نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر الجزء الثاني

الفصل الرابع.
________
“الحياة تبدأ بعد الستين يا بابا”
هكذا مازحه آدم ليهون عليه أثر ذاك القرار عليه، لتدخل ليان بقولها المؤازر: ده انا لو منك يا عمو أفرح اني هبتدي مرحلة جديدة في حياتي واعمل كل اللي نفسي فيه بدون تقيد من مواعيد عمل وضغط شغل.
وامارس هوايات تسعدني وتملى وقتي.
وواصلت: وبعدين ياعمو فراغ ايه اللي بتتكلم عنه، أمال أنا وآدم روحنا فين؟ أحنا مش هنسيبك وعلى قلبك ليل نهار.
أيدها آدم بقوله: لولو عندها حق يا بابا، ارجوك بلاش تزعل نفسك وتكبر الموضوع، بص للجانب الإيجابي انك اتحررت من قيود الوظيفة وتقدر تمارس اي حاجة بتحبها، تسافر مثلا أماكن جديدة، تقرأ كتب مختلفة، تختم القرءان باستمرار، وحاجات كتير جدا ممكن تتعمل وتستمتع بيها.
منحهما نظرة حانية ممتنة لمحاولاتهما التسرية عنه وتخفيف أثر التقاعد علي نفسه ليهتف بصدق: يمكن أكون مش أهلت نفسي للقرار ده عشان كده أتأثرت به، بس طول ما انتوا جنبي يا ولاد هعدي أي حاجة..ربنا يخليكوا ليا يا حبايبي.
_ويخليك لينا يا بابا ويبارك في عمرك.
_________
“أبوك ده غريب أوي، طبيعي كان يجي وقت ويطلع معاش”
ارتشف بعضًا من فنجان قهوته مع قوله: أيوة يا ماما بس برضو الموضوع مش سهل، أنا حطيت نفسي مكانه وعذرته بصراحة.
_ أمال أنا اعمل ايه؟ هو على الأقل ساكن معاك في نفس عمارتك انما أنا بعيدة ولوحدي.
غمغم بحنان: بس أنا عندك دايما يا أمي مش بسيبك.
غمرته بنظرة حانية: ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
واستطردت بتمني: كان نفسي توافق تسكن معايا هنا بعد جوازك، الشقة هنا واسعة وفي مكان راقي، أنت عارف انها ميراثي من جدك الله يرحمه، وفي النهاية هتكون ليك.
لثم يزها بتقدير هاتفًا: أولا ربنا يديكي طولة العمر يا أمي وتفضلي منوراها، وثانيا كان من حق مراتي تعيش في شقة لوحدها، عشان كده هي رفضت الفكرة وأنا احترمت رأيها.
واستطردت بقوله: وثالثًا يا ست الكل، بابا معايا هناك متونس بيا انتي عارفة إن مالوش حد، عكس حضرتك خالتو بينك وبينها يدوب شارعين، وخالو كمان قريب منكم، يعني مش لوحدك وفيه اللي يسأل عنك.
ليختم بقوله: أعتقد كده قسمة العدل.
أبتسمت وهي إليه برضا قائلة: عندك حق يا آدم، وأنا مبسوطة إن والدك قريب منك ومسنودين ببعض.
أومأ اها متفهما ليرمقها بنظرة شاردة قبل أن يفيض بما في خاطره: ماما، ليه ماترجعيش انتي وبابا لبعض؟
لم يفاجأها ما قاله، لقد قرأت رغبته هذه بعيناه كثيرا، لكن هي تعلم أن الخيط الذي بينها وبين والده انقطع في ذاك اليوم منذ سنوات، حين تحكم بها غرورها وحماقتها بذات الوقت وأهانته دون قصد بأخر تجمع عائلي مع أسرتها، وهي تقارن عائلته البسيطة بتاريخ عائلتها هي وكيف زحف خلفها لتتزوجه، بمزاحها الثقيل أشعرته بالدونية فأخفى جُرحه وحرجه وتفاعل بالمزاح الظاهر معهم، وحين عادا للمنزل كان هادئا هدوء يسبق عاصفة وشيكة، سألها ببساطة ماذا كانت تقصد بتقليلها من شأنه أمام الجميع؟ وهل تندم علي زواجها منه؟
لتكون إجابتها صريحة حد جرح الكرامة، أخبرته أنها حقا تشعر بالندم لأنها شيدت حياتها على أفكار وردية ساذجة بأن الحب أهم شيء، لتكتشف بالتجربة ان الفقر والحب لا يجتمعان سويا، وأنه حين منعها من مساعدة والدها لها بعد الزواج بحجة أنه رجل لا يقبل مساعدة من أحد كان ظلما منه لها بجعلها تعيش حياة قحط لا تليق بها.
لم تتخيل أن جوابها الأحمق هذا سوف تدفع ثمنه غاليًا.. طلاق لم يتردد به “علي” لحظة واحدة ثأرًا لكرامته، ربما لو اعتذرت عما بدر منها لعالجت الأمر في مهده، لكن منعها كبريائها من جديد، واجهت الأمر بتماسك عجيب أمام الجميع وهو أولهم، لكن داخلها كانت روحها هشة متصدعة، الحزن غزاها وقتل كل نور داخلها، تشابهت الأيام بعده وأصبحت باردة، افتقدته ولا تزال تذوق مرارة فقده كل ليلة، لكنها لا تعترف ولن تفعلها.
_ ماما، حاولي تبادري وترجعي لبابا، يمكن يكون منتظر منك تشجيع على الخطوة دي، أنتي عارفة أنه طيب ودلوقت محتاجك اوي، وانتي كمان اكيد تعبتي من الوحدة، ولو عايزاني أنا اللي أتدخل بينكم مستعد بس اوعديني بالموافقة.
_ هو أنت روحت أنت ومراتك للدكتور زي ما قولتلي؟
أدرك مرواغتها له وعدم رغبتها بخوض نقاش معه فقال بقلة حيلة: أيوة، واطمنا إننا كويسين والموضوع مسألة وقت وهيحصل.
ابتسمت وعيناها تلمع بحنين: ما تتصورش ابنك أو بنتك لما يجوا هيفرقوا معايا ازاي، نفسي يا آدم أعيش شعور أن عندي حفيد، متهيئلي حياتي هتتغير بعدها.
تبسم رابتا كتفها بحنان: إن شاء الله يا حبيبتي قريب تبقي أحلي تيتة في الدنيا.
واستطرد: هسيبك بقا يا ماما وهعدي عليكي بالكتير بعد بكرة، عايزة حاجة قبل ما امشي؟
_ سلامتك ياحبيبي.
___________
نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر
ولج بيته ليصله على الفور صوت ضحكات صاخبة تتبعها ليجد زوجته وأبيه يجلسان بأريحية والأولى تصيح فور رؤيته: آدم جه أهو.
ثم نهضت نحوه: كويس انك جيت دلوقت عشان تشهد على عمو اللي بيغشني في الكوتشينة.
قهقهه أبيه قائلا: أنتى اللي مش عارفة تلعبي يا لولو ومحتاجة تدريب كبير عشان تقدري تسدي قصادي.
ثم أشار لأبنه: يلا يا آدم غير هدومك وتعالى لاعبيني طاولة، انت حريف واللعب معاك ممتع.
تجعد وجهها بغضب طفولى: كده برضو يا عمو، قصدك أن اللعب معايا مش حلو، طب انا مخصماك، وهسيبكم واروح أحضر الغدا وخلي أبنك ينفعك.
شيعها بقهقهته الرائقة بينما ظل آدم شاردًا بعض الشيء ليتسائل والده بقلق: مالك يا حبيبي سرحان ليه؟ في حاجة مزعلاك؟
مكث يتأمله برهة، يريد أن يخبره بأمنيته أن يعود لوالدته، لكن شعور اليأس تملكه، والده أكثر عندا منها ولن يثمر حديثه إلا مزيد من الإحباط، فنفض أفكاره وقال: لا يا بابا مفيش حاجة اطمن.
اقترب أبيه ومال عليه هامسًا: أوعى يكون شاغلك موضوع الخلفة ده! ليان حكيتلي ان الدكتورة طمنتكم، مفيش داعي تقلق، كله بأوانه يا ابني.
ابتسم مع قوله: لا اطمن مش قلقان والله، أحنا مش كملنا سنة جواز يعني وبجد مش مستعجل على الخلفة خالص، بالعكس حاسس ان مش وقتها أصلا.
واستطردت مشيرًا بمغزي ما: على الأقل أنا ومراتي نفهم بعض أكتر عشان يوم ما ربنا يرزقنا مانظلمش ابننا معانا وندفعه تمن خلافتنا.
وصلته رسالة ابنه الخفية و العاتبة، فتجاهلها وهو يعود لجلسته قائلا بمرح: طب يلا استعد عشان نلعب دورين طاولة سوا.
أومأ له بطاعة: حاضر، بس بعد اذنك هاخد “شاور” واغير هدومي واجي.
__________
بعد شهران.
“آدم، محتاجينك تقوم بدور الحكم”
قالتها بحماس وهي تشرح له تحدي أبرمته مع والده:
أنا وعمو داخلين تحدي قصاد بعض.
آدم بتهكم: أوعي يكون إن كل واحد فيكم ياكل بطة ولا ديك رومي مع حلة محشي زي ما بيحصل الأيام دي، بابا صحته مش حمل أكل زي ده.
قهقه أبيه معلقًا وهو يضرب بفخر صدره بقبضته: مين قالك كده، أبوك معدته تهضم الزلط يا ولد.
ليان: ربنا يديك الصحة يا عمو.
وواصلت تشرح لزوجها: بص يا آدم أحنا عملنا صنفين حلو مختلفين، ودورك يا استاذ تدوق الأتنين وتقول أنهي أحلى من غير ما تعرف كل صنف يخص مين فينا عشان الشفافية، والكسبان هياخد من التاني مبلغ اتفقنا عليه.
أومأ وقد بدأ يبادلهم الحماس: والله حلوة الشغلانة دي، بس المهم تكون حاجة بحبها.
_ أطمن، دول من حلوياتك المفضلة.
سريعا ما وضعت أمامه صحنان وشرع آدم يتذوقهما بتركيز واهتمام ليهتف بقوله: بصراحة الأتنين طعمهم حلو جدا، الكنافة بالقشطة تحفة والبسبوسة تهبل، بس في صنف فيهم بيتفوق بميزة عن التاني.
أبيه: ايه هي الميزة دي؟
_ الكنافة سكرها أقل أو نقول معتدل بالنسبالي، انما البسبوسة سكرها زيادة شوية.
انقلب وجه ليان بخيبة أمل بينما ضحك أبيه صائحا بانتصار: أنا اللي كسبت.
ليان بحزن مصطنع: يا خسارة، يعني اللي عملته وتعبت فيه مش عجبك يا آدم.
أسرع يطيب خاطرها: بالعكس يا حبيبتي أنا قلت ان الأتنين حلوين والله “ثم مال ملثما رأسها بحنان” تسلم ايدك يا شيف لولو.
_ أختشي يا ولد، طب أستني أما انزل.
ضحك مازحا: معلش يا بابا، أصل مقدرش اسيب لولو زعلانة.
لمعت عيناها فرحا ورضا ليغمغم أبيه وهو يعطيها بضع ورقات من النقود: اتفضلي يا ستي جايزتك.
تعجبت قائلة: جايزة ايه يا عمو ده أنا الخسرانة والمفروض حضرتك اللي تاخد مني.
ابتسم لها بمحبة وحنان قائلا بعمق أحساسه بها:
مين قال إنك خسرتي يا ليان، أنتي كسبتي رضايا يا بنتي، كسبتي دعوة خالصة ليكي من قلبي لأنك عرفتي تهوني عليا وتخليني اتخطي موضوع التقاعد ومليتي فراغي وصالحتيني على أيامي اللي كنت خايف معرفش اعيشها..عرفتي بقا مين فينا اللي كسب.
تدفقت الدموع بعيناها وقد أرجف قلبها حديثه الصادق عنها، لمست حبه لها وأيقنت أنها بالفعل ربحت رضا هذا الرجل الحنون الذي لا يقدر بثمن.
_ ايه ياجماعة انتو هتقلبوها دراما ليه كده، وأنا اللي كنت منتظر فنجان قهوة عشان افترس الكنافة والبسبوسة بتاعتكم لوحدي.
ضحكت وهي تجفف دموعها: من عنية يا آدم، حالا هعمل قهوة لينا كلنا.
وقبل أن تغادرهما مالت تقبل رأس أبيه مع قولها: أنا بحبك أوي يا عمو، ربنا يخليك لينا.
منحها ابتسامة حانية وآدم يراقبهما حتى ذهبت تعد القهوة، لينظر لأبيه بنظرة مطولة قبل ان يتمتم: مبسوط يا حاج “علي”؟ أديك أكلت مني الجو وخليت مراتي تحبك أكتر مني.
ابتسم لدعابته بذات النظرة الحانية:
ربنا يخليهالك يا ابني ويسعدكم، مراتك دي لو لفيت الدنيا مكنتش تلاقي ضفرها.
_ عارف يا بابا.. ونفسي ماما تعرف هي كمان.
_ أطمن، أنا واثق في ليان وفي ذكائها أنها هتعرف تكسب والدتك وتجبرها انها تحبها في يوم من الأيام.
_ يسمع منك ربنا.
_ القهوة وصلت.
التفتوا لها ليصيح والده: ما تيجو نتفرج علي فيلم كوميدي عشان القعدة تحلى يا ولاد.
ليان بدعم: موافقة يا عمو، وأنا اللي هختار فيلم على ذوقي.
رمقهما آدم بنظرة محبطة وتخطيطه مع زوجته تلك الليلة كان مختلفًا بعد مغادرة والده، خاصتا أن الوقت ليس باكرًا، لكن يبدو أن السهرة سوف تصبح عائلية، سريعا ما اختارت ليان فيلم مناسب وجلسوا يتابعون باهتمام مع ضحكات يتشاركون بها كل حين، وهو جوارهما لا يشاركهما الحماس.. بل سيطر عليه شعورًا مبهمًا بالضيق وروتين حياته يتغير يوم بعد يوم منذ تقاعد والده دون إرادته..وبطريقة لا تروقه.
_______________
نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر
ايه رأيك يا لولو بما إني أجازة بكرة، نقضي اليوم كله برة ونكسر الروتين؟
راقها اقتراحه بشدة: ياريت يا آدم، بقالنا كتير مش بنخرج برة، نفسي أغير جو.
استغل الفرصة ليلفت نظرها دون توضيح: والله التقصير مش مني، أنتي اللي مشغولة عني طول الوقت مع بابا، يومك كله بقا معاه، تنكري إن كذا مرة اعزمك وانتي ترفضي عشان بابا؟.
قهقهت وهي تقرص خده: أنت هتغير من عمو يا دومي، ما انت عارف اني بحبو اوي.
_ بتحبيه أكتر مني؟
هكذا همس لها وهو يجذبها نحوه بتملك، لتبرق عيناها عشقا وهي تحوط وجهه بكفيها مغمغمة بصدق: حبي لعمو سببه انه والدك، هو السبب بعد ربنا انك جيت الدنيا دي وبقيت ليا يا آدم.
نجحت بالتأثير عليه فغمرها بنظرة دافئة، لتغيب معه بعناق أغرقها بعاطفته، ويصيح بعدها:
خلاص يا حبيبتي، من الصبح حضري نفسك، حتي الفطار هيكون برة، مش هتتعبي في أي حاجة بكرة.
صفقت بطفولة: الله، كمان الفطار برة؟ شكلك هتدلعني علي الأخر وهبقا هانم بكرة.
رمقها بحب يقطر من عيناه: أنتي ست الهوانم كلهم في عيني يا لولو.
رفرف قلبها لإطراءه فمالت تلثم خده مع همسها:
بحبك يا دومي..ربنا يخليك ليا.
………
