نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر الجزء الثاني

انتقت ثوب مناسب لتقضي به مع زوجها نزهتهما خارج البيت بيوم عطلته كما اتفقا بالأمس، وقبل ان تكمل استعدادها فاجأهما قدوم أبيه مبكرا.
_صباح الخير يا ولاد عاملين ايه؟
تبادلت مع زوجها نظرة متوترة خاصتًا مع استرسال أبيه: انهاردة الجمعة قلت اطلعلكم بدري نفطر سوا وبعدين اروح مع آدم المسجد عشان الصلاة واقضي باقي اليوم معاكم.
ثم أشار لحقيبة بلاستيكية بيده: جبتلك حبة سمك بلطي طازة للغدا هيعجبوكي اوي يا لولو، موصي عليهم من يومين.
لاحظ نظرات ابنه المتجهمة  فاسرع يخبره وهو يظنه مستاء من اختياره: عارف عارف يا سي آدم، مبتحبش السمك البلطي زي امك.. قصدي الست والدتك عشان متتعصبش، بس أنا عامل حسابي وجبت جمبري وسبيط من اللي بتحبهم..خدي يا حبيبتي حطيهم في التلاجة واطمني هما متنضفين وفلة، وانا بعد ما ارجع من صلاة الجمعة انا اللي هعملكم أحلى غدا من إيدي هتاكلوا صوابعكم وراه.
………
مضى اليوم باكمله مع والد زوجها واخيرا تركهم بعد أن تأخر الليل هابطا لشقته بنفس البناية، توجهت لآدم تشعر بالقلق الشديد، لم يكن راضيا عن مسار يومهما، وجدته محبطا عابسًا طيلة الوقت، توجهت نحوه تتأهب جيدا لثورته المرتقبة بعد ان أفسد والده دون قصد تخطيطهم لليوم خارج البيت.

_آدم.
_نعم؟
رده كان مشحونًا بحدة فاقتربت تحدثه برفق: طب قولي كنا نعمل ايه ووالدك طالع وعشمان يقضي معانا اليوم كله؟ اطرده يعني؟ ده برضو ابوك، ومفيش حد يسليه غيرنا.
_والله في حاجة اسمها قهوة يقابل عليها أصحابه اللي في نفس ظروفه، يروح نادي، يقرأ حبة قرءان زي كتير في سنه، يقرأ كتاب يسليه، مش كل اليوم عندنا بالشكل ده وتقوليلي عشم، ده مش مراعي ابدا اني من حقي اخد مساحة من الخصوصية في بيتي علي الأقل في يوم اجازتي..من نفسه رسم هنقضي يوم أجازتنا ازاي، مجاش في باله ابدا يكون لينا رأي تاني؟ حتى نوع الأكل فرضه علينا.
ليصمت ملتقطا انفاسه من فرط غضبه مستطردا: ولو بابا معذور، انتي عذرك ايه؟
قابلت عتابه الثائر بدهشة:  أنا؟ وانا ذنبي ايه طيب؟
هدر بحدة:  ذنبك انك مطاوعاه في كل حاجة يا ليان.
ثم راح يغير صوته يقلدهما بسخرية لاذعة:
نلعب دورين كوتشينة يا لولو؟ ماشي ياعمو وهغلبك..
نتفرج علي فيلم حلو يا لولو؟ الله دي فكرة حلوة ياعمو وهختارلك فيلم يجنن وتجري تعملي فشار وعصير واحتفالات ولا كأنك في العيد..معطلك عن حاجة يا بنتي؟ لا خالص يا عمو انا فاضية ومش ورايا حاجة، كل يوم ينتهي وانتي معاه وحواليه زي النحلة كأن هو اللي جوزك، انا مش في حساباتك اصلا.
واستطرد بثورة لم تهدأ: أنا اما طلبت منك تسيبي شغلك بعد الجواز وتتفرغيلي كنت اقصد تتفرغيلي أنا مش ابويا، بجد دي مش عيشة.

لتجده بغتة يبحث عن شيء ما حتى وجدته يلتقط ورق الكوتشينة ويمزقه قطع صغيرة مفرغا به طاقة غضبه، ثم رمقها بنظرات حانقة وتركها مغادرًا البيت.

_________

الفصل الخامس
________

لم تجد أحدًا تلجأ إليه سوي والدتها التي صاحت عبر الهاتف بقلق: طب صلي على النبي وبطلي عياط وفهميني بالراحة، جوزك ساب البيت زعلان ليه؟
حاولت ان تهدأ وهي تحدثها، قصت عليها كل ما حدث، ليكون رد والدتها:  لا حول ولا قوة إلا بالله، بصراحة وضع يحير فعلا، من ناحية جوزك مفتقدك وعايزك تهتمي به أكتر، وفي نفس الوقت حماكي زي أبوكي ولازم ياخد واجبه مهما كان.
غمغمت من بين دموعها:  طب قوليلي اعمل ايه يا ماما؟ ازاي اراضي آدم ومجرحش عمو وازعله؟
_ بالذكاء والحيلة يا بنتي.
_ مش فاهمة يا ماما.
_ يعني مثلا لما تلاقي حماكي طالع عندك زي انهاردة كدة وانتي عايزة تقصري معاه بشياكة عشان تخرجي مع جوزك تبسطيه، قوليلي تصور ياعمو ماما كلمتني وقالتلي عايزاكي تيجي انتي وآدم تتغدوا معانا، هتلاقيه هو من نفسه بيقولك انزلي روحيلها وهيفهم انكم مشغولين ويسيبكم من غير ما يكون في إحراج لحد فيكم، ساعتها هيشوف أي طريقة تاني يقضي بيها يومه بعيد عنكم بدون مايحصل زعل.
لتواصل:  هو ده يا بنتي الذكاء اللي اقصده، أخرجي من المواقف حتي لو بكدبة بريئة عشان تسعدي جوزك ويحس ان له أولوية عندك، ده حق أي راجل يا حبيبتي.
_ بس يا ماما أنا برضو مستغربة من عصبية آدم، المفروض يبقى فرحان إني بحب والده وبهتم بيه.
_ ومين قالك انه مش مبسوط؟ بس المثل بيقولك اللي يزيد عن حده يتقلب ضده، وشكل طبع جوزك مختلف شوية، أنتي اهتميتي بوالده علي حسابه هو، وأي راجل في الدنيا بيبقي من جواه زي الطفل، بيغير ويحب يحس انه الأول عند اللي بيحبه.. انتي جيتي شوية علي حقه يا ليان من غير قصد طبعا.
تنهدت وهي تعترف لها:  بصراحة يا ماما وحضرتك بتتكلمي افتكرت كذا موقف كدا بينا، حسيت فعلا اني قصرت معاه، أنا حاسة انه فضل ساكت لحد ما انفجر.
_ بالظبط، وانتي شطارتك تحتوي كل ده بحنانك واهتمامك.
أومأت براحة وهي تجفف دموعها:  فعلا يا ماما عندك حق، أنا اللي لازم اتصرف وأكسب الكل.
ثم غمغمت بمحبة خالصة: ربنا يخليكي ليا يا أمي وتفضلي دايما في ضهري وعيوني اللي بتنور طريقي.
_ ويهدي سرك يا نور عيني، يلا روحي رتبي نفسك قبل ما آدم يرجع عشان تصالحيه.
________
عاد متأخرا وما أن ولج لبيته حتى لاحظ العتمة الشديدة، تعجب داخله فزوجته تهاب العتمة ولا تطفيء الأنوار بأكملها هكذا، بحث عن ذر الإضاءة ليجد بصيص نور طفيف يأتي من غرفة نومه، توجه نحوه بحذر ليفاجأ بشموع مشتعلة ومتراصة أرضا بترتيب جذاب، وهي مقدمة عليه بطلة مبهرة خطفت بصره وقلبه معا، أراد قول شيء فمنعته وهي تمسد شفتيه برقة:  بعدين نتكلم، دلوقت وقت الحب وبس.
رغم غضبه الذي لم يخمد داخله بعد، أطاعها مسحورًا تاركا طوفان مشاعرهما يبحر بهما كيفما شاء، لتنقضي بينهما ليلة لن يبالغ لو قال أنها من أجمل لياليهما سويا، نججت ليان بتذويب كل غضبه وضيقه وبددتهما لسعادة غمرته بها حتي ذاب بين ذراعيها وكان نومه هانيء وهو راضيٍ عنها.. وهذا أكثر ما أرادته تلك الليلة.
………
وعد جديد أبرمته معه أنها سوف تعالج أمر والده بحكمة ولن تجور على حقه بها بعد الأن، حاول تصديقها وانتظر ليرى قولها فعلا.
…….
” هعملك انهاردة أكلتك المفضلة يا دومي، صنية لازانيا بحشوة جديدة هتاكل صوابعك وراها انت ولولو”
قالها وهو يضع المكونات أمامهما مستطردا:
حضري الكوتشينة يا لولو عشان بعد ما اخلص نلعب دورين واغلبك زي كل يوم.
ترقب آدم كيف سوف تعالج هذا الأمر مع والده بعد أن مزق أوراقها بالأمس من فرط غضبه، ليجد وجهها يكسوه الأسف مع قولها: والله مش عارفة اقولك ايه يا عمو، أصل أختي واخويا الصغير عدوا عليا شوية الصبح بدري، ومن غير ما اخد بالي الولد قطع ورق الكوتشينة كله، حضرتك عارف شقاوته.
أنتظر آدم رد فعله والده الذي قال ببساطة: ومالوا يا بنتي ده عيل مش فاهم حاجة، واستطرد: انزل يا آدم هات كوتشينة جديدة علي ما اخلص اللازانيا واحطها في الفرن، وبعد الغدا نتفرج علي فيلم حلو.
حاول كتم غيظه وهو يغمغم باقتضاب:
حاضر، عن إذنكم.
سريعا ما غادر وأبيه يؤگد عليه ألا ينسي شراء طلبه، لتمكث هي شاردة الذهن شاعرة بالفشل في تنفيذ نصائح والدتها، لم. تستطع معالجة الأمر كما وعدت.
طال غياب زوجها فأدركت أنه لن يأتي وربما لجأ لوالدته كعادته كلما أساءه شيء.
_ آدم أتأخر أوي يا ليان الأكل اللي بيحبه برد،
اتصلي يا بنتي شوفيه فين؟
فعلت لتعود وتخبره:  معلش يا عمو بيقول وهو في الطريق طنط كلمته وكانت عايزاه ضروري، فاضطر يعدي عليها وبيقول هيتأخر شوية.
أومأ بتفهم:  مفيش مشكلة مادام والدته محتاجاه
وواصل بحماس: خلاص تعالي نشوف أنا وانتي ندوق اللازنيا أحسن مش قادر أصبر وعايز اعرف رأيك.
ابتسمت نصف ابتسامة وفعلت ما أراده، أثنت على وصفته بعد تذوقها ثم جلست جواره شاخصة البصر بحال زوجها، ينتابها خوف أن تفسد العلاقة بينهما، كما تخاف أن يشعر والده بشيء.. صراع احتد داخلها لينتهي الفيلم المعروض أمامها دون أن تعي منه شيء.
غادرها أبيه بعد أن يأس من حضوره أبنه، بينما ظلت هي تترقب عودته بقلق، ولم تعمل حسابا لسلطان النوم الذي داهمها، غرقت بنومها دون الشعور بمجيئه متأخرا في الليل.

استيقظت تبحث عنه ولم تجده، هاتفته ليرد برسالة قصيرة ” أنا مشغول دلوقت، هكلمك لما افضى”.. تنهدت بضيق توبخ نفسها علي نومها قبل مجيئه ومصالحته، وراحت تفكر كيف تجد حلا جذري لما يحدث، دون جرح مشاعر الرجل الذي تعتبره مثل أبيها.

مر الوقت ولم يصعد والد آدم گعادته، مما أثار تعجبها، ليس بعادته ألا يأتيها بمجرد أن يستيقظ من نومه،  للحظة رق قلبها وكادت أن تهبطت إليه تتفقده، لكنها اضطرت لتجاهل الأمر  خاصتا وزوجها علي وشك العودة، ولا تريد صدام جديد معه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *