للقدر حكاية

الجزء الأول

رفعت ياقوت عيناها نحو ندي التي لم تنساها منذ اول لقاء كان سئ بينهم.. رمقتها ندي بنظرة ملتويه وسألتها
– شهاب موجود
فنهضت ياقوت من فوق مقعدها ورسمت ابتسامه مرحبه
– لا يافندم..تقدري تتفضلي في المكتب تستنى حضرته
فأقتربت منها ندي بخطواتها تتفحص هيئتها البسيطه نفس الزي الذي رأتها به كانت ترتديه اليوم
– مش محتاجه اخد اذنك… خليكي في شغلك
وأكملت ندي خطواتها نحو غرفه مكتبه لتزفر أنفاسها بحنق من غيرتها التي تصبها على كل من يقترب من حلمها ولم يكن الحلم الا شهاب الذي وجدت نفسها تحبه بل تعشقه
ومر الوقت وهي تجلس تنتظره ليذهبوا معاً لاختيار ثوب الزفاف.. ووجدت نفسها تتذكر يوم سقوط سوسن أمام عيناها ذلك اليوم لتتبدل فرحتها لحزن لم ينطفئ
طرقات خافته طرقتها ياقوت ثم دلفت لها بكأس عصير طازج
– انا جبتلك عصير
وفزعت من مظهر ندي وبكائها فأقتربت منها
– ندي هانم مالك.. انتي تعبانه
أغمضت ندي عيناها بقوه صارخه بها
– أنتي ايه اللي دخلك المكتب
ونظرت للعصير شزراً
– انا طلبت منك حاجه
اوجعتها عباراتها ولكنها تذكرت كلام سماح فأبتمست وهي تترك كأس العصير
– لا مطلبتيش مني…على العموم انا جبته كحجه عشان اتكلم معاكي وأوضح سوء التفاهم
تعجبت ندي من صراحتها فتابعت ياقوت
– بشمهندس شهاب يومها كان بيراضيني بكلمتين بسبب غضب حمزة بيه عليا من غير ذنب
كانت عيناها مرفوعة لأول مره بثقه ورغم انها ثقة واهيه الا انها اكملت
– حضرتك عايزه تصدقيني ده يرجعلك مش عايزه برضوه يرجعلك يافندم
لم تكن ندي شخصيه ذو طبع قاسي وقبل ان تغادر ياقوت غرفة المكتب هاربه من صراخ ندي الذى توقعته ولكن حدث ما لم تتوقعه
– استنى عندك يااا
فألتفت نحوها ياقوت تُطالعها مُندهشه ولكن تجاوزت دهشتها سريعاً بأبتسامه ودوده
– ياقوت
………………………………
ضحكت سماح بأستمتاع وهي تمضغ قطع البسكوت بعد أن غمرتها بكأس الحليب المخلوط بالشاي
– مش معقول يا ياقوت..قولتلها كده
فشردت ياقوت في أحداث اليوم
– محبتش تاخد عني فكره مش تمام ياسماح
فتعالت ضحكات سماح
– أنتي عفويه وطيبه يا ياقوت اتمنى تلاقي الإنسان اللي يقدر طيبتك
لتبتسم ياقوت بمراره متذكره حبيبها القديم الذي لم ينظر إليها بل نظر الي صديقتها وانتبهت على حالها
– هو انا اللي عملته ده صح ياسماح
تنهدت سماح بفتور وربتت على ذراعها بحنو
– بصي يا ياقوت مش كل الناس ردود افعلها زي ندي.. ندي باين عليها لطيفه وسوء الفهم كان غيره مش اكتر
فحركت رأسها مؤكدة
– اه ندي فعلا لطيفه ورقيقه اوي… ديه عزمتني على فرحها
نظرات السعاده التي احتلت ملامح ياقوت من أبسط شئ قد قدم اليها جعل سماح تُدرك ان ياقوت مازالت تحتاج إلى مواجهات عده مع الحياه.. طبيعتها العفويه لن تصلح مع هذا الزمن.. ارادتها قويه عفيفه النفس مثلما تكون
– بقيتوا صحاب يعني… طب وانا محدش هيعزمني
لتصدح ضحكات ياقوت من عبس سماح المصطنع
– لا هبقي اخدك معايا…عشان معرفش السكه
فمسحت سماح فمها بكفها بعدما ابلتعت كأس المشروب خاصتها وحدقت بها بتلاعب
– يعني وجودي معاكي اوريكي السكه بس
وانتهى الحوار بضحكات الصديقتان… الي ان تثاوبت ياقوت ونهضت من فوق فراش سماح
– كفايه سهر لحد كده.. هرجع على اوضتي
انصرفت ياقوت… لتتسطح سماح على فراشها تُفكر في مهمتها الجديده التي اوكلتها جريدتها تلك المهمه.. ولن تُساعدها بها الا ياقوت ولكنها لم تستطع اليوم أخبارها فهى اكثر درايه بأضطهاد حمزة الزهدي لها فلا بأس أن تنتظر قليلاً
…………………………………………
وضعت دفترها الذي تدون فيه ملتزماتها من راتبها.. الراتب الذي اقترب موعده ويجب عليها تدبير امرها به وإرسال المال لزوجه والدها كي تساعد في مصاريف اشقائها وتدفع ثمن حريتها من قيود زوجه ابيها وسم لسانها
ووضعت رأسها على الوساده وهي تحسب المال الذي سيكفي مأكلها وسكنها ورغبتها في شراء ثوب جديد بعيدا عن اثوابها التي هلكت
دون اراده منها أصبحت تنظر للفتيات بالشركه التي تعمل بها ترى اناقتهم فتتمني لو ارتدت مثلهم اثواب جديده راقيه ولكن مُحتشمه كما اعتادت
– فستان جديد… فلوس للأكل.. فلوس للمسكن.. فلوس عشان جهاز ياسمين
هكذا غفت ياقوت…وانتقلت لعالم أحلامها الذي لم تري فيها الا صراخ حمزة بها وأصبح عقلها الباطن يصور لها رهبتها منه حتى في النوم
…………………………….
اقترب من شقيقه بعدما انصدم من رده
– جوازكم بعد اسبوع ولسا محبتهاش ياشهاب
واردف صارخاً به
– انت ايه يااخي.. اول مره اشوفك اناني كده
كان كالضائع وهو يستمع الي شقيقه.. فحركه حمزة بذراعيه بمقت
– ندي امانه عندي عارف يعني ايه.
ضاق صدر شهاب من اللوم الذي يتلقاه دوماً منه ومن شقيقته ناديه التي هي أساس تلك الزيجه فلولا استماعه لها ما استغل حب ندي اليه… فقد أصبح مدمن لحبها وضعفها أمامه ولكنه لم يحبها فالحب جربه قديماً وقد فشل فيه وحياه اللهو والعبث من جاءت بالنفع وأصبح معشوق النساء
افكاره كانت تقوده وهو لا يشعر انه سيكون في النهايه هو الأغبي والاحمق
وفاق على صراخ حمزة
– انت يابشمهندس انا واقف بكلم مين
فدفعه شهاب عنه وهوي بجسده على المقعد الذي خلفه
– كفايه ياشهاب… انا مش عيل صغير قدامك… جوازي من ندى هيتبني على الاحترام والتقدير وده كفايه اوي
ارتسم الجمود علي ملامح حمزة ورمقه ساخراً
– كمل ياشهاب وهيتبني على حبها ليك
للحظه أدرك صدق كلمات شقيقه.. ولكن نهض بجديه كي ينهي ذلك الحديث
– حمزة انا مقتنع ب ندي زوجه.. وياريت ننهي حوارنا لحد كده.. وياسيدي امانتك محفوظه ارتحت
لم ينتبهوا لتلك التي وقفت تستمع لحديثهم ودموعها تتساقط بآلم على حبها الذي لم تجد له مُقابل
…………………………
جلس جانبها يخشى ان تنفره ولكنها ابتسمت
– انت جاي ترجعلي ايه تاني
ضحك على سؤالها
– الحقيقه انا جاي معجب
قالها صراحة ولكن عندما وجدها اشاحت وجهها عنه ابدل حديثه
– بهزر معاكي… الحقيقه انا لقيت نفسي سايب شغلي وجاي على هنا
ألتفت نحوه وهي تتبع صوته مندهشه
– ممكن تعتبريني عابر سبيل يامها
تعجبت من معرفته بأسمها
– انت عرفت اسمي منين
ليضحك على سؤالها
– أنتي ناسيه اني ظابط
واردف ممازحاً وهو يتأمل ملامحها يتمنى لمسها بأنامله
– عرفت اسمك يوم ما اختك اخدتك ونادت عليكي
كلمه وراء كلمه سار معها حديثهم وكان كعابر السبيل معها
……………………………
لاحت له بيدها قبل أن تختفي من صاله المطار نحو الطائرة المتجها ل سويسرا… تم استدعائها في عملها فأجازتها الممتده قد انتهت.. وقد قررت أن تُقدم استقالتها وتعود اليه ثم يعودوا معاً لمصر
وقف مراد للحظات ساكن في مكانه وانسحب مغادراً من المطار
ليعلو رنين هاتفه فنظر لرقم المتصل ثم أجاب
– انت مش عريس يابني والنهارده فرحك
اجابه شهاب ضاحكاً وهو ينظر لهيئته بالمرآه
– المفروض كنت تبقى موجود ده انا في مقام خالك حتى
………………………………
وقفت أمام القاعه الفخمه مع السيده سميره التي اتجهت على الفور نحو احدهن ويبدو انها تعرفها… ندي قد داعتها بدعوه رسميه تعجبت من الامر وظنت انها كانت مجرد كلمه ولكن دعوه العرس بعثتها لها مع شهاب
كانت القاعه راقيه ومبهره لأول مره ترى مثلها
– ياقوت
هتفت بها هناء فوجودها بالعرس شئ محسوم ف ناديه زوجه عمها
احتضنوا بعضهم بشوق… لتبعد هناء عنها ونظرت له بتدقيق وتفحص
– ايه الشياكه ديه.. لا القاهره غيرتك
رغم بساطه الثوب ولونه الهادئ وعدم وضع الزينه على ملامحها الا انها شعرت بالحرج… سماح هي من اعطتها اياه واصرت على ارتدائه
– ديه سماح اللي خلتني ألبسه
طالعتها هناء بسعاده وهي ترى جمالها الذي أظهره الثوب
– بس انتي طالعه قمر يا ياقوت
ثم اردفت بعدما غمزتها بنظرة لعوبه
– كنتي مخبيه عننا الجمال ده كله فين
…………………………..
استمعت الي حديث خطيب شقيقتها وقد بدء يرسم عليهم محبته… خطبه اقترحها عليه احد أصدقائه.. عروس تخطت منتصف الثلاثون لديها وظيفه وشقه وشقيقة كفيفه من السهل التخلص منها اذا استولى على قلب الشقيقه الكبرى…وماجده كانت امرأة مشتاقه لمشاعر النساء التي تسمع عنها من صديقاتها المتزوجات… ورجلاً خبير مثل سالم كان يعرف من اين يصل إليها ويخضعها له… كلام معسول مداعبات ستتمنع عنها في البدايه ولكن سُتريد ولن تُمانع بعد التجربه
وها هو جالس يُحادث مها بلطف ويداه تجول على فخذ ماجده بحريه والأخرى تجلس جانبه تعض على شفتيها مستمتعه
– بس انتي صوتك حلو يامها… ما تغني لينا اغنيه كده تاني لام كلثوم
ابتسمت مها بسعاده لأطراء خطيب شقيقتها… لتتمالك ماجده حالها وهتفت فخوره وسعيده بشقيقتها
– مها جميله وشاطره في كل حاجه
العلاقه بين الشقيقتان كانت قويه..ليُطالع سالم سعاده مها وعيناها التي لمعت من مديح شقيقتها.. فأرتسم المكر على شفتيه وتمتم وهو يقترب من ماجده اكثر
– مها انا دلوقتي زي اخوكي اوعي تتكسفي مني اي حاجه عايزاها اطلبيها
……………………………
جلست على أحد الطاولات البعيدة بعض الشئ تتأمل العرس وهناء صديقتها التي اندمجت مع تقي ابنه عمها وفتاه أخرى عرفت اسمها من هناء ولم تكن الفتاه الا مريم التي كانت اغلب الوقت متعلقه بذراع حمزة او شقيقها
وناديه المرأه الجميله تسير بين الحضور
ترابط جميل كانت تراه…لم ترى السيده سلوى اليوم لعدم مجيئها من البلده
ودارت عيناها بين الضيوف ثم عادت تبتسم وهي ترى هناء تراقص ندي التي كانت تتحمل تلك الليله بصعوبه بعد الحديث الذي سمعته بين شهاب وحمزة
اهتزاز هاتفها اخرجها من تأملها فنظرت لرقم والدها لتخرج من الحفل بعيدا عن أصوات الموسيقى
اتاها صوت زوجه ابيها التي تسألت
– ايه الدوشه ديه.. انتي فين
لم تمهلها الرد لتردف سناء حاقده
– انتي رايحه تشتغلي ولا رايحه تدوري على حل شعرك
بهتت ملامحها من الكلمات.. لو كانت تعلم أن زوجه ابيها هي المتصله ما كانت اجابه عليها
– بابا عارف اني في فرح… خير يامرات ابويا
احتدت ملامح سناء من الرد…وابدلت الحديث بمهارة امرأه ماكره
– ابوكي عيان بس مش راضي يقولك ومحتاجين فلوس عشان التحاليل وكشف الدكتور
وتابعت وهي تلوي شفتيها بأستنكار
– هتبعتي الفلوس امتى ولا احنا بعتينك تشتغلي من غير فايده… لو مش هتيجي من الشغلانه ديه فايده اقول لابوكي وترجعي البلد
تجمدت يد ياقوت على هاتفها وقد وصلتها رساله زوجه ابيها.. أما الاستجابة لتدبير المال او بث السموم في اذن والدها لعودتها وترك العمل والمشوار الذي بدأته
– فاضل لسا اسبوع على المرتب.. هجيب فلوس منين انا… اول ما اخد مرتبي هبعت الفلوس علطول
لم يعجب سناء الحديث لتهتف بأنفعال قبل أن تغلق الهاتف
– اتصرفي ولا ابوكي يضيع مننا
كانت آخر كلمه سمعتها ليصلها بعدها انغلاق الخط.. وصوت لم تتوقع سماعه
– ابقى عدي على الحسابات بكره وخدي الفلوس اللي هيحتاجها علاج والدك
عيناها اتسعت بصدمه وألتفت بجسدها.. لتجده خلفها يمسك هاتفه وكأنه أنهى مكالمته للتو… وقبل ان تهتف بشئ انصرف من أمامها بثقته المعهوده وهيبته
وخطت بأقدام سريعه تتبعه واسمه يخرج من بين شفتيها بهتاف خافت
– حمزة بيه…

يتبع….

رواية للقدر حكاية.

بقلم / سهام صادق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *