الحب للجميلات
عَلي صوت المذياع بأرجاء القصر بالقرأن الحكيم الذي كان يرتله القارئ ‘ مشاري راشد العفاسي ‘ بصوته الخاشع، كان الصمت يعم ارجاء البهو الا من بعض شهقات كانت تخرج في كل حينا والاخر، من سيدة القصر السيدة الوقور ‘ سوزان سليمان ‘ بالفعل كانت ملامحها متماسكة الي حد كبير، لكن بدون ذنب كل فنية والاخري تنفلت منها شهقة وجع جديدة دون انتباه منها، فالميت رفيق الدرب، الذي حيت معه عمرا كاما من حزن .. وجع .. وهناء !
قلبها المفطور من قبل علي ابنائها لم يستطيع ان يتحمل صدمة فقدانه التي اتت فجأة، لم تكن بالمفاجأة ابدا فقد كان السيد ‘ عبد الحميد سليمان ‘ مريض لمدة شهرين فاتوا وحالته في غاية الخطورة ايضا، لكن لانها تبغض فكرة الفراق ظنت انه سينهض ويهب الي الحياة مرة اخري، لكن كل هذا لم يحدث ..
خرجت من بين شفاتيها المغلقتين شهقة بكاء اخري متألمة، بدون شعور سقطت من عينيها دمعة بها الاف القصص التي تُحكي بداخلها بحروف وجعها علي زوجها الحبيب، لم تشعر سوي بكفا يربت علي ظهرها المنحني الذي لم يعتاد الانحناء في وجود زوجها مسبقا وصوت ‘ سلمي ‘ يقول:-
_ماما الحاجة كفاية كدا عينك من العياط .. حَمرت
قالتها سلمي ‘ زوجة حفيد سوزان ‘ بشفقة وهي ترمقها بحزن علي حالها، فمنذ علمها بالخبر وحتي تمام دفنه، والسيدة سوزان مازالت تبكي بلا توقف، تتماسك ولم يجدو تماسكها نفعا فتعاود البكاء، هكذا منذ التاسعة صباحا ولحتي حل المساء علي الاجواء ..
خرج صوتها متحشرجا ضعيفا وهو الذي ما كان يخرج الا قويا .. صارما في بعض الاحيان:-
_عبد الحميد مات ياسلمي، مش هشوفه تاني ياسلمي
وعادت تبكي، لكن تلك المرة سلمي اخذتها بين احضانها تربت عليها وهي تشاهد ضعفها بتألم عليها
رغم ان سلمي لم تكن يوما ذات قلب حنون .. عطوف، تستطيع جيدا ان تخفي عواطفها، لكن حالة السيدة سوزان بالفعل كانت تستسحب شفقتك وان كنت كارها لها ..
علي مقعد ساكن بالقرب منهم سكن جسد السيدة ‘ منال ‘ زوجة ابن السيدة سوزان رحمه الله منذ عدة اعوام فاتت ايضا، تبكي بحزن علي رجلا كان لها ابا بعد اب
خرج صوتها بداخل نفسها يهمس وهي تنظر الي سقف المنزل بوجع:-
_مين هيلم شمل العيلة من بعدك ياعمي ؟
فما تعلمه .. بل المتاكدة منه
ان هناك حربا سَـ تُقام بهذا القصر وتندلع، حربا قريبة لـ الغاية، بل هي علي بعد لحظات منهم، فبعد الكبير يبقي الصغار، وجميع صغار هذا المنزل، لا يوجد وصف قد يصف مـدي تهوراتهم .. !
. . . * . . .
كانت الساعة تصل الي العاشرة ليلا، حيث تحشدت شعوبا من رجال العائلة ورجال الاعمال، وعدة فروع اخري .. في الحديقة الملتفة حول القصر، علي طول مـمـر وُجدت عدة مقاعد كان امامها يقف عدة رجال تعرف من هيأتهم وسلامهم علي الذاهبين والحاضرين انهم اقرب الاقربون الي الميت، كان اخر ثلاثة من ناحية البوابة الخارجية هم الاقرب
الاول كان الحفيد الاول .. الواقف يتعامل بكل آلية ودون ردود افعال تُذكر بـملامح من جليد، يسلم علي الحاضرين يتقبل كلمات نعيهم بلا اجابات تُذكر
والثاني اجابته كانت تخرج احيانا بصوت يَكاد يظهر، والاخير كان اكثرهم تمالكا لنفسه ولاحزانه رغم انه الاصغر، فكان هو من يرحب ولو قليلا بالحاضرين
المشهد كان مهيبا
بالداخل صوت المذياع يغط علي مجلس النساء، وهنا صوت إحدي المشايخ يرتل بصوته القوي فيـزلـزل قلوب الجالسين
ظلوا يستمعون ويستقبلون، يودعون .. الي ان حلت الثانية عشر ليلا، فلم تبقي الا تلك الثلاث وجوه
جلس ‘ عابد ‘ علي مقعده وهي ينطق بتألم واضح:-
_رجلي لو حد قطعها مش هحس بيها
تابعه في الجلوس ‘ واجد ‘ اخيه الاكبر وزوج سلمي وهو يهتف بتأكيد:-
_كان يوم ميتوصفش
نظر عابد لـ ابن عمه الذي مازال واقفا ك صنم بلا حراك .. يسأله:-
_مش هتعلق انت كمان ؟
لم يبدو انه سمعه، فقد كان غارقا في بحور اخري بعيدة عن بحور اؤلئك، يفكر في الف شئ وشئ، يجمعهم شئ واحد وهو فقدان السيد عبد الحميد سـ يؤثر فيهم بلا شـك !
تنهد عليا بتعب واضح، نظر لأثنتيهم ناطقا، بينما يستعد ليغادرهم:-
_هطلع اوضتي
نطقها باختصار وغادرهم، ليبقا الاثنين ينظران لاثره الذي اختفي منه بعيون محتلفة الانظار، لا تُفهم .. لا تُقرأ .. بها لمعات لا تتفسر ايضا
واجد بملامح وجه لا تَظهر ما معني حديثه:-
_اللي جاي لو كان مش ولا بـد، القصر دا هيتقلب لـ قلعة حجيم، قابلوني لو حد عرف يطفيها
نظر لـ نافذة ابن عمه العلوية التي أُضيت .. متابعا بسخرية بيّنة:-
_حتي سليمان باشا .. مش هيعرف ولا هيقدر يقف قدامها
النيران محتبسة في جوفها الان، لن تخرج حتي يؤذن لها، ولن يؤذي حتي يأتي السبب .. والسبب كانت الوصية … !
. . . * . . .
بالصباح عادت تلك الاحداث من جديد، زوار وبكاء، نحيب وصراخ، حزن دامي .. حتي ساد الصمت علي ارجاء القصر بعد عشرة ايام من يوم الوفاة
صباح ذلك اليوم كان مختلفا، سبقه ليل ممطر بغيوم كثيفة حتي ان السماء اسودت، عندما هبطت الامطار ظن الجميع ان تلك الغيوم سـ تتبلد وتختفي مع ظهور اضواء النهار، لكن لم يحدث ذلك ومازال الصباح مغيما بعتومه وظلامه، يزهق كل لحظة واخري صوتا من الرعد يدخل بالقلب مخاوف عـدة ومشاعر متضاربة
لكن رغم هذا .. بغرفة مكتب القصر، علي مقاعده، ارتصت افراد العائلة علي مقاعد جلدية تجاور المكتب، وامامهم السيد ‘ رفعت ‘ المحامي لــ تلك العائلة، ينظر لهم بنظرات متحيرة، لا يعلم ما سيقوله كيف ستكون نتيجته فيما بعد، وردهم عليه كيف سيكون شكله، مهما تصور لم يجد تصوراً قد يقترب من ان يكون حقيقيا ..
بالنهاية ..
الوصية سـ تُقال، فلا جدوي من التأخير !
تنحنح وهو ينقل ابصاره بينهم، بدايةٍ بالسيدة سوزان تليها منال فـ سلمي .. علي اريكة اخري قبع سليمان فـ واجد فـ عابد
ملامح سوزان كانت ذابلة، تقف علي شفرة الموت من كثرة الحزن، منال ملامحها لا تُقرء كـ الباقيين جميعا
خرج صوت رفعت اخيرا يقرأ الوصية:-
_ ‘ اقـر انا عبد الحميد سليمان وانا بكامل قواي العقلية والجسدية، وبدون ضعطا من احد، ولا تأثُر بـ أي مواقف من جميع الوارثين بوصيتي والتي ستوزع كما ارغب .. واعلم انها علي حق، وبالطريقة المستحقة ان تُوزع علي وارثيني .. أن تُوزع اسهم امبراطورية شركات سليمان بين احفادي الثلاثة بتلك النسبة : لـ حفيدي الكبير سليمان نسبة 50 % من الاسم، لـ كلا من حفيداي واجد وعابد نسبة 25 % من الاسم ‘
توقف رفعت عن قراءة الوصية عنـد ذلك الحد، لينظر الي وجوههم رغبة في معرفة ما يحدث داخلهم عن طريق ملامح وجههم، سوزان كانت كما هي بلا ملامح جديدة تُذكر، انغص جبين منال قليلا، عابد ضاقت حاجبيه بتركيز وعيون وامضة ببعض الضيق بل كثير من الضيق، واجد ملامحه كانت ك جمرة من نار يظهر عليه جيدا كيف يحاول ان يتماسك كي لا ينفجر
اما سليمان .. فكان باردا ك التلج ولم تتحرف فيه قيـد شعرة حتي بالحزن او بالفرح
وعاد يتابع رفعت حديثه وقرائته لـ الوصية:-
_ ‘ يوزع القصر سليمان بين جميع سكانه بتلك الطريقة : لـ واجد نسبة 20 % منه، لـ عابد 20 %، لـ سوزان زوجتي 5 %، لـ منال زوجة ابني 5 % سليمان حفيدي الاكبر 50 %، يُكمل باقي ورث احفادي كل من عابد وواجد بأمتلاكهم جميع مباني العائلة ومنازلها المختلفة، علي ان تكون مزرعة سليمان لـ سوازن زوجتي ومنال زوجة ابني وفقط .. ‘
كاد رفعت ان يتابع حديثه لكن اوقفته صيحة غاضبة من واجد وهو ينهض عن مقعده، بنهضته نهض الجميع عَـدا سليمان، ظل جالسا علي مقعده كما هو واضعا قدما علي الاخري بتريث و… برود
خرج صوت واجد متشنجا:-
_اية الهبل دا، انا لا يمكن اسمح بالكلام الاهبل والعبيط دا ابدا، هو عبد الحميد باشا فاهم هو عمل اية ولا لا ؟ الباشا مخلي سليمان هو اللي ليه حق التصرف في كل حاجة كدا
نطق رفعت متنحنحا وهو ينقل ابصاره بين الجميع بقلق:-
_دي رغبته ياواجد باشا، واعتقد دا اللي هو عايزه فعلا !
اقتربت سلمي من زوجها تحاول ان تهديه بعبارات خافتة، لكن ثورته لم تهدأ بل زادت مع نطق عابد المعترض ايضا بنقم:-
_دا مش عـدل ، هو كدا زيه زينا كلنا، بل بالعكس ازود مننا كمان
وضح رفعت الوصية لهم:-
_باقي ورث حضراتكم كل عمارات وبيوت……
لم يكاد يتابع حتي اشاح واجد بيديه بعصبية و:-
_بيوت اية وعمارات اية، دا كلام فارغ، 1 % بس من القصر دا بكل الهري اللي هو كاتبه لينا، هو بيستهبل ولا اية ؟
كادت سوزان ان تنطق اخيرا؛ لتنهره، لكنها ما ان كادت تفعل حتي وجدت سليمان اخيرا يترك جلسته ويقف بطوله الشامخ مقتربا من واجد وهو ينطق بعيون محذرة:-
_انا سايبك تتكلم وهسيبك لحد ما ترتاح وتطلع كل غضبك بس كلمة واحدة هتقولها علي جدك مش هتعجبني، عند هنا .. انا هعرف كيف اوقفك عند حَدك ياواجد
عابد متدخلا بسخرية، وهو يرمقه بنظرات بُث فيها الكره فجأة:-
_دلوقتي بقيت مش قادر تستحمل عليه كلمة ! طبعا ما انت اللي طلعت من الليلة دي بكل ثمين، دا مش بس تقف وترد علي كلام واجد، دا انت مفروض تعمله تمثال في القصر هنا وتقف قدامه كل يوم تشكره، ما هو اللي رفعك علينا
ترك سليمان نظرات عينيه تبتعد عن واجد وتتجه نحو عابد، ليرمقه بنظرات متفحصة تحتوي علي معانٍ كثيرة و:-
_للاسف ياعابد انت دايما شايفني مرفوع عليكم من غير حاجة اصلا
ازدادت نظرات عابد حقدا نحو سليمان، بينما تابع واجد بعصبية:-
_دا باعتبار اصلا اني هوافق علي الكلام الاهبل دا
نطق رفعت بصوت مرتفع قليلا .. يهتف بــ بنـد من بنود الوصية:-
_’ ومن يرفض تلك القسمة بأي شكل من الاشكال، فأمر انا بألا توزع تلك الورثة بأي شكل اخر، وتتوجه جميعها لــ جمعيات الاعمال الخيرية تحت أشراف سليمان ‘
قال رفعت الكلمة الاخيرة وهو يطالع واجد باستفزاز ومكر مخفي، لم تزيد تلك الكلمات سوي غضب واجد وعابد اكثر
فتوجه واجد نحو باب الغرفة، ناويا الخروج بعدما قال بغضب:-
_قسموها، بس وديني لاطربقها علي دماغكم في الاخر
وخرج، تاركا خلفه وجوها تحمل الاف التعبيرات
جمع رفعت اشياءه ونطق موجها حديثه الي السيدة سوازن قبل ان يغادر، بعبارة لها مفعول لاهب في الايام القادمة:-
_شغل سليمان باشا هيكون تحت اشرافك بمعني هتشوفي هل يستحق يدير الشركة ولا لا، كذلك تحكمه بامور البيت لو كان جدير بيها فالوصية هتمشي علي نفس السيان علي مـر العمر، لو مكنش جدير فـ في كلام تاني
بتلك العبارة الصغيرة، انفتحت باقة امل في وجهه الاخوة، التي من اليوم بلا شك ستشكل خليفا قويا ضـد ابن العم ..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_الفصل الاول .
ارتفعت اصوات زقزقة العصافير بارجاء الشارع الهادئ، المطل علي ناصيته عـدة محالٍ فخمة ومطاعم، علي نهايته ومن اطرافه سكنت بعض الشركات التجارية، كبيرة كانت او صغيرة، المكان كان هادئ بالساعة السابعة والنصف صباحا، فقط عـدة خطوات تخطو فيه كل حينا والاخر، فمعاد العمل لم يأتي بعد، علي بداية الشارع ظهرت فتاة تسير بخطوات متمهلة، رائقة علي اقل من المهل، خطوات رشيقة من جسد مثالٍ، مرتسمة علي شفتيها بسمة رائقة ادت الي ابتسام عينيها الفيروزية بلا سبب، تتماشي بيتهادي وغنج فتتحرك ضفيرتيها الكبيرتان علي جانبيها بدلال واضح معها، كانت خصلاتها بنية فاتحة تميل الي اللون ‘ الكافية ‘ ضفيرتيها علي طريقة ‘ السنبلة الفرنسية ‘ فكانت تبدو ك طفلة بجسد انثوي ممشوق، زاد من براءة هيئتها، فستانا بسيطا من عدة الوان فاتحة وزاهية ك الوان الربيع، من اقمشة ثقيلة لتناسب موسم الشتاء القارس، كان قصيرا يصل الي ركبتيها، لكن ما منع وصول البرد لها جوارب سوداء شفافة اللون قليلا ..
وصلت اخيرا لمكانها المنشود، وقفت امام احدي المحالٍ المنتشرة في المنطقة، واخرجت من حقيبتها مفاتيحا خاصة بفتح قفل المحل، فتحته ..
ودخلت ، اشعلت الضواء المحل فظهرت قنينات العطر بكل مكان، موزعة بطريقة راقية، في شكل متهادي، تصاعديا بتدريج من الرائحة الأرق الي الأقوي ..
توجهت نحو زجاجة عطر معينة وفتحتها، قامت برش قليل منها عليها، وفي الأرجاء، ثم وضعتها مكانها مرة اخري وهي تهمس بنبرة باسمة بــ حيوية:-
_عطور بيسان لو اكتشفها حد بيفهم .. بلا شـك هتدخل بيها العالمية
وابتسمت بفخر، رغم علمها تماما ان ذلك حلماً من المستحيل ان يتحقق، فعطورها التي تقوم هي بصناعتها بنفسها، لا احد يعلم بها سواها، وبعض المشتريين العزاز فقط، لكن الباقيين فـلا يتطلعون لها، هم فقط يأتون ليشترون قنينات يعلمون اسمها ويحفظونها علي ظهر قلب .. لانها ببساطة ماركة عالمية !
. . . * . . .
استراحت السيدة سوزان علي مقعدها بـ بهو المنزل، المقعد كان هزازا لكنه مريحا لها، بجوارها كانت تقف الخادمة ‘ وجيدة ‘ كبيرة خدم هذا القصر، والتي تجمعها علاقة وطيدة مع السيدة سوزان، وضعت وجيدة كوب من الشاي الأخضر علي طاولة مجاورة لـ مقعد السيدة سوزان وهي تهتف بمرحها المعتاد:-
_احلي شاي اخضر لأحلي ست في البيت
ابتسمت سوزان لمرحها بسمة وقورية مازال فيها حزناً لم ينضب، تحاول ان تنزعه عنها وجيدة بلا كلل او ملل، فسنوات عمر وجيدة التي تتعدي الأربعون لم تنجح في جعلها تتخلي عن مرحها ونشاطها الذي امتازت بهم منذ طفولتها لحتي هذا عمر، ولحبها لـ السيدة سوزان هي تكرث كامل مرحها نحوها هي، لتحاول ان تضحكها ولو قليلا، فـ بـلا فماً مبتسما تنغص الحياة بلا شك وتتحول الي كأبة لا مفـر منها ..
هتفت سوزان وهي تأخذ جراب نظارتها من علي الطاولة وتقوم بفتحه:-
_منال مصحيتش ؟
وجيدة مجيبة عليها:-
_لا ياسوزان هانم، دور البرد اللي وخداه كان قوي والدوا اللي اخدته باين كان في نسبة مهدء، فـ دا مع دا خلاها تنام من الساعة عشرة امبارح ومتصحاش لدلوقتي
ثرثارة، هذة صفة لا يمكن ان تتخلي عنها وجيدة ايضا، لاتنسي
اؤمات بحسنا وارتدت نظارتها، امسكت جريدة الصباح الموضوعة كذلك علي الطاولة وبدأت بقرأتها، بالماضي كانت تفعل تلك العادة مع زوجها الحبيب، لكنها الان تفعلها بمفردها، ليس بالماضي البعيد بل من قبل عـدة ايام مـرت، بالله تستطيع ان تقوم بعدهم علي يدها، تنهدت وهي تقرأ اول خبر بالجريدة بعنوان ‘ ما ذُكر جديدا عن احوال عائلة سليمان ‘ وتابع العنوان ثرثرة بلا هدف عن احوالهم
تجاهلت الحكاوي التي تُقال عنهم والمقترحات التي يقترحها الجميع عن حالهم، واغلقت الصفحة الاول بضيق وفتحت اخري، اثناء ذلك .. ارتفع صـدا صوت حذاء من الاعلي، يثير برتيبة نحو درجات السلم، وبدأ بنزوله بخطوات قوية، رفعت ابصارها هي ووجيدة فرأوا سليمان، حفيدها البكر يهبط الدرج وعلي ملامحه منذ الصباح الباكر الجمود والبرود .. الممزوج بالضيق المحتوم فما يوجد خلفه من اعمال؛ تعكر صفو اي شخص
وصل لهم اخيرا، فقالت وجيدة سائلة:-
_احضرلك الفطار ياسليمان بية ؟
سليمان بنبرة هادئة:-
_لا يادادة انا مش هفطر، عايز بس فنجان قهوة علي السريع
اؤمات بنعم وهي تغادر المكان سريعا لتقوم بتنفيذ طلبه، مال هو نحو يـد جدته وتناولها بين كفيه العريضين ليقوم بطبع قبلة حنونة عليها، ابتسمت وهي تملس خصلاته بحب صادق، بينما سأل هو بصوته الجاد:-
_خدتي الدوا بتاعك ؟
اؤمات بنعم فقال بتحذير:-
_الدوا دا الدكتور قال ممنوع الهزار في مواعيده، وانا محذر وجيدة من انها تنساه بس لو حصل ونسيته اتمني انتي متنسيش
سوزان بضحكة طفيفة:-
_حاضر يابابا مش هنسي
لانت ملامحه قليلا معلنة عن بسمة بسيطة بالكاد تُـري، مضيفا علي حديثه بنبرة متألمة:-
_انتي امي التانية ومش عايزك تسيبيني ابدا
ابتسمت بحنان وقد التمعت الدموع بعيونها عندما ذكرها بوالدته وبالتالي والده رحمهم الله، فتنهدت بتألم قائلة:-
_طول ما ربنا مادد فيا الروح والقوة هفضل معاك ياسليمان، هو في حاجة مخلياني اصلا ماسكة في الدنيا غيرك !
الحديث كان ملئ بمشاعر نابضة بالحب والوجع، ان تاثر بها لن يستطيع ان يواجه ما ينتظره من اعمال متراكمة، لـذا .. نفد بهدوء من الحوار مستغلا مجئ وجيدة بفنجان القهوة الذي اعطته له ثم تابعته بسؤال موجها لـ سوزان:-
_نعمل اية علي الغدا ياسوزان هانم ؟
تناول فنجانه علي عجل وغادر، تاركا خلفه السيدة سوزان تملي طلباتها لـ وجيدة ..
انتهت سلمي من توضيب حلية ابنها ‘ ادهم ‘ الدراسية علي جسده الصغير، ابتسمت وهي تلعب في خصلاته السوداء ك حال جميع رجال العائلة بحب، امسكته جيدا من اسفل ذراعيه واهبطته من علي الفراش الي الارض، ناولته حقيبته المدرسية وهي تقول بحب:-
_يلا ياادهومي علشان الباص زمانه جاي
اردف بشفتين مزمومتين بضيق:-
_بـس انا مش عايز اروح
امسكته من يـده تحثه علي السير بجوارها لـ الخروج من الغرفة:-
_انهاردة اخر يوم في الاسبوع، نروحه وبكرة وبعده اجازة
ادهم بقلة حيلة:-
_يعني لازم اروح ؟!
اؤمات بنعم فتحرك معها الي الاسفل بخطوات بطيئة متضايقة ..
ما أن لمح سوزان حتي ترك يداي والدته وتوجه نحوها، قبل إحدي وجنتيها وهو يقول بمرح:-
_تيتااا سوزي
قبلته علي وجنتيه وهي تردف ضاحكة:-
_عيون تيتا سوزي من جوه
هتف سألا اياها بأهتمام:-
_عمو سليمان فين ؟
سوازن مجيبة عليه:-
_راح شغله ياحبيبي
تضايقت ملامحه لسماعه ذلك الخبر، الا انه لم يكاد يبرح بغضبه حتي عَلي صوت زمار الباص من الخارج، ليعلن عن وصوله، فحثته سلمي لـ الخروج، وهي تسبقه الي الخارج بالحقيبة المدرسية الخاصة به
سار خلفها هو بخطوات تـود لو ان تعاود الرجوع مرة اخري، فالمدرسة ك سجن بالنسبة له، لا يحبها ولن يحبها ابدا ذات يوم، هو متاكدا من ذلك الشئ جدا
ظهرت سلمي من جديد بعدما ودعت ادهم، فسألتها الاخري باهتمام:-
_واجد لسة نايم ؟
جلست علي مقعد بالقرب منها وهي تجيبها:-
_لا .. صاحي، كان بيلبس، شوية وهتلاقيه نازل
اؤمات بحسنا دون ايجاب وبقي الصمت يعم المكان، وكل منهن تحلق في سماء افكارها بعيدا عن الاخري ..
. . . * . . .
فتح عابد عينيه بضيق لسماعه لصوت المنبة المزعج علي الصباح، مـد يده ليغلقه لكنه ابعثها بالمكان الخطأ فبدل من ان تمسك المنبة القت بكوب الماء علي الارضية، صاح بغيظ وهو يسمع صوت التهشيم، نهض عن فراشه بالاخير وهو مازال يستمع لصوت المنبة، امسكه اخيرا واغلقه بقوة، همس بعدها بغضب محادثا نفسه:-
_انا لو كنت نمت امبارح بدري ومسمعتش فيديوهات الحيل دي، مكنتش كسرت الكوباية وهسمع كلمتين من وجيدة….
لم يكمل عبارته ووجد الباب يُفتح، وجيدة تظهر من خلفه وهي تسأل:-
_اية صوت التكسير دا ياعابد ؟
كي لا يسمع أحاديثا لا فائدة لها، توجه نحو مرحاضه وهو يقول بنبرة سريعة:-
_الكوباية اتكسرت، لميها بقي عقبال ما اطلع من الحمام، وجهزيلي لبسي
تنهدت بضيق وهي تبدأ بتنفيذ ما قاله، عابد سيظل عابد، الفتي المشاكس، الذي لا يأتي من خلفه سوي المشقة، لكنه لم يكن مشاكسا ببراءة، بل كان يحمل كثيرا من الخبث، الذي تعلم هي به للاسف ..
علي الساعة الثامنة اخيرا، كانت تخرج سيارة عابد من بوابة القصر، وقد سبقتها سيارة واجد منذ عشرة دقائق تقريبا، متجهان سويا نحو مقرا واحد
‘ مقر : الـ سليمان جروب ‘
بالمقــر .
دخل سليمان لمكتبه الذي كان لجده سابقا وخلفه سكرتيرته ومساعدته الخاصة ‘ عليا ‘ جلس علي مكتبه بعدما نزع معطفه الاسود عنه واضعا اياه علي علاقة الملابس التي بجوار المكتب، هتفت هي بنبرتها السريعة المعتادة:-
_مستر سليمان احنا ورانا شغل كتير اوي، كل التعاقدات اللي كانت علينا من شهر وفاتت، والتعاقدات اللي معادها الايام دي، والشغل اللي كان لازم يتم تسليمه من شهر واتأجل، والشغل اللي…..
قاطعها واضعا يده امام وجهها ليصمتها:-
_اشـشـش، اتكلمي انتي بـس براحة وجهزيلي مواعيد جديدة وكله هيخلص انهاردة، بس متتكلميش بسرعة .. سامعة ؟
قال اخر كلمة بتحذير فـ اؤمات بحسنا وهي تطلق زفيرا عاليا بعد مجهودها الذي بذلته منذ لحظات
سليمان وهو يفتح جهاز الـ ‘ لاب توب ‘ الخاص به:-
_نبدا مع اول معاد ؟
عليا وهي تنظر لاوراقها:-
_معاد مع شركة ‘ W . A . S ‘ الجديدة، مع صاحبها مستر ‘ وليد امجد السامري ‘
سليمان:-
_هو موجود يعني ؟
عليا:-
_هو اتصل من ساعتين وانا قولتله ان حضرتك جاي، فقال هيكون هنا علي عشرة
اؤما بتفهم و:-
_تمام لما يجيي دخليه
وضعت امامه عـدة ملفات:-
_دي حوافز وشيكات لازم تتمضي
قام بامضتها بعد ان قرأها بعينيه قراءة سريعة، وضعت ملف اخر:-
_دا ملف الألأت اللي هيتم استيرادها من اليابان، فيها كل اللي طلبناه ومميزاته والميزانية المطروحة .. اقراه علشان لو عجبك نبعت فاكس بالطلب وتروح حضرتك تاكده
اخذه منها وهو يؤمي بحسنا
وضعت اخر أمامه:-
_دا ملف بعته الاستاذ أُسامة خاص بالحسابات
اخذه منها، كادت ان تتحدث .. فقال بضيق:-
_كفاية ياعليا، لما اخلص دول ابقي ابعتي الباقي
اؤمات بحسنا وهي تعتذر بنبرة خافتة، ثم استأذنته وغادرته بهدوء، ليبقي هو غارقا بين اوراقه الكثيرة يقرأها ويدرسها بكل تركيز ..
جلس واجد علي مكتبه وعلي مقعد اخر جلس اخيه عابد، الاثنان يسود الصمت عليهم، يطالعون الفراغ بعيون مفكرة، قطع الصمت واجد اخيرا بنبرته المليئة بغضبه المكبوت:-
_من الصبح الملفات نازله تـرخ علي الباشا واحنا هنا بنهش دبان، وهنفضل طول عمرنا كدا، ملناش فايدة وهيطلب مننا تنفيذ الشغل زينا زي غيرنا .. لـو سكتنا
عابد بنبرة سائلة:-
_طيب هنعمل اية ؟
صمت قليلا يفكر، قبل ان تتنير برأسه فكرة مكارة، فأستراح علي مقعده وهو يهتف بخبث:-
_نثبت انه ميستحقش مكانه دا، وقراراته اللي بياخدها بنفسه وبـس هتضيع الشركة، فتحس سوزان هانم انه مش جديد بالادارة ونعيد تقسيم الأسهم
عابد:-
_وانت ايـش عرفك ان دا اللي هيحصل فعلا لو اثبتنا عدم جدارة سليمان ؟
واجد بسخرية:-
_اومال اية اللي هيحصل ؟ هيكتبله كل حاجة بأسمه وهو عارف انه مش جدير ! اكيد يعني المـرة دي هيصلح بنود الوصية الغبية اللي فاتت
عابد بقلق:-
_واجد .. انت عايزنا نعمل اية ؟
انتصب واجد في جلسته، التمعت في عينيه بواد الشـر وهو يهمس بحسيس افعي سامة:-
_نوقع الشركة ومعاها سليمان، علشان عبد الحميد باشا يعرف حتي وهو في تربته انه كان غلطان لما خلي الباشا يكوش علي كل حاجة
عابد بتسأل وقد تَزرع الشر بقلبه ايضا:-
_يعني هنبدا نعمل اية ؟
واجد بنبرة ماركة .. خبيثة:-
_لا .. انا بدأت مش لسة هبدأ
وراح يقص عليه مخططاته السابقة والتالية، بأنفاس تفوح منها روائح الكرة المختفي خلف بسمات خفيفة تبث في قلبك الاشمئزاز بـلا شـك، والاخر يستمع له وتزداد الكلمات من سعادته، وهو يتخيل امامه سقوط سليمان تدريجيا امام عيونهم ..
. . . * . . .
نهض سليمان عن مكتبه يستعد ليغادر المكان، ارتدي معطفه علي بذلته، بينما يغلق ازراره انفتح الباب ودخلت ‘ عليا ‘ معها اوراقاً تحتاج الي امضاء
_انت هتمشي يامستر ؟!
سليمان وهو يأخذ هاتفه من اعلي الطاولة:-
_انتي شايفة اية ياعليا ؟
مـدت يدها بالاوراق نحوه:-
_الاوراق دي محتاجه امضة حضرتك
قام بامضاءها فتابعت بتسأل:-
_هو احنا هنعمل اية مع مستر وليد علشان مفهمتش
نظر لها بقلة حيلة، فعليا رغم اجتهادها الواضح الا انها تملك ذاكرة سمكة و:-
_هنسلمله شحن ملابس بالتصميمات الجديدة كمان تلت اسابيع
عليا بزهول:-
_تلت اسابيع بس ؟
سليمان بنفاذ صبر:-
_اومال ناخد وقت قـد اية ؟ سنة ! كل الشغل اللي متراكم لازم يخلص علشان كدا لازم الوقت يبقي ضيق علشان نتلم ونشتغل
عليا نؤيـدة لحديثه:-
_معاك حق، لازم انت تتلم وانا….
نطق بعيون ضيقة بتركيز:-
_اية !
فهمت اخيرا ما قالته فوضعت يدها علي فمها وفـرت سريعا من امامه، وقفت عند الباب وقبل ان تغادر اردفت بتذكر وهي تضرب بيدها علي جبهتها:-
_نسيت افكرك ان عيد ميلاد ‘ حسـان رشـدي ‘ انهاردة يامستر
نطق بسخرية:-
_انتي نسيتي بس انا فاكر، علشان كدا مروح ياعليا ..
تصادف وقت خروجه من المكتب بخروج واجد وعابد من مكاتبهم ايضا، تصادفت نظرات الشباب الثلاث معا، كانت نظرات تجمع ما بين التحدي والشـر، كلا منهم ينظر بثقة متأكداً أنه سيفوز علي الأخر في حرب صامتة، لم يعلنوا عنها بالجهر حتي، لكنهم بداخلهم يعلمون انها بدأت، تُـري .. بتلك الحرب .. اي فريقا سيفوز ؟ اي كفة ستميل ؟ من سينتصر ؟ ومن سيخسر ؟ انتظر .. وتابع بصمـت واستمتاع
. . . * . . .
بالساعة التاسعة مساءا، فُتح باب القصر الداخلي وطـل منه سليمان بطلته المثيرة، مرتديا حلية كحلية اللون، وقميص ابيض ناصع، خصلاته السوداء المصففة بعناية، كل شئيا فيه كان علي اكمل وجه، صـف إحدي الحراس السيارة امام الباب اخيرا، فهبط سليمان درجات السلم التي تفصل بينه وبين السيارة، ثم ركـب السيارة متجها بها نحو منزل ‘ حسان رشـدي ‘
تبعه بعد ذلك بنصف ساعة تقريبا، عابد ثم واجد، فالاثنان معزومان علي الحفل ايضا، كلا منهم غادر بسيارة مختلفة، بوقت مختلف، فلا شئ يجمعهم قـط، حتي في صفاتهم الوجدانية ..
بمنتصف الطريق تذكر سليمان شيئا هاماً، هل سيدخل الحفل فارغ الايدين ؟ فـ لا بـد من هدية يدخل بها، ما الذي قـد يشتريه لـ حسان يفي بالغرض ؟ تذكر ما يحبه حسان فقرر مع اول محل يجده يبيع ما ابتغاه سيقف عنده، ليشتري الهدية ..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_الفصل الثاني .
.. ! عطـر ! ..
‘ ك المسك انتي والعنبر .. كالخمر والميسر، تزهليني بقربك وعند بعدك أَرْجف ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
توقفت سيارته عند اول محل عطور قابله، فالمعروف عن حسان والشائع عنه انه مهتم بــ اقتناء قنينات العطر دوما، ما يجد منها وما قَدم، رغم تفاوت الأيام الا انه لم ينسي بعد تلك العادة التي يملكها حسان، هبط من السيارة وتوقف بطوله الفارع امام المحل، الذي كُتب علي يافطته
‘ BeSSan’s PerFume ‘
توجه بخطواته نحز المحل، فتح بابه الزجاجي ودخل، فوجد روائح العطور تملئ المكان، استنشق نفسا عميقا من الروائح بإنتشاء ثم زفره، جال بنظره في المكان فلمح خلف طاولة مكتب صغيرة تقف فتاة علي مقعد وتضبط بعض القنينات علي رف زجاجي، تعطيه ظهرها وتعمل بنشاط وأنتباه بالغ حتي انها لم تشعر به عند دخوله، اقترب منها قليلا وهو يتنحنح
انفزعت الفتاة عندما سمعت صوته والتفتت ترمقه بفزع فالتوت قدميها الاثنتين ببعضهم البعض، اختل توازنها أثـر ذلك واهتز جسدها معلنا عن اقتراب سقوطها، عندما لمح ذلك اقترب سليمان منها سريعا وأحال يده بين جسدها وبين الأرض، ومع تماسكه لجسدها ومنع جسدها من السقوط ابتلعت الفتاة صرخة كادت تنفلت منها، توقف الزمن عند هنا لثانية حتي رفعت عيونها الفيروزتين له، حينها ايضا توقف الزمن مرة اخري، لكن عنده هو فقط، فتح فمه مشدوها وهو يراقب عيونها الفيروزتين اللأتان اصطدما بعينيه، وخصلات شعرها النية الفاتحة تسقط علي جفن عيونها فتمنع عينيه من التمتع بهما، كأنه غرق فيها ! حيث لم يرفع عينيه او ترمش جفنيه منذ ان سقطت عينيه عليها
أول من فاق من تلك الحالة هي، فتنحنحت وهي تنزع نفسها من بين ذراعيه، اخذت لحظات حتي استعادت جأشها، ثم هتفت بنبرتها العملية:-
_شكرا لحضرتك جدا
فاق اخيرا من تطلعه لها الغير مهذب علي حديثها، فنظف حلقه وأعاد الثبات لنبراته:-
_عفوا .. علي اية !
نقل ابصاره بتوتر نحو قنينات العطر و:-
_انا عايز ازازة برفان رجالي لو سمحتي
توجهت نحو إحدي الرفوف:-
_عايز حضرتك ماركة معينة ؟
فكر قليلا قبل ان يتوجه بخطواته نحو نفس الرف الذي توجهت هي له وهو يقول:-
_تسمحيلي اختار بنفسي ؟
اؤمات بحسنا بكل رحب، فراح هو يبحث بين القنينات عن مبتغاه، وسط تحديقها به، كان سليمان طويل جدا، وهذة صفة تميزه في بعض الاحيان وتعيقه في احيان اخري، ملامحه كأنها منحوتة، ملامح رجولية شرقية ربما تكون عادية، لكنها فيها لمحة من التميز، له كاريزما خاصة هي التي تجعل العيون تتعلق به، نظرات عينيه في بعض الاحيان ولبعض الاشخاص تكون أسـرة، لـذا اذا طالع احدهم ونظراته رائقة .. قد تتعلق عيني الشخص بتلك النظرات الي أبـد الدهر، خصلات شعره البنية الفاتحة، حتي خصلات ذقنه المنبتة قليلا كانت بنية، ملابسه كانت تدل علي مدي ثراءه، رائحة عطره التي تنبعث منه تدل كذلك علي مدي ذلك الثراء، فذلك النوع من العطور هي لا تأتي به في محلها لغلاء سعره، كادت تكمل تفحصها له، لكن التفاف جسده لها لـ يناظرها اوقفها عن ذلك، فجالت ببصرها نحو إحدي الاماكن كي لا يعرف انها كانت تجحظ عيونها فيه منذ قليل، لا تعلم انه شعر بها وبمراقبتها منذ البداية، مـد يده بقنينة العطر لها وهو يهتف:-
_عايز الازازة دي
اخذتها منه وهي تساله بعدم تصديق:-
_بجد ؟
سأل متعجبا:-
_هو فيها حاجة ؟
أجابته بنبرة سريعة:-
_لا طبعا مش قصدي يافندم
صمتت لفنية قبل ان تتابع الحديث بثرثرة:-
_انا اصلي مصدومة انك اخترتها وفي مليون نوع عطر تاني غيرها من ماركات عالمية، دا البرفيوم اللي حضرتك حاطة فرنسي اصلي لشركة ‘ G dal ‘ اعتقد تمنها بالتقدير يوصل لـ 15 ألف جنية، فأنك تاخد ازازة متعديش الـ 500 جنية دا صدمني
بعيدا عن ثرثرتها الكثيرة التي اندفعت في وجهه مرة واحدة، هو تمتع لمراقبته لحركات يدها ووجها وهي تتحدث بتلك السرعة والانفعال، وجد نفسه بلا سـبب يبتسم، عندما لمحت هي ابتسامته نظرت للارض بخجل، لم يـدوم طويلا حيث سرعان ما رفعت عيونها لتقول بحماس:-
_تعرف اني انا اللي عاملة تركيبة العطر دي بنفسي علشان كدا مصدومة انك اخترتها، اصلي انا بعمل تركيبات كتير ومحدش بيعرف بيها خالص، واللي بيعرف مش بتعجبه إلا ناس قليلة طبعا
قالت اخر جملة بشفاء مزمومة بضيق، فوجد نفسه يقول سريعا ليراضيها:-
_مش كل الناس زوقها راقي علشان تعجبهم تركيباتك
بيسان بعيون لامعة أثر عبارته المجاملة لها:-
_فعلا ؟
ابتسم مجيبا عليها بصدق:-
_فعلا ..
مـد يـده بالقنينة لها مرة اخري:-
_ممكن تاخديها بقي وتلفيهالي لفة تنفع لـ مناسبة عيـد ميلاد
اخذتها منه وتوجهت لـ الجهة الاخري من المكتب، اخرجت مجلد بنفسجي اللون وراحت تلف الهدية بطريقة راقية، كانت تقوم بعملها بتركيز لكن رغم ذلك لم تمنع نفسها من سؤاله:-
_عيد ميلادك مين ؟ اخوك ولا صاحبك ولا….
قاطعها بكلمة واحدة خرجت بدون ملامح متأثرة:-
_عدوي .. عدوي الوحيد كمان
توسعت عيونها بزهول لما قاله، حتي انها تركت ما بيدها وعادت ترجع له مرة اخري وهي تقول بحماس:-
_انا اول ما شوفتك قولت انك حد اوبه برضوا، انت اكيد من الناس اللي عندها اعداء وبتاع وبتمشي بسلاح .. صح ؟
كل ما قالته .. قالته بثانية واحدة بحديث متلاحق، حتي انه شعر ان انفاسه هو التي تروح لكثرة الحديث، توسعت عيونه بزهول من فـرط ثرثرة تلك الفتاة واندفاعها، لم يكاد يفوق من زهوله حتي تابعت هي:-
_لو معاك سلاح ورهوني بليز، ارجوك .. ارجوك
تابعت حديثها بـزم بسيط في شفتيها مما اعطاها مظهر طفولي لم يستطيع هو ان يتجاهله، فوجد نفسه يخرج من حزام بنطاله الـ سلاح ويريه لها بالفعل، لمعت بعيونها الاثارة وهي تلمح المسدس بين يديه، كادت تلمسه وهي تقول بسعادة:-
_الله .. دا مسدس بجد، هو انت ظابط ولا حرامي ولا قتال قتلة ؟
ابعد المسدس عنها وهو ينطق بتحذير:-
_دا ممنوع اللمس
نظرت له باستعطاف:-
_بليـز
تقابلت عينيه بعيونها، فوجد نفسه يتنهد بقلة حيله ويفتح كفها ويضع فيه السلاح بحذر، امسك يدها الاخري وراح يمررها علي السلاح لتستشعره عاملا علي الا تضغط علي شئ قد يؤذيهم، كانت سعيدة لـ الغاية بما تفعله وما يحدث، فلم تلمح وتشعر بـ سليمان التي زاغت نظرات علي خصلات شعرها التي تقبع اسفل بصره، وقد فاحت من الخصلات رائحة ورد الياسمين حتي وصلت لانفه، فوجد نفسه بلا شعور يقرب انفه من رأسها ليشتم عبيرها بقوة، وعندما فعل شعر بشعور غريب قد اجتاح جسده، كي لا يتأثر ويفكر بتلك المشاعر ابتعد فورا، حتي انها انتفضت لفعتله وليده التي سحبت السلاح من بين يديها دون سابق انذار
رسـم الجمود علي ملامحه وهو يقول:-
_لو سمحتي غلفي العطر، علشان لازم امشي
عادت مكانها لتقوم بتغليفه، مرت دقيقة ساد فيها الصمت بينهم، لكنها لم تستطيع ان تصمت اكثر من ذاك حيث عادت تسأل فضول:-
_مقولتليش انت حرامي ولا اية ؟ ومين عدوك دا ولية عدوك ؟
كانت قد انتهت من تغليفها، فاخذها من بين يدها وهو يقول بحدة:-
_وانتي مالك ؟
قالها بحدة لكي تصمت، فتلك الفتاة ادخلت فيه بتلك اللحظات القليلة التي مرت العديد من الذبذبات الكربائية التي لا يريد ان تزيد اكثر، لذا عليه ان يغادر بأسرع وقت بعد ان يمنحها نظرات من جليد وملامح من خشب
بالفعل صمتت وهي تنظر للارض بخجل، سأل وهو يخرج محفظة نقوده من جيب بنطاله:-
_الحساب كام ؟
قالت بنبرة جادة:-
_550 جنية يافندم
اعطاها المال وتوجه صـوب الباب، قبل ان يخرج هتفت هي بنبرة عابثة:-
_بس علي فكرة لو شفتك تاني لازم تقولي مين عدوك دا
نظر لها مزهولا منها ومن حديثها، فمنذ لحظات ظن انها أُحرجت وانكسفت، وترغب بمغادرته بأسرع وقت، لكنه وجدها قد عادت لمرحها من الجديد، وعاد مبسمها للأبتسام بحرية مرة اخري، لاعبت حاجبيها وهي تهتف:-
_متركزش معايا علشان متهيسش
وغمزت له بمرح
غادر المحل بحال غير الذي دخل به، دخل عابث الوطه وخرج مبتسما، رغم انه علي بُعُد خطوات من عدوه .. !!
. . . * . . .
‘ فيــلا : حسـان رشــدي ‘
كانت مظاهر الاحتفال تظهر في كل مكان بالحفل، رقص وغناء، حركة ومرح، الاجواء مضيئة والجو في غاية الجنون، يقف واجد في إحدي الامامن مع إحدي رجال الاعمال يتحدث معه بشأن العمل، عابد مع فتاة يتحدث معها بمرح كبير، حسان ‘ امير الحفل ‘ ينتقل هنا وهناك ببسمة كبيرة مرتسمة علي شفتيه، قاطع تلك الاجواء دخول سليمان الحفل والمغلف البنفسجي بين يديه، توجه بخطواته نحو حسان، الذي بدوره عندما لمحه توقف عن التنقل ليرحب به، تعلقت عيني حسان بسليمان وعيون اخري كثيرة ك واجد وعابد مثلا .. وغيرهم الكثير
مـد سليمان يـده بالمغلف لحسان عندما وصل له وهو يقول بنبرة باردة حاول بكل جهده ان يظهر فيها قليل من المودة:-
_كل سنة وانتي طيب ياحسان
اخذ حسان من بين يـده المغلف، قربه من فمه ثم عاد ينظر لسليمان ببسمة غريبة وهو ينطق بنبرة غريبة أيضا:-
_لسة عارف انا مجنون بأي ؟
سليمان بنبرة باردة:-
_لازم تعرف عن عدوك قبل حبيبك، بيحب اية قبل ما تعرف بيكره اية
حسان بنبرة مُـؤيـدة له:-
_معاك حق
بـدأ بفتح المغلف وهو ينطق:-
_تسمحلي أتفقد هديتك اكتر
وبدأ بفتحها، اول ما وقعت عيونه عليها هو اللاصق الموجود عليه كلمة ‘ BeSsan’s perFume ‘، فقال بنبرة ذاهلة:-
_كمان جايبلي من محلي المفضل، دا انت مراقبني بقي
لم يكاد سليمان يستوعب الأمر حتي تعلقت عيني حسان بأحداً خلفه، فقال وهو يرفع يده بمرح:-
_سينيوريتا بيسان قربي .. قربي
التفت سليمان بسرعة، فوجد بيسان خلفه بيدها مغلف رمادي اللون تطاوطه شرائط بنفسجية اللون، تقف علي بُعـد خطوات منه مرتدة فستان بسيط جدا في تصميمه، الا انه بـلا شـك جعلها الأجمل بين كل الموجودين، اقتربت ومنحت حسان هديتها وهي تقول بخجل من نظرات سليمان الموجهه لها:-
_كل سنة وانت طيب مستـر حسان
بيـد حسان فعل حركة ليجلب انتباه سليمان له، وبالفعل نجحت الحركة، فقال الاخر وهو ينظر لـ المغلفين بين يـديه:-
_هديتين من نفس المكان لنفس النوع، اية رأيكم افتح واقيم انهي الأحلي ؟
لم يهتم سليمان بحديثه، لكن بيسان قالت بحماس:-
_اها افتح وشوف انهي هتعجبك اكتر
وفي داخلها تبتسم بمكـر، فالصدمة ستكون لذيذة لـ الغاية، تلك التي سترتسم علي وجهه كلا من سليمان وحسان
اثناء انشغال حسان بفتح المغلفين، اقتربت هي من اذن سليمان وهمست بمرح:-
_مستر حسان هو عدوك ؟! واوووو
قرب هو فمه من اذنها يهمس بتسأل متضايق، ولا يعلم سبب لضيقه:-
_وانتي تعرفي مستر حسان منين ؟
لم تكاد تجيب حتي قال حسان بذهول:-
_مش معقول ….
بالقـرب من مكان وقوف سليمان، كانت تجلس ‘ ليان المنشاوي ‘ علي طاولة مع صديقاتها، التي قالت واحدة فيهم بأقرار وهي تتابع سليمان بعيونها:-
_مستحيل ياليان يحصل اللي بتفكري فيه دا، سليمان مش ممكن يقع بالحوارات الفكسانة بتاعتك دي
قالت بتحدي:-
_وان وقع ياشيري ؟
شيري بنفس النبرة المتحدية:-
_ان وقع، انا عندي استعداد انفذ اي طلب تطلبيه مني مهما كان
اؤمات ليان بحماس، ولكن اكملت شيري:-
_بس لو موقعش، انا كمان ليا طلب
سألتها بعيون ضيقة وهي تعتدل في جلستها اكثر:-
_أية هو ؟
غمزت بعيونها وهي تقول:-
_هتعرفيه بعدين
تدخلت أخري في الحديث الدائر:-
_انتي مهتمة بيه اوي كدا لية ياليان ؟
نطقت ليان بزهول:-
_انتي مجنونة ؟ في واحدة تشوف حد زي سليمان ومتتجننش بيه ؟ دا فيه شوية صفات تهبل
نطقت الفتاة بلامبالاة:-
_بس كمان فيه عيوب كتير، دول بيقولوا انه صعب جدا التفاهم معاه، وقت غضبه بيقلب لواحد تاني خالص، ومع الجنس الناعم مش لطيف نهائي، والحقيقة الصفات دي متخليش حد يقرب لو فيه اية تاني حلو
ليان ببسمة أعجاب:-
_علشان الصفات اللي مش عجباكي دي، انا عايزاه
بحركة مسرحية وجهت شيري يدها نحوه وهي تنطق ببسمة خفيفة:-
_الساحة فارغة ليكي يالـي لـي
وهي كانت تنظر له بأهتمام، منتظرة اللحظة المناسبة لتبدأ بتنفيذ خطتها بالفعل
. . . * . . .
تأفف ادهم بضيق وهو يعاود كتابة حرف ‘ الباء ‘ من جديد، من اول الصفحة الي اخرها، وسوزان ترمقه بحب وتسلية من ضيقه الواضح هذا، ظل يـدون حتي كتب اخر سطر، حينها فقط القي بكراسته اخر الاريكة الجالس عليها وهو يصيح براحة:-
_اخيرا خلصت
نطقت سوزان بضحكة مرحة .. صادقة:-
_العيلة دي كلها، من كبيرها لصغيرها كانوا بيكرهوا الدراسة كره العمي
هتفت وجيدة مُـؤيـدة حديثها بضحك هي الاخري:-
_ادهم تقريبا كدا نسخة مصغرة من حركات واجد بية
سوزان وهي تتذكر إحدي الذكريات وتعاود نطقها بتذكر وضحك من الذكري:-
_اللي كان مشكلة هو سليمان، افتكر مرة ابوه ربطه في رجل السرير لحد ما يخلص كتابة الواجب
وجيدة بضحكة عالية:-
_كلنا كنا عارفين بفشل سليمان لدرجة ايام الثانوية والامتحانات عبد الحميد باشا الله يرحمه راح المستشفي مرتين من التوتر
سوزان بغيط من موقف سليمان البارد بذلك الوقت:-
_والبارد كان عامل زي التلاجة، يجي من الامتحان ملامحه متتقريش، طمنا ياسليمان يقول :
صمتت وعادت تهتف هو ووجيدة بصوت واحد:-
_نسألكم الدعاء بأن يصيب المعلم العمي وهو بيصحح ورقتي ياتيتا
تنهدت سوزان وهي تكمل بفخر:-
_بس في الاخر صدمنا بمجموع كبير ودخل هندسة
نظرت لـ ادهم رادفة بجدية:-
_عايزاك تطلع زيه .. سامع ؟
رد ادهم بمشاكسة وهو يترك البهو ويركض لـ الجنينة:-
_طيب ما ينزلي هو
اخذت بعض الوقت حتي استوعبت ما قاله فقالت وهي ترمق وجيدة بدهشة:-
_شوفتي الواد ولسانه ؟
وجيدة بمرح:-
_طالع لـ عمه عابد بالظبط في لسانه الطويل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_الفصل الثالث .
.. ! ثَقّـة رَجُـل ! ..
‘ يظل الرجل مظننا انه يغلق علي قلبه باسوار من حديد، مفكرا انه المتحكم به، وحافظه من جرح الألم ووجع الحب، لكن عندما تأتي مالكته، فبـلا شعور منه، تنفلت زمام الامور منه، ويقع صريع الحب بـ كلمة واحدة.. نظرة واحدة.. من اول دقة قلب ترجف لها، تُكتب حروف اسم تلك الفتاة بقلبه بعلمات لا تُحذف ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_مش معقول !!
نطق حسان بتلك العبارة، وهو يرمق قنينتي العطر المتشابهتان اللتان بين يـديه، فالاختيار لـ الاثنان كان واحداً، عطران من نفس النوع، بنفس الرائحة، من صنع بيسان، هتفت بيسان بمرح وهي تـري صدمته:-
_مكنتش عارفة انه جيبها ليك، لو حسابي كنت جبتلك نوع تاني علشان التغيير
حسان وهو يضم القنينتين له وينطق بمكر:-
_لا، هما حلوين اوي كدا، حتي تبقي ذكري تفكرني بيكم سـوا
رمقه سليمان باستهزاء ولم يتحدث، كاد حسان ان يقول شيئا إلا ان احداً قام بالنداء عليه، فتركهم وتوجه لـ المنادي، بقيت بيسان معه بمفردها، استغلت تلك الفرصة وهي تدنو منه وتقول بلهفة:-
_قولي ابقي ازاي عدوك ؟ ولما هو عدوك بتجبله هديته المفضلة لية ؟ وازاي اتكونت العداوة دي بينكم ؟ وو
قاطعها واضعا اصابع يده امام وجهها لتصمت:-
_اشـش دا علي اساس اني هجاوب علي اسئلتك اصلا
قال تلك العبارة ثم ابتعد عنها خطوتين مستعدا لترك مطرحها، إلا انها اتبعته وهي تردف بأنفعال متحمس:-
_ما انا مش هسيبك غير لما اعرف اية سـر العدواة اللي بينك وبين مستر حسان، فالأحسن تقولي دلوقتي بدل ما هفضل ألف وراك وهصدعك وفي الاخر هتقول
توقف بعدما سار خطوتين اخرتين فتوقفت هي أيضا، تجمعا عند نقطة تبعد عن المسبح الخاص بالفيلا بخطوتين تقريبا فقط، تقابلت عينيه بعيونها وهو يسأل بأهتمام متعجب هو منه:-
_وانا عايز اعرف برضوا اية سـر العلاقة اللي بينك وبين مستر حسان
قالت بحاجبين متلاعبان:-
_مش هقولك
استعد ليغادر وهو يردف:-
_وانا كمان مش هقولك
امسكت ذراعه فتوقف ونظر لها، كادت تتحدث، لكن وقت تحدثها هذا كانت ليان قررت استغلاله لـ التقرب، قطعت الخطوات التي تفصل بينها وبين اثنتيهم، بقيت علي بُعـد خطوة منهم، فألوت قدميها طوعا لتعمل علي اسقاط جسدها نحو سليمان، ناوية بداخل نفسها انها اثناء فعلها لذلك ستقوم بدفع تلك التي تقف معه في المسبح، لكن تغيرت خطتها وهي تجد سليمان يبعد جسده عنها ويدفعها بأتجاه المسبح وهو يمسك بيـد بيسان ليبتعد بها عن مـري المسبح تلقائيا، حينها فقط .. اختل توازنها وبالفعل سقطت في المسبح
تجمعت الحشود عند المسبح لتري ما حدث، وتطوع خادم ونزل المسبح ليخرج ليان منه
اما سليمان، فقد حصر خصر بيسان بين يديه وهو يسأل بقلق:-
_انتي كويسة ؟
اؤمات بنعم وهي تردف ببسمة مخضوضة:-
_لو مكنتش لحقتني كنت هقع في حمام السباحة مكانها
صمتت لفنية وعادت تقول بمرح:-
_كان هيبقي شكلي وحش اوي خاصة اني مبعرفش اسبح
سليمان ببسمة هادئة:-
_حتي لو وقعتي كنت هنزل اجيبك
نظرت نحو المسبح فوجدت النادل يخرج وهو يحمل ليان علي يديه، وضعها علي مقعد بالقرب من المسبح، واقتربت خادمة منها سريعا وبيدها منشفة، وضعتها علي جسدها الذي كان يرتجف من بـرد الشتاء والكيد لفشل مخطتها، لا تزال تتذكر سليمان وهو يبتعد عنها ويدفعها دون قصد نحو المسبح ليمسك بالأخري، تُـري من تلك الأخري !
نهضت ليان لتغادر المكان بأحراج، لكن قبل ان تغادر القت علي سليمان نظرة تعني الكثير، بأختفاء ليان من الساحة عاد الوضع كما هو، ابعدت بيسان نظرها عن المكان الذي اختفت منه ليان وهي تردف بأقرار موجه حديثها لسليمان:-
_علي فكرة البنت دي كانت قاصدة اللي عملته
ضيق ما بين حاجبيه بسخرية وهو يقول:-
_وانتي عرفتي كيف بقي يابيسان هانم ؟
نظرت له وهي تقول بجدية:-
_علي فكرة انا مش بهزر، هي وبتمشي بصتلك نظرة انا عرفاها كويس، خلي بالك بقي علشان هتحاول توقعك كتير
رد بنبرة واثقة:-
_انا محدش يقدر يوقعني، ومحاولاتها دي كلها متهزش فيا شعرة
بيسان برفعة حاجب:-
_لية ؟ مش راجل وبتتأثر بجمال الستات !
سليمان ببسمة واثقة بنفسه:-
_انا راجل اه، بس مش اي واحدة تحركني باي حركتين، ولا الجمال هو اللي بيلفت نظري، انا مش قدام اي ست بضعف، في ست تتقدر ولازم اللي يقدرها تكون عيونه متشبعش غير بطلتها، مش قدام اي واحدة اللجام يفلت منه
بيسان بنبرة معجبة بحديثه:-
_كلامك يعجب
غمـز لها بعبث غريب علي تصرفاته العاقلة دوما و:-
_مش كلامي بس اللي يعجب
نظرت لساعتها وهي تقول بتهرب:-
_الوقت اتاخر اوي، انا لازم امشي
_انا هوصلك
هتفت باعتراض:-
_بـس ..
قال بحزم:-
_الوقت اتأخر مش هينفع تروحي لوحدك
وامام إصراره وافقت علي مـضض، لتخرج من الفيلا ووهو جوارها تحت أنظار كلا من ابناء عمه وحسان الذي أبتسم بخبث ومكر وهو يطالعهم ..
. . . * . . .
بالساعة الثانية عشر، أنتهي الحفل اخيرا، وفـض التجمع الذي كان بعائلة رشدي، توجهت سيارتا عابد وواجد نحو المنزل، وصلا معا وهبطا منها، دخلا القصر فوجدوا سوزان ومنال وسلمي بأنتظارهم، توجه عابد نحو والدته يسألها بأهتمام:-
_بقيتي أحسن ياماما ؟
اؤمات بنعم بحركة بسيطة من رأسها وقالت بنبرة مليئة بالزكام:-
_الحمدلله دور البرد خف خالص عن الأول
سأل واجد ‘ سلمي ‘ زوجته عن ابنه ادهم، فاخبرته انه خلد لـ النوم منذ زمن، سوزان سألت هي ايضا:-
_اومال سليمان مجاش معاكم لية ؟
رد عابد بسخرية:-
_البية مش فاضي
سوازن بعدم فهم:-
_عنده شغل يعني !
واجد بنبرة ساخرة ايضا:-
_تـوء، هو الشغل اللي يشغل سليمان برضوا، من امتي سليمان بيهتم بالشغل، اللي شاغل سليمان حاجات تانية خاااالص
قالت سوزان بنبرة حادة وهي تنظر لواجد بضيق:-
_طول عمره سليمان ميهمهوش غير شغله وحاطه رقم واحد في حياته.. علشان كدا
صمتت وتابعت بنبرة قاصدة وذات معني:-
_جده مَسّكه زمام أمور الشغل كله
ومع نطقها لتلك الحقيقة المريرة، ظهر الضيق علي ملامح الشقيقان، معهم سلمي زوجة واجد وهناك لمحة بغض أيضا ظهرت علي ملامح منال
لكن عودة النظرات المشتعلة بعيني واجد من جديد، اظهرت ما مـدي الحيل التي يُفكر فيها، ليبعد سليمان عن طريقه لنيل هو أسم كبير عائلة سليمان، فهو الأكبر سنا وعمراً، ومن المفترض ان يكون الأكبر مقاماً ومكاناً أيضا
أمام إحدي المباني الراقية، بإحدي أحياء القاهرة، توقفت سيارة سليمان، نظرت له بيسان وهي تقول بنبرة شاكرة بينما تستعد لتفح الباب:-
_شكرا علي التوصيلة دي
ابتسم وهو يؤمي براسه بعلامة ‘ علي الرحب والسعة ‘
هبطت وظلت عيناه متعلقة بها وهي تتجه لبوابة العمارة، عندما أطمن انها دخلت نظر أمام وضغط علي المكابح، لكن قبل ان يفـر تفاجئ برأسها تدخل له من زجاج السيارة وهي تسأل:-
_بس برضوا مقولتليش انت لية بتكره مستر حسان اوي كدا !
بدون شعور وجد نفسه يضرب جبهته بيده بقلة حيلة، ثم أبعد يده ونظر لها مجيبا عليها أخيرا:-
_أعداء عمل ياستي، بغير منه وبيغير مني ياستي .. أرتحتي ؟
بيسان وهي تبتعد عن الشباك وتردف بثقة:-
_مش اوي بس ماشي
عادت تسأل بخفوت:-
_هنتقابل تاني ؟
أردف تلك المرة وهو ينظر لعينها مباشرتاً:-
_لو ربنا أراد… هنتقابل
فأبتسمت أثـر كلمته، بسمة خطفت منه إحدي انفاسه وهو يراقبها بأنبهار، فــ بها سحر، لا يراه غيره، حيث كلما تبتسم يخفق قلبه بعنف، تزوغ نظرات عينيه، يتشوش عقله، وكل ذلك من أثـر مقابلة واحدة جمعته معها لا أكثر .. !!
. . . * . . .
دخلت شيري لغرفة ليان بعدما سمحت لها الخادمة بذلك، فوجدتها تجلس علي فراشها ويظهر عليها الإعياء الشديد، حاولت كتم ضحكاتها إلا انها لم تستطيع، فأنفلتت منها ضحكة عالية وهي تتقدم منها
صاحت ليان بغضب:-
_شيري، الحكاية من نقصاكي خالص علي فكرة
جلست شيري علي طرف الفراش، وضعت يدها علي فمها لتمنع صوت ضحكاتها لكن لم تستطع ان تخفقها فعادت تنطلق من جديد:-
_اسفة ياليان بس حقيقي أمبارح كان شكلك تحفة، ومش قادرة أنساه
عندما تذكرت ما حدث بالأمس نغصت حاجبيها بضيق، بينما هتفت شيري بجدية:-
_قولتلك الحوارات دي متنفعش معاه، ولو اصلا كان مسكك مكنش هيذوب في سحر عينيكي يعني
ليان بضيق:-
_ينفع تسكتي ؟
اؤمات بنعم وهي تحاول بألا تبستم علي ملامح الاخري المتضايقة، بينما تابعت ليان بتخطيط:-
_المرة دي منفعتش لكن المرة الجاية اكيد هتنفع
شيري بلامبالاة:-
_زي ما انتي عايزه ياليان، بس دي اخر محاولة ليكي لو نفعت اطلبي طلبك، لو منفعتش هطلب انا
ليان بثقة:-
_اوك متفقين
صمتت لـ لحظة وعادت تقول وهي تضيق حاجبيها:-
_انا هموت واعرف مين البنت اللي كانت واقفة معاه دي
لم تكاد ترد شيري، حتي سمعا طرقاً علي الباب ثم دخول ‘ يأمن ‘ شقيق ليان من الباب
كاد يقول شيئا لكن عندما لمح شيري عاد بقراره، توجه نحوهم و:-
_شيري اخبارك ؟
ظهرت بعيون شيري قلوباً حمراء وهي تردف:-
_تمام، اخبارك انت ؟
توجه نحو فراش ليان، ووضع يده علي جبينها و:-
_فُـل الحمدلله، بقيتي احسن ليان ؟
أؤمات بنعم فقال بمرح:-
_اتمني تكوني اتعلمتي من غلطك ومتتجننيش وتنزل الـpool في الشتاء تاني
ليان بنبرة متضايقة من ما حدث:-
_لا متقلقش، غلطة ومش هتتكرر تاني
اؤما بحسنا وهو يستأذن ليغادرهم، فبقيت نظرات شيري معلقة عليه بهيام حتي أختفي، كان كل ذلك تحت أنظار ليان التي قالت بخبث:-
_اعتقد اني عرفت طلبك ياشيري
تجمعت آلـ سليمان علي طاولة الطعام لأول مرة منذ زمن تقريبا، كان سليمان مترأس المقعد الرئيسي لـ الطاولة وذلك ما ادخل الضيق في قلب واجد منذ الصباح، الذي قرر بعد ان رأي ذلك الفعل، ان يُسرع في تنفيـذ مخطوطاته، فلا خلق له بان يتحمل ويـري كل الأدلة المدلة علي تسلط سليمان عليهم وأمساكه لكل شئ، قطعت سوزان الصمت بحديثها المهتم:-
_اخبار الشغل اية ياسليمان ؟
تناول رشفة من فنجان القهوة الخاص به ثم أجابها:-
_ماشي كويس ياتيتا، في تعاقد مع شركة يابانية قريب هسافرله كمان شهر تقريبا، وتعاقد مع شركات تاني الحمدلله ملحقتش تشوف غيرنا، لكن في صفقة كبيرة ضاعت مننا وراحت لشركة رشـدي للأسف
تدخل عابد بخبث:-
_حسان قدر يخطفها منك
سليمان وهو يطالعه بملامح باردة:-
_دا مش اسلوب حسان رشدي، هو مبيسرقش عميل حد من حد، بيسيب الشغل يجيله لحد عنده
واجد:-
_زيك يعني ؟ وبالتالي خسارتكم في يوم هتكون واحدة
أجاب سليمان عليه بثقة:-
_اللي مبيدلدلش لحد، بيبقي واثق من شغله، بالتالي طول العمر الناس هتفضل تتمني تشتغل معاه لان شغله بيبقي رقم واحد علطول
واجد بنبرة تحمل الكثير من التهديد الخفي:-
_طيب متثقش اوي في نفسك، لتطلع لفوق اوي وفجأة تقع علي جذور رقبتك
سليمان بنبرة واثقة:-
_متخفش، انا مبقعش، ولسة متخلقش اللي يوقعني
واجد بتحدي:-
_واثق ؟
سليمان:-
_واثق، واوي كمان
صمت واكمل بنبرة قاصدة:-
_اصل كل اللي علي الساحة لدلوقتي ضُعاف، مفيش حد فيهم يقدر يقف قدامي
اتبع حديثه بنظرة ذات معني له، ثم نهض عن المائـدة وغادرهم، ليبقي الصمت هو المتحدث الرسمي لتلك المائـدة بعد مغادرته
. . . * . . .
فتحت بيسان المحل الخاص بها بالوقت المحدد لكل يوم، كان يظهر علي وجهها الحماس المعتاد الذي لا يغادرها، وهي تقف علي سلم خشبي قصير قليلاّ وتقوم بتنظيف قنينات العطر بينما تتغني بصوتها العذب بأغنية لـ ‘ فيـروز ‘
وأثناء انشغالها لم تلمح الباب الذي فُتح ودخلت منه أحداهن، التي قالت ببسمة وهي تتوجه نحوها:-
_الله الله علي العم الرايق هنا، بتغني لفيروز كمان ؟
نظرت لمصدر الصوت وهي تقول ببسمتها الاثـرة:-
_ناني، كنتي غايبة فين ياقلبي ؟
هبطت من السلم وتوجهت نحوها، قامت بأحتضانها بحب بادلتها الاخري نفس مشاعره وهي تجيب:-
_فرح اختي قرب ومش عايزه اقولك كمية الهايصة اللي احنا هايصين فيها يابيسان والله
بيسان بتفهم لحالتهم التي يمرون بها:-
_حاسة بيكم والله، متنسوش تعزموني بس
اخرجت ناني من حقيبتها دعوة فرح ومدتها لها قائلة بضحك:-
_ما انا جيالك علشان كدا، الفرح يوم الخميس متنسيش
التقطت الدعوة وهي تردف بحماس:-
_هتلاقيني هناك قبلكم كلكم
كان اليوم هو الجمعة، العمل متوقف عند الجميع، لكن هذا لا يمنع من مقابلة عمل صغيرة خارج حدود الشركة مع معاقدين جُـدد
حيث في إحدي المطاعم كان يجلس سليمان ومعه إحدي رجال الأعمال يتحدوث بأمر صفقة جديدة تجمعهم، بنهاية الحديث مضي سليمان علي ألاوراق وهو يردف ببسمته الواثقة:-
_كمان اسبوعين هيتم التسليم ان شاء الله
ابتسم المعاقد و:-
_يبقي كدا اتفقنا ياسليمان باشا
ونهض عن مقعده، سلم عليه ثم غادر، جلس سليمان علي المقعد وحيدا، يفكر في كل الذي يحدث حوله من أعمال متراكمة ومؤمرات بعقل شارد، لكن وسط كل ذلك وجد صورة تلك المدعاة بـ بيسان تظهر أمام عينيه، فــ بلا وعـي ظهرت بسمة علي وجهه ونهض عن مقعده ناويا مغادرة المطعم والتوجه لها ..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . .
بسم الله نبدأ ..
بنّي سليمان •• ملحمة شياطين الأنـس ••
_الفصل الرابع .
.. ! بداية حُـب ! ..
‘ حين تتلامس الأيادي فتندفي القلوب، اعرف ان هذا بداية حُب ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
_طيب وانا هكون مستنياك في المول .. متتأخرش
قالتها سلمي ثم اغلقت الهاتف، ثم تعالي صوتها وهي تخرج من غرفتها منادية لأبنها:-
_ادهم .. يلا ياأدهم علشان نمشي
جاء أدهم من غرفته سريعا، مرتديا ملابسه وجاهز علي أكمل وجه، قال وهو يقترب منها ويضع كفوف يده بين كفوفها:-
_هنروح الملاهي زي ما وعدتيني ؟
بدأت في هبوط درجات سلم القصر وهو بجوارها:-
_اها ، هخليك تلعب في ملاهي المول، بس لو متشقيتش وانا بشتري اللي عايزاه
اؤما بحسنا وهو يعطيها وعدا بألا يزعجها طوال فترة التسوق، عندما وصلا لأرضية البهو قابلوا منال في وطههم، كاد يقترب منها ليقبلها، إلا انها منعته و:-
_متقربش ياحبيبي علشان متتعبش، قولي رايحين فين بقي ؟
اجابها وهو يعود ليمسك بيد والدته من جديد:-
_رايحين المول
سلمي:-
_هشتري شوية حاجات وهخليه يلعب شوية
منال بنبرة هادئة:-
_طيب ياحبيبتي، اسيبكم بقي علشان متتأخروش
وفعلا صعدت نحو غرفتها، وتوجها الام والطفل نحو وجهتهم..
كانت سوزان في غرفتها تقف امام صورة لزوجها وتطالعه بحزن جَلي، كان السيد عبد الحميد شامخا دوما في وقفته، بطوله الفارع وجسده العريض، وقد اكتسب سليمان منه تلك الصفات، بالاضافة لبعض القسوة في بعض الأحيان، قالت بنبرة خافتة متألمة:-
_قولتلك الحرب هتقوم مصدقتنيش، اوعي تكون مقتنع بالسكون اللي في البيت دا ؟! دا السكون اللي بعده هتيجي عواصف ياعبد الحميد، واجد عينيه فيها نار مش قادر يخبيها، باللي انت عملته ولا حد هيقدر يطفيها، وسليمان مش هيقدر يقف في وشه علشان مش بنفس آذيته، سليمان ميقدرش يعور لحمه ياعبد الحميد، سليمان يعرف يحميه بس
أتنهدت وهي تتابع:-
_واجد مفكر انه لو قدر يثبت عدم جداره سليمان، وقتها الورثة هتتقسم بطريقة احسن، ميعرفش ان القسمة عمرها ما هتتغير، وان لو سليمان ماثبتش جدارته هو بس اللي هيتأذي
وضعت يدها علي قلبها:-
_قلبي وجعني اوي ياعبد الحميد، لسة الحقيقة المّرة واجعة قلبي، معرفاش كيف لدلوقتي سامحت منال علي عملتها ؟! معرفش كيف قادرة احس بنَفّسها معايا في البيت وهي سبب خراب حياتنا، معرفش اصلا اذا كانت فعلا ندمانة زي ما قالت ولا كدابة ؟ بس اللي اعرفه ان لو سليمان عرف اللي عملته هيقتلها ومش هيكتفي بكدة وبس
. . . * . . .
صـف سليمان سيارته أمام محل العطور الخاص بها، بعدما قد قرر بألا يفعل ويأتي، وجد نفسه يصف السيارة أمام المحل، لا يعلم سبب شعوره هذا، لكنه يريد ان يراها مرة أُخري، يطالع عينيها الفيروزتين بكل تروي وتمهل حتي يشبع من التطلع فيهما، ربما بعد دقيقة يشبع او بعد سنة ! فصدقاً التطلع لـ عيونها بلمعانهم الغريب يمنحك شعوراً بالزهول من جمال خلق الله
ترجل من السيارة وتوجه نحو باب الدخول، وقف أمامه بتردد، يسأل بداخل نفسه ‘ يدخل ام لا ؟! ‘
فكرة ان يأتي ويغادر دون ان يراها لم يستحسنها، فوجد نفسه يدفع باب الدخول الزجاجي ويدخل، فغمرته رائحة العطر النفاذة .. المعتادة
استنشق منها نفساً عميقاً واطلقه بتمهل، كانت هي في ذلك الحين بالمخزن، وهو عبارة عن غرفة صغيرة تصنع فيها عطورها وتحتفظ بالاخريات، بعيدا عن الغرفة الاساسية لـ العرض، عندما سمعت صوت دخول أحدهم تركت ما بيدها وتوجهت لـ الخارج، فتحت الباب وخرجت فأصطدمت نظراتها به، توسعت عيونها زهولا لمجيئه، رمقها بنظراته من رأسها الي أخمص قدميها كانت ترتدي كما الأمس فستان ربيع الألوان يلائم بشرتها البيضاء الناصعة، لكن غيرت تسريحة شعرها حيث جمعته ك ‘ كحكة ‘ كبيرة بمنتصف رأسها بطريقة عشوائية، يعمل علي ثبوتها قلم رصاص طويل، ابتسم بداخله لجمال طلتها البريئة الممزوجة بالتدلل
اقتربت منه وهي تهدف بمرح:-
_بالسرعة دي وحشتك عطوري ؟
أبتسم بدون شعور وهو يري بسمتها الناصعة أمامه، وأردف:-
_مقدرتش أنام من شوقي ليها
وكان يقصدها هي بعبارته، فلا يستطيع الكذب علي نفسه ويقول بأن تلك الفتاة لا تُؤثر به، حينها سيكون مخادعاً لنفسه وهو لم يعتاد ان يُخادع نفسه ابدا
مـدت يدها له:-
_كنت بعمل تركيبة جديدة، شـم كدا
مسك كف يدها ورفعه لـ أنفه، استنشق الرائحة، وجدها رقيقة ك رقتها، جميلة ك جمالها، مميزة ك تميزها، ورائعة بروعتها .. وجد نفسه يري جمال العطر بنظرته لها هي
اطلق زفره عالية وهو يقول ببسمة صدق:-
_مشفتش في رقتها
ابعدت كفها عن يده فوجد نفسه تضايق لأبتعدها عن كف يده وقالت بضحك:-
_تعرف انك رومانسي خالص !
عادت الجدية لملامحه و:-
_تعرفي ان الكلام اللي بقولهولك دا انا مستغرب منه اكتر منك ؟
بيسان بصدق:-
_مصدقاك
اقترب منها خطوة:-
_مصدقاني لية بقي ؟
اقتربت هي الأخري منه خطوة و:-
_زي ما قولت امبارح انت مبتتحنيش لـ الجمال، وخير دليل ملامح وشك القوية، دي ملامح فعلا متتهزش وتقول أي كلام علشان توقع غيرها، نظرات عينك صادقة مش خادعة
أبتسم لها، فعبارتها زلزلت كيانه أجمع، بعثرته بكل تهادي
لكي لا يزيد الأمر من خطورته، نفدت سريعا من امامه وهي تقول:-
_هروح أجبلك عطر، هيعجبك أوي
اختفت لحظات وعادت، بيدها قنينة عطر سوداء اللون، انيقة الشكل، منحتها له:-
_الازازة دي مميزة اوي، انا اللي عملاها، اتمني تعجبك
اخذها وفتح القنينة، قام بالرش منها علي يده، قربها لانفه ليستنشقها، فتغلغلت الرائحة لداخل ثنايا روحه بكل يُسـر، كانت قوية ك شخصيته، مميزة لـ الغاية، بها لمحة من الاثارة، فـلا شـك أن أي سيدة أذا اقتربت وقامت بشم ذلك العطر، ستسقط صريعة في حبه .. !
_تمنها كام ؟
قالها وهو ينوي ان يدفع فيها الكثير، فقد نالت علي اعجابه بشدة
_دي عربون صداقة
نطق بنصف عين:-
_صداقة !
صححت عبارتها:-
_صداقة بينك وبين المحل، بنربي زيون بعني
ضحك علي اخر جمله لها و:-
_طيب ياستي وانا قبلت الهدية
جاءه اتصال هام، فقال وهو يستعد ليرحل:-
_لازم امشي دلوقتي، بس اوعديني نتقابل
بيسان ببسمة خفيفة:-
_الوعود مش كلها بنقدر نوفي بيها، بس أديك عرفت العنوان، مش بغيب عنه في يوم
منحها بسمة بمعني ‘ الي اللقاء في موعد أخر ‘
فمنحته أُخري بمعني ‘ بانتظارك في اللقاء الاخر ‘
وبلا حديث تفهما الاثنان الرسالة الخافتة التي قالتها البسمة ونظرات العيون، لقد كانت زيارة تفتح معها ابواب كثيرة، لقد كانت تلك الزيارة ما هي ألا بوابة حُب جديد .. وبداية حُب جديد، نشأ وسيترعرع بذلك المحل عطري الرائحة..
. . . * . . .
جلست سلمي اخيرا علي مقعد في إحدي الكافيهات الموجودة بأحدي مراكز التسوق المشهورة، وضعت عدة حقائب علي مقعد أخر، وبالقرب منها كانت هناك لعبة يقوم ادهم باللعب عليها بنشاط ومرح، كادت ترن علي احدهم لكن وجدت صوته بالخلف يناديها وهو يقترب منها، التفتت له فوجدته زوجها واجد .. اخيرا قد أتي
وصل لها وحضنها حضن خفيف ثم أبتعد، جلسا علي مقعدين متجاورين وهو يسال:-
_اشتريتي كل اللي عايزاه ؟
أؤمات بنعم، فقال وهو يرفع يده ليطلب قدوم نادل لهم:-
_اكيد جعانة، استني اطلب غدا
قالت بصدق:-
_هموت من الجوع، من الصبح مأكلتش حاجة وحاسة اني هبطت
نظر لها بأشفاق لتعبها وارهاقها الواضح عليها، اقترب النادل فطلب لها ما تحب من طعام، ثم بدأ الأثنان في المسايرة بحديث ممتع خاص، فــ واجد رغم ما به من صفات سيئة إلا أنه بالفعل مُحـب لزوجته، عاشقا لها، متفهما لها، وهي تبادله تلك المشاعر بما هو أقوي، فقط لولا بعض الشرور التي بدواخلهم لكانوا عاشوا حياة في غاية السعادة أبـد الدهر
بعد تلك السهرة اللطيفة، عادا الزوجين الي القصر ومعهم ابنهم أدهم، وجدوا سليمان ينتظرهم في بهو المنزل وهو يقرأ في إحدي اوراق ملفاته، عندما لمحهم اغلق الملف ونظر لهم، نهض عن مقعده متوجها لهم
سليمان:-
_شرفتوا والله
واجد بنبرة ساخرة:-
_ياتري الباشا مستنينا لية ؟ مفكر نفسك بقيت كبيرنا فعلا ولازم تطمن علينا ولا اية !
نطق سليمان وهو يتجاهل النبرة الساخرة التي في حديث الاخر:-
_بعيدا عن اني فعلا كبيركم …
تطلت الي ما في يـد سلمي من حقائب عـدة:-
_انا عايز أسأل سلمي ازاي تسحب من حسابها سبع تلاف جنية من غير ما تقولي
حاوط واجد كتفي زوجته وهو يرد:-
_اديك قولت، حسابها يعني فلوسي وبالتالي فلوسها
سليمان بنبرة باردة وهو يشير براسه يمينا ويسارا:-
_تـوء، مش فلوسك، كلمة فلوسك دي كانت زمان، ايام ما مكنش في حساب، لكن دلوقتي كل قرش هيتصرف انا لازم اعرف راح فين وجبتوا بيه أية
واجد بنبرة بدأت في التعالي قليلا:-
_دا انت بتحلم ومصدق أحلامك بقي، اوعي تكون مفكر نفسك بما انك ليك النسبة الاكبر انك كبيرنا وليك حق تدخل في حساباتنا
سليمان بنبرة حادة:-
_ايوة ليا حق طول ما انا المسئول عن كل الفلوس والأملاك دي، وانا اللي هتأذي لو نقصت ومعرفتش اعوضها، ايوة ليا حق علشان الباشا حضرتك مبتعملش بتمن الفلوس حتي، انا لو قست مجهودك باللي مراتك مشترياه دا، فهقسط تمنه علي شهرين وأكتر، انت بتروح مكتبك تنام، مش هاين عليك تشتغل حتي، وفي الاخر عايز تقبض وتصرف براحتك ! يابجاحتك ياخي
انقض واجد علي سليمان يمسكه من ياقة قميصه البيتي وهو ينطق بعنفوان وغضب:-
_انا اللي بجح ولا انت اللي بجح ؟ انت اللي كوشت علي كله وبقيت مفكر نفسك سليمان باشا الاصلي، باصص في سبع تلاف جنية وفي جيبك بس مليارات !
تجمع الجميع علي صوتهم العالي، سلمي التي كانت ما زالت بجوار واجد، تدخلت لتفض بينهم، لكنها لم تستطيع، حيث نفض سليمان يـد زوجها بعيدا عنه، وقام هو بقلب الحال وامسكه من ياقته وهو يصرخ:-
_ما انت كمان في أيدك نفس المليارات دي، باصص في اللي في ايدي لية ؟ عينك مش شايفة غيرهم لية ؟ علشان زايد عنك شوية ! اشتغل معايا وهات زيهم واكتر مش تروح تنام علي مكتبك بـ هـم زي النسوان
لكمه واجد بقوة وهو يصرخ:-
_علشان كل اللي في ايدك دا كان لازم يبقي ملكي، انا الكبير مش أنت
سليمان وهو يلمس مكان اللكمة بسخرية:-
_الكبير كبير بمقامه مش بسنه
واجد بنبرة نارية:-
_عايزني اشتغل ؟ انا هشتغل ياسليمان ومش هسكت غير لما شغلي دا يوقعك ويجيب اخرك انت ومجموعة سليمان، ووريني هتقف بعدها ازاي ؟
تركه سليمان وتوجه لـ الدرج ليصعده وهو ينطق بسخرية:-
_أعلي ما في خيلك .. اعمله
اقتربت سلمي من واجد، كادت تلمس كتفه الا انه انتفض مبتعدا عنها، متوجها نحو باب القصر لـ الخروج وهو ينطق بنبرة فائرة:-
_ورحمة ابويا وابوك ياسليمان ما سايبك، وربي لاجيبك الارض
وبقيت الوجوه تنظر لبعضها بقلة حيلة وتمعض، والوجع علي أحوال الاحفاد بداخل قلب سوزان يزداد تدريجيا فـ تدريجيا
. . . * . . .
مـرت أيام الأسبوع حتي وصلت ليوم الخميس بسرعة لـ الغاية، لم يـري فيهم سليمان .. بيسان مرة أُخري لكن هذا لايمنع أنها لا تغيب عن باله قـط، كانت اعماله في تزايد، وانشغالاته تتكاثر، تدافعت عليه التعاقدات والصفقات حتي بلغت منتهاها، فلم يعـد في يومه وقتاً لـ المرح، ما زال واجد لا يعمل بشركات سليمان، لكن ما زال تفكيره وتخطيطه يعمل ولا يهدأ، يوم الخميس كان من المفترض أنه يوم حفل زفاف شقيقه ناني التي تُدعي ‘ أنجي ‘، لـذا في منزل بيسان بذلك الوقت الذي كان بالسادسة عصرا، كانت تقف أمام مرآتها تتزين بأدولت التجميل التي هي حقا في غني عنها، بينما هي تتكحل بالكحل الاسود، ارتفع رنين هاتفها.. تركت ما بيدها وتوجهت له، فوجدت المتصل هي ناني
بيسان بعدما اجابت عليها:-
_ايوة ياناني، انا قربت أخلص، هخلص وهطلع علطول، تمام نتقابل هناك
في مكان أخر، قال واجد لأحدهم بنبرة فحيح افعي:-
_انا فضتلك المكان، وانت عليك التنفيذ..
صمت لـ لحظة ثم تابع:-
_لازم تنفذ انهاردة، مش كل يوم المكان هيفضي.. سامع ؟
وبالأخير اغلق مع المتصل ورمق شرفة سليمان الساطع ضوءها من مقعد الحديقة الجالس عليه بتشفي وهو يهمس بداخل نفسه:-
_ولسـة ياسليمان، ولسـة
بغرفة سليمان، انتهي من تجهيز نفسه ليحضر نفس حفل الزفاف، بكونه من نفس وسـط العريس ‘ وسـط رجال اعمال ‘ ومعزوم علي زفافه بدعوة خاصة لا يستطيع رفضها، انتهي من تحضير نفسه، نظر لنفسه نظرة رضي أخيرة ثم توجه لـ الخارج، نحو الحفل
بتلك اللحظة كانت هناك أيادي تتجهز لتنفيذ أوامر واجد باشا، تُـري ما هي اوامره ؟
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بسم الله نبدأ ..
بنّي سليمان •• ملحمة شياطين الأنـس ••
_الفصل الخامس .
.. ! حفل زفاف ! ..
‘ ليس معنا اننا نتشارك نفس الدماء، ان يجمعنا الحب.. فقد يجمعنا الكره والبغض والحقد.. وبالاخير جميعها مشاعر أيضا ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقفت سيارة الاجرة امام القاعة المقصودة، هبطت منها بيسان بعدما حاسبت السائق، فغادر السائق سريعا وبقيت هي بمفردها امام القاعة، جفلت من فكرة دخولها وحدها لـ القاعة حتي انها كادت تعود أدراجها الي حيث منزلها، لكن صوته قطع فكرة هروبها
_حاسس اني حبيت الصُـدف!
جاءها الصوت من الخلف، التفتت فوجدته هو.. سليمان بطلته المميزة يقف خلفها بطوله الفارع وشياكته المعتادة واضعا كفيه بجيوب بنطاله بكل غرور، وعلي إحدي زوايا شفتيه ارتسمت بسمة.. خفيفة
نطقت بأنفعالها المُعتاد:-
_يعني مش بتراقبني مثلا؟
قالت عبارتها وغمزت له بخفة، فضحك عليها و:-
_تـوء، سليمان توفيق مبيراقبش، بيخلي القدر يلعب لعبته زي ما هو عايز
امسكت ذراعيه فجاة وهي تقول بحماس:-
_طيب بما انك جيت ادخل معايا بقي علشان مش عايزه ادخل لوحدي
نظر ليديها التي تشبثت بذراعيه بقوة، كانت متشبثة بكامل قوتها وعفويتها وكأنها تتعامل مع قريب لها الي حد كبير وليس غريبا عنها، تفهمت نظراته قبل ان يتحدث فقالت:-
_تلت مقابلات مش قليلة برضوا، انت خلاص بقيت من العيلة
وضحكت بخفة، فطرب قلبه اثر سماعه لضحكتها وبلا شعور وجد نفسه يمسك يدها بإحدي يديه بقوة، ويتجه بها نحو باب القاعة لـ يدخلا سويا في مظهر عفوي بالنسبة لها، قـد يُسبب عدة مشاكل لها ايضا فيما بعـد..
بالفعل .
عندما ظهرا سويا علي باب القاعة تعلقت العيون بهم، اولا انجذبت العيون لهم لشكلهم الثنائي اللائق، ثم ظهرت الدهشة علي البعض عندما علموا بهوية سليمان، كثرت الهمهمات بين السيدات الهواءه لـ الثرثرة، وتعلقت عدسات الكاميرات علي مركز وقوفهم، آخذه عدة صور لهم سويا
بعنوان ‘ سليل آل سليمان مع فتاة .. فمن تكون ؟ ‘، هتفت بمرح وهي تري الجلبة التي حدث من قِبل الصحافيين:-
_مكنتش اعرف انك جامد اوي كدا؟!
سليمان مبادلا مرحها بأخر:-
_قولتلك احنا واثقين من نفسنا اوي
سحبها معه الي إحدي الطاولات، ابعد كرسيًا عن الطاولة لتجلس عليه، ابتسمت لحركته وجلست علي المقعد، ابعد اخر بجوارها وجلس عليه هو تلك المرة
_انت جاي هنا لية؟
سألته بأستفهام وهي تنظر لملامحه بعينيها الفيروزتين الاسرتين..
_العريس صديق عمل
غمزت له بشقاوة:-
_صديق ولا عـدو زي مستر حسان
ضحك و:-
_لا.. مجرد صديق
هتفت قبل ان يسألها هو علي السؤال:-
_العروسة تبقي اخت ناني صاحبتي
وعندما جائت سيرة ناني، وجدت صوتها يأتي من الخلف بصراخ وهي تتقدم منها:-
_بيسان.. ياحيوانة
همست بحرج مصطنع له قبل ان تنهض:-
_بتحترمني اوي
تعالت ضحكاته عليها، وراح يرمقها بعينين تنبثق منها مشاعر الدفئ وهو يراها تسلم علي صديقتها وعلي شفتيها بسمة عفوية تُزيد من مقدار جمالها الضعف
تلك الفتاة حقا باتت خطرا عليه، هو بدأ يشعر بالذي لا يستطيع انكاره نحوها، كل مقابلة تجمعه بها يفقد فيها الكثير من جموده وبروده، تحرك مشاعره الجليدية وتَذيبها بـ بسمتها فقط.. تذيب جليده حتي اقترب الجليد ان يتحول الي نيران الحب لها، ولا يعرف كيف يهرب.. وينجو من آسرها قبل ان يغرق فيه أكثر، لا يعلم من الاساس.. ان كان يريد ان ينجو ام لا..
ابتعدت ناني عن بيسان فعادت هي له من جديد، جلست وهي تقول:-
_تلت مرات نتقابل ومعرفش عنك غير انك سليمان توفيق سليمان بس.. والحقيقة دا ميكفنيش، انا بحب اعرف عن زبايني كل حاجة
رفع إحدي حاجبيه:-
_زباينك؟!
هتفت مصححة العبارة بضحكة خفيفة:-
_زبايني المفضلين ياعم
وراح يقص عليها بأريحة عنه، تحدث وتحدث.. وكأنه اول مرة يفعل، كان غير مصدقا لما يحدث ولـ لسانه الذي كان يتحدث بغير ارادة منه، يقول لها عن طفولته، شبابه، مراهقته، افكاره وحتي احلامه.. بعض من ما يحبه وما يكرهه، كأنها ضغطت علي زر البوح.. وكان منوما مغناطيسا فحكي وباح بأستفاضه عنه
وكانت هي تستمع له، وعلي شفتيها بسمة تتسع تدريجيا كلما حكي أكثر عنه، لا تعلم.. مثله تماما لا تعلم، لكن هناك رابطا يربط قلبها به، رابطا يجعل قلبها يخفق كلما تتقابل معه، وتتقابل عينيه بعيونها كما يحدث الان، ويصل صوته لاذنيها فتشعر وكأنه طربًا يتلاعب علي اطراف قلبها فيجعله يتراقص بسعادة لا تُصف
بدأت بعض الثنائيات بالرقص الرمانسي علي إحدي الاغاني، وتشارك معهم العروسين، عندما انتبه لذلك، مـد يده لها بعدما نهض عن مكانه و:-
_تسمحيلي..؟!
وضعت يدها بيده وهي تؤمي بـ ‘ نعم ‘، اخذها وصعد بها علي المسرح، وضع يده علي خصرها، ووضعت يدها علي كتفه، قربها منه وهو يتمايل بها علي الموسيقي، رفعت عيونها فتلاقت بعينيه، ابتسمت له، فبادلها بسمتها المشرقة بأُخري، همس بشفتيه بنبرة تُكاد لا تُسمع:-
_لو في يوم قالوا اني هحس الاحساسيس دي مع واحدة ست، كنت هقول عنهم مجانين
بيسان بنبرة خافتة.. تُغَيب الوعي عن العقل:-
_احاسيس اية؟!
اجابها وعينيه تذوب في نظراتها اكثر:-
_احساس اني طاير في سما مفهاش غيرك وبس، في مكان مش شايف فيه غير عيونك، مش عارف.. بس متأكد ان نظرات عيونك قادرة تهد ثبات اي حد
مالت برأسها علي كتفه وهي تقول:-
_وانا مش عايزه اهـد غير ثباتك انت وبس
ابعدها عنه، وكاد يضعف ويعترف بما يجول في عقله، لا يعلم ما كان سيقوله بالضبط ‘ اهو معجب ام محب ‘
لكن لم يكاد يتحرك لسانه حتي عَلي رنين هاتفه، اخرجه واجاب عليه، لحظات وكان يقطع الطريق نحو مصنعه بسرعة تُسابق سرعة الرياح في اوقات العاصفة التي لا خير بعدها أبدا..
. . . * . . .
وصلت سيارته لـ بداية المنطقة التي يُوجد فيها أكبر وأهم مصنع لـ شركاتهم، هاله منظر النيران التي وصلت له وهو علي بُعد عـدة المترات من المصنع، كان المنظر مفجع لـ الغاية، يخبره دون حديث عن كم الخسائر التي خسرها من هذا الحريق، صف سيارته في اقرب مكان فارغ وهبط منها، توجه بخطوات سريعة تحاكي الركض نحو المصنع، وجد هناك رجال الاطفاء تحاول ان تطفي النيران المنبثقة والتي تخرج من كل افواه المصنع بعنف.. برشاشات المياة، اقترب اكثر من مكان الحريق فابعده إحدي رجال الشرطة سريعا كي لا يتأذي، هتف وهو يسعل بأختناق:-
_في حد أتأذي؟ في حد جوه؟
هتف الشرطي وهو مازال يمسكه بكلتا يديه:-
_المسئول عن امن المصنع قال مفيش حد، بس لسة جاري البحث ياسليمان بية
اقترب رجل الأمن منه ناطقا بتردد:-
_سليمان بية…
لم يرد سليمان مع اول نداء، فكان نظره متعلق بالمصنع الذي كانت تنطفى نيرانه ببطء، بينما شرارتها مازالت تعلو، كـ اعاصيره هو التي بدأت في الغليان.. تنهد عدة مرات محاولا ان يتملك اعصابه، نظر لـ الضابط وهو يقول بنبرة جامدة:-
_عايز اعرف في اسرع وقت اية سبب الحريق لو سمحت
اؤما له الضابط وقبل ان يتحدث تركه سليمان وابتعد عن الساحة، توجه لحيث سيارته واستند عليها بتعب، وعيونه شاردة في ملكوت اخر…
هبط واجد درجات السلم وخلفه عابد بخطوات سريعة.. راكضة، لمحت السيدة سوزان تعجلهم الواضح فسألتهم بقلق:-
_في اية ياواجد، مالكم بتجروا كدا لية؟
نطق بعصبية مفرطة وهو يتقدم منها:-
_المصنع الكبير اتحرق، الباشا مقدرش يحافظ علي اهم مصنع عندنا، اللي المواد اللي فيه بس خسارتها معناها ضياعنا..
شهقت منال بقوة بينما قالت سوازن بقلق:-
_طيب وهو كويس، يعني متآذاش..
هتف بغيظ من تسألها عليه وسط تلك الكارثة الكُبري:-
_بقولك احنا في مصيبة وانتي بتسأليني عليه ما يولع ولا يغور في داهية انا مالي
وجه حديثه لعابد:-
_ورايا، خلينا نشوف هنعمل اية في المصيبة دي
وخرجا الاثنان من باب القصر بخطوات عاجلة.. مليئة بالقلق!
هتفت منال وهي ترمق سوزان بعتاب:-
_مش لو مسك الادارة واجد.. كان الحال بقي غير دلوقتي!
تجاهلت سوزان حديثها ورفعت يدها عاليًا تدعو الله ان يمرر اليوم علي خير، ويعوضعم خسارتهم بما هو أفضل..
صف واجد سيارة بالقرب من سيارة سليمان، هبط منها وتبعه عابد، اقترب من سليمان وهو يقول بغضب ممزوج بالسخرية:-
_ثقة الباشا كانت فين والمصنع بيولع يااستاذ سليمان؟
نظر له سليمان، وبدون شعور منه اقترب قابضًا علي ياقته بيديه وهو يصرخ بغضب:-
_اقسم بالله ياواجد، ورحمة جدي وجدك.. ان كان ليك أيد في اللي حصل دا لـ هيكون اخر يوم في عمرك
ابعد واجد يده عن ياقته وهو يقول بضيق:-
_انت اتجننت، عايز ترمي بلاويك ونتيجة اهمالك عليا!
اصابت سليمان حالة من الجنون، وعدم التحكم بالنفس، فبادر بـ لكم واجد بقوة، الذي بدوره لكمه هو الاخر بقوة أشـد، تبادل الاثنان اللكمات والصراخ، وعابد في النصف يحاول ان يفصل بينهم، بعد عدة محاولات اجتمع علي اثرها عدة من الصحفيين التي تجمعت لتصوير الحريق وبعض رجال الامن والمارة نجح عابد في ان يفصل بينهم
قال سليمان بوعيد وهو يرمق واجد بعيون تنبثق منها نيران الغضب:-
_الافعال الو*** دي متطلعش غير منك، وياويلك مني لو عرفت انك ورا اللي حصل دا
واجد باستفزاز:-
_انت كلام وبس ياسبع الرجال، كلام وبس.. ومش هتقدر تعمل حاجة
كاد يقترب مرة اخري، إلا ان عابد احكم قبضته حوله وهو يقول بصراخ فيهم:-
_فرجتوا الناس علينا، اسكتوا بقي فضحتونا
رمق واجد الناس التي تجمعت لـ لحظة قبل ان يترك كل شئ خلفه ويغادر، تابع مغادرته سليمان بعينيه وهو يتوعد بداخله له بالهلاك العاجل ان كان وراء ما حدث..
. . . * . . .
لم تنجح سلمي في تهدئه عاصفة غضب واجد بكلماته الخافتة او افعالها، فمازال الاخري يتحرك في غرفته بغضب سافر وعينيه تتوقد بالنيران الغاضبة، من ما يحدث حوله بأكمله، هتفت سلمي في محاولة اخري بتهدئته:-
_طيب وانت متعصب لية بس ياواجد.. الخسارة واللي هيتحمل نتيجتها سليمان، وبالنسبة لكلامه فهو مجرد كلام قاله وقت غلط يعني.. اكيد ميقصدش بيه حاطة، ولو يقصد فأنت اصلا مش ورا اللي حصل…
قاطعت حديثها لـ لحظة قبل ان تقول بعيون ضيقة:-
_ولا انت ليك أيد في اللي حصل ياواجد؟!
نظر لها وهو يهتف بالايجاب:-
_ايوة ليا ايد، بس الغبي طلبت منه يخرب الآلات مش يخرب المصنع كله
شهقت بعنف وهي تسمع تصريحه هذا، اقتربت منه وهي تقول بعتاب:-
_لية بس ياواجد تعمل كدا؟ الخسارة دي هتأذي الكل مش سليمان بس
واجد بعيون غاضبة ومشاعر مستعلة:-
_طول ما كل حاجة في أيد سليمان وهو لية حق التصرف فيها وبس، تبقي اي خسارة مش هتأذي غيره.. وانا مش هسكت غير لما ادمره علي الاخر
سلمي بتسأل قلق:-
_انت ناوي علي اية ياواجد؟
ابتسم بشـر و:-
_اكسر ثقة الباشا ولو كانت النتيجة انهيار امبراطورية سليمان كلها
هتفت بأعتراض وهي تلتف لتقف بوجهه.. تواجه:-
_وانت مفكر انه هيسكتلك؟ دا كان يقتلك فيها
رد بملامح جامدة.. لا مشاعر فيها:-
_متخفيش من قوة الضربات اللي هضربه بيها وكترتها مش هيلحق يفوقلي اصلا
تابع حديثه ببسمة لا تنبئ بالخير، ثم تركها وخرج من الغرفة، تاركا اياها خلفه تنظر له بقلق وخوف من القادم الذي سيكون ملئ بمصائب جميعها ستنشئ علي يده هو… واجد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بسم الله نبدأ..
بنّي سليمان •• ملحمة شياطين الأنـس ••
_الفصل السادس .
‘ حريق مفاجئ لـ إحدي اهم مصانع شركان آل سليمان بلغ حجم الخساىر الناتجة عنه ما يزيد عن الثلاثة مليون جنيهًا، ومازال سبب الحريق مجهولًا حتي اللحظة ‘
قرأت سوزان الخبر بحزن جم وهي تجلس علي مقعدها الرئيسي علي طاولة الطعام، استمعت لصوت اقدام تتقارب من موقع جلوسها فـ طوت الجريدة ورفعت رأسها، فوجدته سليمان يهبط درجات السلم ويبدو علي ملامحه الاجهاد والتعب جليا، فالساعة بلغت السادسة والنصف الان، وهو من الاساس جاء في مطلع الفجر ليرتاح قليلا قبل ان ينزل مرة اخري صباحا.. لذا ما حصل عليه من الراحة، قليل ولـ الغاية
اقترب منها، جلس علي مقعده المخصص وهو ينطق بملامح لا روح فيها:-
_صباح الخير
سوزان بنبرة حانية:-
_صباح النور ياحبيبي، متزعلش نفسك ياسليمان كل حاجة هتكون كويسة بأذن الله
اؤما بتفهم وهو يردد بتمني:-
_بأذن الله، اخدتي الدوا؟
اؤمات بنعم وهي تبتسم علي حفيدها الحنون، الذي مهما بلغت مشاكله ومشاغله لا ينساها ابدا، ولا ينسي ما يخصها مهما كان شئياً صغيرًا
نادي بصوته العالي:-
_وجيدة لو سمحتي فنجان قهوة مظبوط بسرعة
لحظات وأتت وجيدة بالفنجان، وخلفها جاءت منال ومعها سلمي..
نطقت منال وهي تجلس علي مقعدها المخصص علي الطاولة:-
_هتعمل اية في المصيبة دي ياسليمان؟
نظر لها لـ لحظة، قبل ان يقول بنبرة هادئة:-
_متقلقيش يامرات عمي، هتتحل ان شاء الله
أرتشف من فنجانه.. القهوة علي هيئة رشفات سريعة، حتي أنهاها في لحظات معدودة، ثم نهض عن مقعده مستعدا لـ الرحيل
فعادت منال تقول:-
_مش لو واجد هو اللي ماسك الادارة مكنش حصل اللي حصل دا
رمقها بسخرية قبل ان يردف بتلميح:-
_لو جدي كان شايف انه الأحق.. اكيد كان سلمه زمام الامور
منال بغضب:-
_جدك بيعوضك يُتمك بـ…..
قاطعتها سوزان بحدة:-
_منال..
سليمان وهو يشير لجدته بالصمت:-
_خليها تتكلم ياتيتا، شكلها نسيت ان ابنها كمان يتيم الاب زيي، وان جدي قسم حسب قدراتنا ومهارتنا مش علي حسب حاجة تانية
رمقته بعيون بغيضة، فتابع بنبرة ذات معني وهو يستمع لخطوات عابد وواجد القادمة من خلفه:-
_علي كل حال متخفيش، الخسارة هعوضها، وجو المؤمرات الفاشل دا انا هعرف اقف في وشه كويس وأَعرف صاحبه هو بيتعامل مع مين بالظبط
ولم يزيد حرف اخر، فقد غادر بخطواته نحو الخارج
تاركا خلفه سوزان ترمق ما يحدث بحزن، وسلمي بقلق
اما واجد فغضبه كان يتضاعف ورغبته الملحة بتدمير سليمان تزداد..
. . . * . . .
‘ نجل آل سليمان ومدير مجلس ادارة الشركات في اول ظهور له مع فتاة، يدها بيده وعينه تحكي عن الكثير.. تُري ماذا تخفي لنا الأيام عن هذة العلاقة الجديدة التي تجمعه معها؟! ‘
قرأت ليان الخبر بعيون يتوقد فيها الغضب، حيث اتبع تلك الكلمات المستفزة صورة اشد استفزازًا لـ سليمان وبيده تلك الفتاة التي يحكون عنها، بالفعل بسمته المرتسمة علي شفتيه، وعينيه اللامعة تحكي الكثير، دققت في ملامح الفتاة كثيرا، كانت جميلة.. لا تستطيع ان تنكر هذا، بل ساحرة الجمال والبهاء، لكن.. هذا لا يمنع انها بهذا الاشداء ستكون خسرت ما تريده، ملامح الفتاة تشعر وكأنها رأتها من قبل، مألوفة عليها لدرجة كبيرة، ضيقت حاجبيها في محاولة منها لـ التذكر
ظلت تفكر وتتذكر حتي سأمت من حالها، لم تجد سوي طريقا واحد ليساعدها علي معرفة ما يحدث، ومن تلك الفتاة
لحظات وكانت تحادث شيري و:-
_شيري، عايزاكي تجيلي البيت حالا.. فاهمة؟
قالت شيري بتسأل مهتم:-
_طيب مين في البيت غيرك؟
تفهمت ما تريده الأخري وما تسأل عنه بتخفي، فقالت بخبث:-
_مفيش حد غير انا ويأمن اخويا بس، بس هو تقريبا هينزل كمان ساعة او حاجة
نطقت شيري بتسرع:-
_مسافة الطريق وهتلاقيني عندك ياليان
اغلقت معها وهي تبتسم علي صديقتها، نعم لديها مصلحة وتهتم بذلك الـ سليمان كثيرا، لكنها أيضا ستكون سعيدة ان وفقت رأسين في الحلال أثناء تحقيق هدفها هذا، والذي لم يكون سوي.. الزواج من ذلك الرجل.. الوسيم ذو الشخصية التي تتحدث عن القوة بكل سهولة ويسر..
شيري التي تأخذ ساعة لتختار ما ترتديه، وساعة أُخري لتجهيز خصلات شعرها، واخري واخري في وضع ادوات التجميل، كانت في منزل ليان بعد اغلاق الاتصال معها بـ ربع ساعة!
ضحكت ليان وهي تسمع من الخادمة ان شيري بالاسفل بزهول، يبدو ان الحب وصل لمبتغاه من ناحية شيري لـ أخيها يأمن!
هبطت درجات السلم وتوجهت نحو بهو الفيلا الكبير، وجدت شيري تلتف برأسها في كل مكان، كأنها تبحث عن أحدهم بلهفة، اقتربت منها وهي تقول ضاحكة:-
_اللي بتدوري عليه فوق، في اوضته
ارتبكت الاخري ورفعت يدها تلعب في خصلات شعرها الغجرية ‘ الكيرلي ‘ ونطقت بعدم فهم مصطنع:-
_انتي بتقولي اية؟ مش فهماكي
ضحكت ليان بأستمتاع لملامح شيري التي اصطبغت بالاحمر، جلست في مواجهتها و:-
_هعمل روحي مصدقاكي ونأجل كلامنا في الموضوع دا وندخل في حاجة تانية
شيري باهتمام:-
_حاجة اية؟!
امسكت الجريدة وفتحتها علي صورة ‘ سليمان وبيسان ‘، منحتها الجريدة قائلة:-
_البنت اللي مع سليمان دي، حاسة اننا شوفناها قبل كدا..
نظرت شيري لـ الصورة بتمعن لـ لحظات قبل ان تقول:-
_اها دي اللي كانت معاه في عيد ميلاد حسان رشـدي
ابتسمت بشكر وامتنان لشيري، شيري ذات الذاكرة الفذة التي لا تنسي شيئا، لهذا هي تحتاج لها دوما ولذاكرتها القوية التي لا تنسي بسهولة ابدا، اكملت شيري:-
_علي فكرة، انتي شكلك نسيتي تعرفي مين هي واهملتي الموضوع.. بس انا..
غمزت لها واكملت:-
_مأهملتش وعرفت كل حاجة
اعتدلت ليان في جلستها وهي تقول بحماس:-
_قوليلي كل حاجة عرفتيها
قالت شيري بعيون ضيقة:-
_بس انتي ليان صح؟
ضيقت ليان حاحبيها بعدم فهم و:-
_يعني اية مش فاهمة!
شيري بتنهيدة:-
_يعني لو بينهم حاجة مش هتدخلي وتخربي بينهم ياليان.. صح؟
نطقت ليان بتردد:-
_اها طبعا.. بس اكيد يعني مفيش، احكي انتي بس الاول
وكأنها ضغطت علي زر الثرثرة، حيث لحظة وكانت شيري تندفع بالحديث كرشاش اندفع بـ رز المياة:-
_بصي ياستي هي عندها محل عطور علي اسمها ‘BeSSan’s PerFume ‘، عطورها الحقيقة بيقولوا عليها تحفة و…
ليان بنفاذ صبر:-
_شيري، انجزي ياماما، ادخلي في المهم
شيري:-
_هو اول مرة شافها في المحل بتاعها، تاني مرة في عيد ميلاد حسان رشدي، وطبعا زي ما انتي شايفة، عيونه خير دليل علي اعجابه بيها، انا كنت في الفرح اللي اتاخدت منه الصورة دي امبارح، وعرفت ان ناني عزماها لانها صاحبتها ومش عايزه اقولك انه تقريبا مسبهاش طول الفرح، فضل طول الفرح يتكلم ويضحك لدرجة اني كنت قاعدة ابصله بزهول وصدمة، يعني طول ما انا ببصلهم تقريبا هو اللي كان بيتكلم وبس وانتي عارفة طبعا ان دي مش من عاداته.. تصدقي انه رقص معاها!!
توسعت عينا الاخري، بينما اكملت شيري:-
_بس في وسط الرقصة جاله تلففون مهم فاعتذر ومشي، وعرفت بعدين ان مصنعه ولع
ليان بزهول مرددة:-
_مصنعه ولع؟!
اؤمات بنعم و:-
_ليان.. حاولي تطلعيه من تفكيرك ارجوكي علشان متوجعيش قلبك اكتر من كدا، لان الظاهر كدا ان صنارته غمزت ووقع فيها
اغلقت ليان عينيها لـ لحظات تفكر، لا تنكر انها شعرت بالضيق لاستماعها بذلك الحديث، اهتمام سليمان بأحداهن وهو الذي ما كان يتحدث سوي بالبرود بكل ما يخصهن، ولا يتحدث مع النساء اساسًا الا بجمود، وضحكته تلك ايضا التي لا تظهر الا نادرًا.. ها هي تخرج من القلب بسلاسة لـ الغاية، يبدو انها خسرت الرهان قبل ان تبدأه..
فتحت عينيها وهي تقول بتصميم:-
_هحاول مرة اخيرة وبس، لو لفتت انتباهه هكمل.. لو لا وعد هبعد
جاءت شيري لتتحدث فقاطعتها ضاحكة:-
_وهنفذلك طلبك ياستي وهقربك من حبيب القلب
توسعت عينا شيري بزهول من معرفة الاخري بطلبها، وقبل ان تتحدث جاء صوت يأمن:-
_مين حبيب القلب دا؟
نظرت شيري له بصدمة قبل ان تدخل في نوبة سُعال وليان تنظر لها ضاحكة بمرح كبير عليها..
. . . * . . .
‘ معركة دامية بين آل سليمان امام موقع المخزن المحترق، توضح تماما ان هناك صراع في العائلة علي الورث يحاولون التكتم عنه بكامل جهدهم.. لكن هل ينجحوا؟! ‘
وتبع العنوان، صورة لسليمان وواجد وكلاهما يلكمان بضعهم البعض، وعابد في منتصفهم يحاول الفض بينهم، كانت بيسان تقرأ الخبر بحزن علي حالتهم، وتفهم لسبب مغادرته العاجلة أخيرا، فبعد ان تركها بمنتصف الحفل هكذا بلا حديث، جالت الافكار في عقلها لحد كاد يصيبها بالجنون، ما الذي قد يكون حدث ليتركها هكذا بعد مكالمة هاتف؟ ظلت تفكر في سبب لحالته ولم تصل لشى، لكن ذلك الخبر اخبرها بما حدث اخيرا.. وطمئنها
ما حكاه بالامس اذن صحيحا، هناك حرب بين بنّي سليمان علي الورث والسلطة، هناك حرب بين الاخوة.. لأجل المال
حزينة علي ذلك الحال هي، هل احدهم قد يكون يملك عائلة ويفترق عنهم لاجل مال لا فائدة له، المال.. المال هو السبب الاول لكل المصائب الان، لما لا يكتفي البشر بما لديهم، وبما يكفيهم لـ العيش، لما يريدون الزيادة التي لا فائدة لها؟
تتمني من كل قلبها ان تتحسن احواله مع عائلته وتنتهي خلفاتهم ويتحالفوا، فـ ان تحالفوا.. لا شك ان هذا سيخلق نوعا من الترابط بينهم الذي لا يمكن ان ينفك أبدا..
هتف سليمان لـ عليا وهو يدخل مكتبه وتلك الاخيرة خلفه، بلجته الأمرة:-
_عايزك تجمعيلي كل مسئولين عن المصانع علي الساعة واحدة ياعليا
اؤمات بحسنا فتابع وهو يجلس علي كرسيه بعدما نزع عنه جاكيته الاسود الثقيل الذي يقيه من البرد القارس عندما يكون بالخارج:-
_وتجيبيلي كل التعاقدات اللي كنا عملناها مع العملاء اللي هيستلموا بضايعهم من المصنع دا، خلال التلت شهور اللي جايين
عليا بإيجاب:-
_حاضر يافندم.. حاجة تانية؟
سليمان وهو ينظر لـ جهازه الألكتروني:-
_عايز فنجان قهوة واي معاد ملهوش لازمة تلغيه..
كادت تغادر فتابع بتذكر:-
_اها، اطلبي بوكية ورد علي زوقك وابعتيه علي العنوان دا..
دَون اسم العنوان في ورقة واعطاها له، اخذتها وقبل ان تغادر، اكمل وهو يكتب عبارة في ورقة اخري:-
_والرسالة دي تتبعت مع الورود..
اخذت الرسالة المطوية وهي تردف بعدم فهم لما يحدث حولها:-
_تمام يافندم
فـ من؟ سليمان رئيسها.. يهتم ويبعث لاحدهم وردًا!
. . . * . . .
قرأ الضابط التقرير الطبي الذي وصل له من قبل الطبيب الشرعي منذ ساعة لـ المرة االتي يجهل عددها بلا كلل او ملل، فـ قضية ك تلك معروفة انها ستكون بفعل فاعل لا غير، لكن ما كُتب امامه لا يقول هذا ابدا.. فقط ماس كهربي هو سبب حريق هائل لاهم مصنع من مصانع آل سليمان، ما يعلمه كما يعلم الجميع ان آل سليمان لا تترك شيئا ك هذا بلا صيانة، ان شكوا ان هناك شيئًا يحتاج لصيانة فـ همم يقوموا بصيانته باسرع وقت علي يد من هم باعلي مستوي.. هل ارتباك العائلة اثر حالة الوفاة التي كانت لديهم جعلتهم يتراخون قليلا في الرقابة؟
لو كان هذا السبب هو العذر.. اذن فهو بلا فعل فاعل
لكن اذا كان لا.. اذن الامر بفعل فاعل بلا حتم، لكن مَن نفذه، نفذه من داخل المصنع.. شخصا يعلم ما هو مصنع سليمان ويحفظه، لدرجة انه دخله بوقت لا أحد فيه.. وضرب في اقوي ما يملكون.. في وقت لا يوجد ما هو انسب منه
هتف لـ العسكري وهو يغلق التقرير اخيرا:-
_ابعت يابني لسليمان باشا وقوله ان تقرير الطب الشرعي طلع
هتف واجد وهو يجلس مقابلا لمقعد عابد الذي ظهر عليه الضيق من ما فعله واجد:-
_انا الاول مكنتش عايز دا يحصل، بس خلاص حصل ياعابد.. زائد الحقيقة كويس ان دا يحصل.. اننا ندخل علي التقيل احسن من اننا نلعب بالقليل، ضربتين يموتوا احسن من اربعة يهدوا
عابد بقلة حيلة وهو يرمق اخاه بضيق:-
_مش هتجيبها لـ بر انت
غمز له بعيناه و:-
_لا وانت الصادق.. هجبلك امبراطورية سليمان تحت رجلنا من غير تعب ووجع دماغ
عابد بأستنكار:-
_وانت مفكر ان سليمان هيسكت ولا مش هيعرف انك السبب؟
واجد بلامبالاة:-
_وان عرف، مش هيقدر يعملي حاجة، اصلي من عيلته واللي زيه مبيأذيش اللي من دمه..
عابد بتحذير وهو يري ثقة الاخير بموقف سليمان:-
_بس اللي من عيلته دا اللي هيهده، يعني صدقني لو حط في باله يأذيك مش هيرحمك ياواجد.. لو كان علي حافة الموت والانهيار، هياخد حقه منك وبعدين هيقع..
واجد:-
_يابني دا نايم في العسل، اخره يضرب ضربتين زي اللي عملهم ويحاول يحل مشاكله وبس، لكن يرد الضربة.. تـوء ميقدرش
عابد بتعجب من حديث اخيه:-
_وليه متقولش انه مش بيفكر بأندفاع زيك، وانه ناوي يرد.. بس بضربة معلم واحدة؟ اصل اللي انا اعرفه عن سليمان يقول غير اللي بتقوله انت خالص، كلامك عنه بيحسسني انك بتتكلم عن حد غيره خالص
لا ينكر واجد.. ان كلمات عابد ادخلت في قلبه قليلا من القلق، هل يعقل ان يكون هادئ الهدوء الذي يسبق العاصفة؟! يخطط لكنه لن ينفذ الان؟ هل يعقل ان يكون هو الطرف الأهدي في الحرب، وبالتالي الأذكي، وبالتالي الفائز..!!
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بسم الله نبدأ..
بنّي سليمان •• ملحمة شياطين الأنـس ••
_الفصل السابع .
.. ! بـ يحبك ! ..
‘ كاره النساء.. اذا أحب، ستري منه ما لا يدخل علي بال البشر ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تخضبت وجنتي بيسان بالأحمرار وهي تقرأ كلمات الرسالة التي أرسلها سليمان برفقة باقة من الازهار الحمراء ذات الرائحة الجميلة لها، كانت باقة كبيرة.. تحتوي علي ورود حمراء كثيرء ويحمي تلك الورود مغلف انيق أسود اللون.. علي بدايته سكنت ورقة بنفس اللون الاسود.. فتحتها وجدت فيها كلمات بخط أحمر اللون..
‘ آمراة مثلك لا تستحق ان يتركها أحدا.. من مثلك تستحق التدليل، تستحق رجلا لا يشغل باله سوي مراضاتها ياسيدة يخجل الجمال من جمالها.. والنساء من بهاءها.. يا سيدة انحني لها الدلال.. وتعلم منها الاغراء فنونه.. يانجمة في سماء عالمي.. ووردة في حديقة احلامي.. يا مَن تغار منكِ النجوم.. أعتذر.. كَوني تركتك فجأة بلا سبق انذار.. فهل تقبلتِ؟! سليمان توفيق ‘
طوت الورقة وابعدتها عن انظارها وكأنها تبعد سليمان عنها كي لا يري احمرار وجنتيها وتبسم شفتيها بخجل، كلماته تسللت الي قلبها فجعلته يخفق بعنف من عنفوان كلماته.. كلمات بعثرت مشاعرها بكل يسر، دغدغت مشاعرها الرهيفة التي تهيم بالرومانسية ومغرمة بها، كم كانت تتمني ان يدللها احدا بأفعاله ويشعرها بأهتمامه بها، وها هو يفعل..
ضغطت علي جانب شفتيها وهي تفكر.. تُري ماذا عليها ان تفعل؟ هي قبلت اعتذاره قبل ان يفعل.. فكارثته كانت كبيرة لـ الغاية، هل ترسل له ما يثبت له انها تقبلت اعتذاره؟ ام تصمت.. حتي تجمعهم الصدف مرة أخري؟!
تلاعب بها خجلها وكبريائها، فاختارت الاختيار الثاني، وفضلت عدم التواصل معه، وتجعل القدر يلعب لعبته، توجهت لمقعدها الموجود بمحل العطور خاصتها، وجلست عليه بينما سكنت في احضانها تلك الباقة من الزهور، كما ارتسمت علي شفتيها بسمة بلهاء تعبر عن سعادتها بكل ما يحدث..
يبدو.. ان هناك قلبا وقع في الحب دون ان يشعر!
وقف سليمان عن مقعده اخيرا الموجود بغرفة الجحتماعات وقال وهو يستعد لـ الرحيل من الغرفة:-
_يبقي كدا تمام.. شغل المصنع كله هيتوزع علي مصانعكم ويتنفذ كله واللي موجود حاليا عندكم يتأجل.. لوقت تاني، الا المهم، دا في حالة ان العمالة رفضت بـ فترة تانية.. لو وافقوا يبقي فترة الصبح يتنفذ الشغل الجديد لانه بالنسبالي الاهم.. وبالليل يشتغل المصنع عادي، طبعا المرتبات هتبقي الضعف طول الفترة دي، ولكل واحد هيكون في مكأفاة تقديرا لجهده
اؤما مسئولي مصانع شركات آل سليمان بالايجاب علي حديثه، بينما هو استأذن منهم وغادر سريعا الي حيث مكتبه.. وخلفه عليا
جلس علي مكتبه فقالت هي بنبرة سريعة:-
_معظم الشركات اللي متعاقدين معاها يافندم من قبل ما اتفق معاهم علي معاد قالوا انهم موافقين علي تأجيل التسليم لـ فترة، ودول تقريبا اللي بقالنا سنين بنتعامل معاهم وعارفين بالمشكلة، لكن التعاقدات الجديدة دول هما اللي لسة هتفق معاهم علي مواعيد
نظر لساعة يده و:-
_طيب شوفي معاد مع وليد امجد السامري ضروري، لانه مفروض كان هيستلم كمان اسبوعين
قالت وهي تخرج:-
_حاضر يافندم
اختفت دقائق ثم عادت و:-
_اخدت كمان ساعتين معاد معاه في مطعم ‘ ….. ‘
ضيق ما بين حاجبيه:-
_مطعم!
عليا بأحراج:-
_حضرتك بتشتغل من الصبح ومكلتش حاجة ومش بتشرب غير قهوة، فقولت يبقي غدا عمل بالمرة بقي
ابتسم لها بشكر وامتنان وهو ينطق:-
_شكرا ياعليا
ابتسمت بخجل ولم ترد.. تابع هو بتسأل:-
_الورد وصل؟
عليا:-
_اعتقد من زمان
ثم اكملت بتسأل فضولي:-
_هو الورد لمين يامستر سليمان؟!
نظر لها بضيق من تسألاتها، فانكمشت في نفسها وغادرت سريعا وهي تهمس بخفوت وصل له فتبسم عليه:-
_وانا مالي، اية اللي يدخلني في اللي ماليش فيه.. هو انا دايما كدا حشرية وفضولية
وظلت تذم نفسها بضيق حتي وصلت لمكتبها، وانكبت علي اعمالها اخيرا لتعاود الانشغال فيها من جديد..
. . . * . . .
بعد مرور ساعتين..
جلس سليمان في المقعد الخلفي من سيارته، بينما استقل السائق مقعد القيادة، فهو اليوم متعب لدرجة انه لا يتحمل امر القيادة أيضا.. كما ان رأسه بها الف شاغل وشاغل، اراح راسه لـ الخلف واغمض عينيه بارهاق، فلاحت علي ذاكرته بيسان بضحكتها الأسرة، ابتسم وهو يتخيلها امامه بتلك الضحكة، بسمة سعيدة بأنه يراها حتي في خياله، هي باتت تظهر له في كل شئ من الاساس، بات يراها كل الفتيات.. واجمل الفتيات، لا يعلم لكنه يدرك جيدا، ان تلك الفتاة ليست ك غيرها أبدًا بالنسبة له، لا يعرف الي اين وصلت قوة مشاعره نحوها، لكن ما يعلمه ان ما يجمعه بها كثير، اكثر من مجرد مشاعر اعجاب..
قطع تفكيره صوت رنين هاتفه، نظر لاسم المتصل وجده ‘ حسان رشـدي ‘، تنهد قبل ان يضغط علي زر الايجاب، لكنه بالاخير اجاب
جاءه صوت حسان:-
_اهلا.. اهلا سليمان باشا
نطق سليمان ببرود:-
_اهلا ياحسان باشا
حسان:-
_قولت اكلمك واقول قلبي عندك علي اللي حصلك دا وأواسيك
استمع له سليمان ولم يرد، بينما تابع الاخر بتلميح:-
_لو كنا زي زمان، كنت زماني دلوقتي جنبك وبنفكر سوي هنحل المشكلة ازاي
سليمان ببسمة باردة ارتسمت علي شفتيه:-
_دوام الحال من المحال ياباشا
_انا قولت بس اتصل واعمل بأصلي معاك
سليمان بذات معني:-
_طول عمرك ابن اصول
_انا حاسس انك شاكك اني ورا اللي حصل
سليمان بحديث صادق:-
_ما زمان كمان معرفني انت مين بالظبط ياحسان باشا، وانك مش بتاع لوي دراع وحركات قذرة زي دي
حسان بتأكيد:-
_بس ولاد عمك ليهم في الحركات دي
صمت سليمان، بينما تابع حسان:-
_ولاد عمك اللي فضلتهم عليا، واخترت تنزوي ليهم وتسيب صديق عمرك
قاطعه بحدة:-
_صديق عمري اللي وقعني في ابن عمي
حسان بنفي قاطع:-
_تـوء، متبقاش زيهم.. تكدب وتصدق كدبتك ياسليمان، انت كنت عايز تفوق عابد، ولما جت الفرصة انا قولت اساعدك..
سليمان بلستنكار وقد بدأت ملامحه في التعصب:-
_في انه يشوفني مع حبيبته!
حسان بلامبالاة:-
_مش المهم كان عندك.. انه يعرف انها خاينة؟ هو لو كان بيحبك زي ما انت بتحبه كان صدق اللي شافه.. مصدقش خرفاته هو واخوه وانك بتاخد كل حاجة من بين ايديه
لم يتحدث سليمان، فحديث حسان صحيح لكن لن يعترف به، مهما كان فعابد بمثابة اخيه، الدماء التي تجمعهم واحدة، لذا كان يجب عليه ان يفعل مثلهم، ويقنع نفسه ان حسان هو سبب نزاع خفي بينهم ويبتعد عنه ويبقي بصف الاخر.. عابد
قطع حبل افكاره صوت حسان:-
_انا ابن اصول ومبنساش العشرة ياسليمان، وان فاتت الف سنة واحتجت ليا في يوم.. فانا موجود علشان اسمع وافكر معاك زي زمان.. سلام
ثم اغلق معه دون حديث اخر، تاركا سليمان في بحور من المتاهات الاخري، ترك من يستحق لاجل من لا يستحق، ترك صديقا وفيا لاجل اخرين يلعبون امامه بكل فجور ويكيدون له بالخطط ليسقطوه أرضا، هل سيظل يحافظ علي علاقة دماء تجمعه بهم؟ ام يفعل مثلهم ويتناسي ذلك الدم ويحوله لماء؟ هل يعود لـ حيث حسان والصداقة القوية التي تجمعهم.. ام يظل يراه عدوا له، كان سببا في زيادة الكرة بينه وبين ابناء عمه..!
قطع عليه كل تلك الافكار، صوت السائق الذي اخبره بوصولهم لوجهتهم.. حيث ذلك المطعم الذي سيقابل فيه وليد امجد السامري صاحب شركة ‘ w . A . S ‘
شيري التي كانت في طريق مغادرتها من منزل ليان لحيث منزلها، رأت سيارته وهي تصف امام المطعم ويدخل هو له، عندما رأت ذلك صفت سيارتها بالقرب منه، ودخلت المطعم بعدما بعثت رسالة لـ ليان سريعا كي تأتي لها بعدما اخبرتها بوجوده.. فهي تنتظر فرصة اخري لتري هل يوجد امل ام لا، فلتجعلها قريبة.. حتي لا يطول الوقت وتزداد مشاعر الاخري بالقوة نحوه ويزداد تماسكها به، كما ايضا حتي اذا كان لا امل لها مع سليمان.. يكون لشيري أمل مع يأمن..
. . . * . . .
ظلت سلمي تقطع غرفتها ذهابا وايابا بخطوات متضايقة، وهي تفكر في ما يفعله واجد وما يخطط له، تفكر.. هل تصمت علي ما يفعله؟ ام تمنعه وان كان سيغضب عليها؟ هل تساعده لان ذلك من حقه؟ ام ماذا تفعل بالضبط؟
هي ليست سيئة، ولا واجد كذلك.. هي تعلم ذلك، لكن أيضا هم يريدوا ان يكون لهم حق التصرف في كل شئ مثل سليمان، ان تكون لهم كلمة مسموعة، واوامر مجابة، لا يعجبهم كونهم علي الهامش في امبراطورية عظيمة ك تلك
تنهدت بسأم وهي تجلس علي طرف فراشها، مررت يدها علي وجهها عدة مرات بضيق وهي تردد:-
_مش هعمل حاجة، بس لو هيحاول يضر سليمان او الشغل تاني، همنعه..
وهذا فقط ما كان بيدها! وهذا فقط ما برد نيران ضميرها!
مجرد كلمات، لا معني لها.. كان عليها ان تقف بقوة في وجهه، تهدده بأنها ستبتعد بأبنها، وانها لا تقبل ان يفعل زوجها افعال ك تلك مع شخص في مكانة اخيه، كان عليها ان تثور وترفض، كان عليها ان تعترض.. لكنها لم تفعل.. حتي هي لم تفعل، المال صنع عابدة له أخري في هذا القصر واخيرا…
هتف سليمان وهو ينهض عن مقعده بعدما نهض وليد وسلم عليه بيديه:-
_كدا اتفقنا وليد باشا، التسليم بعد شهر والدفع عن طريقك هينقص بنسبة 40 %
هتف وليد وهو يبتسم بسعادة:-
_طبعا اتفقنا ياسليمان بية.. فرصة سعيدة وربنا معاك بأذن الله
ابتسم له بسمة نجح في صنعها وهو يشكره بخفوت، رحل اخيرا وليد وعاد سليمان يجلس علي مقعده مرة اخري شاردا، بالقرب منه كانت تجلس ليان وشيري، نغزت شيري ليان في خصرها وهي تقول بتشجيع:-
_روحي يلا يابنتي كلميه، ولا اعملي اي حركة
ليان بتوتر:-
_اعمل اية يعني ياشيري، انتي مش شيفاه مش مركز مع حاجة خالص ازاي؟
شيري بتفكير:-
_بصي امشي كأنك رايحة ناحية الـ W . S، ولما توصلي عنده اعملي كأن رجلك اتلوت وان شاء الله هو هيتلحلح كدا
ليان بضيق:-
_وان متلحلحش!
شيري وهي تمط شفتيها:-
_ولا حاجة.. يبقي مفيش أمل
جمعت ليان شتات نفسها، واستقامت في وقفتها، حدثت نفسها كذلك بعبارات التشجيع الكثيرة كي تخطو نحوه وتفعل تلك الفعلة الجريئة، بالفعل..
توجهت بخطواتها نحوه، وعندما وصلت له ألوت قدميها عنوة، وقبل ان تسقط عملت علي جعل كوب العصير الذي علي طاولته يسقط معها، حيث بأطراف اصبعها حركته بقصد وهي تسقط علي الارض وتتصنع الوجع، انتفض سليمان عندما حدث هذا، مبتعدا بجسده عن كوب العصير الذي تبعثرت قطراته، اطمئن ان لم يصيبه من العصير شئ ثم نظر لـ ليان وهو يقول بحدة:-
_مش تاخدي بالك
رفعت عيونها له، وهي تنطق بوجع مصطنع:-
_انا اسفة.. مأخدتش بالي
ابعد عيناه عنها وهو يزفر بضيق، جمع اغراضه وقد نوي الرحيل بعدما ضاق خلقه بسبب ما حدث، هل كان ينقصه هذا الامر ايضا؟ والاصطدام بفتاة من نظراتها يعلم ما تخطط له، فهو لا يطيق حركات الفتيات تلك، منذ زمن وهو يحاول ان يبتعد عنهم بقدر استطاعته، التي فقط نجحت في ان تجذبه لها.. هي بيسان.. بيسان وفقط
لدرجة انه يري انه يمكن ان يتحمل منها اي شئ قط تفعله من حركات الفتيات تلك برضا بالغ.. لكن من اي فتاة اخري، لا يوعد احدًا انه سيتحمل..
لم يعاود النظر لها وهو ينطق:-
_اعتقد انك مش عايزة تعويض لانك اللي بهدلتي الدنيا مش العكس
قال عبارته ثم غادرها، تاركا اياها تنظر له بزهول من بروده العظيم، تقدمت شيري منها وساعدتها لتنهض وهي تري من ملامح وجهها اجابة السؤال الذي يروادها وكانت الاجابة ‘ لم تنجح المحاولة وسقطت ليان في الرهان ‘
فهو حتي لم يلقي عليها نظرة واحدة.. عابرة!
قالت ليان بتصميم بعدما ركبت سيارة شيري:-
_امشي ورا عربيته
شيري بزهول:-
_اية؟
ليان بنفاذ صبر:-
_اخلصي، لاني حاسة انه رايح عند بيسان دي، وعايزة اشوف هيحصل اية
شيري بتحذير:-
_ليان
قاطعتها بجدية:-
_انا خلاص قطعت الأمل فيه، بس عايزة اشوف سليمان باشا لما يحب بيكون ازاي ياشيري
اؤمات بنعم بقلة حيلة وهي تدور مقود سيارتها وتتجه بها نحو نفس الوجهة التي يذهب لها سليمان، والتي كما توقعت ليان بالضبط.. كانت تتجه نحو… ‘ BeSSan’s PerFume ‘
. . . * . . .
وصلت السيارة بالفعل عند محل بيسان لـ العطور، هبط من السيارة وتوجه له.. بينما بقيت شيري وليان بداخل السيارة، يتابعون ما يحدث داخل المحل بفضول، عن طريق الفاصل الزجاجي، الذي يوضح كل ما يحدث بالداخل بكل سهولة..
فتح الباب ودخل، وجدها تجلس علي مقعد وبيدها الورود تنظر لها بعيون هائمة، ابتسم عندما رأها بذلك الشكل، حمحم بصوت عالي قليلا فأنتبهت له، تركت ما بيدها سريعا بخجل ونهضت عن مكانها، اقترب خطوات منها وهو يقول بمكر:-
_لـ للدرجة دي الورد عاجبك؟
تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل ولم ترد، بينما سرحت عيناه في عيناها كالعادة ك مخمور وجد ما يغيب عقله عن كل شئ إلا هي، تجولت عيناه علي كامل وجهها فتوقفت عند وجنتيها الحمراء فدق قلبه وهو يري تلك الوجنتان الحمروتان.. وقد سيطرت عليه رغبة ملحة بأن يأخذ تلك الوجنتان في قبلة عميقة، ثم يقضمها.. فكانت وجنتيها مملوئتان قليلا.. بل كثيرا.. ك طفل، لا يفعل شى سوي تناول الطعام
لم يستطيع ان يواجه رغبته ويسيطر عليها، فاقترب منها ومازالت هي تنظر له بخجل يزداد مع كل خطوة يخطوها بالقرب منها، وصل لها اخيرا فرفعت عيونها له وكأنها تسأل عن سبب مجيئه رغم انشغاله
تجاهل كل اسئلتها ومال بشفتيه نحوها مقبلا وجنتيها بحب، توسعت عيونها وخرجت منها شهقة عنيفة، ارتدت لـ الخلف خطوة، لكن يده التي التفتت حول خصرها منعتها من ذلك.. بل قربتها منه اكثر، حتي انها التصقت به، ومال برأسه نحوها يضع وجهه في خصلاتها يغمرها فيهم وهو يشتم عبيرها بقوة ك عاشق
فتحت ليان عينيها بزهول وهي تتابع ما يحدث امام عينيها ذلك، سليمان.. كاره النساء يفعل ذلك؟ يتعامل مع أمرأة بكل ذلك الحنان؟
قالت شيري بصدمة وتسأل:-
_ليان.. انتي شايفة اللي انا شيفاه دا!
ليان ومازالت تسيطر عليها الصدمة بفعل ما تراه امام عينيها:-
_مين دي، وقدرت ازاي تعمل فيه كدا؟ دا مش سليمان توفيق خالص، دا واحد تاني
بينما بالداخل..
مازالت بيسان تحاول ان تبتعد عنه لكنه آبي ان يفعل ذلك، نطقت بخفوت:-
_سليمان…
قاطعها بصوت مثقل بمشاعره التي تسيطر علي كامل وجدانه بحضرتها.. مشاعر الحب وفقط:-
_بيحبك.. سليمان بيحبك يابيسان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بسم الله نبدأ..
بنّي سليمان •• ملحمة شياطين الأنـس ••
_الفصل الثامن .
.. ! سفـر ! ..
‘ التاع قلبي بالحب.. وتشوقت عيني بالرؤية.. زار الحنين القلب.. انتفض العقل بالذكري، باتت حواسي جميعها يقظة.. منتفضة عند حضرتك يامحبوبة ‘
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مازالت بيسان تحاول ان تبتعد عنه لكنه آبي ان يفعل ذلك، نطقت بخفوت:-
_سليمان…
قاطعها بصوت مثقل بمشاعره التي تسيطر علي كامل وجدانه بحضرتها.. مشاعر الحب وفقط:-
_بيحبك.. سليمان بيحبك يابيسان
انتفضت بين ذراعيه بمفاجئة من حديثه، ومن الكلمة التي سقطت علي مسامعها.. كان الأعتراف خطيرا بحق، صادما ولم تتخيله، حُب! بتلك السرعة احبها؟!
ابتعدت عنه وسمح لها هو اخيرا بذلك و:-
_انت بتقول اية؟
قالت العبارة بصوت متسأل.. مزهول، وهي تطالعه بعينيها الفيروزتين بأتساع واضح من الصدمة التي لم يزول أثرها بعد..
أبتسم واقترب منها، كادت تبتعد ألا انه لم يسمح بذلك، ضم وجهها بين كفيه وهو يقول بصدق:-
_بحبك يابيسان، صدقيني انا مكنتش فاهم انتي بالنسبالي اية بالظبط، لية بشتاق ليكي اول ما اسيبك؟ لية لمعة عينك اللي شايفها دلوقتي مش بتفارق خيالي؟ لية بشوف كل البنات انتي؟ ومفيش في خيالي غير صورتك؟ لحد ما دخلت عندك من دقيقتين وانا مكنتش فاهم مشاعري، انا لقيت لساني بيعترف لنفسه.. لقيته فسر مشاعري كلها بالكلمة دي، اللغبطة اللي في مشاعري واللي شاغلة تفكيري بسببك.. انتي خطفتي مني عقلي يابيسان، انا فعلا مش عارف حصلي اية من اول ما شوفتك، بـ اتغير وبس.. بـ ابتسم من غير سبب اول ما افتكرك وبس
ابتلعت ريقها الذي جف بارتباك، وقد اولت كام تركيزها علي عباراته التي تخرج من شفتيه بأنسيابية فتدخل الي قلبها بهجوم سافر.. تؤلمه بدقات الحب التي رغم وجعها مقبولة، كل ما قاله أرسل فيها رعشات خفيفة.. وجعل كهرباء تسري بين اوردتها من تأثرها بما قال، يحبها؟ كم ان تلك العبارة انعشت روحها الوحيدة بعالم كبير، لا تملك فيه سوي هي وفقط، هل يقطع هو تلك الوحدة عليها؟ يكَون معها عالم كبير، اسرة فعائلة كما تتمني دوما؟
هل احبته حتي تفكر بتلك الطريقة..؟
_مش هتردي..؟
قاطع سكوتها سؤاله.. فنظرت له بأرتباك لـ لحظة قبل ان تعاود النظر الي الارض مرة أخري
سليمان ببسمته الرزينة:-
_انا عارف اني صدمتك بكلامي، هسيبك تفكري براحتك ومستني ردك، بس متتأخريش عليا لو سمحتي
لم يترك لها حرية الاختيار، حيث اقترب يقبل جبينها بحنان قبل ان يبتعد سريعا، قال قبل ان يرحل:-
_هسيبك دلوقتي علشان ورايا شغل.. هاجي تاني ومش همشي قبل ما اسمع كلمة ‘ بحبك ‘.. فاهمة؟
قال اخر كلمة بتحذير ضاحك.. فوجدت نفسها تؤمي له بالايجاب بدون شعور..
خرج من المحل وعلي شفتيه بقيت الابتسامة، حتي بعدما دخل سيارته وسارت به، ظلت البسمة السعيدة مرتسمة علي شفتيه، كل سعادته هذة وكل ما مـر.. مـر تحت مرمي عينا ليان وشيري المزهولتين، التي بلغت بهم الصدمة الي حد كبير، العازب المشهور في وسطهم.. حتي هو دخل في براثن الحب، التي يبدو انه لن يرحمه وسيذيقه من جماله الكثير.. وربما من آلمه ووجعه..
فتحت ليان باب السيارة، فقالت شيري لها قبل ان تهبط:-
_رايحة فين يابنتي؟
اجابتها:-
_هروح اشوفها تستاهل حب سليمان توفيق ليها ولا لا
نظرت لها شيري بقلق.. فقالت ليان وقد فهمت نظراتها:-
_متخفيش، هروح كأني هشتري عطر وبس، مش هعمل مشاكل
اصاب شيري الحماس ايضا، والفضول في التعرف علي الفتاة عن قرب، فاؤمات بحسنا وهي تفتح بابها أيضا و:-
_تمام.. وانا كمان هاجي معاكي
دخلت من الباب وهي تقول:-
_صباح الخير..
بيسان التي كانت شاردة فيما حدث منذ قليل، ببسمة خفيفة:-
_صباح النور
اقتربت ليان وشيري منها عدة خطوات، ظلت شيري ترمقها بنظرات متفحصة، كذلك ليان، لكن حاولت ليان ان تتحكم في نظراتها وهي تقول:-
_عايزة ازازة برفيوم لو سمحتي
بيسان برقتها المعتادة:-
_اوك.. تحبي ماركة معينة ولا اوريكي حاجة علي ذوقي!
تدخلت شيري في الحديث:-
_ورينا من ذوقك
بيسان وهي تتوجه نحو إحدي الارفف:-
_حاضر، لحظة واحدة
ظلت لحظات تنظر لـ قنينات العطر وتتفحصهم، حتي وقع أختيارها اخيرا علي قنينة باللون الازرق الغامق، اخذتها وعادت لهم، منحتها اياهم.. فتناولت ليان القنينة وفتحتها، وضعت القليل منها علي يدها وقربتها من انفها، كانت تفعل كل ذلك بآلية، فهي لم تأتي لاجل العطر.. هي جائت فقط لتري الفتاة، لكن توغل العطر ذو الرائحة الجميلة من انفها لـ روحها، مـس فيها الكثير لـ جمال رائحته، قربت القنينة من شيري و:-
_شمي كدا!
قامت شيري باستنشاقه هي الاخري، فحاز علي اعجابها كما الاولي
قالت لـ بيسان بحماس:-
_البرفيوم ريحته مش معقولة.. دا تحفة جدا.. جدا، ماركة اية دي؟!
وضعت بيسان خصلة من شعرها البني الفاتح خلف اذنها وهي تنطق بخجل:-
_ماركة بيسان
نظرا لها بتعجب فاكملت بتوضيح.. حرج:-
_اقصد هو مش لـ ماركة مشهورة
صمتت ثم تابعت:-
_انا اللي عاملة التركيبة دي
توسعت عيناهن زهولا واعجابا بها، قالت ليان بصدق:-
_علي فكرة الريحة مش طبيعية، بتغمر الروح كدا بشعور فظيع، برأيي تعرضيهم علي خبير عطور واصل وهو هيعرف يسوق ليكي
احمرت وجنتيها لأطرائها علي عطرها الذي من صنع يدها و:-
_ميرسي علي رأيك
سرحت شيري في جمالها لـ وهلة قبل ان تنطق بلا وعي:-
_انتي حلوة اوي
زاد احمرار وجنتيها ولم ترد من فرط خجلها، فمن طبيعتها علي الرغم من اندفاعها المعتاد، انها تخجل من الاطراءات ك تلك
ليان وهي تمد يدها لها بالقنينة:-
_لفيها لو سمحتي علشان هاخدها
اخذتها منها وهي تؤمي بنعم، توجهت نحو مكتبها واخرجت مغلف أنيق وبدات بتغليفها
همست شيري لـ ليان بخفوت وهي ترمق الاخري بعينيها:-
_البنت علي القرب حاجة تانية خالص، دا انا ك بنت مزهولة بيها
ليان وقد ذهب عنها كل الضيق الذي كان متوجه نحو بيسان:-
_وكيوت اوي بجد.. من حقه سليمان يقع فيها
كادت ان تتحدث شيري، لكن اقتراب بيسان منهم قطع حديثها، قدمت بيسان المغلف لها وهي تقول ببسمة خفيفة:-
_اتفضلي..
اخذتها من بين يديها و:-
_شكرا.. بكام بقي
بيسان:-
_لا دا عربون محبة
نظرت لها برفعة حاجب متعجبة، فقالت بيسان بخجل وهي تنظر ارضًا:-
_انا لما بستريح لشخص من اول مرة بعطيه العطر ببلاش خاصة لو انا اللي عاملاه
ابتسمت ليا وهي تردف بمرح:-
_تمام ياستي، عربون مقبول
مـدت يدها لها و:-
_وانا استريحت ليكي كمان.. فتسمحيلي نبقي اصحاب؟
مدت يدها لتسلم عليها وهي تردف:-
_اكيد.. انا بيسان
_وانا ليان
مدت شيري يدها ووضعتها علي يدا الاثنان وهي تنطق بمرح:-
_وانا شيري
. . . * . . .
_سوزي..
قالها ادهم لجدة والده ‘ سوزان ‘ وهو يقترب منها بخطوات راكضة، اخذته بين احضانها، وقبلت وجنتيه بحب وهي تنطق بعيون حنونة:-
_حبيب قلب سوزي، مادام قولت سوزي تبقي عايز حاجة يابكاش
ظهر علي وجهه الخجل وهو ينطق بصوت خافت:-
_خلي ماما تجيبلي sweet ياسوزي بليز.. هي مش بترضي تجيبلي غير لما انتي تقولي ليها
اشارت لـ اسنانه التي تحول معظمها لـ اللون البني أثر التسوس الشديد الذي يعاني منه واردفت بحنق:-
_وليك عين تطلب sweet واسنانك بالشكل دا؟
ذم شفتيه بحزن وقد شعر من حديثها انها حتي هي لن توافق علي جلب الحلوي له، ما ذنبه ان اسنانه ضعيفة! ولا تتحمل ان يأكل عليها الحلوي.. هو ملزوم بغسلها يوميا بمسحوق المعجون ويفعل ذلك بالفعل، اذن عليه ان يكافئ بتناول ولو قليل من الحلوي..
دخل سليمان لغرفة جدته بتلك اللحظة وهة ينطق بسعادة ظاهرة جيدا في عينيه:-
_روح قلبي عاملة اية؟
ظهرت الدهشة عليها وهي تردف بزهول:-
_روح قلبك؟ انت مبتقولش الكلمة دي غير لما تبقي رايق، ورايق اوي كمان
اقترب منها وقبل وجنتيها، ثم اخذ ادهم من بين احضانها وقبلة أيضا
سليمان بضحك:-
_انا فعلا رايق، وفرحان، وسعيد اوي.. اوي كمان
نطقت بحب له:-
_دايما يارب تكون فرحان ياحبيبي
قَبل وجنتي ادهم من جديد وهو يقول:-
_عامل اية يابطل؟
اردف ادهم بحزن وقد قرر ان يستغل فرصة سعادة سليمان في طلب ما يريد فربما يوافق:-
_زعلان..
سليمان بحاجبين يضيقان بتسأل:-
_زعلان من اية
ادهم بحزن طفولي:-
_محدش عايز يجيب ليا sweet ياعمو
اهبطه علي الارض وهو يقول بينما يمسد علي ظهره:-
_روح لدادة وجيدة واطلب منها اللي عايزه، وقولها عمو سليمان هو اللي قالي اعمل كدا
نطق بسعادة وهو ينظر له بعدم تصديق، فسليمان اكثر واحد كان يتأكد من انه سيرفض ك والدته تناول الحلوي:-
_بجد..!!
سليمان بضحك:-
_اها بجد..
لم يكمل عبارته وغادر الطفل بخطوات راكضة، سوزان وهي ترمق حالة سليمان العجيبة:-
_حالك كدا بيقول ان في حاجة ياسليمان.. مش هتقولي في اية بقي؟
اقترب منها وهو يقول بحب عارم لها:-
_مفيش ياتيتا، الشغل بس ماشي زي ما انا عايز
قالت بنظرات متفحصة:-
_وبـس..
اؤما بنعم، وقدر قرر تأجيل اخبارها بأمر حبه، حتي يعلم بأجابة بيسان هي الاخري، وكم يتمني ان تكون الاجابة هي ‘ نعم أحبك ‘.. حقا كم يتمني
. . . * . . .
قـرأ سليمان التقرير الطبي بتركيز شديد، حتي كُتبت كل كلمة في عقله وعُلقت، لا يوجد فيه ما يفيد، ماس كهربائي ناتج عن الأهمال.. هذا ما سيجول في عقل الجميع، حتي انه جال في خاطره لـ لحظات، لكن نظرات الانتصار في عيني واجد التي رمقه بها فيما بعد، اوضحت له انه الفاعل، نظرات يعلمها هو جيدا.. حسنا، لقد بدأ واجد الحرب وهو آهلًا بها ومستعدًا لها
خرج صوت الضابط ‘ رشاد ‘:-
_تحب نعمل تحقيق مع عمال المصنع و…
قاطعه سليمان وهو يشير بيده بـ لا:-
_لا.. شكل الموضوع فعلا نتيجة اهمال، اقفل المحضر خلاص
نظر له بـ شـك، ثم سأله بعدم تصديق:-
_متأكد..؟!
قال بنبرة ساكنة.. هادئة لـ الغاية:-
_اها طبعا، انا معنديش اعداء اشك فيهم، والناس المنافسين انا عارفهم كويس.. متخرجش منهم الحركات دي، احنا بنتنافس في السوق بشرف، وبنحاول نتنافس في تقديم الافضل، لكن مش بنلعب من تحت الطربيزة يارشاد بية
اؤما رشاد بتفهم وهو يقول بأيجاب:-
_تمام.. هقفل المحضر ياسليمان باشا
أستقام في وقفته ومـد يده ليسلم علي رشاد الذي بادر بالقول:-
_أتشرفت بمقابلة حضرتك سليمان باشا
أبتسم له سليمان بسمة خفيفة، ثم غادر
بمنتصف الليل..
كانت ممددة علي فراشها، وبيدها هاتفها تلعب به بملل وضيق من الوحدة والسكون الذي يغمر المكان حولها من كل أتجاة، قطع عليها ما تفعله، رنين الهاتف الذي افزعها، القته بعيدا عنها من الفزع، قبل ان تستوعب الامر وتعاود امساكه من جديد، وجدت ان الرقم المتصل جديد عليها ولم يسجل من قبل، ضيقت حاجبيها بتعجب، قبل ان تضغط علي زر الايجاب وتضعه علي اذنها قائلة بصوتها الرقيق:-
_آلـو..
جاءها الرد من الطرف ألاخر:-
_أحلي آلـو سمعتها في حياتي..
أنتفضت من مدتها.. لتجلس علي فراشها بأعتدال وهي تقول بأسم المتصل بدهشة وقد علمت هويته من صوته:-
_سليمان..؟!
رد بنبرة هائمة:-
_روحه
سألت بدهشة:-
_انت جبت رقمي منين؟!
سليمان ضاحكا:-
_شكلك متعرفيش لسة مين هو سليمان توفيق ياحبيبتي
خجلت لـ نعته أياها بلفظ ‘ حبيبتي ‘ فصمتت ولم تتحدث، تفهم لحالتها فقال متفهما:-
_طيب علشان مكسفكيش اكتر من كدا، كنت عايز اقولك اني مسافر بكرة اليابان وهغيب تلت أيام، اول ما هرجع اول حاجة هعملها اني هجيلك واسمع ردك علي كلامي.. تمام؟
لم ترد كذلك، فقال ضاحكا قبل ان يغلق:-
_يبقي تمام..
فكان عليه السفر الي اليابان ليأكد علي طلبه لـ الآلات التي يحتاج إليها بأسرع وقت، فما لديه تحتاج الي صيانة مكثفة، وبعد الجهد التي ستبذله بتلك الشهور القادمة الثلاث تلك الجهود التي نتجت عن حرق المصنع.. من المحتمل ان تتعرض بعضها الي التلف، لذا عليه باسرع وقت، ان يجدد آلياته..
وما خفي غدًا كان أعظم..
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بقلم زينب سمير.
رواية بني سليمان.