نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر الجزء الثاني

نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر
الفصل الثالث.
________

_ طنط عاملة ايه دلوقت يا آدم؟
تسائلت باهتمام وهي تستقبله بعد عودته ليجيبها: الحمد لله بقيت كويسة جدا وبتحرك رجلها أفضل من الأول.
_ والله ياريتها فضلت معانا لحد ما تخف، كنت احطها في عيوني.
ابتسم ممتنا: تسلم عيونك يا حبيبتي.
واستطرد: بس أنا عارف طبع ماما، مش بترتاح غير في بيتها.
_ ربنا ما يحرم حد من بيته.
وواصلت: المهم كنت عايزة اقولك إن بابا وماما عازمنا كلنا عندهم الأسبوع الجاي أول يوم العيد.
_ كلنا اللي هو مين؟
_ أنا وانت وعمو علي وطنط انجي.
صمت قليلا ثم قال: والله مش عارف يا ليان بابا وماما هيرضوا يجوا العزومة ولا لأ، أديكي شوفتي نقارهم يوم عزومتنا وكذا مرة كانوا هيتخانقوا.. ماما بالذات ممكن مش تيجي.
عبس وجهها: لازم تيجي يا آدم، مامتك ولا مرة قبلت عزومة بابا وماما، كده هيفتكروا انهم مش قد المقام.
انزعج لقولها: ايه الهبل اللي بتقوليه ده يا ليان، الموضوع مش كده خالص.. وعموما يا ستي ولا تزعلي، هقنع ماما تحضر.
صائحة بفرح: بجد؟
_ أه والله، خلاص الموضوع عندي.
_ ماشي يا حبيبي، وأنا هقول لعمو اما يطلع وقت السحور، أكيد مش هيكسفني وهايجي.
_ إن شاء الله يا حبيبتي.
………
“مش هاجي”
هكذا كان ردها ليعاتبها قائلا: كده برضو يا ماما بتكسفيني؟ ده أنا بقولك عشان خاطري.
_ يا آدم أنا مالي بعزومة نسايبك؟ ليه لازم احضرها معاكم؟!
تهكم بقوله: والله السبب بسيط خالص.. حضرتك تبقي أمي والمفروض انك تكبريني قصاد أهل مراتي بأنك ترحبي بعزومتهم وتيجي معايا.
هتفت ساخرة : البركة في باباك هيروح معاك ويعمل الواجب
_ وحضرتك كمان لازم تبقي موجودة.
ثم ترجاها بقوله: عشان خاطري يا ماما لو بتحبيني تعالي، وأوعدك انبه علي بابا مش يستفزك أو يضايقك لما تتقابلوا.
مكثت ترمقه لحظات بغيظ ليرق قلبها بالأخير: حاضر يا آدم، عشان خاطرك بس.
قبل رأسها بفرحة: والله كنت عارف إني مش أهون عليكي.
تمتمت بحنان: عمرك ما تهون يا آدم، أنا معنديش أهم ولا أغلي منك.
_ حبيبتي يا أمي، ربنا مايحرمني منك.
________
نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر

الدفء الذي لمسه في بيت عائلة ليان جعله يتحسر علي حاله، كم طاق أن يعيش حياة بسيطة كهذه، الضحكة النابعة من القلب لا تنقطع حوله، والابتسامة الراضية تضيء كل الوجوه، المزاح الذي لا ينقص من هيبة أحد بل يزيد المحبة والترابط بينهم، ليصير للعيد معهم طعما جديد ومختلف.
_ والله نورت يا استاذ علي أنت ومدام أنجي، العيد بقا عيدين بحضوركم.
شكره وبادله ترحيبه بالمثل بينما اكتفت أنجي بابتسامة شكر معتدلة ثم راحت ترمق كل شيء حولها بفضول، المكان يبدو شديد التواضع، لا تدري كيف تعيش تلك الأسرة الكبيرة بمسكن صغير هكذا..لا تزال داخلها غير راضية عن زيجة آدم، كانت تطمح أن تزوجه ابنة خالته أو ابنة إحدي صديقاتها ذوات العائلات الغنية العريقة، لكن ماذا تفعل، رضخت لرغبة ابنها الذي يحبها بالأخير.

_ أزيك يا طنط، كل عام وحضرتك بخير.
هكذا رحبت بها شقيقة ليان الصغرى و التي صاحت بانبهار وعفوية: يا بختك يا لولو، حماتك حلوة اوي بصراحة.
راقها إطراء الصغيرة ولمعت عيناها ببعض الغرور لتهتف ليان: أمال يا بنتي، ده لما بنمشي سوا في الشارع بيفتكروا أختي الكبيرة.
نالت من انجي ابتسامة راضية عن قولها، ليميل عليها والد زوجها بالجانب الأخر هامسا: شاطرة يا لولو، حماتك تحب أوي اللي ينفخها ويحسسها انها بنت التلاتينات.. أستمري أنتي ماشية في الطريق الصحيح لترميم العلاقة.
كتمت ليان ضحكتها بأعجوبة وهي تدري أنها ربحت تلك الجولة مع والدة زوجها وكسبت بعض رضاها.

_ يلا يا جماعة السفرة جاهزة.
استجابوا جميعا لدعوة والدة ليان واستداروا حول المائدة لتكون الوليمة مفاجأة غير سارة لآدم ووالدته التي صاحت: هو ايه الأكل ده أنا مش عارفاه؟
ضحكت السيدة وتولت الرد قائلة: ده فاضلة خيرك أكلة العيد الجامدة، كرشة وفشة وممبار وعكاوي اللي هو ديل العجل لا مؤاخذة، وصنية حلويات كدة مشكلة وطواجن لحمة راس وطاجن كوارع مع طواجن لسان..
لتختم قولها بفخر: من الأخر أكلة ملوكي تستاهل بقكم يا أم آدم.. هو أنتوا بتشرفونا كل يوم.
_ لسان وديل ولحمة راس؟!
سعل آدم بقلق من هذا المأزق، فهو ووالدته لا يتناولون تلك الأكلات بل تثير داخلهم شعور التقيء الذي تلبدت به ملامح والدته، فأنقذها مسرعا:
طب معلش يا جماعة هاخد ماما علي جنب أقولها حاجة مهمة.
وجذبها سريعا بغرفة جانبية لتصيح بامتعاض واضح مشيرة لصدرها: أنا أكل الحاجات دي يا آدم؟ أنا عمري ما دخلتها البيت ولا عملتها ولا اعرفها، في حد طبيعي ياكل لسان عجل وراسه وديله ورجليه؟! دول أكيد مش بشر ولا طبيعين، يلا نمشي أنا خايفة.
_ ايه الأفورة دي يا ماما هو احنا معزومين عند مصاصين دماء؟! ده أكل مفضل عندهم.
امتعضت بقولها: يععع هو ده بتسميه أكل؟ مش قادرة خلاص.. مجرد الفكرة هتخليني أجيب اللي في معدتي “ثم صاحت عليه بحدة” قولتلك بلاش أجي، عاجبك كده؟
_ والله يا ماما ما اعرف انهم هيعملوا الأكل ده، ومجاش في بالي أسأل ليان وكنت هتكسف أصلا أسأل سؤال زي ده لأنه مايصحش.
_ لكن مش مكسوف تجبني وتحطني في الموقف السخيف اللي أحنا فيه؟ أنا مستحيل أكل الأكل اللي برة ده.
وواصلت بحدة: وبعدين هي مراتك دي هتفضل كده؟ كان لازم هي اللي تعرف نوع الأكل ايه بدال ما تكرر بغباء نفس الموقف معاك ومعايا المرة دي.

_ مالك يا طنط؟ في ايه يا آدم؟ الأكل هيبرد والكل مستنيكم.
فاجأهم دخول ليان عليهم لتهتف انجي بتهكم:
خليه يبرد مش هتفرق والله.
غطى علي سخرية والدته بقوله:
معلش يا ليان أصل ماما مالهاش في الأكل ده، ولا أنا طبعا، شحب وجهها بصدمة ليتسائل باهتمام: هو انتي كنتي تعرفي ان والدتك عاملة الأكل ده؟
صاحت سريعا: لا والله يا آدم، بس توقعت تعمل صواني بشاميل وجلاش ونواشف.. هي بتعمل كده للضيوف دايما.
واستطردت بمزيد من الخجل: أنا مش عارفة أقول ايه ليك أنت وطنط بجد أنا أسفة، ياريتني سألت ماما قبل ما نيجي.
غمم برفق مشفقا عليها: حصل خير يا ليان، أنا هعزم ماما برة مفيش مشكلة، وانتي بس عرفيهم ان معدتها تعبانة شوية وهاخدها للدكتور، وبعدين هرجعلك أنا بالليل أخدك.

” يلا يا جماعة جوعتونا”
وصلهم صياح والدتها لتتبادل ليان معهم نظرة مرتبكة وهي بموقف لا تحسد عليه.
لتفاجأهم والدتها بقدومها تحمل شيئا قائلة:
جبتلك أكلك هنا لتكوني مكسوفة تاكلي برة.
ثم قالت بعشم تلقائي: والنبي لا تدوقي حتة العكوة دي يا أم آدم وتقولي رأيك.
رمقت انجي ما بيدها مذهولة باستنكار ثم شعرت بغتة بالدوار وكادت تقع لولا أن لحقها آدم.
……
_ هي الحاحة أم آدم مالها يا استاذ علي بعد الشر؟
أجابه الأخير وهو يضع المزيد من الطعام في صحنه:
عندها شوية مغص كده ودوخة ماتحطش في بالك، أدم خدها على الدكتور الخاص بتاعها.
ثم تجاهل الأمر برمته صاح بإعجاب: بصراحة يا بختك، أم ليان عاملة الأكلة دي بمعلمة، بقالي سنين مش أكلتها بالحلاوة دي.
فرح الرجل بإطراءه وتمني له أكل شهي ثم راح يقرب له الأطباق مع قوله: أوعي الممبار ينسيك تدوق طاجن العكاوي يا ابو نسب.
_ عيب عليك يا ابو لولو، ده أنا مخليه للأخر أحلي بيه.
_______
نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر

_ مش قادرة ابص للأكل، من امبارح معدتي مقلوبة كل اما افتكر الحاجات اللي كانت علي السفرة.
ضحك رغما عنه لمظهر والدته وقال: والله يا ماما الأكل مكانش بالسوء ده؟
رفعت حاجبيها بريبة: هو أنت أكلت منه؟
أجلي صوته قليلا وقال: بصراحة لما رجعت اجيب ليان سهرت معاهم شوية، وحمايا صمم يدوقني حاجة منهم، لقيتها والله مش وحشة وطعمها عجبني، تقريبا كانت عكاوي.
شهقت بصياح: أكلوك ديل العجل يا آدم؟!
قهقه لرد فعلها وشاكسها وهو يهتف بمبالغة:
وحبسوني في أوضة ضلمة وكانوا هياكلوني يا ماما.

شهقت ثانيا ليزداد ضحكه الذي هدأ مع قوله:
نكلم جد بقا يا ماما، بلاش تزوديها الناس أحرار، كل واحد ياكل اللي يعجبه مش معقول تحكمي عليهم وتقيميهم بذوقهم في الأكل.
واستطرد مبتسما: تعرفي يا ماما لما رجعت وكملت معاهم السهرة، حسيت حقيقي بالعيد، عيلة ليان عيلة بجد جميلة وتتحب، بس انتي ادي نفسك فرصة تعرفيهم صح.

_ ولا أعرفهم ولا يعرفوني، كده حلو اوي، مش هروح عندهم تاني أساسًا.
تنهد بيأس: براحتك يا ماما..المهم أنا همشي عشان عازم ليان علي سهرة برة ومش عايز اتأخر عليها، تحبي تيجي معانا؟
_ لا خليكوا براحتكم، خالتك وبناتها هيعدوا عليا بعد شوية يسهروا عندي.
_ طب عايزة حاجة اجيبهالك؟
_ لا يا حبيبي أنا عملت أوردر بكل طلباتي.
لثم رأسها بحنان: ماشي يا حبيبتي، ابقي سلمي عليهم.
ثم توقف قبل مغادرته: ماما من فضلك، أوعي تكلمي مع خالتو وبناتها عن نسايبي كلام مش لطيف، والله هزعل لو عرفت كده.
زفرت بضجر: يلا أمشي يا آدم.
رفع إصبعه محذرا: برضو هزعل واعرف، ماتزعليش وقتها لو أخدت منك موقف يا انجي هانم.

استعدت لاستقبال ضيوفها بارتداء ثوب مناسب ثم راحت ترص البسكوتات في صحن أنيق واطمئنت علي الوليمة التي اعدتها للعشاء، وجلست بهدوء تنتظر حضورهم.
———

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *