للقدر حكاية
الجزء الأول
بعد مرور عام
وقف امام قبرها يُخاطبها
– امبارح كان عيد ميلاد مريم.. وشريف اتعلق ليه نجمه تانيه على بدلته وبقي ملازم أول وندى وشهاب فرحهم بعد شهرين.. محدش نسيكي ياسوسن
اخرج كل ما بجبعته من حديث ليدعو لها بصوت خافت ثم ارتدي نظارته وخرج بعدها من المقابر بملامح جامده.. ملامح أصر الزمن ان يجعله هكذا دوماً
……………………….
داعبت هناء ملامح الصغير الذي تحمله ياقوت وقد كان أصغر أطفال الملجأ لم يعد يقتصر عملها على تعليمهم الرسم فقط بل أصبحت تعتني بالأطفال مع المشرفات وتصنع لهم بعض المشغولات الصوفيه.. إدارة سلوى للدار ورحمتها هي من جعلت تلك الدار تصبح كأسمها دار الرحمه
– تعبت اوي يا ياقوت.. الأمل لسا عندي انه يخطبني بس مراد مبيتكلمش ولا حتى بيلمح… تقي عرفت بمشاعري ناحيته وحتى ماما وهو مافيش اكتر من اني بنت عمه ومبنتقبلش غير في المناسبات
وزفرت أنفاسها بآلم وهي تتذكر احمد الذي احبها ولكن الآن قد أصبح خطيب لأخرى
– الحب مؤلم.. اتحبيت ومحبتش.. واحب ومتحبش.. الحب ده عجيب
فأبتمست لها ياقوت.. فهي عانت من ذلك وفي النهايه اغلقت قلبها
– مدام الحب مؤلم خلينا منحبش أحسن
فأماءت هناء برأسها ويداها مازالت تداعب وجنتي الصغير
– يابختك يا ياقوت بتقولي كده عشان عمرك ما حبيتي ياريتني كنت زيك
وضحكة ضحكها القلب.. فحالها كحال صديقتها ولكن الفرق هناء تمنح لسانها حرية التعبير عن حال قلبها اما هي لا تفعل شئ غير الصمت ورسم البسمه على شفتيها
واتسعت عين هناء وهي لا تُصدق ما تراه.. ف مراد يدلف من بوابه الملجأ ومعه شابً قد رأته يوم ان ذهبت مع والدتها منذ عام لتقدم واجب العزاء لأهل زوجه عمها السيدة ناديه
– ياقوت.. مراد
فدغدغت ياقوت الصغير الذي تحمله وشاكستها
– يادي مراد.. اقفلي بقى الموضوع وانسى شويه
فدفعتها هناء بيدها هاتفه
– مراد هنا في الملجأ
لتلتف ياقوت نحو الاتجاه الذي تُسلط عليه صديقتها عيناها.. وكان بالفعل مراد الذي لم تراه الا مرتان لا أكثر وكلتاهما كانت نظرات عابرة وباقي ما تعرفه عنه من حديث هناء… والحديث يتلخص
” مراد أسس شركه… مراد سافر.. مراد عاد… مراد سيأتي”
وهي ليست الا مستمعه لصديقتها تدعو لها بقلب صادق ان تتحقق أمنيتها
ووقف مراد للحظات ينظر لتلك التي تحمل طفلا صغيرا بين يديها ثم سريعا ما اشاحت عيناها عنه.. ارتسمت ابتسامه على شفتيه وقد وقف شهاب متسائلا
– وقفت ليه يامراد
وعندما رآي تسلط عيناه نحو احداهن ضحك بخفه
– شكل الصنارة غمزت
وقد ظن شهاب ان مراد ابتسم لابنة عمه
فتنحنح مراد بنحنحه رجوليه وعدل من هندام قميصه واكمل سيره
– خلينا في مهمتنا
قفزت هناء كالاطفال تهتف بقلب يخفق من شدة السعادة فمجرد ضحكه خيلها لها قلبها ابدلت حالها
– مراد ضحكلي يا ياقوت
ومثلما ظنت هناء ظنت ياقوت.. فشعرت بالسعاده لأجل صديقتها
ولاحظت ياقوت حركه صديقتها المرتبكه فضحكت وهي تعلم أنها تُريد أن تذهب خلفه
– روحي ليه ياهناء اكيد جاي لابله سلوى
ولم تنتظر هناء اكثر بل أسرعت نحو من تنتظر قدومه بفارغ الصبر لبلدتهم
……………………………..
رحبت سلوى بضيوفها بسعاده وجلست تسمعهم.. ف نادية اخبرتها برغبه شقيقها حمزة بفعل مستوصف خيري لأهل القريه كما أنه سيتولي رعاية الملجأ بكل احتياجاته وسيعول الأسر التي تحتاج للمساعده
– ناديه كلمتني وقالتلي على اللي هتقدموه للقريه يااستاذ شهاب
فقدم لها شهاب مبلغ مالي مدون على شيك قد بعثه شقيقه معه
– اتفضلي يامدام سلوى ديه مسهمه مبدئيه من شركتنا
فألتقطت منه سلوى الشيك لتنظر للمبلغ المالي المدون فيه
– شكرا على مسهمتكم… عمل طيب ربنا يجازيكم خير عليه
وعلقت انظارها على مراد
– هتيجوا طبعا تتغدوا معايا… انت عارف عمك يامراد
فأبتسم مراد وهو يعرف طباع عمه فلو علم بمجيئه للبلده ورحل دون زيارته سيقلب عليه بل وسيظل يذكره بفعلته طيله العمر
– هو انا اقدر على زعل عمي
ودلفت تلك اللحظه هنا مبتسمه
– مدام قولت كده يبقى هتيجي تتغدا معانا
فهتف مراد بأبتسامه مجامله
– ازيك يا هناء
وأشار نحو شهاب ليُعرفها عليه.. لتُحرك هناء رأسها مُرحبة بشهاب
– اهلا يا استاذ شهاب
وسلط مراد عيناه علي باب الغرفه لعلا من ينتظر رؤيتها تدلف هي الأخرى فهو يعلم بصداقه هناء وياقوت القويه
وألقى سؤاله دون شعور
– اومال فين صاحبتك اللي كانت واقفه معاكي بره
الفصل السادس
***********
دارت عيناها على ملامح زوجها الجامده بعدما ألقى كل ما يعتريه ويُخطط له..فؤاد الرجل الذي سقط في بئر الخيانه يوماً من حبيبته وزوجته الأولى مازال يُفكر ان الرجل لا يجب أن يتزوج على اهواء قلبه رغم انه عشق ناديه واحبها الا ان هناك جزء مظلم داخله لا يُريد ان يعيد ولده تجربته ولم يرى غير هناء ابنه شقيقه الا العروس المطلوبه
وضع خيوط لعبته بأتقان ولكن هل هناك شيئا يسير وفقاً لتدبير عقولنا واذا صار هل سينجح ام سيصحبه الفشل
وكعادة ناديه تعرف كيف تحتوي الأمر بهدوء معه
– فؤاد بلاش ديما تحط مراد في دايره محسوم فيها القرار ليك.. من وهو طفل بتتعامل معاه كده.. حرمته من دراسه الطب وخليته يدرس هندسه عشان انت عايز كده.. حبه لجاكي اللي ممكن ميكنش من الأساس حب رفضته.. من صغره وانت اعمل كده متعملش كده.. ده حتى طفولته كلها كانت انت راجل والرجاله مينفعش تعمل ده.. القيود الكتير بتصنع منا ناس تانيه ناس يوم ما هتتمرد هتتمرد على اللي وضعوا عليهم القيود وانت اول واحد مراد بقى يتمرد عليه يافؤاد
وتابعت وهي تُسلط انظارها عليه بعدما أعطاها ظهره مُعلناً انه لا يرغب بسماع المزيد
– قرار جوازه من هناء مش صح يافؤاد.. ما يمكن في يوم هو اللي يجيلك ويقولك عايز اتجوزها
أدار فؤاد الحديث بعقله قليلا ولكن بصلاده عقل لم يرى الا صوابه وألتف نحوها يحسم قراره
– القرار في الموضوع ده انتهى ياناديه… اخلص بس من سافريه الصين وهفتح الموضوع مع مهاب اخويا
ولم تكن سافريه الصين الا شهرا واحدا
لتُطالعه ناديه بهدوء ولكنها صمتت وداخلها تُفكر كيف ستجعل فؤاد ينسى ذلك الامر ويترك حق الاختيار لمراد
………………….
استيقظ حمزة فزعاً يرفع جزعه العلوي قليلا.. ينظر حوله يبحث عن سوسن والطفل الذي كانت تعطيه له.. ارتفع صوت أنفاسه الهادره وهو لا يفهم سبب ذلك الحلم العجيب سوسن تعطيه طفل
لمن هذا الطفل يكون
واعتدل في رقدته فوق الفراش واخذ يمسح على وجهه بقوه وعقله يقنعه بالاجابه المقنعه
الطفل ما هو إلا طفل ندي وشهاب فعرسهم هو المنتظر
……………………….
في الصباح وقفت سياره حمزة أمام مدرسه مريم لتهبط مريم بأبتسامه متسعه تحمل حقيبتها المدرسيه خلف ظهرها
حمزة ابيها مهما قالوا.. ودوما هي طفلته المدلله
وألتفت بجسدها تلوح له بيدها تودعه ليفعل لها بالمثل مع ابتسامه حنونه ارتسمت على شفتيه.. فقد انتبه لحاله مريم المنزويه بعدما بدء ينشغل عنها في وسط اعماله التي اتسعت خلال تلك السنه
لتقف مريم أمام احداهن ترمقها بتحدي ثم اكملت سيرها
فألتفت رؤى نحوها بغيظ هاتفه بوعيد
– عيشي الدور علينا يا مريم
ولم يكن حقدها علي مريم خصوصا ولكن الحقد كان منصب على حصول مريم علي الحب الذي تتمناه هي والحب لم يكن الا حب الاسره واين هذا الحب فوالديها يعملان بأحدي دول الخليج وهي تعيش مع جدتها
………………………..
ألتقطت أذنيه بعض الكلمات من تلك المحادثه الهاتفيه
” فتاه بحاجه لعمل.. من البلدة ”
لم يعيره الأمر اهتماماً وأشار ل ناديه التي مهما مرت السنون فهى والدته وليست زوجه ابيه ولكنه يُناديها ب اسمها كما اعتاد منذ الصغر
– سيبي طنط سلوى لحظه واسمعيني
فأنتبهت له ناديه وازاحت الهاتف عن اذنها
– ثواني بس ياحبيبي… هخلص مع سلوي
ثم عادت تُحادث سلوى.. فتنهد مراد بملل ونظر لساعه يده
وقبل ان يطلب منها ان تؤجل حديثها مع زوجه عمه وتسمع ما سيخبرها به
– اسمها ايه البنت ديه… اه عرفاها ياسلوي.. مش ديه صديقه هناء.. ياقوت
لتتعلق عين مراد بها وأخذ يربط كل شئ ببعضه العمل ويا ياقوت وكأن الفرصه قد أتته في اكتشاف سبب جذبه لتلك الفتاه دون عن غيرها
وفكرة لمعت بعيناه.. فالعمل لن يكون الا معه… فلقائتهم المعدوده وهروبها الدائم من نظراته ورؤياه جعله راغب بها رغبه ليست بالجسد فرغبه الجسد لم يشعر بها مع أي امرأه قط حتى جاكي حبه لها ما هو إلا عناداً مع والده
وهتف داخله بحماس
” الفرصه جاتلي معاكي يا ياقوت… لازم افهم سبب انجذابي ليكي”
واخذ يحرك كفه على لحيته المنمقه بعنايه ولم يشعر ب ناديه التي وقفت ترمقه ببطئ متسائله بغمزة ماكره
– ايه اللي شغال عقلك.. جاكي مش كده
فتعالت ضحكات مراد ومد كفيه يداعب وجنتيها
– شقيه أنتي يا ناديه
فلطمت ناديه كفيه
– ولد عيب.. كل يوم بكتشف اني معرفتش اربي
كانت الدراما تتخلل نبرة ناديه الحنونه.. فمراد طفلها.. طفلها الذي لم تنجبه
ورسمت العبوس على شفتيها وسارت مبتعده عنه بغنج… ليتعبها مُحيطاً كتفيها بداعبه
– لاا مسمحش ليكي تغلطي في تربيه ناديه جميله الجميلات
لتلتف اليه ناديه تكتم ضحكتها بصعوبه
– يا واكل بعقلي حلوه.. عنده حق فؤاد يقولي بيضحك عليكي بكلمتين حلوين
فصدحت ضحكات مراد ثم رفع كفها يلثمه
– ده انتي الغاليه
لتدفعه عنها ضاحكه
– عايز ايه يامراد قول… انا عارفه الاسطوانه الناعمه ديه.. اه ياقلبي الضعيف منك
وعندما وصل الأمر إلى ما يريده هتف مشاكساً
– ديما فهماني
ثم اردف بطلبه الذي يعلم أن والده سيقبله بمقت
– انا عزمت جاكي على العشا الليله في البيت
فأماءت ناديه رأسها بتفهم فمهما كان ف جاكي ضيفه وهي تراها فتاه لطيفه
فألتقط مراد كفها يلثمه مُجدداً بحب
– احلى ناديه في الدنيا
وكاد ان ينصرف الا انه عاد يلتف إليها
– بمناسبه موضوع الشغل… قولي لصاحبة هناك تبعت ورقها
وانصرف دون كلمه أخرى.. لتُحدق به بذهول ولكن سريعاً تلاشي ذهولها… فألتقطت هاتفها كي تُحادث سلوى وتُخبرها ان امر العمل قد وجد
………………………..
حملت حصتها بعد معاناه من السلع الغذائيه التي تمنحها الدوله للمواطنين.. لتجد هاتفها يعلن رنينه..فوقفت على جانب الطريق واخرجته بحرص وهي تظن ان عمتها من تُهاتفها كي تجعلها تتعجل في عودتها… لتقع عيناها على اسم هناء فتمنت لو اتاها ما أرادت
– ايوه ياهناء… بجد هشتغل… طب ومكان اقامتي
وجاءها رد هناء الفرح من أجل صديقتها
– كل حاجه اتدبرت يا ياقوت.. السكن لقيناه الحمدلله… أصدقاء ماما القدام طلعوا جامدين اووي
قالتها هناء مازحه ولكن تلك هي الحقيقه… ناديه وجدت لها وظيفه وأخرى لديها بنايه تحتوي على طابقان اعدته للمغتربين
– انا مش مصدقه نفسي يا هناء.. الحمدلله
وتصاعدت أصوات الماره لتهتف هناء متسائله
– أنتي في شارع يا ياقوت
فأجابتها ياقوت بأبتسامه مشرقه
– بجيب السلع لعمتي.. هروح واكلمك
وسارت بخطوات فرحه حالمه وتُفكر كيف ستقنع عمتها وتجعلها تقنع والدها
………………………..
وقف بسيارته يُحادث صديقه بالهاتف منتظراً ان تُفتح اشاره المرور
– ازاي طلب نقلي متوفقش عليه
ليأتيه صوت صديقه وهو يحاول تهدئته
– اهدي ياشريف.. انا مش عارف ليه انت عاوز تتنقل.. عايز تخدم في العريش في حد عاقل يطلب كده
فتنهد شريف بسأم يعلم أن حمزة لديه دخل بذلك الأمر وكل شئ يصله عنه بسهوله فالكثير بالدخليه يخدمه فمنذ زمن كان هو أيضا ضابطاً
– اقفل دلوقتي يا سيف
وأغلق الهاتف بحنق وانفتحت الاشاره وكاد ان يسوق سيارته ليجد احداهن تمر الشارع ببطئ وتخفي عيناها بنظاره سوداء بل وتقف ثواني ثم تُكمل السير ولا تستمع لبوق السيارات والسباب التي تخرج من الألسنه
واندفع من سيارته حانقاً ليجذب ذراعها بغضب
– أنتي طرشه ولا عاميه.. الطريق كان فاضي قدامك
فدفعت يده بعنف عنها بعدما شعرت بالآلم من قبضته
– لا انا مش طرشه بس عاميه
وتركته مذهولا وأكملت سيرها بخطوات سريعه تمسح عيناها بعنف من دموعها التي اخذت تتساقط.. لا تعلم لما اليوم حظها هكذا فكل يوم تمر الطريق دون أن تسمع سباب أحدا فيشعرها بعجزها
وأكملت سيرها تحت نظراته ولكن تصاعد بوق السيارات جعله يعود لسيارته يقودها لجانب الطريق وألتف بجسده داخل السياره ليجدها بعدما مرت الطريق سارت لخطوات معدوده ويبدو انها حفظت خطواتها ثم جلست على مقعد خشبي تعلم موضعه وكأنها تنتظر أحداً
وزفرة طويله خرجت من بين شفتيه وقد شعر بالذنب.. فهو اخرج غضبه بها وليته لم يخرجه
…………………………….
سقط ما تحمله أرضاً وهي تجد الكثير يقفون أمام منزل عمتها ووالدها بينهم ويبكون… لتركض نحوهم وكل ما تتذكره ان عمتها كانت ذاهبه لتقديم واجب العزاء مع بعض النسوة لقريه مجاوره
– هو في ايه.. فين عمتي
ووجدت والدتها تأخذها بين احضانها تُخبرها بأخر شئ تمنت سماعه
– عمتك ماتت يا ياقوت
……………………………
ارتشف قهوته بملل ينظر من حين لآخر لساعه يده.. ف ناديه أخبرته انها تُريد لقائه في احد المطاعم.. بدء الشك يمتلكه ليتأكد بالفعل من خطه شقيقته
– اسفه على التأخير ياحمزة بيه.. معلش عربيتي اتعطلت
قالتها برقه
وجلست بغنج ليرمقها حمزة بنظرات متفحصه وزمجر بحنق من فعله شقيقته به
– مافيش مشكله
اخذت المرأه التي تبدو في الثلاثون من عمره تصفف شعرها بيديها وتتفحصه بوقحه
– من زمان نفسي اقابلك… اخر مره اقبلتك فيها كانت في حفله جواز حازم الأسيوطي اصل انا ابقى بنت خاله العروسه
فأماء برأسه بصمت وداخله يلعن شقيقته متوعداً لها حين رؤياها
ومال نحو الطاوله يرمق الجالسه امامه ببطئ.. فأقتربت منه مبتسمه تظن انه سيهمس لها بكلمات غزل
– حلال عليكي سهره النهارده واعتبري العشا حسابه مدفوع
واعتدل في جلسته لينهض بعدها
– معلش انا راجل بحب انام بدري
وغادر بحضوره الطاغي لتتسع عين الجالسه
– ده مشي وسابني
…………………………
مرت ايام العزاء ببطئ لم تتركها فيهم هناء ولا السيده سلوى
وقفت هناء جانبها تعد معها حقيبتها فالان سوف تنتقل لبيت والدها فلا داعي للجلوس هنا فالبيت به ورثه والكل سيُطالب بحقه فيه فعمتها لم يكن لديها اولاد… الي الان لا تُصدق انها توفت.. ف الوفاه جاءت صادمه للجميع
الحادث لم يصيب عمتها وحدها انما امراتان اخريات بالقريه فبجانب الطريق الذي كانوا ينتظرون عليه وسيله مواصلات انصدمت إحدى عربات النقل بعمود الاناره ليسقط عليهم وانتهى كل شئ في ثواني معدوده
ودمعت عين ياقوت وهي تودع كل أنش بذلك المنزل الذي احتواها ويد هناء تربت على كتفها
– امر الله يا ياقوت… ادعيلها بالرحمه
لترمي ياقوت نفسها بين ذراعي صديقتها
– مش قادره أصدق ياناس
وبكت بحرقة ليدلف والدها غرفتها بوجه حزين على شقيقته
– يلا يا ياقوت يا بنتي.. معدش ينفع اسيبك في البيت
وازداد انهمار دموعها واليوم شعرت انها بلا مأوى…فهى تعلم الحقيقه لن تُرحب بها زوجه ابيها ولا زوج امها وخاصه بعد أن رفضت ابن شقيقه
………………………….
وقف شريف بسيارته بجانب الطريق وهو لا يعلم لما يأتي لهنا… كانت جالسه نفس جلستها تطأطأ عيناها أرضاً ولم تعد ترتدي تلك النظاره السوداء… وبعد وقت تأتي سيده تأخذها وترحل
وخرج السؤال الذي اراقه لأيام
– ياترى انتي مين وحكاياتك ايه.. وليه بقيت اجي كل يوم اشوفك
………………………….
اسبوعا مر علي مكوثها في بيت والدها ولم تعرف كيف تُفاتحه بأمر عملها رغم ان كل يوم هناء تصر عليها ان تُبلغ والدها ولكن ردها لا يكون الا
” ازاي عايزانى اقوله عايزه انزل مصر اشتغل وعمتي مبقاش ليها اسبوع ميته يا هناء”
شعرت بيد سناء تدفعها وهي بين الغفوة واليقظه.. لتنتفض فزعاً من رقدتها ولكن كما اعتادت ميعاد استيقاظها المعتاد الثامنه صباحا فور ان يرحل والدها لفتح محل الفاكهه خاصته
تأتي زوجه ابيها تُيقظها لتبدء مهام اليوم من مسح وتنضيف وطبخ وركض وراء التوأم ذو العشر سنوات والمذاكرة لهم
– اصحى يلا… مش عارفه انتي مدلعه كده ليه.. شكل خديجه كانت مدلعاكي
لتمسح عيناها من نعاسها… ف ياسمين ظلت طوال الليل تُحاكيها وقد غفوا في وقت مُتأخز..
وانصرفت سناء خارج الغرفه لتلتف نحو شقيقتها تحكم عليها الغطاء بحنان .. ف الخدمه لها وحدها وحين تسأل ياسمين عن سبب استيقاظها المبُكر يكون رد زوجه ابيها
” اصل ياقوت اتعودت على كده.. ماشاء الله نشيطه من ساعه ما جت مريحاني..اتعلمي بقى منها ياحببتي ولا اقولك بلاش تتعبي نفسك كلها شهور وتتجوزي وتشيلي المسئوليه… ادلعي في بيت ابوكي شويه ده انتي الدلوعه بتاعتي”
وتنطلي الكذبه الماكره على ياسمين التي تُخبرها بحب ان لا تستيقظ في وقت مُبكر وتستيقظ معها في الظهيره وستُساعدها
وخرجت من الغرفه لنجد سناء أمامها
– الست سلوى قالتلي على موضوع الشغل اللي جبته ليكي
تعجبت ياقوت من أخبار والده صديقتها لزوجه ابيها بأمر عملها لترمقها سناء بنظرة طويله
– هقولك لابوكي وهساعدك تمشي من هنا لكن بشرط…
ولم يكن الشرط الا…
الفصل الثامن
**********
قهقه شهاب وهو مازال يتذكر مشهد ياقوت أمام شقيقه.. لم تكف عن تكرار معرفة هويته ولولا خروج شهاب من غرفه مكتبه ذلك الوقت لكان انفجر شقيقه بها
– ديه كتله من الغباء… انت ازاي توافق على توظيفها
هتف حمزة عباراته حانقاً من غباء ياقوت وضحكات شقيقه
عادت ضحكات شهاب تتصاعد وهو يسمعه
– حصل خير ياحمزة خلاص… وكمان ديه متوصي عليها من ناديه وسلوي
فأرتسمت السخريه على شفتي حمزة وجلس بفخامه
– كمان جايه بواسطه… خد بالك احنا مبنفرقش بين الموظفين اي غلطه منها انت عارف ايه اللي هيحصل طرد علطول
لتتعالا ضحكات شهاب مجدداً
– متقلقش البنت شكلها بتاعت شغل وعايزه تشتغل
لا يعلم لما أثارت غضبه ولكن حظها جعلها تلتقي به في الوقت الخطئ فيكفيه انحدار مريم بمستواها الدراسي وحديث أخصائية المدرسه عنها
– ايه الموضوع اللي كنت عايزني فيه وضروري
فصمت شهاب للحظات وهو لا يعلم كيف يخبره
– اللي بتبعت ليك الرسايل هي صفا ياحمزة
فأحتدت عيناه بكره لم يعرفه الا معها… الحبيبه الخائنه هي صاحبة الرسائل المجهوله
وتعلقت عيناه بأعين شقيقه وكأن الماضي أمامه من جديد والكلمه عادت تخترق أذنيه
” انت مرفود ياحضرت الظابط”
وشعر بالاختناق فنهض مُشيراً لشقيقه بالصمت.. وتحرك بخطي جامده ولحظها العسر اليوم معه فتح الباب في نفس اللحظه التي كانت ستطرقه وتدلف
فأرتطمت بصدره الصلب لتسكب قطرات من القهوة التي كانت تحملها على قميصه
فسقطت عيناه على فعلتها صارخاً بها وقد اعماه الغضب
– أنتي غبيه
صراخه افزعها وجعلها تتراجع للخلف بخطوات خائفه
– انا اسفه.. مكنش قصدي
خرجت الكلمات من شفتيها بصعوبه وعيناها انخفضت لاسفل
وظهر الخوف على ملامحها ليندفع كالاعصار مُغادراً المكان
كان شهاب واقفاً يُتابع المشهد بصمت واقترب منها مُعتذراً بلباقه
– متزعليش يا ياقوت حمزة كان خارج غضبان من مكتبي
فلم تتمالك دموعها اكثر من ذلك فكل شئ أصبح يجثم على روحها.. زوجه ابيها هاتفتها امس تسألها عن كم ستتقاضي من راتبها ووالدتها اليوم هاتفتها تُخبرها عن عدم رضي زوجها بأمر عملها
دموعها اخذت تتدفق بغزاره وهي لا تشعر بحالها.. فتقدم منها شهاب لا يعرف ماذا يفعل لها
– ياقوت خلاص الحكايه عدت… لو عايزه تاخدي نص يوم تروحي تمام مافيش مشكله
فهتفت بنبرة باكيه كالاطفال
– انا معملتش حاجه والله يا استاذ شهاب.. هو انتوا ممكن تطردوني
فأنفرجت شفتي شهاب بضحكه قويه وأخرج من جيب سترته منديلا يعطيه لها
– تطردي ايه بس يابنتي… خدي امسحى دموعك
واردف مازحاً
– اصل انا ضعيف قدام دموع الستات
ألتقطت منه المنديل سريعا وطأطأت عيناها أرضاً تشعر بالخجل من حديثه
فوقفت ندي على أعتاب الغرفه تُطالع المشهد بوجه محتقن
– شكلي جيت في وقت مش مناسب
ليلتف شهاب على سماع صوتها مندهشاً من قدومها واقترب منها بأبتسامه ثم عانقها
– اهلا ياحببتي
تعلقت عين ياقوت بهم ومن نظرات ندي الناريه نحوها اشاحت عيناها سريعا تلوم نفسها على بكائها أمام شهاب
……………………….
صرخت ندي بوجه وقد فسرت الامر كما خيله لها عقلها
– عايز تفهمني انها كانت صعبانه عليك وبتراضيها.. ولا البنت عجبتك ياشهاب
فتنهد شهاب مُغمضاً عيناه..لقد تغير بالفعل من مطالعه النساء بنظرات عابثه وأصبح يقدر حبها
لم يحبها او مازال يرى ذلك
– ندي انا مش هحاسبك على الكلام اللي بتقوليه عشان عارف انك مش في وعيك
لتقترب منه تدفعه علي صدره بغضب
– حط نفسك مكاني
دفعاتها كان يتلقاها بهدوء يجعلها تخرج جنونها به… حبها له هوس يعلم صدقه
– هتحبني امتى ياشهاب وتحس بيا
سؤالها صدمه.. فحاوط خصرها بذراعيه وترك ق.بلته تفسر لها ما يريد اخبارها به
وابتعد عنها بأنفاس لاهثه يسند جبينه على جبينها وهي كالضائعه معه
………………………….
أوقف سيارته في مكان خالي زافراً أنفاسه بقوة… كان صدره يعلو ويهبط من أثر الماضي الذي مازال محفور داخله
حب قضى على وظيفته التي عاش يحلم بها في طيله سنوات دراسته ولم يكن حلمه وحده إنما كان حلم والديه وفي النهايه ماذا حدث مرضت والدته بعدما فصل من الداخليه ولم تتحمل رؤيته هكذا فماتت وهي تري مستقبله قد هدم
اخنقته الذكريات فترجل من سيارته يطلق الحريه لانفاسه الهائجه..
ومر الوقت وهو يقف في ذلك المكان المنعزل يتأمل ما أمامه بشرود مُتذكراً اليوم الذي عرف بمحاكمتها وان والدها قد اخبروه زملائه وقد ظنوا انه سيرتاح حين يعلم بهذا ولكن ليلتها عاد الي سوسن يرمي نفسه بين ذراعيها تضمه وكأنه طفلاً صغيراً لم تكن قد تطورت علاقتهما ولكن تلك كانت البدايه الي ان صارت حياتهم الزوجيه كأي رجل وامرأته
لم يخرجه من شروده الا رنين هاتفه.. ليلتقط الهاتف من جيب سترته مُطالعاً رقم المتصل بغرابه
– انا اتجوزت ياحمزة
ولم يكن المتصل الا مراد يخبره بأخر شئ توقع حدوثه