نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر الجزء الثاني

لاحظت أنه يقود سيارته بعبوس شارد فتسائلت بقلق: مالك يا آدم؟
هز رأسه نافيا باقتضاب: مفيش.
_ يا سلام؟! كل ده ومفيش؟ أنا عمالة اكلمك وانت في عالم تاني مش سامعني، وبعدين ركز في الطريق ماينفعش تسرح وانت سايق.
حدثها بحدة: ليان قولتلك مفيش ومركز متقلقيش.
صمتت ترمقه بعتاب ثم قالت: طب لو سمحت روحني البيت.
_ بس احنا اتفقنا نسهر برة وخلاص قربنا نوصل للمكان اللي عازمك فيه.
_ لأ، مش عايزة اسهر مع واحد مكشر وبيتعصب عليا من غير سبب.
أوقف سيارته ومسح علي وجهه يهديء نفسه قليلا قبل ان ينظر لها معتذرا: أسف يا ليان، أنا فعلا مضايق شوية.
_ هسامحك لو قلت السبب.
انفجر بقوله: تخيلي أمي أنا يجيلها عريس؟ نازل من عندها لقيت راجل كبير طلعلي معرفش منين بيقولي بتهذيب مبالغ فيه أنه عايز يقابلني ولما سألته ليه، قالي عايزني في حاجة تخص والدتي.
لم تستطع كبت ضحكتها فحدجها بحنق محذرا: ليان.
_ أسفة والله غصب عني، بس تخيلت الموقف ضحكني، واستطردت تحاول التحكم برغبتها بالضحك: طب انت عرفت منين انه عريس؟ مش يمكن عايزك في حاجة تاني؟
صاح بغيظ: منا سألته طبعا، قالي على طلبه باحترام شديد ورخم، حسيته خلاص قرب يقولي يا عمو أنا طالب إيد صاحبة الصون والعفاف والدتك إنجي هانم.
انفجرت ليان تضحك دون تحكم ليغمغم آدم بسخط: شوفتي ليه مكنتش عايز اتكلم؟ أديكي عصبتيني زيادة.
_ خلاص والله حقك عليا، أصل بصراحة تخيلت الراجل ده حسن حسني معرفش ليه فضحكت.
لتستطرد ببعض الجدية: بصراحة يا آدم طبيعي جدا مامتك يجيلها عرسان، دي زي القمر ما شاء الله وتبان أصغر مني، مهتمة بروحها وشكلها بنت أكابر وأنيقة في نفسها، عادي جدا حد يعجب فيها.
_ تصدقي أنا هرجعك البيت واروح عند أمي اسهر معاها هي وخالتو وبناتها أحسن؟
نظرت إليه بعدوانيه: نعم؟ خالتوا وبناتها ولا تقصد بنت خالتك اللي كانت مامتك عايزاك تتجوزها قبلي؟
أثار غيظها متعمدا: قصدك بوسي؟ والله ليها وحشة.
اندفعت تقبض على عنقه بعنف صائحة بتهديد:
طب أنا هخلي الدنيا كلها توحشك يا آدم.
قهقهة وحاول التخلص من يدها وهو يسعل: يخربيت جنانك كنتي هتموتيني.
_ وديني عند بابا وماما.
رمقها بتعجب: أنتي بتتكلمي جد؟
صمتت عابسة واغرورقت عيناها ليشعر بتأنيب الضمير بعد مزاحه الثقيل، فضم كتفيها بحنان مع قوله: انتي عبيطة يا لولو، عيونك تدمع عشان هزاز عادي؟
هتفت باكية: لا ده مش هزار، أنا مش ممكن أنسى ان مامتك حاولت تجوزهالك قبلي، ما هي أكيد طالعة حلوة لمامتك وخالتك وممكن تفكر فيها.
_ لا بجد انتي مجنونة رسمي يا ليان، أنتي مقتنعة باللي بتقوليه؟
رمقته بلوم حزين ليتنهد قبل أن يميل يقبل خدها برفق حاني مع همسه: هو أنا عيوني بتشوف غيرك ولا أحلي منك يا لولو؟ شكلك متعرفيش بحبك قد ايه، وبعدين يا عبيطة هو انا لو عايز بنت خالتي كان ايه منعني؟ بس هي بالنسبالي أختي وهتفضل كده.
ثم غمزها بعبث: أنت اللي خاطف القلب وساكن فيه.
ابتسمت بعد ملاطفته ثم عاتبته برقة: بس برضو هزارك سخيف وزعلني.
_ حقك عليا يا قلبي.
ثم صاح متذكرا بغتة سبب ضيقه:
خلينا بقا في النصيبة اللي أنا فيها دي، جدو العريس بسلامته مستعجل علي مقابلتي وعايز يعرف رأي ماما، بفكر ارفضه من غير ما حد يعرف.
_ بالعكس دي فرصة لازم نستغلها.
_ نستغلها ازاي مش فاهم؟
لمعت عيناها بمكر: هقولك.
_________
“خد رأيي باباك”
نظر لها باستنكار قائلا: يعني ايه يا ماما، حضرتك بتفكري توافقي على الراجل ده؟ عايزة تتجوزي؟
هزت كتفيها ببساطة: وليه لأ؟ أنا لسه صغيرة ومطلوبة.
_ صغيرة؟ ماما انتي عديتي خمسين سنة.
_ ولد احترم نفسك وانت إش عرفك؟ أنا لسه خمسة واربعين سنة وفي عز شبابي.
_ عز ايه؟
ثم مسح علي وجهه قائلا بلطف قدر استطاعته:
يعني افهم من كده انك موافقة استقبل الموميا اللي هربان من الفراعنة ده واقوله انك موافقة عليه؟
لمعت عيناها بغموض وهي تخبره:
قلت أعرف رأي بابا الأول وبعدها هقولك رأيي النهائي.
…… .
“يعني أمك جايلها عريس؟”
_ أيوة يا بابا، وهي عايزة تعرف ري حضرتك قبل ما توافق.
_ يعني بتفكر توافق؟
ليان متدخلة: وليه لأ يا عمو، طنط بصراحة لسه قمر
وتستاهل الرجالة تعجب بيها.
زغر لها آدم فقالت بحرج: أقصد تستاهل فرصة تانية، تتجوز وتعيش حياتها مع إنسان يحبها، ولا ايه يا رأيك يا عمو؟
دار عليهما بنظرة باردة قبل أن ينهض قائلا بجمود: لو أمك فعلا بتفكر توافق يا آدم، قولها بابا بيقولك مبروك وهو اللي هيشهد على عقد جوازها على المرحوم.. قصدي العريس.
وغادرهم لينظر آدم بأثره متعجبا: ده وافق!
مش قولتيلي هيضايق ويغير.
_ ما هو ده اللي حصل يا ذكي، انت مش شايف كان بيتكلم ازاي وبيداري عصبيته.
_ لا ما شوفتش حاجة.
_ تبقا مش لماح، لعلمك ده زمانه هيتجنن دلوقت وغيران عليها.
_ ولما هو هيتجنن وغيران يا فالحة ليه مش فكر يرجعها؟ وهي ازاي تشترط موافقته؟
_ طنط أصلا مش هتوافق، هي عايزة تثير غيرة باباك مش أكتر.
شعر بالحيرة ليهتف بحدة: ايه لعب العيال ده!
صاحت تؤيده بضجر: بصراحة عندك حق، باباك ومامتك دول مش عاقلين ولا عارفين مصلحتهم.
رمقها باستنكار فصاحت سريعا: سوري يا دومي.
_______
_ أنتي صحيح هتتجوزي يا انجي؟!
ابتسمت متهكمة: جواز ايه يا نجلا انتي اتجننتي؟
لو عايزة جواز من الأول كنت عملتها من زمان.
_ أمال ليه طلبتي تعرفي رأي طليقك.
ابتسمت بمكر دون ان تجيب لتهتف شقيقتها:
عايزاه يغير عليكي؟ لسه شاغلك بعد السنين دي كلها؟
اختفت ابتسامته ليحل محلها شرود حزين وشقيقتها تواصل: انتي محبتيش ولا هتحبي غير علي يا انجي، لو كنتي اتنازلتي عن كبريائك واعتذرتي زمان يمكن كنتم فضلتوا سوا، بس انتي دماغك ناشفة، طول عمرك فيكي الشيء وعكسه، حنينة بس ساعات تكوني في قمة القسوة، طيبة وفجأة تقلبي للشر، ياما اتصرفتي تصرفات وندمتي عليها، كتلة متناقضات مش مفهومة.
_ يااه! أنا كل ده يا نجلا؟ طب لو سمحت أنا عاجبة نفسي كده، مفيش داعي لرأيك ده، خلاص كل شيء انتهي ومالوش معني الكلام.
لم تستسلم وهي تواجهها بالحقيقة: أنجي انتي وعلي لسه بتحبوا بعض بس بتكابروا، وبعدين انتي غلطتي وجرحتيه يومها وكان لازم…
_ قولتلك اسكتي يا نجلا ومتتكلميش في حاجة ماتت ولا تتدخلي..أنا راضية بحياتي زي ما هية ومش ندمانة على حاجة.
من فضلك بلاش تفكريني بالسخافات دي مرة تانية.
_______
“ندمانة اني اتجوزتيني يا انجي”
تساؤل استحضره عقله بصوت الذكرى البعيدة، لم يكن مجرد تساؤل بقدر ما كان قرار أخذه بينه وبين نفسه حينها، وجاءت إجابتها الصريحة القاسية تدفعه دفعًا لهذا القرار “انتي طالق يا انجي”
لم يحصد الراحة بعدها وحبها ظل يعربد في قلبه، لكنه حافظ علي كرامته التي لم يكن لديه أهم منها، ولا ينكر اليوم احتراقه بالغيرة وهي ترسل له من خلال ابنهما أنها تفكر بالزواج..الحمقاء.
يدري أنها لن تفعلها، هي مثله لم تنساه، ورغم كل عيوبها لا تقبل بديلا عنه.. يدرك هذا جيدًا.
انتبه بغتة لبركان القهوة الذي أغرق وجه الموقد ليزفر بحنق: كانت ناقصاكي انتي كمان، طب والله منا شاربك.. هعمل كباية الشاي برقبتك.
________
بعد ستة أشهر.
التقاعد.
مرحلة قاسية لم يكن يعمل لها حسابًا بأخر العمر، ظن أنه سوف يصبح استثناء من تلك القاعدة السخيفة وذاك القانون المجحف في حق من مثله، لما يحرمونه ممارسة دوره في الحياة ولا يزال قادرًا علي العطاء أضعاف ما مضى؟ لما يحكمون عليه بالنبذ ويسلمونه تسليمًا غادرًا لشعور مميت بالعجز والوحدة وأنه لم تعد له فائدة أو قيمة؟ الخيبة تشق قلبه وتجرح مشاعره، عاد لبيته مثقلًا بالهموم، مكث وقتًا ليس قصيرًا يطالع السقف بشرود، دوى صوت الأذان فاستعاذ من الشيطان بضميره وقرر أن يحارب كآبته بالصلاة لعل الله يشرح بها صدره، وبالفعل غمر روحه الكثير من السكينة وتغلغلت في قلبه بعض الراحة بعد أن ناجى ربه سرًا بسجوده أن يعينه علي أيامه القادمة.
________
نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر

