقاش ينفع , احنا مش هينفع نمشى من هنا
قالت بدهشة :
– يعنى اية ؟ انا لازم امشى
قامت من فراشها مهرولة تجاة باب الغرفة , حاولت فتحه ولكنه كان موصد بالمفتاح الذى كان بحوذة من لم يتحرك له ساكناً , وكان يجلس ويتابعها فى صمت
إستدارت له وقد نفذت طاقتها فى إفتعال هذا الهدوء الوهمى , وبدأت بالصراخ فيه كى يخرجها
حاول أن يهدأها ولكن مجرد أن لمسها حتى هاجت وبدأت بضربه وهى تصرخ
كاد صراخها أن يصل إلى خارج الغرفة , صحيح أن الوقت متأخر , و أن الغرفة بمنأى عن مساكن الناس فهى تقع فى وسط أرض زراعية
ولكنه كان يخشى مرور أى أحد بالمنطقة ويسمعها
لم يستطع تهدأتها , كما أنها وترته كثيراً , لم يشعر بحاله إلا وهو يصفعها على وجهها الصفعة الثانية التى جعلتها تهدأ وتنظر له بدهشة ممزوجة بخوف , نزعت نفسها من بين يديه وأخذت تتحسس وجنتيها وهى فى قمة دهشتها
كان الندم بادى على محياه , نظر لها وهو يقول بأسى :
– انتى كويسة ؟
نظرت له وقد ترقرقت عبرة من عينها , قالت بضعف :
– خلينا نمشى
قال بلهفة , وشوق سنين أحبها فيهم بصمت :
– متخافيش منى , مكنش قصدى أأذيكى , انا أسف
بدأت تنكمش فى نفسها وقد جلست على الأرض , إثر صدمتها من صفعاته لها , ثم قالت :
– انت عايز تعمل اية بالظبط ؟ لية جايبنى هنا ؟
جلس بجانبها على الأرض وقال :
– انا بحبك , وعايز اتجوزك
قالت بصوت مهزوز تريد أن تهدأ معه جو الحديث الذى تعكر بعصبيتها , بعد أن إكتشفت ضعفها فى مواجهته
– طيب واللى عايز يتجوز واحدة بيحبها يعمل فيها كدة ؟
– متزعليش منى
– طيب خلينا نرجع , ووو … وتعالى إطلب ايدى من حسام
كانت تتحدث معه بأنفاس متقطع , من شدة خوفها منه
رد بهدوء :
– قلتلك مينفعش نرجع , احنا هنفضل هنا لغاية متقع الوصية
ثم نظر لها بتحدى و إستطرد قائلاً :
– أنا مستحيل أسمحلك تتجوزى حد غيرى , انتى ليا أنا , فاهمة ؟
عندما سمعت منه تلك الكلمات أيقنت أنها لن تنجو بسهولة من هذا المجنون الأخرق
تحسس وجنتها التى توردت باللون الأحمر إثر صفعته لها قائلاً بنبرة حانية :
– متحاوليش تفكرى كتير عشان متتعبيش نفسك , أنا مرتب كل حاجة
أبعدت وجهها عنه فى حذر , فإبتسم لسذاجتها , فكأنما لم تدرك بعد أنها بمفردها معه فى تلك الغرفة النائية بعيداً عن البشر , ولو أرادها لن تقدرعلى مقاومته , لكنه جعلها تشعر بإنتصارها المؤقت عليه , وإستسلم لرغبتها و إبتعد عنها وبدأ يعبث فى تلك الحقيبة التى وضعها بجانب الباب
كانت تراقبه فى حذر , وتدور برأسها الأفكار , تحاول أن تجد مخرج لما هى فيه , ولكن رأسها كان يؤلمها كثيراً , فإسندته إلى الحائط خلفها وهى مغمضة العينين بشدة فى محاولة منها للسيطرة على الألم
إنتبهت ليديه التى تمسك برأسها فى موضع الألم وهو يقول بحنان :
– الصداع هنا ؟
أشارت بعينها بإيجاب , فبدأ يدلك لها مكان الألم , كانت تشعر بأنفاسه قريبة منها , كانت تبغض قربه منها هكذا , حاولت أن تبعد عنه , لكنه منعها ولم يعطيها فرصة للإبتعاد , كما أنها إستسلمت لذلك الخِدر المنبعث من يديه يسكن ما بها من ألم , أغمضت عينيها وهى تشعر براحة نسبية
كان ينظر إليها بحب , كان يتمنى أن تنجح خطته ويفوز بمحبوبته التى لم يعشق مثلها , إبتسم وهو يرسم أحلاماً وردية تجمعهما معاً , تاه فى ملامحها الخلابة التى تأسره , إقترب بوجه من وجهها الملائكى , كاد أن يقبلها لولا أنها شعرت به , فإنتفضت من مكانها
وقفت ترتجف فى خوف وهى تنظر له وتحاول أن تكتم دقات قلبها التى تفضحها
كان لا يزال على إبتسامته وهو يقول :
– طيب يلا f بعض المعلبات على الأرض وهى تفكر سيذهب غداً لشراء الطعام تلك هى فرصتك يا بوسى
