نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر الجزء الثاني

عاد للمنزل بوجه مكفهر ملقيا عليها سلاما باردا، تفهمت سبب ضيقه وقررت أن تتحدث معه بعد تناول الغداء.
_ عملتلك أكلة بتحبها أوي، غير هدومك لحد ما…
_ مش جعان، عديت علي ماما اتغديت معاها.
رمقته بانزعاج حقيقي وكل تعبها بوليمة الغداء لأجله ضاع هباءً، فقالت بنبرة غارقة بالحزن والعتاب: براحتك يا آدم، بس ياريت لو هتتغدا مع طنط بعد كده تبقى تعرفني، على الأقل أوفر مجهود الساعتين اللي وقفتهم في المطبخ على الفاضي.
تهكم بقوله: ليه هو بابا راح فين؟ البركة فيه واخد مكاني في كل حاجة، دلوقت يطلع يتغدا معاكي ويشغلك عني بقيت اليوم بفيلم ولا دورين كوتشينة ولا وصفة سخيفة جديدة.
ازداد الضغط النفسي داخلها فاغرووقت عيناها وهي ترمقه دون كلمة لينفعل عليها دون سيطرة: أنتي كمان زعلانة؟ أنا بجد مش عارف اعمل ايه معاكي؟
لأول مرة تصرخ عليه بانفعال هادرة: وأنا ذنبي ايه في كل ده يا آدم؟ عايزني اتصرف ازاي ووالدك مش لاقي سبيل غير بيت أبنه يتسلي فيه بعد ما طلع معاش وبقا حاسس بالوحدة؟.. في ايدي ايه قولي.
_ في ايديك كتير يا ليان، أنتي بتطاوعيه في كل حاجة وأي اقتراح يقوله وبتهتمي به زيادة عن اللزوم، بجد دي مش عيشة..أنا مش لاقيكي..وبابا مش قادر يفهم انه بيدمر حياتي بالطريقة دي، لازم يفهم اني محتاج شوية خصوصية في بيتي وحياتي، لازم يشوف حاجة تاني تسليه غيرك.
قالت بجمود : خلاص أنا لما يطلع والدك بعد كده هطرده برة البيت واقوله ابنك مضايق من وجودك باستمرار معانا، وأننا عايزين نعيش براحتنا..ده هيريحك يا آدم؟
باغته قولها وتلجم لسانه دون رد وهو يرى بما قالته للتو صورة حقيقة لما يدفعها لتفعله، هل حقًا يريدها أن تفعل بوالده هذا؟ وهل يرضاه عليه إن فعلته؟
ولم يشعرا بتلك الخطوات الثقيلة التي عادت أدراجها مخذولة هابطًا صاحبها بوهن بعد أن سمع قدرًا من جدالهما الصارخ الذي خدش قلبه قبل أذنيه، أثر الرحيل عنهما عازما ألا يطأ بيتهم مرة أخرى، تكدست الدموع بعيناه وصارت الرؤية ضبابية أمامه وكادت قدمه تتعثر ويسقط فوق الدرج، لكنه تماسك وأعتصر دموعه العالقة بأهدابه حتي دلف لبيته، مكث ينظر للسقف بشرود وما سمعه كان خناجر طعنت قلبه وأدمته، نعم يعلم أنه ربما أثقل عليهم بوجوده الدائم بينهما، لكن ماذا يفعل والوحدة تقتل روحه يوم بعد يوم، كلما جلس وحيد شعر بالاختناق فيهرب إلي بيت أبنه ظنا أنه لن يضيق به أبدا، لكنه كان واهما ومخطئا بعشمه الزائد، فليلزم بيته بعد الأن مهما نهشته الوحدة، وعليه البحث عن سبيلا أخر يبدد به وحدته.
_____
يومان مروا منذ صدامهما الأخير وهما يتفادان الحديث معًا، فتعمدت أن تتركه ليعقل الأمر ويزنه كما يريد، لكن نهشها القلق مع غياب العم الذي لم يطأ منزلهما كعادته كل يوم، ما أثار قلقها وقررت أن تهبط إليه وتطمئن قبل مجيء زوجها.
طرقت الباب عدة مرات دون أن يستجيب، فأخرجت من جيب عباءتها نسخة المفتاح الأخرى التي أعطاها لها تحسبا لأي طاريء، وقبل أن تقحمه بالمزلاج أشرع بابه وطل عليها بوجه شاحب ولحية نامية بإهمال، فصاحت بقلق: مالك ياعمو أنت تعبان؟ وفينك مش باين بقالك كام يوم ولا بتعدي عليا؟
ابتسم وهو يدعوها لتدخل مغلقا الباب خلفها.
_ تفطري معايا؟
أومأت له بالقبول وهي تحاصره بنظرات تتفحصه مليا شاعرة بتغير ما به ولا تدري كنهه، تظاهر أمامها بالمرح وهما يتناولان الأفطار وأصرت بعدها أن تصنع هي قدحان من الشاي وجلست معه والهدوء يسود للحظات قبل ان تسأله: بقالك يومين مش بتطلع زي عوايدك يا عمو، ممكن اعرف السبب؟
ارتشف رشفة ساخنة من قدحه وهو يطالع أمامه متمتما: عادي، حابب افضل لوحدي شوية.
زاد يقينها بتغيره لتهتف بريبة: بس حضرتك مش بتحب تفضل لوحدك يا عمو، دايما تقولي أنك بتحب الونس.
ابتسم بمرارة قائلًا ولا يزال ينظر أمامه بشخوص طفيف: بس الونس طلع مش بيحبني.
عقدت حاجبيها والريبة. تتفاقم داخلها: مش فاهمة حضرتك تقصد ايه؟
زفر زفرة طويلة محملة بخيبته وهو يلتفت إليها ليفاجأها بقوله: ليان، أنا سمعت كلامك أنتي وآدم وعرفت اني بدون قصد يا بنتي كنت متقل عليكم بزياراتي كل يوم وحارمكم من الخصوصية وبسرق يومك وبسببي أهملتي جوزك.
شهقت من فرط المفاجأة وتلجم لسانها للحظة وهي ترمقه غير مصدقة قبل ان تندفع بقولها: والله يا عمو انت فهمت غلط، آدم مايقصدش اللي وصلك، كل الحكاية انه…
_ أنه مش مرتاح بسببي يا بنتي.. مفيش حكاية تاني تتقال، أنا فعلا زودتها معاكم (ثم تهكم بقوله) ده حتي المثل بيقول يابخت من زار وخفف، وأنا بصراحة تقلت أوي أوي عليكم.
بدأت تبكي وهي تجلس القرفصاء أمامه ملتقطة كفيه تقبلهما برجاء: أرجوك ياعمو متقولش كده تاني، ربنا يعلم بحبك قد أيه، وآدم كمان بيحبك ومايطقش يبعد عنك.
لم يجيبها سوي بابتسامة ساخرة رغما عنه، ثم ربت علي رأسها مازحا بزيف: طب قومي يلا شوفي اللي وراكي ومتعطلنيش، أصلي عندي مشوار مهم.
هزت رأيها بعناد: لأ مش هتخرج لمكان، هتطلع معايا وتقضي اليوم كله عندي، هنطبخ سوا ونشوف فيلم حلو و..
_ أنسي.
قالها بنبرة حازمة مستطردا: خلاص يا ليان مش هينفع ارجع زي الأول، واوعي لحظة تفتكري اني زعلان منكم
، يابنتي ده حقكم الطبيعي وأنا كنت غلطان.. كان لازم اراعي ان ليكم حياة ماينفعش افرض نفسي عليها زيادة عن اللزوم، البني آدم مننا تقيل مهما كان .
بكت تهز رأسها بالنفي صائحة: لا يا عمو متقولش كده وتوجع قلبي بكلامك ده عشان خاطري.
_ سلامة قلبك من الوجع يا حبيبتي.
واستطرد يطمئنها: صدقيني يمكن اللي حصل ده إشارة اني اغير حياتي واني بقضيها غلط، أنا خلاص عرفت ازاي هحارب الملل والوحدة، في واحد صاحبي عنده محل أدوات كهرلائية، هشتغل عنده واظبطله الحسابات، أهو اعمل حاجة مفيدة.
_ هتشتغل يا بابا؟ معقولة؟!
_ وليه لأ يا ليان، الشغل مش عيب، وكان لازم اعمل كده من الأول مادام لسه قادر وبصحتي وعندي طاقة.
وواصل بتنهيدة: ربنا مش بيعمل حاجة وحشة ابدا، لولا اللي سمعته مكنتش غيرت تفكيري، صدقيني أنا كده هعيش اللي باقي من عمري صح، وكمان قررت اهتم بالقرءان شوية، مش هتكسف اقولك علي تقصيري في حق ربنا، شوفتي بقا ازاي الموقف كله اتقلب لصالحي وعاد عليا بفايدة؟ عشان كده مش عايزك تزعلي وتحملي همي، روحي شوفي حالك وحياتك واطمني عليا.
ثم نهض ليستعد لخروجه لتضطر أن تغادره ودموعها لم تتوقف حتي صعدت شقتها، لتتبدل نظرتها وتتجمد دموعها بعزم وهي تقسم لنفسها بخفوت:
وحياتك عندي يا عمو لاخليك تعرف غلاوتك عنده واعلمه درس عمره ما ينساه وبنفسه هيعتذرلك ويبوس ايدك..
___________
“لما يطلع والدك بعد كده هطرده واقوله ابنك مضايق من وجودك باستمرار في بيته، وأننا عايزين نعيش براحتنا”
حديثها يدوي بعقله ويعذبه منذ أخر جدال بينهما، شعر أن صراخها كان صفعة على وجهه أعادت له وعيه، تخيل مجرد التخيل أن تفعل هذا فشعر بغصة تمزق قلبه، هو أبيه رغم كل شيء ويحبه ولا يقبل أن يجرحه أحدا ، كل ما يريده بعض الخصوصية لا أكثر، فهل هو مخطيء؟ تنهد بحزن وفكر أن يحدث والدته لكنه تراجع عن فكرته، فهي لن تنصفه وسوف تعطيه محاضرة بالذوق والأصول الذي لا يتبعها أبيه، وسوف تشعله نحوه أكثر وهذا ما لا يريده.
فك ذر قميصه وشعر بأنفاسه تضيق.
الغريب أن أختفاء والده من تفاصيل يومه منذ يومان أورثه فراغا يتعجبه ولا يفهمه، ألم يكن هذا ما يتمناه؟ ألم يثور مع زوجته مرارا لأنها مشغولة به؟ ما الذي تغير الأن داخله؟ يشعر بالذنب، نعم هذا هو وصف حالته الأن، راح يتسائل في نفسه ماذا لو علم أبيه أنه يضيق بوجوده؟ يحمد الله أنه لم يسمع الهراء الذي هدر به وهو ثائرا فاقدا عقله..أمسك هاتفه وهم بالاتصال ليتوقف مفضلا ان يذهب إليه أفضل فور مغادرته من عمله.
……
كرر الرنين والطرق على بابه دون استجابة، فتوجس أن يكون مريضا، صعد لمنزله يحضر نسخة المفتاح التي بحوزته.
_ فين مفتاح شقة بابا يا ليان؟
_ عايزه ليه؟
أخبرها بقلق: رنيت عليه جرس الباب كتير مش بيرد، وبقاله يومين مش بيطلع عندنا زي عوايده.
_ أطمن يا حبيبي عمو خلاص مش هيطلع عندنا تاني.
قالتها ببساطة وهي تقلم أظافرها بهدوء، ليرتاب بأمرها متسائل ودقات قلبه تتسارع من ظنونه : يعني ايه مش فاهم؟
تركت ما بيدها و دنت إليه مطوقة عنقه بدلال:
يعني أنا يا حبيبي عملت اللي كان لازم اعمله.
قطعت رجل والدك من البيت.
______
