المستحيل لشهندا

الفصل الاول

في هذا الحي القديم حيث تنتشر البيوت العتيقة، كانت هي تقف في شرفة إحدى هذه البيوت تتطلع إلى الشارع الخالي من المارة في هذا الوقت المتأخر فقد جاوزت الساعة منتصف الليل بقليل وليس من عادة زوجها التأخر في العودة إليها، فما إن ينهي عمله حتى يسرع بالرجوع إلى المنزل وكأنه لا يقوي على فراقها للحظات أخرى حتى أن حماتها تسخر دوما من ذلك فلا تصيبها بالحنق كما ترغب، تدرك أن سخريتها خلفها قلب أم يخشى تعلق طفلها الوحيد بغيرها حد الإستغناء عنها.

نظرت في ساعتها قبل أن تتنهد، تمر الدقائق بطيئة على من يشتاقون لأحبتهم، ينهشهم فيها القلق خشية أن يكون سبب البعاد أذى أصابهم، أغمضت عيناها تضع يدها على قلبها تبتهل بصمت ان يرده الله إليها سالما وأن يحفظ خطواته من كل شر.

فتحت عيناها لتتهلل أساريرها وهي تراه يظهر في الشارع، يتطلع إلى الشرفة حيث كانت وكأنه يعلم علم اليقين أين ستكون في هذه اللحظة، إبتسم فبادلته إبتسامته. أرسل إليها قبلة هوائية فتطلعت حولها بخجل تخشي ان تكون فعلته على مرأي أحدهم وحين لم تجد عادت بمقلتيها إليه تطالعه حتى دلف إلى باب المنزل، كادت أن تسرع إلى الخارج تستقبله على باب شقتها بلهفة الزوجة ولكنها خشيت كلام حماتها، لن تحتمل السخرية الآن وقد كانت مشاعرها على الحافة منذ قليل لذا انتظرته بتوق، تسمعه يتبادل مع والدته بضع كلمات ثم يتمنى لها نوما هنيئا، وما إن دلف الحجرة وأغلق بابها حتى أسرعت ترتمي في حضنه يستقبلها بشوق زوج يحب زوجته بكل ذرة في الكيان.

كانت تنام على صدره بعد جولة من المشاعر عبرا فيها سويا عن اشتياق اجتاح الوجدان. تخبرها دوما حماتها منذ أول ليلة لها في هذا البيت أن شوق وليدها إليها سيخبو ما إن ينالها ويمر بعض الوقت على زواجها به، ولكن هاهم ستة أشهر قد مروا ومازال الشوق بينهما مستعرا وكأنها ليلتهما الأولى تماما.

دوى صوت حماتها فجأة في رأسها: متفتكريش ابني بيحبك، انت بس حلوة حبتين بكرة تحملي وحلاوتك دي ياخدها حفيدي ووقتها هتبقى أم إبنه وبس.

لا لن يحدث أبدا، سيحبني أكثر لإني سانجب له قطعة من روحي وروحه تزيد من ثبات علاقتنا وتقوى رباطنا الأبدي. ولكن متى سيحدث ذلك؟ لقد حملت في خلال هذه الفترة مرتين وفي كل مرة تجهض الطفل لسبب تجهله، حتى أن الطبيب لم يمنحها أبدا سببا بدوره، يخبرها أنه امر الله فقط وعليها أن تتقبله فتتقبله بصدر رحب تبتهل إلى الله في صلواتها ان يقر عينها يوما بطفل من حبيب الفؤاد، فقط لو تتركها حماتها وشأنها. لا تزرع هذه الهواجس في قلبها لعاشت مع زوجها حقا بسلام.

تململت فمرر يده على شعرها يتخلل خصلاته بحب قائلا: حبيبتي بتفكر في إيه؟
رفعت رأسها تواجه بعينيها الرماديتين مقلتيه العسليتين قائلة بصوت ثابت لايعكس خفقاتها المضطربة: إيه رأيك ياحبيبي نغير الدكتور اللي بنروحله ده ونروح لحد تاني؟ صفية بنت خالتي…
اعتدل مستقيما يقاطعها وهو يخرج من سريره يمسك علبة سجائره ويخرج منها واحدة قائلا بحنق: صفية تاني! احنا مش اتفقنا منتكلمش في الموضوع ده ياهند؟

نهضت تسحب روبها وترتديه ثم تقترب منه قائلة: ياعادل ياحبيبي أنا عايزة أفرحك، عايزاك تشيل ابنك على ايديك وتتباهي بيه في وسط عيلتك زي أصحابك.

كاد أن يشعل سيجارته فتوقف يمسك يديها بين يديه قائلا: وجودي بس جنبك بيسعدني ويفرحني ياهند، ده حلم واتحقق. فاكرة في الكلية لما كان كل شبابها نفسهم يكلموكي وانت كنت بترفضي، خفت أقرب منك مع ان قلبي كان متعلق بيك، خفت تصديني زيهم لغاية في يوم مالقيتك بتقربي مني وتطلبي كشكول المحاضرات بتاعي، ابتسامتك وقتها اديتني أمل فقلت جازف ياواد واطلب منها تقعدوا في الكافتيريا وتشربوا عصير ولما وافقتي حسيت اني اتفتحتلي طاقة القدر واني ممكن يبقى لقصة حبي نهاية سعيدة.

ابتسمت تطالعه بحب قائلة: وده اللي حصل، بسرعة حبينا بعض وبسرعة اتخطبنا وأهو اتجوزنا و عايشين أجمل أيام حياتنا. لكن…
لكن إيه؟
أطرقت برأسها قائلة: مش قادرة أمنع نفسي أفكر انك أكيد نفسك في طفل زيي تمام عشان فرحتنا تكمل.
مد أنامله يرفع ذقنها إليه قائلا: أكيد نفسي بس مش مستعجل، قلتلك كفاية عليا وجودك جنبي لغاية ده مايحصل، انسى بقى كلام أمي ومتحاوليش تتأثري بيه.

طيب عشان خاطري ياعادل نغير الدكتور. لو بجد بتحبني.
ابتسم قائلا: مع انك عارفة اني بحبك بس حاضر ياستي نغيره، أي أوامر تانية يابرنسيسة؟
ابتسمت تهز رأسها في سعادة، قبل أن تعقد حاجبيها قائلة: استنى هنا ومتوهنيش. كنت فين النهاردة وإيه اللي أخرك لبعد نص الليل؟
قرصها في وجنتها قائلا: غيرانة عليا ولا بتشكي فيا.

انت عارف اني واثقة فيك زي نفسي تمام. الحقيقة كنت خايفة وقلقانة، أنت عارف اني مقدرش أنام قبل مااتطمن انك بقيت في البيت.
رفع يدها يقبلها بحنان قائلا: هو أنا بحبك من شوية.
نظرتها أخبرته ألا يراوغ ويخبرها على الفور بما لديه، ليتنهد قائلا وهو يسحبها لتجلس جواره على السرير: الحقيقة كنت قاعد في القهوة مع صديق.
صاحب المحل اللي بتشتغل فيه؟
هز رأسه قبل أن يقول: بنته تعبانة وهتعمل عملية خطيرة في القلب.

ظهر الأسى على ملامح هند لتقول بألم: لا حول ولا قوة الا بالله.
مشكلة فعلا ومأساة بيمر بيها، طبعا محتاج فلوس فعرض عليا أدخل شريك معاه.
وإيه المشكلة دلوقت؟ اسحب الفلوس اللي محوشها في البنك وادخل معاه شريك، أهو ينوبك ثواب.
ميكفوش طبعا، محتاج مبلغ كمان عليه عشان أقدر أدخل شريك معاه، وطبعا لو مدخلتش شريك هيضطر يجيب شريك تاني عشان يوفر المبلغ لعملية بنته والله اعلم هيبقى عامل ازاي وهيعاملني زي صديق ولا لأ.

طب والحل؟
مش عارف جبتها كدة وكدة ملقتلهاش حل. حتى فكرت اروح لعمي البلد وأطالبه بميراثي بس انت عارفاه مش هيديني حاجة.
لمعت عيناها وهي تقول: وتروح بعيد ليه؟ أنا عندي الحل.
قطب جبينه قائلا: حل إيه ده؟
رفعت يديها أمامه قائلة: الحل في ايديا ياحبيبي.
نظر إلى يديها قبل أن تتسع عيناه يهز رأسه قائلا بنفي قاطع: مستحيل، دي شبكتك يعني حاجتك. ومش أنا الراجل اللي يبيع مراته دهبها.

أسرعت تمسك يديه قائلة بحنان: ومين اللي جابلي الدهب ده؟ مش انت؟ ياحبيبي خدهم وبيعهم ولما ربنا يفتحها في وشك ابقى عوضهملي. أنا بقبل العوض عادي جدا.
رغم المرح بصوتها إلا أنه طالعها للحظة بتردد قبل أن ينفض تردده وهو يقول: حتى لو قبلت، برضه المبلغ هيبقى ناقص.
يبقى تاخد الفلوس اللي انا حاطاها في البوسطة كمان.
دي الفلوس اللي باباك كان شايلهالك للزمن، مستحيل ألمسها.

مفيش حاجة اسمها مستحيل بين اتنين بيحبوا بعض. فلوسي فلوسك وفلوسك فلوسي. اقبلهم ياعادل. ساعدني أقف جنبك زي أي زوجة بتحب جوزها مابتعمل، وياسيدي قلتلك لما ربنا يفرجها عليك ابقى ردهملي.
طالعها بحب قائلا: أنت مفيش منك ياهند، ربنا يخليكي ليا.
ويخليك ليا ياحبيبي.
انا هاخد منك الدهب والفلوس بس همضيلك ورقة تحفظلك حقك. ماشي. ياإما اعتبري اني مش موافق. اتفقنا؟

مفيش بينا الكلام ده بس لو ده هيريحك أنا معنديش مانع. أهم حاجة تكبر في شغلك وتحقق أحلامك.
أحلامي اتحققت في اليوم اللي قبلتي فيه تكوني مراتي وحبيبتي ياهند.
بحبك ياعادل.
مال يلثم ثغرها ماإن غادره اعترافها بحبه، ينهل من حبها كيف يشاء يرضي خفقات قلبه التي تتوق لها في كل لحظة.

كانا يتحدثان وهما يسيران بجوار مقهى الحي الذي يسمع رواده الراديو القديم بينما يشربون المشروبات الساخنة. لتتوقف صفية قائلة بجزع: هتعملي ايه يااختي؟
امشي بس ياصفية، متفرجيش الناس علينا. جاية قدام القهوة وهتفضحينا.

سارت صفية بجوار هند وهي ترفع رأسها للسماء قائلة: ماانت هتشليني، رايحة تديله الدهب و الفلوس بالبساطة دي. افرضي المشروع منجحش أو حماتك غصبته يكتب العقد باسمها، وقتها هتتصرفي ازاي يافالحة؟ وهتعيشي منين؟
هفترض الكلام الأهبل اللي انت بتقوليه ده. هعيش من شغل جوزي. أو حتى أخرج أشتغل مش قضية يعني، لكن يبقى معايا اللي أساعد بيه جوزي وأقف أتفرج وأبخل بيه عليه أهو ده اللي مش ممكن أعمله أبدا.

انا مبقولش تبخلي ياهند، ماانا قدامك أهو هتجوز من غير دهب، وأنا اللي طلبت بنفسي من محمد ميجيبليش دهب ويحط الفلوس في شقتنا. بس كان كفاية قوي حاجة من الاتنين. ياالفلوس ياالدهب. حماتك مش سهلة ومفيش حاجة مضمونة في الزمن ده وممكن المشروع يفشل و تحتاجي الفلوس دي في يوم من الأيام.

لا أعرف كيف أصارحك يابنت الخالة ولكني أخشى أن تنجح حماتك في تحقيق رغبتها والتفريق بينكم، أراها في عينيها دوما كلما التقينا. وقتها كيف ستعيشين؟
أفاقت من أفكارها على صوت هند التي قالت بمرح: ياصفية تفائلي خير. المشروع هينجح بإذن الله وحتى لو منجحش هنشوف شغل تاني زي ماقلتلك.
عموما انت حرة، أنا نبهتك وعقلك في راسك تعرفي خلاصك.
ماشي ياست العاقلة، ممكن بقى أعرف احنا خارجين النهاردة رايحين على فين؟

محمد مشغول مع الناس اللي بيبيضوا الشقة وطلب مني أروح لعم سعد أختار أوضة النوم وأوضة الضيوف. بصراحة بحب ذوقك قوي وقلت تختاري معايا.
أيوة بقى هانت ياصافي وهشوفك عروسة. عايزين نفرح ونبل الشربات.
والله قلبي مقبوض ياهند ومش عارفة مالي، المفروض اكون فرحانة زي أي عروسة بس فيه غصة في قلبي معكننة عليا وكأن فرحتي ناقصها حاجة.

اي عروسة بيجيلها الشعور ده. متقلقيش بس زي ماقلتلك تفائلي خير وهتبقى ليلتك ولا ألف ليلة وليلة.
طب سرعي خطواتك ياست المتفائلة عشان نلحق نرجع بسرعة قبل المغرب.
هو انت مش هترجعي معايا البيت عشان اوريكي تصميم فستان الفرح قبل ماأبدأ فيه؟
انا واثقة فيكي يا هنودة، ده لسة فستان خطوبتي الكل بيتكلم عنه وبيسألوني عملتيه فين؟ انا مش عارفة ازاي تبقى بتصممي بالحلاوة دي وفستان فرحك تشتريه.

أعمل إيه بس؟ الوقت مأسعفنيش. وكل حاجة جت بسرعة. عموما هعوضها فيكي ياعسل.
تأبطت صفية ذراع صديقتها قائلة بحب: ربنا مايحرمني منك يابنت خالتي.
ولا يحرمني منك ياصافي.

الفصل الثاني

ما ان رأته يدلف من الباب معها حتى ابتدرته قائلة بغضب: بقى بتوديها لدكتور تاني من ورايا ياعادل؟ دلوقتي الدكتور بتاعي بقي كخة. روح يااخويا أما نشوف آخرتها. ماهو عشم إبليس في الجنة. هي الأرض البور بينصلح حالها ياموكوس؟
ماما! من فضلك؟
أسرعت هند تجاه حجرتها تدلف إليها باكية بينما قال عادل بحزن: عاجبك كدة؟

طالعته بحنق قائلة: خايف قوي على زعلها طيب مخفتش على زعل أمك ليه وأنا بكتشف انك موديها لدكتور تاني ومخبي عليا؟
أهو أنا خبيت عليك مخصوص بسبب اللي عملتيه ده. ياماما ياحبيبتي هند بنت رقيقة مينفعش كل شوية تسميها بكلامك.
ظهرت الصدمة على ملامحها وهي تقول: بقى كدة ياعادل؟ أمك كلامها سم. هان عليك تقولها؟ أهو ده اللي كنت خايفة منه. غيرتك مراتك وخلتك تقسى على أمك حبيبتك اللي ملهاش غيرك في الدنيا.

اقترب منها بسرعة يمسك يدها ويقبلها بحنان قائلا: ماعشت ولا كنت لو للحظة قسيت عليك ياأمي، انت عارفة غلاوتك عندي وعارفة كمان ان لو الدنيا كلها في كفة وانت في كفة هختار كفتك ياحبيبتي.
ربتت بيدها الحرة على رأسه قائلة بحب: الله يرضى عليك ياابني.
رفع وجهه إليها قائلا: بس عشان خاطري. حاولي متزعليش هند. انت عارفة غلاوتها في قلبي وزي ما بقدرش على زعلك وبيوجعني، زعلها برضه بيوجعني.

أصابها الحنق مجددا، يقارنها بهذه الفتاة السخيفة. كادت أن تقول شيئا ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة لا تقوى في هذه اللحظة على نظرات عينيه المتوسلة إليها، ستخضع مؤقتا حتى تستطيع أن تجعله هو بذاته يلفظ هذه الهند من حياته، للأبد.

لذا هزت رأسها بهدوء فأسرع يقبل يدها بسعادة ثم يتجه إلى الحجرة بلهفة، لتنظر والدته في إثره بغيظ تقول بهمس حانق: روح ياأخويا وراها وأقعد صالح في البرنسيسة للصبح، يلا معلش. مسيرك ياملوخية تيجي تحت المخرطة وساعتها…
ضمت قبضتها بينما أفكار شيطانية تداعب مخيلتها. وتزيد من رغبتها بالتخلص من هذه الفتاة.

اللونين حلوين قوي مع بعض. مكنتش متوقعة انهم هيطلعوا بالشكل ده أبدا.
وضع يده على قلبه يقول بطريقة مسرحية: كنت شاكة في ذوق حبيبك محمد؟ آه ياقلبي.
وكزته قائلة: بلاش أفورة. الراجل بيدهن في الأوضة اللي جنبنا وممكن يسمعك.
ماهو ده اللي موقفني عن اني أستفرد بيكي ياجميل.
تستفرد بيا. ده بعينيك. ولا هتلمس ضافر مني قبل مانكتب كتابنا.

أهو أنا نفسي أكتبه بس الحاجة نبيلة مش راضية مش عارف ليه مع اني ابن عمك. يعني من العيلة والله.
انا كمان طلبت منها كتير ورفضت، عموما مبقتش قضية يامحمد، كلها أسبوعين ونتجوز ووقتها كدة كدة هتوافق نكتبه.
قال بمزاح ساخر: وليه تيجي على نفسها؟ مانأجل كتب الكتاب لبعد الفرح.
وكزته مجددا قائلة: ماتهزرش. هو ينفع فرح من غير كتب كتاب؟
إيه ياصفية هو كله زغد زغد مفيش شتيمة؟
فيه ياخفيف. تحب تسمع؟

لا وعلى إيه. خلينا مؤدبين أحسن.
أيوة كدة ناس مبتجيش غير بالعين الحمرا.
نظرت إلى ساعتها قائلة: بقولك ايه. أنا إتأخرت قوي همشي بقى عشان يادوب ألحق أوصل البيت قبل المغرب. انت عارف تعليمات الحاجة صفية.
عارفها طبعا، استنى هاجي أوصلك.

لأ خليك مع عم ناجي. احنا عايزينه يخلص وميبلطش في الخط. ولو نزلت هياخد راحة وهو خلاص مبقاش قدامه غير أوضة الضيوف اللي شغال فيها دلوقت وتبقى الشقة تمام قوي. تتساب بقى تنشف أسبوع قبل ماأفرش.
ماشي يااسطي.
طالعته بحنق فأسرع يقول: بهزر معاك. انت مبتهزرش يارمضان؟
لأ بهزر. بس مش الهزار السخيف ده. فيه حد في الدنيا يقول لخطيبته ياأسطي؟
في دي معاك حق. ممكن تتقبلي أسفي ياجميل؟
اتقبلناه. يلا بقى أشوفك بخير. سلام.

سلام.
أسرعت تغادر يتابعها بعينيه قبل أن يتنهد وهو يضع يده على قلبه قائلا: هانت ياحلو وهتبقى ملكك وساعتها أحلامك معاها كلها هتتحول لحقيقة.

كانت تقف على أول الطريق تنتظر سيارة أجرة تقلها إلى المنزل حين سمعت صوتا يبدو كما لو أنه إنفجارا، ثم ساد الهرج والمرج وتعالت الصرخات على مقربة منها، غصة أصابت حلقها تزامنا مع قبضة اعتصرت قلبها جعلتها تقترب من المكان الذي يأتيها منه الصراخ بسرعة، لتتسع عيناها بصدمة فأمامها كانت العمارة التي تقع فيها شقتها حطاما بينما الجميع يهرعون إلى هذا الحطام بحثا عن أحياء. ولكن من قد يستطيع النجاة من حطام كهذا؟ شعورها أخبرها أنه لم يعد على قيد الحياة. لتخبو خفقاتها رويدا رويدا مع خفقاته حتى وجدت نفسها فجأة تسقط أرضا مغشيا عليها.

خلاص بقى متبقيش عبيطة وتاخدي على خاطرك من كلمتين قالتهم ست كبيرة. انت مش قلتيلي هتعتبريها زي والدتك الله يرحمها؟ فيه حد بياخد على خاطره من والدته برضه؟
قالت من وسط دموعها: أنا فعلا قلت كدة. بس كنت فاكراها هتعتبرني هي كمان زي بنتها وتعاملني بما يرضي الله. انا استحملت كتير ياعادل بس خلاص فاض بيا. كلامها بيوجعني قوي. بيكسرني.

سحبها بسرعة إلى حضنه يضمها بين ذراعيه، يملس بيده على خصلاتها قائلا بحنان: متزعليش ياقلبي حقك عليا أنا، أقولك امسحيها فيا وأنا ياستي هنبه عليها متزعلكيش تاني، وأنا يهون عليا برضه كسرة قلبك. ده حبيبي انا وروحي وحياتي كلها.
استكانت بحضنه قائلة: هو كمان ملوش في الدنيا دي غيرك. ساكن فيه ومش طالب في الدنيا دي غير رضاك عنه.
طب ماتيجي ندلعه حبة.
خرجت من حضنه قائلة: لأ آجي فين. انت ناسي الدكتور قال ايه؟

قال بحنق: لأ مش ناسي. 3 أيام بلياليهم أبعد عنك. طب وجاله قلب يفرقنا بالشكل ده؟
لازم نتحمل. كله عشان خاطر ابننا ياعدولة.
أهي عدولة دي اللي مودياني في داهية، ماشي ياستي نتحمل وأمرنا لله أما نشوف…
قاطعه رنين هاتفها المتواصل، فأخرجته من حقيبتها تطالع شاشته قبل أن تجيب ابنة خالتها قائلة بمرح: صافي حبيبتي…

صفية مجددا تقاطع لحظاتهم الحلوة. هكذا فكر عادل بينما عقدت هند حاجبيها قائلة: مش فاهمة حضرتك. هو ده مش تليفون…
صمتت ليعقد عادل حاجبيه حين شاهد هلع زوجته وشحوب ملامحها وهي تقول: انا جاية حالا.
أغلقت الهاتف بينما يقول عادل بحيرة: خير ياهند؟
قالت هند بحسرة: مش خير أبدا ياعادل، العمارة اللي فيها شقة صفية اللي هتتجوز فيها وقعت.
لا حول ولا قوة الا بالله. ربنا يعوض عليهم.

بدأت دموع هند في السقوط وهي تقول: العمارة وقعت وكان فيها خطيبها وقتها، محمد مات ياعادل وصفية في المستشفى عندها انهيار عصبي زي ماالدكتور بلغني دلوقت ولازم أروحلها وأبلغ خالتي قبل ماأروح وانا مش عارفة هعمل كدة ازاي؟

قالت جملتها الأخيرة وهي تجلس على السرير تنخرط في بكاء حار فأسرع يجثو أمامها يمسك بيدها قائلا: مش وقت انهيار ياهند، خالتك وصفية محتاجينلك، قومي معايا نروحلهم. أزمة وهتعدي. والحزن هو الشيء اللي بيتولد كبير وبعدين بيصغر.
طالعته بعيون حزينة وهي تقول: كل حزن ممكن يصغر الا حزن الفراق لحد بتحبه وروحك فيه، بتبقي نار قايدة بتشعلل بزيادة كل ماتفتكره.

انت جنبها هتخففي عليها حزنها، هتسنديهم زي مااتعودتي منهم يسندوكي. قومي ياهند خلينا نروح.
طالعته للحظة قبل أن تتمالك نفسها وتقرر أن تسمع كلامه وتصير سندا لعائلتها كما كانوا لها دوما، لتنهض معه وتستسلم ليده التي تقودها للخارج، تتمنى لو كانت حماتها قد خلدت للنوم فلا قبل لها بسماع كلمات تؤلمها أكثر. فهي الآن تتألم بما يكفي.

الفصل الثالث

عندما حان الفراق أحرقني الغياب، لا أصدق أنك فارقت الحياة وتركتني.
وعدتني أن تمسك يداي حتى فنائي، فتخليت عني وجعلتني وحيدة في هذا الكون البائس.
لكنك نسيت قبل أن تذهب أن تعلمني كيف السبيل إلى النسيان؟
كيف أكفكف مدامعي التي لا تنضب وكيف أطبطب على قلب مزقه الألم وأدمته الحسرة؟
كيف أبعد غصة حلقي فأستطيع التنفس دون ألم؟
رصاصات الذنب ترديني في بعادك.
تجبرني أن أتساءل. ماذا لو،؟

ماذا لو تركتك حدي ولم أرسلك بعيدا. هل كان المصير سيغدو مشرقا؟
أم أنه القدر أراد سلبي إياك على كل حال؟
سأعيش يقتلني الفراق حتى يحضرني الردي أو قد يصيبني الجنون فأصير للهذيان أسيرة. في كلتا الحالتين أشعر بالموت يحلق فوق رأسي وياللعجب أدرك أني حقا لا أبالي.
كانت تبكي بصوت متهدج أليم النبرات، تقول من بين شهقاتها: محمد مات وسابني لوحدي ياهند؟ سابني لوحدي.

قالت هند بألم: وحدي الله يا صفية. انت مؤمنة بربنا وعارفة ان الموت قضاء ربنا ولازم نرضا بقضائه.
انا السبب، كان عايز يوصلني وأنا اللي مرضيتش. قلتله خليك مع الراجل اللي بيدهن، لو كان جه معايا كان عاش. صدقيني ياهند أنا السبب. أنا المجرمة اللي سلمته بإيدي للموت.
ياصفية ده قدره. ساعته اللي ربنا كتبهاله، لو كان معاكي كان برضه هيموت. لكل أجل كتاب.

هزت صفية رأسها نفيا تقول من وسط دموعها: لأ انا السبب. صدقيني أنا السبب. أنا اللي قلتله خليك. أنا اللي قلتله خليك. أنا المجرمة صدقوني. أنا اللي قتلت محمد. انا اللي قتلته.
ظلت تردد هذه الكلمات بصوت مدوي، ليدلف كل من خالتها وزوجها إلى الحجرة فقالت هند بانفعال: انده الدكتور ياعادل. بسرعة.

أسرع عادل يلبى طلبها بينما حاول كل من هند وخالتها تهدئة صفية حتى وصول الطبيب ليمنحها حقنة مهدئة تجعلها تذهب إلى سبات يريحها من هذا العذاب الذي تعانيه.

كانا يقفان خارج الحجرة ينتظران خروج الطبيب ليطمأنهم على حالة صفية بينما بقيت هند بالداخل ترفض الخروج معهم وتصر على المكوث معها، خرج الطبيب بعد لحظات يخبرهم أنها من الأفضل لو تتابع مع طبيب نفسي ثم انصرف فجلست الأم تبكي بحرقة قائلة: ياحبيبتي ياضنايا، مكتوبلك الهم ده كله فين؟
ربت عادل علي كتفها قائلا: وحدي الله ياست نبيلة، ده قدر ومكتوب.

لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله. اللهم اني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.
ظهرت هند على أعتاب الحجرة شاحبة الوجه فاقترب منها عادل يقطب حاجبيه قلقا وهو يقول: مالك ياهند وشك أصفر كدة ليه؟ صفية كويسة؟
انتبهت الخالة فأسرعت إلى هند تقول بقلق: صفية مالها ياهند؟ ردي علينا يابنتي.
قالت هند بصوت واهن: صفية كويسة متقلقوش، من ساعة ماخدت الحقنة وهي نايمة. أنا بس…

صمتت فاستحثها عادل قائلا: انت إيه؟ مالك ياهند؟
مش عارفة ياعادل، دايخة وحاسة روحي بتنسحب مني وألم رهيب في دماغي و جسمي…
لم تكمل كلماتها والدنيا تسود أمام عينيها، لتسقط مغشيا عليها فالتقطها عادل بين ذراعيه بينما خالتها تصرخ بلوعة.

مغمضة العينان تسمع همهمات جوارها، تحاول أن تفتح عيناها ولكنها تجد صعوبة في ذلك، نيران في عمودها الفقري تحرقها، ترغب في أن تنقلب على جانبها فلا تستطيع أيضا، وجنتاها رطبتين تشعر بأنامل لا تخصها تمسح شيئا من على وجهها، الأصوات لم تعد همهمات بل صارت أكثر وضوحا، انها خالتها تقول بألم: ياعيني عليكم يابناتي، عين وصابتكم. دي بتبكي ياحبة عيني وهي نايمة.

صوت زوجها يقول: خلاص ياست نبيلة، ملوش لزوم البكا دلوقتي. شوية أنيميا وضغط واطي زي ماقال الدكتور، واهي خدت المحلول وهتبقى زي الفل.
والله الدكتور ده مابيفهم حاجة. تحاليل ايه اللي عملهالها دي؟ هو تحليل واحد اللي كان مفروض تعمله.
تحليل ايه ده بقى إن شاء الله؟
تحليل حمل.
همس قائلا: حمل ايه بس؟ هو احنا لحقنا.
بتقول حاجة ياعادل؟
ها. لأ مبقولش. استنى كدة باينها بتفوق.

نظرت الخالة إلى وجه هند لتجدها بالفعل تحاول فتح عيونها حتى استطاعت فزفرت الخالة بارتياح قائلة: ياما انت كريم يارب. حمد الله على سلامتك ياهند.
قالت هند بوهن: الله يسلمك ياخالتي.
قال عادل بحنان: عاملة ايه دلوقتي ياحبيبتي؟ حاسة بحاجة؟ أندهلك الدكتور؟
ملوش لزوم. هو بس ألم في ضهري وهيروح لحاله، الظاهر من الوقفة. صحيح صفية أخبارها إيه؟

قالت الخالة بمرارة: من شوية فاقت وقعدت تعيط، ادوها حقنة مهدئة ونايمة ياقلبي، مش عارفة آخرة المهدئات دي إيه؟ كل أما تفوق يدوهالها تاني.
بسبب حالة الانهيار اللي هي فيها. لازم مهدئ والا هتجنن. ربنا يصبرها ياخالتي، اللي حصل كتير قوي عليها.

والله ماأنا عارفة هسيبها كدة ازاي وأروح أحضر دفنة محمد، البوليس بلغنا نستلمه من المشرحة بعد ماخلصوا التحقيق، منه لله صاحب العمارة بناها باسمنت مغشوش وآدي النتيجة. موت وخراب ديار.
قالت هند بحزن: منه لله. روحي انت وأنا هفضل مع صفية. هي اصلا هتفضل نايمة مدة طويلة ولو صحيت هيدوها مهدئ تاني. محمد الله يرحمه ملوش حد غيرك، يتيم وانت كنت أمه وأبوه. ومحدش هيخرجه لقبره غيرك.

تساقطت دموع نبيلة قائلة بحسرة: قبره. ازاي بس؟ ياقلبي يامحمد. ربنا يعلم انه كان الابن اللي مخلفتوش. ربنا يرحمه ويصبر قلوبنا على فراقه ويقوي بنتي على خسارته ياااارب.
كفكفت الخالة دموعها وهي تغادر بينما تقول هند برجاء: روح معاها ياعادل. متسيبهاش لوحدها. مش هتعرف تتعامل ومش بعيد تنهار.
وانت هسيبك لوحدك؟ مش هينفع.

انا في المستشفى متقلقش عليا، هياخدوا بالهم مني انا وصفية لحد ماترجعوا. قوم روح معاها ومتضيعش وقت.
هز رأسه بهدوء ثم نهض يقبل جبينها قبل أن يغادر، لتتمتم هند بحزن: ربنا يرحمك يامحمد ويصبر قلب صفية ويقويها يااااارب.
نظرت هند إلى ابنة خالتها بحزن قائلة: ياصفية مينفعش كدة ياحبيبتي لازم تاكلي لقمة.
ازاحت صفية الصينية جانبا قائلة: مليش نفس ياهند.

قربت هند الصينية منها مجددا قائلة: حتى لو ملكيش نفس لازم تاكلي عشان تعيشي ياقلبي.
وأعيش ليه؟ مااللي كنت عايشة عشانه راح.
لا حول ولا قوة الا بالله. الله يرحمه. طيب ومامتك وأنا. عايزة تسيبينا بس لمين؟
انت عندك عادل ربنا يحفظهولك وماما عندها انت، انا مجرد حمل ملوش لازمة.
لأ ليك لازمة ونص وبطلي الكلام ده وإلا هزعل منك بجد، انت الأخت اللي مليش غيرها، السند والضهر. روحي فيكي ياهبلة ولو جرالك حاجة أموت.

بعيد الشر عنك.
شفتي اتخضيتي ازاي؟ يبقى ينفع أسمعك بتقولي الكلام ده؟ حسيتي باللي أنا حاسة بيه؟
خلاص ياهند فهمت.
يبقى تاكلي الأكل ده كله عشان تقدري تقفي وتسنديني زي ماطول عمرك سنداني ياقمر.
هاكله بس قومي دلوقت وروحي بيتك انت اتأخرتي وعادل قرب يروح البيت.
مش هقوم قبل ماآخد الصينية دي فاضية، لو عايزانى أروح بسرعة خلصيها بسرعة.

هزت رأسها بوهن ثم أمسكت الصينية تتناول بضع لقيمات بينما تطالعها هند بحنان، تدعوا الله أن يحفظ صفية ويخرجها من هذا الدرب المظلم الذي يجذبها إليه، تقسم انها لن تتركها حتى تساعدها على ذلك. مهما حدث.

أدارت هند المفتاح في الباب ودلفت فإذا بصوت حماتها الساخر تقول: الهانم لسة بتحن علينا ومشرفة دلوقت. وجاية على نفسك ليه؟ ماكنت تباتي عند خالتك بالمرة.
أغلقت هند الباب وهي تستغفر في نفسها قبل أن تقول: حضرتك أنا مكنتش بلعب. ولا خارجة السوق. انت عارفة الظروف اللي صفية بتمر بيها وطبيعي تلاقيني جنبها لحد ربنا مايقومها بالسلامة.

إيه الدلع الماسخ ده؟ خطيبها ميت بقاله أكتر من عشر أيام وخرجت من المستشفى من أسبوع، لازمته ايه تخرجي كل يوم من صباحية ربنا وتقعدي معاها للعشا؟ هو ده مش بيتك برضه وجوزك اللي شقيان طول النهار مش واجب يرجع يلاقي مراته محضراله الأكل وبتستقبله حلو بدل مابيرجع يلاقيكي تعبانة ويادوب بتحضريله اللقمة بالعافية.

شعرت هند بالدماء تغلى في عروقها ولكنها كما اعتادت دوما حين يجمعها نقاش مع هذه السيدة أن تستغفر في نفسها قبل أن ترد عليها، فأمثال السيدة نجية يحتاج إلى البرودة في التعامل حتى لا تخرجها عن طورها فيحدث مالا يحمد عقباه. لذا استغفرت قبل أن تقول: أنا قولت لحضرتك انها ظروف، وتعبي مش عشان بروح اقعد مع بنت خالتي، لأ أنا فعلا تعبانة وبكرة هروح للدكتور عشان أعرف مالي؟

كل شوية تعبانة وودي ياعادل للدكتور وهات من عند الدكتور واصرف قد كدة. آه ماهو البنك اللي فتحهولك بابي وقالك اغرفي منه ياهند وعبي.
إلى هنا وكفى. لن تسمح لها بالتطاول على أبيها رحمه الله لتقول هند بغضب: لحد هنا ومسمحلكيش، من فضلك إلزمي حدودك واعرفي بتقولي إيه.

دلف عادل في هذه اللحظة عاقدا حاجبيه لتسرع السيدة نجية في وضع قناع الإنكسار على وجهها تصحبه بعض الدموع المزيفة وهي تقول: شفت ياعادل. سمعت ياابني بنفسك مراتك بتكلمي ازاي وبتقولي إيه؟
أنا مش مصدق وداني.
ياعادل هي اللي بدأت…
قاطعها قائلا بغضب: حتى لو هي اللي بدأت زي مابتقولي. دي ست كبيرة مينفعش تقلي منها كدة، اعمليلي حتى حساب واستني لما آجي واحكيلي مش تزعقيلها بالشكل ده؟

رأيتها سابقا ولم تفعل شيئا وحتى ان انتظرتك كما طلبت مني وأخبرتك ستظل عاجزا عن القيام بأي شيء يحفظ كرامتي.
ظهرت الشماتة في عيون نجية بينما طالعته هند بصدمة تقول: أعملك حساب؟ وهو أنا ضيعني غير اني عاملالك حساب ودايما سامعة وساكتة عشان عارفة غلاوتها عندك. دلوقت لما فاض بيا من تعبي واتكلمت ولأول مرة أرد بقيت مش عاملالك حساب. هي دي آخرتها ياعادل؟
ظلت ملامحه جامدة وهو يقول: اعتذريلها ياهند.

قالت باستنكار: أعتذرلها؟
لو فعلا بتعمليلي حساب وبتخافي على زعلي. اعتذريلها.
وزعلي انا مش مهم عندك؟ وقهرتي وانا بعتذر ليها وهي المفروض اللي تعتذرلي عادية بالنسبة لك مش كدة؟ ايه رأيك بقى اني مش هعتذر.
عقد حاجبيه بقوة قائلا: يبقى هعاقبك بطريقتي ياهند وهحرمك من دخول بيت خالتك لحد ماتعتذري.
اتسعت عيناها بصدمة تقول: انت بتقول ايه؟ انت ايه اللي جرالك؟

قالت نجية بحزن مصطنع: شافك على حقيقتك وعرف بتعملي ايه في أمه.
من فضلك ياماما.
خلاص ياابني سكت أهو.
طالعتهما بقلب ينكسر إلى فتات، تشعر بروحها تتمزق بقوة. تدرك أنها لأول مرة تدرك كسرة القلب التي لن يجبرها أي شيء كما كانت تسمع عنها دوما، انها كسرة تردي الكيان لتشعر بأنه يفنى ببطئ. بألم. وكأن هناك نيران تذيبه رويدا رويدا، ليتلظي في الجحيم ولا يجد ما يطفئه.

اغروقت عيناها بالدموع قبل أن تهرب من المكان تتجه لحجرتها، كاد عادل أن يتبعها ولكن والدته أمسكت بيده تمنعه قائلة: لأ إجمد كدة وميبقاش قلبك رهيف. سيبها خليها تتربى. أهو دلعك فيها ده اللي مركبها عليك وعليا، اوعي تطاطي بعد مارفعت راسي وأكدتلي اني عرفت أربي ياضنايا.

أغمض عيناه بقوة يقاوم ضعفا تجاهها كرهه في هذه اللحظة فقد يغفر لها كل شيء إلا المساس بأمه. فتح عيناه وقد قسيتا قبل أن يزيح يده من يد أمه ويتجه للخارج يفتح الباب ويطرقه خلفه بغضب، تناديه والدته فلا يجيبها وماان أغلق الباب حتى ابتسمت نجية تقول بانتصار: أول مسمار أدقه في نعش حبكم الكبير ياست هند، وأخيرا عرفت أخليه يزعل منك. انت اللي جبتيه لنفسك. كنت دايما أسم بدنك وتسكتي لدرجة اني قلت عليك باردة ومبتحسيش، ايه اللي جد وفرعنك. أهي جت على دماغك، وقريب قوي هقدر أفرق بينكم ووقتها هجوزه بنت عمه اللي محيلتوش غيرها وساعتها هيرجعله أرضه وهيبقي فوقها أرض عمه كمان. الأرض كلها هتبقى ملك ابني حبيبي، وملكي.

الفصل الرابع

بعض الأشياء قدر ماتحرقك قدر ماتعلمك أنك كنت أطيب من اللازم، ضحيت وبذلت كل عزيز لديك من أجل إسعادهم وفي النهاية جرحوك وكأنك جماد لا تشعر، لتسقط دموعك وحدك بصمت من شدة الألم، تدرك أنك كنت واهما حين ظننت أنك ستجد في نهاية طريقك بعض التقدير.

لم تستطع النوم رغم جرح القلب العميق، تدرك أن الوقت جاوز منتصف الليل بساعتين، ليس من عادة زوجها التأخر حتى هذا الوقت. هل يعاقبها أم تراه أصابه مكروه؟ عند هذه الفكرة قبضت بيديها على سور الشرفة بقوة، تخشي عليه من أي أذى قد يصيبه، تلعن قلبها الذي يحن لرجل جرحها بقسوة ولم يبالي. هدأت خفقات القلب وشعرت بارتياح حين رأته على أول الشارع يقترب من البيت، رفع رأسه ونظر مباشرة إلى الشرفة وكأنه يدرك مجددا أنها ستكون هناك رغم كل شيء، أرسلت له نظرة عتاب طويلة بينما ظلت ملامحه جامدة حتى دلفت هي إلى الداخل بهدوء، صعد إلى الشقة فوجد والدته قد خلدت إلى النوم، دلف إلى حجرته فرآها نائمة على السرير تمنحه ظهرها وتلتحف بدثارها بقوة. كاد أن يقترب منها، يزيل هذا الحاجز الذي يشعر به أقيم بينهما اليوم، يطالبها باعتذار له حتى يصفو القلب لها ويعودا حبيبين كما اعتادا كل ليلة، لا يستطيع تخيل أن يناما متخاصمين لأول مرة منذ زواجهما ولكن كلام والدته تردد في أذنه مجددا، يقسى قلبه عليها وهو يرى أنها حقا تمادت ولم تعتذر رغم طلبه منها ذلك، لذا وجب عقابها والا تمادت أكثر. ليزفر وهو يبدل ملابسه ويرتدي منامته ثم يتخذ جانبه من السرير يمنحها ظهره بدوره، بينما ينكسر قلبها للمرة الثانية على التوالي في هذا اليوم وقد توقعت أن يحاول مصالحتها فلم يفعل لتدرك أنه تأثر بكلمات والدته لأول مرة منذ زواجهما وهذا لا يبشر بالخير أبدا، لتتساقط دموعها مجددا بصمت تنعي قلب يوجعها ألمه ويبكيها قهرته.

كانت تحتضن وسادتها تبكي في صمت بعد رحيله، حتى هذه اللحظة كان لديها أمل في أن يمنحها ماتاقت إليه منذ البارحة، شعورا بالندم على مافعله بها، لا تبغى حتى اعتذارا بل يكفيها أن ينام جوارها يضمها إلى صدره هامسا في أذنها. أحبك. لم تكن لتكلفه شيئا ولكنها كانت لها بمثابة ربتة حانية على قلب تهدم حين شعرت لأول مرة منذ عرفته أنها فقدت السند، رن هاتفها فلم تعره اهتماما، على الأغلب سيكون اتصالا واردا من خالتها تسألها عن سبب عدم ذهابها إليهما اليوم وعما إذا كانت بخير بعدما لاحظت شحوب وجهها البارحة وطلبت منها عمل اختبار حمل، بينما لم يهتم زوجها بحالتها الواهنة في الفترة الأخيرة ولم يسألها عن حالها بعدما أبدى لها اهتمامه بالمشفى، وكأنه يلومها حقا على تعبها في الأيام الأخيرة او أن حماتها تردد على مسامعه ماقالته لها اليوم، تدعي تفضيل هند لابنة خالتها على زوجها مما يؤثر على زواجهما بكل تأكيد. رنين الهاتف المتواصل جعلها تنفض أفكارها وهي تنهض لترى من المتصل بها، وجدته رقما غريبا فعقدت حاجبيها وكادت ان تتجاهله ولكنها تدرك أن المتصل يصر على الوصول إليها وأنه لن يهدأ له بال حتى تجيب، فأجابت قائلة: ألو.
صوت أنثوي جاءها تقول صاحبته: مدام هند عبد الكريم.
أيوة. خير؟
معاك الممرضة سامية من مستشفى دار الشفا، الحقيقة نتيجة تحاليل حضرتك طلعت والدكتور عزيز طالب يشوفك النهاردة ضروري.
قطبت جبينها تتساءل ما الشيء الضروري في تحاليلها الذي يستدعي رؤيتها للطبيب اليوم؟ وهل من الممكن أن تؤجل الموعد وقد منعها زوجها من الخروج؟ لتقول بهدوء: طيب مش هينفع نأجل الميعاد لبكرة انا…

قاطعها الممرضة قائلة: للأسف مش هينفع، الدكتور أكد عليا ضرورة حضورك يامدام.
لقد أثرتي فضولي الآن حقا، لذا سأضرب بكل شيء عرض الحائط وسأذهب لزيارة الطبيب.
هكذا أسرت هند في نفسها لتقول بهدوء: تمام. هاجي علطول مع السلامة.
أغلقت الهاتف وتركته على الطاولة الصغيرة، ثم ذهبت إلى الخزانة تنتقي ثوبا لترتديه حتى تذهب لزيارة الطبيب وترى مالديه.

كانت تهز قدميها في انتظار دخول الطبيب، تنظر في ساعتها بملل، لقد مر عليها قرابة نصف الساعة وهي تجلس منتظرة حضوره بعد أن أبلغتها الممرضة أن هناك حالة طارئة استدعت وجوده في الاستقبال وما إن ينتهي منها حتى يوافيها على الفور.

كانت تأمل ان تنتهي وتعود قبل أن يلاحظ أحد غيابها خاصة وقد ذهبت وحماتها نائمة، ربما ماتزال تظنها في حجرتها غاضبة منذ البارحة، تشمت فيها على الأغلب، حسنا. لا مجال الآن وحين تعود ستكون حماتها في استقبالها لتخبر زوجها بأنها خرجت دون إذنه، يعلم الله أنها كانت مضطرة بعدما استبد بها القلق لمعرفة مالدي الطبيب وأنها حاولت الإتصال بزوجها في الطريق تخبره، ولكن هاتفه كان مغلقا. دلف الطبيب في هذه اللحظة فتوقفت أفكارها تماما وهي تبادله التحية قبل أن يجلس أمامها يمسك التحاليل قائلا: الحقيقة يامدام سعاد التحاليل والأشعة اللي عملنهالك من فترة وضحت حاجة لازم تعرفيها، انت طبعا مؤمنة بقضاء الله وقدره.

بداية غير مبشرة على الإطلاق تثير في نفسها خوفا شديدا، شعرت بالاضطراب وهي تقول: أكيد يادكتور بس من فضلك بلاش مقدمات وادخل في الموضوع علطول. التحاليل اللي قدام حضرتك بتقول ايه؟ عندي مشاكل في الرحم؟ مش هقدر أخلف؟
هز الطبيب رأسه نفيا قائلا بعطف: لأ. التحاليل بتقول ان حضرتك مصابة بالسرطان. سرطان في الدم.
لتتسع عينا سعاد بصدمة.

تمثال صامت شكلته صدمة كانت لها بمثابة كل الصدمات. عيون تتساقط منها الدموع هو ما يظهر للمحيطين بها أنها حية ترزق، تجلس خارج حجرة الطبيب وقد أعجزتها كلماته عن الحركة، تشعر بالضياع وقد فقدت كل أمل لها في الحياة.
دوت كلماته التي قالها لها بالداخل في رأسها.

هتبدأي العلاج بالكيماوي ولو منجحش هنضطر نلجأ لمتبرع ليكي يقبل يتبرع بخلايا جذعية سليمة. العلاج ده ناجح جدا وممكن يعالج المريض كليا أو جزئيا حسب نوع المرض وعمر المريض ومدي سوء الحالة المرضية، طبعا احنا بنفضل زراعة خلايا جذعية مماثلة ودي عن طريق زرع نخاع عضم سليم من متبرع قريب قوي منك زي أخوك أو أخت توأم أو مش توأم، باباك ومامتك حتي. عموما الخطوة دي هنأجلها لغاية مانشوف أثر العلاج الكيماوي في حالتك. وازاي جسمك هيستجيب للعلاج.

هل كانت في كلماته بارقة أمل؟ بالتأكيد لم ترها، لقد شدد على تكاليف العلاج الباهظة وإمكانية فشله. ستتعرض لعذاب العلاج الكيميائي. سيتساقط شعرها. ستشعر بالوهن حتى أنها لن تستطيع الوقوف؟ ستمر بكل مايمر به مصاب بهذا المرض اللعين وفي النهاية قد لا تشفي أبدا. لقد طلبت من ربها إنصافا عادلا فأي عدل فيما يحدث لها؟

فركت وجهها بيديها وهي تستغفر الله قبل أن تنهض وتتجه لباب المشفى، فلا فائدة في جلوسها هكذا دون حراك والأخرى بها أن تعود للمنزل، لتتذكر حالها وهي تغادره فتعود مدامعها للظهور وهي لا تدري كيف ستخبر زوجها بمصابها وماذا سيكون رد فعل حماتها؟ لتبتسم بمرارة تدرك أنها ستفرح بكل تأكيد وهي تدرك أنها علي وشك الخلاص منها.

رن هاتفها فنظرت إلى شاشته، انه رقم خالتها. زفرت بقوة. لن تستطيع الإجابة فجل ماستفعله هو البكاء وستهلع خالتها جراء ذلك. ولكنها أيضا إن لم تجب ستثير قلقها عليها، ربما ستنتظر دخولها المنزل تأخذ حماما يريحها ثم تتصل بها تتحجج لها بأي حجة تبرر لها عدم ذهابها إليهم اليوم. ربما ستقول أن حماتها مريضة ولن تستطيع مغادرة المنزل وتركها، تبدو حجة جيدة.

أدارت المفتاح في الباب وما إن دلفت إلى المنزل حتى توجست خيفة من ملامح زوجها المكفهرة. ترى ماالذي جاء به اليوم إلى المنزل باكرا؟ نعم. نظرات حماتها الشامتة جعلتها تدرك أنها من بلغته بغيابها دون اذن ما ان اكتشفت عدم وجودها بالمنزل.
قالت بصوت مرتبك: عادل.

قال عادل بصوت قاس غاضب النبات وهو يقترب منها: أيوة عادل. الزوج اللي نبه عليكي متخرجيش من البيت النهاردة وعصيتي أمره. للدرجة دي مبقتش فارق معاكي ياهند؟
مش قلتلك انك دلعتها زيادة عن اللزوم.
طالعتها هند قائلة بحنق: متدخليش بينا.

لطمة أصابتها فنظرت إلى الفاعل بصدمة أعجزتها عن الكلام، فقط دموعها التي تجمعت بمقلتيها أنبأته بخذلانه إياها، ليتجاهل صدمتها وهو يقول بغضب: الظاهر اني فعلا دلعتك زيادة عن اللزوم لدرجة انك كسرتي كلمتي ومعتذرتيش ولا بررتي تصرفك لأ وكمان بتزعقي لأمي قدامي.

وانت شفت ايه ياعادل من اللي بيحصل من ورا ضهرك وانت ولا انت هنا. اسألها كانت فين؟ هتكدب وتقول عند خالتها طبعا وخالتها متعرفش عنها حاجة. الظاهر انها كانت بتستغفلنا كلنا.
نقلت بصرها بينهما تردد بصوت متهدج من الألم متقطع النبرات: ياناس حرام عليكم. اتقوا الله.
قال عادل هادرا: انطقي ياهند. كنت فين؟
طالعته بألم قائلة: انت كمان بتشك فيا؟!

انت اللي جبتيه لنفسك لما خرجتي من غير اذني ودلوقتي بارادتك او غصب عنك هتقوليلي كنت فين ياهانم؟
شعرت بالضباب يحيط بها تزوغ الرؤية أمامها وهي تقول بأنفاس تضيق: أنا، انا كنت…
كنت فين انطقي؟
اسودت الدنيا من حولها وبينما كانت تسقط أرضا تسيل الدماء من أنفها سمعت عادل يصرخ بإسمها قبل أن تغيب تماما عن الوعي.

قال بحزن: طب ليه مقلتليش ياهند؟ ليه خبيتي عليا؟
كانت تشيح بوجهها عنه تطالع السماء من خلال نافذة حجرة المشفى التي أحضروها إليها بعدما أغشي عليها تقول بمرارة: وهو أنا لحقت؟ ماانت مستنتش حتى اتكلم ورميتني بالباطل انت وطنط نجية.
لترفع يدها تمررها على وجنتها تردف بحسرة وقد اغروقت عيناها بالدموع: لأ وكمان مديت ايدك عليا وكسرتني ياعادل. كسرتني بجد.

مرر يده في شعره وهو ينهض قائلا بعصبية: ماانا سألتك كنت فين وانت فضلتي ساكتة. وبعدين انت اللي خليتني افهم غلط لما عصيتي أوامري وخرجتي من غير اذن، كنت عايزانى أتصرف ازاي يعني؟

طالعته بنظرة عاتبة أصابته في قلبه وهي تقول: الدكتور أكد عليا اني لازم اكون موجودة في الميعاد اللي حدده، ده غير اني كنت زعلانة منك ومع ذلك كلمتك كتير وتليفونك كان مقفول. مغلطتش وحتى لو غلط، عاتبني لكن مترمنيش بالباطل وانت عارف اني مستحيل أعمل حاجة غلط. أنا ياعادل تتكلم معايا بالأسلوب ده قدام مامتك. وتضربني كمان.
ماانا ضربتك لأنك زعقتيلها ياهند.

انا طلبت منها متدخلش في حياتي وده حقي اللي سكت عنه كتير، ياما سمعتني كلام زي السم وكنت بسكت، ياما حسستني انك كتير عليا وكنت بحط جزمة في بقى. ياما قالتهالي وش. انا مكنتش عايزاكي لعادل بس الحب عماه وأخدك قضا ربنا بقى. وكنت بطنش ولا كأني سامعة. لكن دلوقتي فاض بيا ومرضى ضيق خلقي. انا محتاجة ايد تطبطب عليا ولسان يقولي اجمدي أنا في ضهرك. مش ايد تتمد عليا وتجرحني وتحسسني اني من غير ضهر.

كان يدرك انها محقة في كل كلمة تقولها ولكن رجولته تمنعه من الاعتراف بخطأه، هكذا فكر عادل لا يدري ان قمة الرجولة أن تعترف بخطأك في حق الآخرين وتطلب غفرانهم. لذا قال بعتاب: انت بجد مش شايفاني سندك ياهند، وهان عليك تقوليها؟

أشاحت بوجهها عنه قائلة بحزن: اللي شفته من امبارح مخليني في دوامة مبقتش عارفة فيها مين معايا ومين ضدي؟ وليه بيحصل معايا كل ده؟ في يومين اتحولت من عروسة سعيدة في حياتها لواحدة بينها وبين الموت خطوتين…
أسرع يمسك يدها مقاطعا إياها قائلا: متقوليش كدة. بعيد الشر عليكي. انت هتتعالجي وهتبقى زي الفل.

نظرت إليه قائلة بحزن: انت بتضحك عليا ولا على نفسك، اللي بيجيلهم المرض ده بيموتوا، نسبة قليلة قوي اللي بتعيش والنسبة دي بيبقى مع اصحابها فلوس كتيرة يقدروا يتعالجوا بيها وينجوا نفسهم من الموت.
لو هبيع اللي ورايا واللي قدامي. هدفع كل مليم حيلتي عشان تتعالجي.

طالعته تقاوم هذا الأمل الذي انبثق من كلماته، ترغب في تصديق أنها يوما ما ستنجو حقا من هذا المرض اللعين وتعود إلى حياتها الطبيعية مرة أخري ولكن هذه التجارب التي لطالما سمعت عنها تدحض أملها وتخيبه لذا اكتفت بهزة رأس خفيفة باهتة منحته إياها وقبل ان تقول شيئا سمعت طرقات على باب الحجرة ثم دلفت خالتها تتبعها صفية تقول الأولى بألم: ياضنايا يابنتي، قلتلكم عين وصابتكم يابناتي مصدقتونيش.

جلست جوارها تقول بلوعة: حاسة بإيه يابنتي؟ طمنيني عليكي.
أسرعت هند ترتمي بحضنها تبكي بقوة بينما طالعهما كل من عادل وصفية بقلة حيلة حتى سكبت هند دموعها في صدر خالتها قبل أن تخرج من حضنها قائلة: انت عرفتي منين اني في المستشفى ياخالتي؟

طالعت خالتها عادل بحنق قائلة: كلمت البيت حماتك ردت عليا وقالتلي انك في المستشفى ولما سألتها كفى الله الشر. مالها هند؟ قالتلي تلاقيها بتدلع زي عوايدها. كلمت جوزك تليفونه كان مقفول. اتجننت. كلمت المستشفي رد عليا دكتور عزيز و قاللي على حالتك جيت جري انا وصفية اللي ياكبدي اول ماعرفت نطت من السرير وجت معايا جري.

أشاح عادل بوجهه يدرك هذا اللوم الخفي علي أمه في كلمات السيدة نبيلة لم يستطع تحمله رغم ادراكه خطأ والدته ليخرج من الحجرة متضايقا، فقالت صفية مؤنبة والدته: مكنش ليه لزوم الكلام ده ياماما. أهو عادل زعل.
بس يابت. انت مسمعتيش حماتها كلمتني ازاي. ولية قرشانة مش عارفة حبيبتي هند مستحملاها ازاي.
أطرقت هند بحزن قائلة: ربنا يسامحها بقى. أنا مش عارفة هي عايزة ايه بالظبط؟

قالت خالتها: ودي فيها كلام؟ عايزة تفرق بينك وبين جوزك عشان تجوزه الغندورة بنت عمه. انت نسيتي لما جت تخطبك قعدت تشعر فيها ازاي وتتحسر على أنها مطلعتش من نصيب ابنها. والله لولا انك كنت بتحبي عادل وهو كمان بيحبك كنت طردتها من البيت بالمقشة البلح اللي بكنس بيها السلم.
قالت هند بوهن وقد شعرت ببعض التعب: الظاهر انها هتحقق أمنيتها وتخلص مني وساعتها هتجوزهاله وترتاح.

قالت صفية ونبيلة في ذات الوقت: بعيد الشر عنك ياهند.
لتردف خالتها قائلة: يابنتي متقوليش كدة. خلي أملك في الله كبير. هو قادر يشفيكي ويعافيكي ويخرجك من ازمتك على خير.
لتقول صفية بحنان: انت مش قلتيلي اني لازم يبقى عندي يقين في رحمة ربنا، و اني سندك ياهند؟
هزت هند رأسها فمدت لها صفية يدها مردفة: خلاص يبقى ايدي في ايدك هنحارب مرضنا، انت الجسدي وانا النفسي وبإذن الله ربنا هيعينا وهننتصر. قلتي ايه ياهنودة؟

ابتسمت هند وهي تمد يدها إلى ابنة خالتها لتتشابك الأنامل تشعر برغبة حقيقية في العلاج تستمد قوتها من حب رأته يحيطها ليكون الحب في هذا الوقت هو الداعم لها في محنتها. ابتسمت نبيلة وهي تضع يدها على أيديهم المتشابكة تقول بحب: توكلنا على الله.
وكفي بالله وكيلا.

رواية المستحيل.

بقلم شاهندة.

الفصل الخامس

لسة برضه بتضايقك بكلامها؟
تنهدت هند قائلة: اتعودت خلاص ومبقتش تفرق معايا ياصفية، يمكن مرضى صغر كل حاجة في عينيا حتى كلام حماتي.
قالت صفية بحزن: ربنا يشفيكي ويعافيكي ياحبيبتي.
يارب. المهم سيبك مني وقوليلي مش آن الأوان تنزلي الشغل من تاني، ترجعي لحياتك وتشغلي وقتك عشان تنسى أحزانك.

ومن امتى الشغل بينسينا الحزن اللي كاسر قلوبنا ياهند؟ مش كل الحزن ممكن نمحيه من روحنا او نشغل بالنا عنه، أول ماهيضمنا الصمت هيحاوطنا بكل قوته ويعذبنا من أول وجديد.
وبعدين ياصفية؟ حالك مش عاجبني وانت قافلة كدة على نفسك، لا بتخرجي ولا بتشوفي حد.
ويعني انا اللي عاجبني حالك ياهند؟ قاعدة وراضية بعمايل حماتك وكلامها اللي زي السم.
أنا خلاص رجل جوة ورجل برة وهي حرة بقى، ذنبي في رقبتها.

ليه بتقولي كدة بس؟ هو انت مش بتاخدي الجلسات في ميعادها. يبقي هتروقي وهتبقي زي الفل.
تنهدت هند قائلة: صحيح باخذها ياصفية بس بفكر أوقفها.
انت اتجننتي؟ توقفي ايه بس؟ دي الأمل في انك تكوني كويسة.
أمل معطوب ومخيب للآمال ياصفية، فلوس بتنصرف على الفاضي ومفيش أي تحسن. ده حتى شعري بيقع جامد. وده مأثر جامد على نفسيتي، ده غير اني برجع من الجلسة أقعد يومين مش قادرة أرفع ايدي لودني.
ياحبيبتي ياهند، ياريت كنت أنا ومكنش صابك اللي صابك ده.
متقوليش كدة ياصفية ربنا يخليكي لطنط نبيلة.
على فكرة بقى انت واحشة خالتك ونفسها تشوفك ولولا محرمة دخولها البيت عندك من ساعة ما اتخانقت مع حماتك في آخر زيارة كانت جت وشافتك.
حماتي دي مش سايبة حد في حاله، ربنا يهديها بقى.
الصنف ده عشان يتعدل بيبقى عايز ياخد بالشبشب فوق دماغه.
ده انا كنت اتطلقت فيها، هو انت مش عارفة غلاوة حماتي عند عادل.

صحيح أخبار عادل معاك إيه؟
لا أعرف حبيبتي كيف أصف لك شعوري، هناك شيء تغير به. ربما لم يعد يحبني كالماضي، أراه دوما متجهم الملامح، يراعيني في مرضى نعم ولكني أشعر به مجبرا وكأنني صرت حمل ثقيل عليه أو عبء يرغب في الخلاص منه ولكن يمنعه ربما رفات حب تقاوم الظروف والمرض ووسوسات شيطانية. فهل سيستطيع الصمود؟ سنري.

محتار يعملي إيه. بيحاول يخفف عني بكل حاجة ممكنة في ايديه، مش هامه شكلي اللي اتغير ولا شعري اللي وقع وكل مايشوفني لابسة الحجاب عشان أداريه يشيله ويقولي انت عاجباني كدة. شايفك زي أول مرة شفتك فيها قمر 14 ياهنودة.
لماذا لا أستطيع تصديقك ياابنة الخالة؟ هل هي المرارة في صوتك أم إدراكي كم هو أناني هذا العادل لا يفكر سوي في نفسه فقط ولا يهمه سوي رغباته.
ياهند. انت ياهانم.

سمعت هند نداء حماتها فأسرعت تقول: هسيبك دلوقتي ياصفية وهبقي أكلمك لما تيجي خالتي من السوق عشان هي كمان وحشاني وعايزة أسمع صوتها. سلام دلوقتي.
سلام ياحبيبتي.
أغلقت هند الهاتف وهي تستغفر قبل أن تضع الحجاب على رأسها وتخرج إلى حماتها.

أنهت هند إعداد الطعام بصعوبة، تشعر بالوهن يسري في جسدها والرؤية تزوغ لديها، خرجت من المطبخ تستند إلى الحائط حتى وصلت إلى الأريكة فجلست عليها قليلا تود استعادة أنفاسها التي سحبت منها بالكامل، خرجت حماتها في هذه اللحظة من الحجرة لتراها جالسة، عقدت حاجبيها واقتربت منها تتخصر قائلة: الهانم قاعدة ليه؟ خير ان شاء الله يعني؟ خلصتي أكل جوزك ياست هند؟
استغفرت هند في سرها قبل أن تقول ببرود: آه خلصته.

برضه قاعدة ليه؟ ماتقومي تروقي الزريبة اللي انت قاعدة فيها. اعملي بلقمتك وعلاجك على الأقل.
نهضت هند تقول بوهن: من فضلك راعي كلامك أنا حقيقي زهقت.
مش باين ياعين أمك، ده انت جبلة، واحدة غيرك كانت سابت الراجل في حاله وطلبت الطلاق بدل ماهي مبيعاه اللي وراه واللي قدامه عشان يعالجها من مرض ملوش علاج أساسا. يعني فلوس بتترمي في الأرض.

آلمتها كلمات حماتها كالعادة، ولكن هذه المرة وجدت نفسها غير قادرة على الصمت وهي تعايرها بمرضها وتطلب منها الافتراق عن زوجها لتقول بحنق: المرض مش بإيدينا ياست نجية، ده ابتلاء من ربنا والفلوس اللي بتعايريني بيها دي فلوسي انا اللي اديت لعادل كل حاجة كانت معايا عشان يدخل شريك في المشروع وقلتله ميقولش لحد حتى ليك، في الوقت اللي انت بخلتي فيه بفلوسك وادعيتي ان ممعكيش رغم اني شفت بعيوني جواب البنك وعارفة معاك قد إيه.

قالت نجية بغضب: انت بتفتشي في الورق اللي بيجيلي ياست هند؟
مش طبعي ولا أخلاقي، هي جت صدفة واستلمت أنا الجواب وانت مش موجودة عشان ربنا يكشف سترك.

قالت جملتها الأخيرة بوهن فأسرعت تجلس مجددا وقد شعرت أنها على وشك السقوط، بينما نظرت حماتها إليها بحنق تود لو تخنقها وتستريح منها ولكن مهلا ستدع الأمور الآن تتوعد لها في القريب العاجل بفراق اكيد عن ولدها، نظرت إلى الساعة قبل أن تلمع عيناها وهي تقول: اقعدي ارتاحي وأنا هروق الصالة. وهي فيها ايه يعني لما أساعدك ياحبيبتي؟

أمسكت المكنسة وشرعت تكنس بينما قطبت هند جبينها تتعجب من كلمات حماتها الحانية. هل رقت لها؟ ولكن مالبثت أن فهمت سر تبدل أحوالها حين سمعت المفتاح يوضع بالباب ثم يفتح ويظهر على عتبته عادل، لتتظاهر حماتها بالتعب فأسرع عادل يسندها قائلا: اقعدي ياماما متجهديش نفسك.
قالت نجية تتظاهر بالوهن قائلة: سيبني ياابني أكمل شغل، يعني مين اللي هيعمل بدالي؟ ماانت عارف اللي فيها وأنا حكيالك.

نظر عادل بحنق لزوجته قائلا: فيه ايه ياهند؟ ماتقومي تكنسي انت الصالة، مش هتتعبك علي فكرة. ماانت عارفة اني أمي ست كبيرة ومينفعش كل يوم هي اللي تطبخ وتكنس وتمسح، أنت مش عاجزة يعني عشان تسيبيها تعمل كل ده؟
طالعته بصدمة وهي تنهض قائلة: انت بتقول ايه؟ مين اللي بيطبخ ويمسح ويكنس كل يوم؟ مامتك؟ هي قالتلك كدة؟ محصلش طبعا.

انت بتكدبيني ياهند؟ عايزة تقولي انك اللي بتعملي كل ده؟ ماشي ياستي متزعليش نفسك. انت اللي بتعملي. وهو انا يعني بعمل عشان اقول اني عملت، انا بعمل عشان ابني لما ييجي بعد شقاه طول اليوم يلاقي لقمة نضيفة وهدمة نضيفة وبيت نضيف يرتاح فيه زي مااتعود قبل مايتجوزك.
انت بتخرفي تقولي ايه؟
اخرسي ياهند انت اتجننتي؟

سيبها ياابني تغلط فيا، ما قلتلك قبل كدة ولاد الأصول مبيغلطوش وانت اللي صممت وروحت جبتها وهي لا أصل ولا فصل.
قالت هند بمرارة: ساكت ليه دلوقت ياعادل وهي بتعيب فيا. حلال ليها مش كدة؟ هو ده اللي ربنا أمرك بيه؟ تيجي عليا عشان ترضيها؟ رغم أنها ظالمة و…
لطمها قائلا: قلتلك تخرسي. انت مبتفهميش؟

طالعته بصدمة امتزجت بألم قبل أن تقول بصوت فارقته الحياة كملامحها تماما: لأ الظاهر اني مبفهمش فعلا عشان كان لازم أشوفها من زمان. اللي يعمل كدة في مراته. اللي كل مرة يكسرها كدة من غير بينة يبقى ملوش أمان ولا تنفع العيشة معاه. أنا خلاص جبت آخرى ورافضة اني اكمل بالشكل ده، انا هروح لخالتي ويا تعرف انك غلطان وتجيبلي شقة أكون فيها بعيدة عن والدتك ياتبعتلي ورقة طلاقي. وده آخر كلام عندي.

تركته وغادرت بعد كلماتها تلك، كاد أن يسرع خلفها يمنعها من المغادرة ولكن والدته أمسكت يده قائلة: رايح فين ياعادل وسايبني؟ اوعي تكون هتنفذلها طلباتها وتجيب شقة بعيدة عني، ده انا كنت أموت بحسرتي ياضنايا.
أمسك يدها قائلا بلهفة: بعيد الشر عنك ياأمي.
يعني مش هتجيبلها الشقة اللي عايزاها ياقلب أمك؟

منين بس ياأمي؟ ما انت شايفة. فلوس علاجها خلصت على اللي ورايا واللي قدامي، ده أنا ساحب نص الفلوس اللي شاركت بيها صديق.
فلوسها اللي اديتهالك مش كدة؟
قطب جبينه قائلا: وعرفتي ازاي؟
أطرقت برأسها تقول بحزن مصطنع: مش مهم عرفت ازاي. المهم اني عرفت وخلاص.
قال بحزم: من فضلك ياأمي متخبيش عليا وقوليلي عرفتي ازاي؟

رفعت رأسها تطالعه بحزن قائلة: من يوم مااديتك الفلوس وهي في الرايحة والجاية تعايرني وتقولي أنا خيري على ابنك وانا اللي عملته وكلام كتير ملوش لازمة. هيييه. هقول ايه بس؟ هتستني ايه من واحدة قليلة الأصل. مش لو كنت خدت بنت عمك كان عمك اشترالك المحل كله وكانت فضلت تحت رجليك بدل الهانم اللي شايلها في مرضها وبرضه بتعايرك وتعاير أمك وتقل أدبها عليها. أنا مش عارفة بس باقي عليها ليه؟

عقد عادل حاجبيه يضم قبضتيه بقوة، يود الآن لو ارتكب جريمة قتل.
فتحت صفية الباب لتطالع شابا وقف يقول بعملية: مدام هند عبد الكريم؟
هزت صفية رأسها نفيا قائلة: لأ مش أنا. أي خدمة؟
هي المدام موجودة؟
نادت صفية هند لتحضر هند فقالت الأولي: الأستاذ عايزك.
عقدت هند حاجبيها قائلة: خير ياأستاذ؟
من فضلك تمضيلنا هنا بالإستلام.
أمسكت القلم تمضي قائلة: هستلم ايه يعني؟ أنا مش فاهمة حاجة.
لما تقري هتفهمي. عن اذنكم.

أمسكت هند الورقة تفتحها تجري عيونها على سطورها بصدمة بينما شهقت صفية تضع يدها على فاهها وهي تقرأ بدورها قبل أن تقع الورقة من يد هند وتقع هي بدورها مغشيا عليها.

لا يخيفني موت الجسد وإنما يخيفني موت القلوب و خذلان من ظنناهم السند، كسرتهم هذه لا يجبرها ألف إعتذار، تترك وجعا يكفيك العمر كله. ودموع تحرق لا تنضب أبدا. حين تدرك أنك أحببت شخصا غير موجود سوي بمخيلتك فلا وجود لأمثاله في الواقع. قد كنت وفيا أكثر من اللازم وكان خائنا أكثر من اللازم فعلمك ان لا تثق بأحد وأن لا تمنح قلبك مطلقا لأحد. ففي النهاية كلهم خائنون.

انت هتفضلي قاعدة حاطة ايدك على خدك كدة لحد امتى؟
طالعت هند ابنة خالتها قبل أن تشيح بوجهها قائلة: لحد ماأموت وأرتاح.
اقتربت منها صفية تمسك كتفيها قائلة: كل مااكلمك تجيبي سيرة الموت وكأنه بقى شيء عادي بالنسبة لك مش حاجة هتقهرنا لو حصلت. انت مستعدة ليه لكن احنا مش مستعدين نخسرك.
ليتهدج صوتها وهي تردف قائلة: احنا منقدرش نعيش من غيرك ياهند.

تساقطت دموع هند على وجهها قائلة: وتفتكري اني فرحانة بأن الموت قريب مني ومضطرة استسلمله ومقاومش. بس اعمل ايه. ماانت عارفة تكاليف العلاج وفي الآخر مفيش نتيجة يبقى ليه نضيع الفلوس على الفاضي؟

ملكيش دعوة. دي فلوس جهازي وانا حرة فيها. انت عارفة اني خلاص مش ممكن هتجوز بعد محمد، يعني الفلوس دي ملهاش لازمة بالنسبة لي لكن ليها بالنسبة لك. حتى لو نسبة الأمل واحد في المية. هنتمسك بيها عشان ترجعيلنا. قلتلك منقدرش نعيش من غيرك ياست هند. أغنيهالك يعني؟
احتضنتها هند على الفور تقول بحب امتزج بالعبرات: انا مش عارفة من غيركم كنت هعمل إيه؟

بس ياعبيطة ده انت اختي اللي ربنا رزقني بيها، صحيح اللي بيني وبينك سنة واحدة بس بحس اني أمك وأختك وصاحبتك وكل حاجة بالنسبة لك زي ماانت بالنسبة لي. نعمة من ربنا بحمده عليها في كل وقت.

سمعا صوت السيدة نبيلة بالخارج تنادي على صفية، فأخرجت هند من حضنها قائلة: هخرج لماما أشوفها عايزة ايه، أكيد جايبة حاجات من السوق وعايزاني أظبطها معاها. امسحى وشك وظبطي نفسك وحصليني. مش عايزة ماما تشوفك بالشكل ده. هتقهريها ياقلب خالتك.
مسحت دموعها وهي تقول: بعيد الشر عنها.
ايوة بقي. هو ده الكلام. خمساية وشك يهدي وتحصليني. ماشي.

هزت هند رأسها وهي تبتسم لقبلة هوائية أرسلتها إليها صفية قبل أن تخرج من الحجرة.
انت بتقولي ايه ياماما؟ متأكدة من اللي بتقوليه ده؟
الست رجاء جارتهم اللي قالتلي الكلام ده بنفسها ومش عارفة أوصله لهند ازاي؟
لأ توصليلها إيه بس؟ دي تنقهر فيها ولا يحصلها حاجة. آه الندل. بيتجوز وهو لسة مطلقها مبقالوش أسبوعين. منهم لله اللي معندهمش رحمة ولا ضمير…

قطعت كلامها وصوت تحطم يأتيهم من الخلف، ليتطلعوا إلى مصدره لتشهق نبيلة بينما تتسع عيون صفية هلعا وهم يرون هند متكومة على الأرض وبجوارها مزهرية محطمة ليسرعا إليها يبتهلان إلى الله أن تكون بخير وان تكون نوبة فقط ستتجاوزها. يرجوان أن لا تكون قد سمعت أي شيء من حديثهما وإلا لن تتحمل هذه الرقيقة اكثر ووقتها ستستسلم حقا للموت.

الفصل السادس

خرج الطبيب من الحجرة فسارعت كل من الخالة نبيلة وابنتها صفية إليه تسأله الأولى عن حالة سعاد ليقول: للأسف جسم المريضة مبقاش متقبل العلاج نهائي وده أدى لإنهياره بالشكل ده، أنا مستغرب من اللي بيحصل. آخر تحليل عملناه كان فيه نسبة تحسن، صحيح بسيطة لكنها كانت مبشرة، دلوقتي الحالة مش بس تراجعت لأ وأصبحت كمان خطيرة لإن الجسم رافض العلاج وكأن المريضة فقدت الأمل في الحياة وأصبح معندهاش رغبة تعيش.

انها الصدمة في زوجها السابق وخذلانها اللذان جعلاها تفقد الأمل وتتمنى الموت أيها الطبيب.
فكرت نبيلة قبل أن تقول بهلع: طب والعمل يادكتور؟
مفيش قدامنا غير اللجوء لحل أخير.
وإيه هو الحل الأخير ده؟
زرع نخاع عضم.
يعني ايه الكلام ده؟
يعني هنبدل نخاع العضم التالف للمريض بخلايا جذعية سليمة تنتج جميع انواع خلايا الجسم المختلفة.
فغرت نبيلة فمها قائلة: ها!

الحقيقة أنا فهمت المريضة قبل كدة وكمان الآنسة صفية لما جت معاها ان ده الحل الوحيد قدامنا في حالة عدم استجابة المريضة للعلاج الكيميائي وان العملية بتكون نتايجها أفضل لو كان المتبرع قريب للمريض من الدرجة الأولى يعني من أخ ليها او أخت لزيادة نسبة تطابق الأنسجة، ده غير انها بتعتمد برضه على نوع المريض وعمره وحالته المرضية. الآنسة صفية لما عرفت عملت الفحوصات اللازمة عشان نعرف اذا كانت مطابقة للمريضة ولكن للأسف مطابقتش. نظرت نبيلة إلى إبنتها التي أطرقت برأسها في حزن قبل أن تنظر إلى الطبيب قائلة: طب وأنا يادكتور؟ مينفعش اتبرعلها باللي انت قلت عليه ده؟
لأ طبعا ياست نبيلة مرض حضرتك يمنع أكيد عملية بالخطورة دي.
وهتعمل ايه بس الغلبانة اللي راقدة جوة؟
هز الطبيب كتفيه قائلا: هتدوري في محيط قرايبكم على متبرع لعل وعسى حد فيهم تكون أنسجته مطابقة.
قالت صفية بحسرة: وهو فاضل في العيلة حد غيرنا؟

ظهر التفكير على وجه نبيلة بينما استأذن منهم الطبيب وذهب، لتقول صفية بمرارة: مش لو كان عمي محمود الله يرحمه خلف كمان، كنا لقينا للغلبانة دي أخ ولا أخت يتبرعلها بنخاع العضم ده؟ ماما. ياماما انت روحتي فين بس؟
ها. بفكر ياصفية. فيه حاجة كدة في دماغي، أمل بس خايفة يخيب.
قطبت صفية جبينها في حيرة قائلة: قصدك إيه ياماما؟ انا مش فاهمة حاجة.
تعالي معايا وأنا أفهمك.
مشت جوارها تقول بحيرة: رايحين على فين؟

رايحين ندور على آخر أمل لهند في الحياة. ادعي ربنا ياصفية ان الأمل ده ميخيبش والا هبقى فتحت علينا باب جهنم على الفاضي.
ازدادت حيرة صفية ولكنها تبعت أمها دون كلمة، تأمل أن توضح لها مقصدها وتبتهل إلى الله أن لا يخيب هذا الأمل كما طلبت منها والدتها وإلا فقدت هند. إلى الأبد.

أخبرتها الخادمة بوجود سيدة لدي الباب تدعي نبيلة منصور تود رؤيتها. قطبت السيدة منيرة حاجبيها. لا يمكن أن تكون هي نبيلة التي تعرفها. ليس بعد كل هذه السنوات. منحت الخادمة الإذن بإدخال السيدة إليها ففعلت وما إن رأت نبيلة حتى تأكدت من ظنونها. هي بالفعل نبيلة التي تعرفها، منحتها السنوات بعض النضوج وبعض تجاعيد في الوجه ولكنها أبقت على جمال و طيبة ملامحها التي بدت متجهمة الآن على غير العادة نقلت بصرها بينها وبين هذه الفتاة التي تشبهها إلى حد كبير قبل أن تركز مقلتيها على نبيلة قائلة: ازيك يانبيلة. خير ياحبيبتي. إيه اللي فكرك بينا بعد السنين دي كلها؟

طالعتها نبيلة قائلة بحزن: أنا عمري مانسيتكم يامنيرة هانم، كنت دايما متابعاكم من بعيد لبعيد. بس مكنتش أتصور اني في يوم من الأيام هدق بابك، الشديد القوي اللي خلاني أعمل كدة.
قطبت منيرة جبينها قائلة: خير يانبيلة فيه ايه؟ ماتنطقي علطول.
أنا محتاجة أشوف خالد وأتكلم معاه. ضروري ياهانم.
لتتسع عينا منيرة بصدمة.

انت بتهزري يانبيلة؟ عايزانى أقول لخالد اني مش أمه الحقيقية ولا صادق جوزي الله يرحمه يبقى أبوه، عايزانى أكسر قلبه بإيدي وأقوله انه نتيجة غلطة غلطتها أمه زمان ومقدرتش تتحمل نتيجتها فباعتك ليا. مستحيل طبعا.

عقدت نبيلة حاجبيها قائلة بغضب: المستحيل اني أفضل ساكتة ياست منيرة وفي ايدي أنقذ بنت بريئة من الموت، وبعدين محاسن أختي مباعتش ضناها ومغلطتش ياست منيرة. كان مكتوب كتابها على جمال جارنا، استعجلوا صحيح بس كان فرحهم باقي عليه كام يوم، كان فاضل بس أسبوع ويرجع من الجيش ويتجوزها بس منهم لله الإرهابيين بقى. هجموا على المعسكر وفجروه ومات هو وزمايله شهدا الواجب وفضلت هي ياعيني عايشة في صدمة موته لحد ماعرفنا انها حامل، سافرنا اسكندرية عند الست والدتك الله يرحمها ماهي قريبتنا من بعيد لكن دايما كانت تودنا وهناك زي ماانت عارفة كملت فترة حملها ولما آن ميعادها وولدت عانت من الولادة وفضلت غايبة عن الوعي ووقتها طلبت مني والدتك إن أديكي الطفل تربيه لأنك لا مؤاخذة يعني مبتخلفيش، وعشان مستقبل اختي وافقت ولما فاقت قلنالها ان الطفل مات، بإيدي كنت بصدمها للمرة التانية بس كله عشان مصلحتها، كنت عارفة ان محمود ابن خالتنا بيحبها وهيتجوزها رغم انه عرف باللي حصل بس كنت برضه متأكدة انه مش هيقبل يربي ابن اللي فضلته عليه فوافقت اني أجرحها لكن ربنا اللي عالم اني كان قصدي مصلحتها، ومن ساعتها وانا كل مابقدر كنت بسافر عشان أطمن على هالد لغاية ماعرفت انكوا نقلتوا هنا القاهرة بعد وفاة الوالدة وده طبعا سهلي شوفته. كتير فكرت أقول لمحاسن وخصوصا بعد ماشالت الرحم لما خلفت هند، وكمان بعد جوزها ما مات بس خوفي تزعل مني وتقاطعني وقفني. وخوفي خالد ينصدم برضه وقفني لحد النهاردة.

وليه جاية النهاردة عايزة تكشفي المستور وتصحى الماضي يانبيلة؟ لو محتاجة فلوس قوليلي وانا أديكي اللي انت عايزاه.
قالت نبيلة مستنكرة: فلوس إيه؟ مستورة ياهانم. انا مش جاية عشان فلوس انا جاية عشان هند أخت خالد محتاجاه وهو لازم يقف جنبها.
هند أختي؟ انت بتقولي ايه ياست انت؟

استداروا جميعا يطالعوا صاحب الصوت، تطلعت إليه صفية بفضول. كان شابا وسيما عيونه في لون الدخان تماما كلون عيون أخته، ورثاها عن خالتها بكل تأكيد بينما اختلف لون شعر خالد الأسود عن شعر هند الذي يميل للاصفرار، كان يطالعهم بغضب بينما تطالعه والدتها بحنان وتطالعه السيدة منيرة بهلع لتقول والدتها: بقول اللي كان لازم أقوله من زمان. هند تبقى فعلا أختك ومحتاجاك.

نقل بصره بين والدته التي أطرقت رأسها بحزن ثم عاد بعينيه إلى نبيلة قائلا بصدمة: انت قصدك إيه؟ ماما ليها بنت انا معرفش عنها حاجة؟
قالت بحزم: فعلا ياابني بس مامتك تبقى أختي. محاسن منصور. مش الست منيرة اللي ربتك.
لتتسع عينا خالد بقوة.

رأته يقبض بيده على هذا الكرسي أمامه يشحب وجهه بينما تعيد والدتها على مسامعه ماأخبرتها به في طريقها إلى هنا، لا تدري لماذا تشفق عليه الآن مما يسمعه، تود لو كان هناك حل آخر بأيديهم أفضل من كشف أسرار الماضي وتحطيم حياة هذا الشاب أمامهم حين يدرك أنه كان يعيش كذبة كبيرة، وجدته يطرق برأسه لبعض الوقت قبل أن يرفع عيناه إلى والدتها وهو ينهض قائلا في جمود: حتى لو اللي بتقوليه صحيح فأنا آسف مش مستعد اتقبل الحقيقة دي ولا يكون ليا صلة بناس اتخلوا عني بسهولة كدة وافتكروني بس لما احتاجولي.

قالت نبيلة بهلع: لا ياابني أمك مكنتش تعرف انك…
قاطعها قائلا بقسوة: قلتلك مش عايز أسمع أي حاجة عنها ولا يكون ليا أي صلة بحد فيكم، من فضلك اطلعي برة ومش عايز أشوف وشك هنا تاني.
اتسعت عيناها بألم واغروقت بالدموع بينما قالت منيرة برجاء: خالد ميصحش…

قاطعها قائلا: من فضلك ياماما، متدخليش. عايزة تدافعي عنها وهي جاية تدمر حياتك بإيدها. آسف. انتهى الكلام. لسة واقفة هنا بتعملي ايه ياست نبيلة؟ قلتلك اطلعي برة.

نكست نبيلة رأسها تجر خطواتها للخارج تتبعها صفية التي ترددت للحظات قبل أن تتوقف وتعود إليه قائلة بألم حازم: والدتي كان مستحيل تيجي هنا وتكسر قلبك بالشكل ده لو مكنتش مسألة حياة او موت. هي جت النهاردة مش طالبة أكتر من انسانيتك. حتى ياسيدي لو مش من لحمك ودمك. فدى إنسانة خلاص بين ايدين ربنا مستسلمة للموت وفي ايدك بس نجاتها منه بعد مااستسلمت ليه. انت متعرفش هند. متعرفش قد ايه هي واحدة طيبة مأذتش حد في حياتها بس أقرب الناس ليها أذوها، شافت كتير ياقلبي. أبوها مات وهي لسة مكملتش 3 سنين وأمها ماتت وهي عندها خمس سنين. خدناها في حضننا وبقت بالنسبة لي الأخت اللي أمي مجابتهاليش، ولما كبرت واتجوزت حماتها أذيتها كتير بس كانت دايما بتعاملها بالحسنى لأنها ملاك مبقاش موجود منها كتير على الأرض، ولما جالها المرض اللي بيقضي على حياتها جوزها الندل اتخلى عنها وسابها للموت ودلوقتي حتى اخوها بيتخلي عنها وكأن الملايكة مش لازم يعيشوا على الأرض. عايز تسيبها تموت اتفضل بس انا مش هسامحك أبدا ولا ربنا هيسامحك وعيش بذنبها لو تقدر.

كان يطالعها بوجه جامد الملامح ولكنها تدرك تأثره من خلال اختلاج عضلات فكه، طالعته بنظرة أخيرة حملت عتاب أليم قبل أن تستدير وتجري لتلحق أمها، تصدعت ملامحه الجامدة وظهر عليه الألم، نهضت منيرة تتجه إليه وتضع يدها على كتفه فانتفض يطالعها للحظات بعيون زائغة قبل أن يسرع هاربا من أمامها إلى حجرته، يغلق بابها عليه قبل أن ينخرط في بكاء حاد.

ممكن أعرف قافل عليك الأوضة وعامل في نفسك كدة ليه؟
طالعه خالد بملامح جامدة وهو يقول: من فضلك ياأدهم أنا مش عايز أشوف حد دلوقت.

اقترب منه أدهم يمسك كتفيه يهزه بقوة قائلا: انت ايه مشكلتك ماتفهمني؟ ايه يعني طلعت فجأة مش ابن الناس اللي ربوك؟ ايه يعني اكتشفت انك ابن ناس تانيين. هتفرق في ايه يعني؟ ده هيقلل منك؟ لأ طبعا. خالد اللي الكل يشهد بأخلاقه. اللي الكل بيحبه. خالد الصاحب الجدع ورجل الأعمال الناجح ميعيبوش أصله. وأصلك ست عمرها مااتخلت عنك. كانت ضحية، ووالدتك؟ الست اللي ربتك وتعبت عليك واديتك من حنانها طول السنين اللي فاتت دي ذنبها ايه تسيبها في الحالة دي؟ دموعها مابتخلصش وانت رافض تسمعها أو تسمحلها تقرب منك. جرالك ايه ياخالد؟

نفض عنه يد أدهم قائلا بمرارة: بتلومني مش كدة؟ جرب تعيش كدبة كبيرة فجأة تلاقيها سراب، جرب احساس انك تكتشف فجأة ان ليك أم ماتت من غير ماتشوفها واخت متعرفش عنها حاجة وانت تعرف انا حاسس بإيه دلوقت.
طالعه أدهم بعتاب قائلا: بس ليك أم عايشة هتموتها بحالتك دي. والأخت اللي بتتكلم عنها محتاجالك ياخالد. كل لحظة بتضيعها ممكن تكون آخر لحظة ليها.

ليتنهد قائلا: مش ممكن تكون خالد اللي عرفته طول حياتي. اللي كان بيساعد الغريب قبل القريب، دلوقتي لما أخته احتاجته اتخلى عنها عشان كلام تافه وملوش أي لازمة.
ظهر الصراع على وجه خالد وهو يقول: انا متخليتش عن حد. انا. انا…

انت ايه ها؟ مجروح؟ الوقت قدامك هيداوي جرحك ويطيبه وبسهولة جدا طول ماحواليك ناس بتحبك وواقفة جنبك، لكن أختك دي مقدمهاش وقت. مابين لحظة والتانية هتستسلم للموت و قلبها هيقف ووقتها صدقني مهما بكيت مش هترجعها ومهما عملت مش هتقدر تمحي ذنبها اللي هيطارد ضميرك طول العمر. فكر ياصاحبي بس ياريت تفكر بسرعة لان الوقت أكيد مش في صالحك.

قالت نبيلة بهلع: يعني ايه الكلام اللي بتقوله ده يادكتور؟
زي ماقلتلك ياست نبيلة حالة هند بتدهور ولو ملقيناش متبرع في أسرع وقت فأنا آسف مضطر أقولك انها مهددة بالموت في اي لحظة.
شهقت صفية وهي تضع يدها على فمها تكتم صرخة ملتاعة بينما رددت نبيلة بانهيار: ياحبيبتي يابنتي. ياحبيبتي يابنتي.
المتبرع موجود يادكتور، أنا مستعد أعمل الفحوصات علطول.

استداروا يطالعون المتحدث ليظهر الأمل بعيون صفية وتغرق الدموع عينا نبيلة وهي تطالع ابن أختها الذي وقف بهدوء يصحبه شابا في مثل سنه او أكبر قليلا وسيما بدوره قمحي البشرة أسود العينين تظهر الطيبة على ملامحه، بينما قال الطبيب بحيرة: حضرتك مين؟
قالت نبيلة بفخر: ده يبقى خالد. أخو هند الكبير يادكتور

الفصل السابع

كانا يستلقيان على سريرين متباعدين بعض الشيء تتصل أجسادهم ببعض الأسلاك التي تربطهم بأجهزة قياس مؤشراتهم الحيوية، بينما تتطلع إليهما قلوب حملت لهما حبا من خلال نافذة الحجرة حيث منعهم الطبيب من الدخول يكتفون بمشاهدتهما على أمل أن يستيقظا قريبا ويعيدا لهم أنفاسهم المأخوذة خوفا وقلقا. خرج الطبيب إليهم بعد فحص هند وخالد قائلا ببشر ما ان التفوا حوله: أحب أطمنكم دلوقتي وأقولكم ان العملية نجحت ووضع المريضة وأخوها كويس جدا الحمد لله.

قالت منيرة من خلال دموعها: لما خالد وضعه كويس زي مابتقول يادكتور ليه مفاقش لحد دلوقت؟ وهند هي كمان مفاقتش.

خلوني أفهمكم. في العملية بندخل حقنة كبيرة لعضم المتبرع وبناخد أجزاء من نخاعه اللي غالبا بتبقى من عضم الحوض ودي حاجة مش سهلة طبعا وممكن تأثر على المتبرع وأنا فهمت الكلام ده للأستاذ خالد قبل مايخضع للعملية. زي ألم في الضهر مكان الحقنة، صعوبة في المشي، دوخة رغبة في القيء، فقدان شهية بس الأعراض دي كلها هتروح بعد كام يوم وهيستعيد المتبرع نشاطه الكامل في خلال كام أسبوع. مسألة فوقانه دي وقت ممكن دقايق ساعات أو ليلة بالكتير. هو هيفضل هنا تحت الملاحظة لمدة 48 ساعة و لازمله طبعا الراحة التامة.

نكست منيرة رأسها بألم وكادت أن تسقط أرضا فأسندها أدهم على الفور ومشي بها تجاه المقاعد المواجهة لغرفة العناية المركزة ثم أجلسها بينما يردف الطبيب: أما بالنسبة للمريضة فنفس الكلام هتفوق اول ماجسمها يتأقلم مع وضعه الجديد، لازم ناخد بالنا منها الفترة الجاية لان مينفعش تصاب بالعدوي اللي هتأدي لفشل عملية الزراعة أو ممكن تتلف عضو تاني في الجسم لا قدر الله زي القلب أو الكلى وفي بعض الأحيان. الوفاة.

قالت نبيلة بلوعة: ياحبيبتي يابنتي. كان مستخبيلك ده كله فين؟
متقلقيش ياست نبيلة بإذن الله مدام هند هتكون بخير، أنت بس ادعيلها. وبعد اذنكم مضطر أمشي عشان ورايا عملية تانية.
قالت صفية: اتفضل يادكتور.
ذهب الطبيب بينما جلست نبيلة على أقرب مقعد تردد: اللهم اني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.

ربتت صفية على كتفها قائلة: خلاص ياماما اهدي. الدكتور قال منقلقش، ربنا زي مابعت اللي ينقذها في اللحظة الأخيرة قادر يكمل شفاها على خير.
شوفتي ياصفية. هي ياقلبي هنا بين الحيا والموت والبيه طليقها بيتجوز النهاردة ولا على باله. منه لله. خدها وردة مفتحة ورماها بعد ماقطفها وداس عليها بجزمته بس ربك المنتقم الجبار اللي ميرضاش بالظلم. حسبي الله ونعم الوكيل فيك ياعادل ياابن نجية. حسبي الله ونعم الوكيل.

كان أدهم يستمع إلى كلمات السيدة نبيلة فحانت منه نظرة إلى المرأة النائمة كالملاك جوار صديقه، شعر بالشفقة عليها. كيف يمكن لفتاة كهذه التي يحكون عنها منذ أيام ان يتخلى عنها زوجها الحقير حين احتاجت إليه؟ كيف طاوعه قلبه ليبعث لها بورقة طلاقها حين احتاجته سندا في أزمتها؟ كيف لرجل تجري دماء الرجولة في عروقه أن يفعل شيء بغيض كهذا؟ إن لم يكن يحبها حتى فأين آدميته؟ مايجعل الإنسان مستحقا لهذا اللقب العظيم هو قلب لن يتخلى عن إنسان يمر بأزمة. مابالك أن يكون هذا الإنسان في كنفك؟

ستسأل عنها أمام الله ولن تستطيع أن تقول كنت لها سندا ووطنا لإنك حقا كنت ظالما جبارا عتيا.

دلف إلى الحجرة فوجدها تأكل، ابتسمت قائلة: معلش سبجتك ياسي عادل أصل مكلتش لجمة من صباحية ربنا، يلا تعالي سمي الله وكل معايا.
هز رأسه رافضا بأدب قائلا: مليش نفس ياوردة كلي انت وأنا هشرب سيجارة في البلكونة على ماتخلصي.

هزت رأسها فتوجه إلى الشرفة ووقف هناك يطالع الطريق، أخرج علبة سجائره وأشعل إحداها ينفث دخانها بمشاعر تجتاحه منذ تركها، هي مزيج من الندم والمرارة والذنب، مشاعر تتعاظم بداخله كل يوم رغم أن كلمات والدته وتذكيره بما كانت تفعله هند بها من وراءه يبعدونها بعيدا عن تفكيره ولكنها تعاود للظهور ماان يختلي بنفسه حتى أنه أسرع بالزواج من ابنة عمه حتى يجد فيها مخدرا لهذه المشاعر فإذا بموقف بسيط كالذي حدث منذ قليل يعيد إليه مشاعره بقوة ويجعله رغما عنه يقارن بين هند ووردة، فالأولي لم تكن لتضع لقمة في جوفها دونه، تنتظره وإن طال غيابه. تجد في إطعامها إياه وإطعامه إياها حبا كما اعتادت ان تقول.

سي عادل أني خلصت.
تنهد ثم ألقى باقي سيجارته من الشرفة، يغلق بابها متجها إلى زوجته يأمل بمرور الأيام أن ينسى هند ولكنه وجد نفسه يتساءل في هذه اللحظة عن أحوالها، ليشعر بذنب يجتاحه الآن وهو يدرك أنها بالتأكيد ليست بخير.

ياماما بتعيطي ليه بس ماانا كويس قدامك أهو وزي الفل.
طالعت منيرة خالد الذي يقف أمامها بعيون أغرقتها الدموع قائلة: مش قادرة أصدق ياابني انك واقف قدامي بجد، اليومين اللي فاتوا مروا عليا زي مايكونوا سنين وانا مستنية أشوفك مفتح عنيك وقادر تمشي من تاني.
أمسك خالد يديها بين يديه بحنان قائلا: مش انا طمنتك قبل العملية والدكتور كمان؟ يبقى ليه القلق بس؟

اعذرني ياابني أنا أم ولما ما فقتش علطول بعد العملية خفت أكون خسرتك ياحبيبي. انت عارف انت غالي ازاي بالنسبة لي مش كدة ياحبيبي؟
ابتسم بحنان قائلا: أكيد عارف ياحبيبتي.
تركها وعاد ببطئ إلى سريره قائلا: بس خليني اقعد حبة لاني مبقتش قادر أقف.
هندهلك الممرضة تديك المسكن…
قاطعها قائلا: ملوش لزوم، مبقتش محتاجله. صحيح هو أدهم فين دلوقت؟
مسحت دموعها وهي تقول: هناك مع الست نبيلة وبنتها بيشوفهم لو محتاجين حاجة.

سامعكم جايبين في سيرتي.
قالت منيرة: بالخير ياابني طبعا.
ابتسم بينما يطالع خالد الذي بدا عليه بعض الإرهاق قائلا: انت كويس ياخالد؟
هز خالد رأسه قائلا: أنا كويس. هند أخبارها إيه؟
لسة مفاقتش.
قطب خالد جبينه قائلا: وده طبيعي؟
هز أدهم كتفيه بحيرة قائلا: الدكتور بيقول ان جسمها بيستعيد حيويته وأول ماتكون مستعدة جسديا هتفتح عنيها.
قال خالد بحنق: كلام فارغ انا بفكر أنقلها مستشفى تانية.
مفتكرش وضعها يسمح.

نظروا إلى هذه التي وقفت على عتبة الباب تطالعهم بملامح مرتبكة، قالت منيرة: ادخلي يابنتي واقفة عندك ليه؟
دلفت صفية بخطوات رقيقة إلى الغرفة عيناها على خالد وهي تقول: دكتور عزيز هو أفضل دكتور في المحافظة وسمعته سابقاه، صدقني مش هتستفيد حاجة بنقلها، شوية ثقة في الله وفيه وبإذن الله هند هتبقى كويسة.

اكتفي بهزة رأس خفيفة وهو يطالعها لتمرر لسانها على شفتيها قائلة: الحقيقة انا كنت جاية أشكرك على اللي عملته مع هند، انت أنقذت حياتها ورديت لينا روحنا.
ده واجبي، هند أختي ومكنش ينفع أتصرف غير كدة. الحقيقة اللي يستاهل الشكر انت وأدهم لإنكم فوقتوني في الوقت المناسب.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تقول: شكلك تعبان هسيبك ترتاح شوية وحمد الله على سلامتكم انتوا الاتنين. عن اذنكم.
ماتقعدي يابنتي.

معلش ياطنط مش هينفع أسيب ماما لوحدها أكتر من كدة. سلام.
هزوا رءوسهم فغادرت الحجرة تتابعها أعينهم قبل أن تقول منيرة: بنت حلال وطيبة. والطيب في الزمن ده حظه قليل.
قطب خالد جبينه قائلا: ليه بتقولي كدة ياماما؟
خالتك نبيلة حكيتلي حكايتها، خطيبها مات قبل فرحهم بأسبوعين، العمارة اللي فيها شقتهم وقعت وهو جواها، وجالها انهيار عصبي وكانت هتروح فيها. تعرف ايه اللي فوقها وخرجها من اللي هي فيه؟

طالعها متسائلا فأردفت: اللي حصل لهند، لقتها محتاجالها فنفضت ضعفها عشان تقوى وتسند اللي أغلى عندها من نفسها. مش قلتلك بنت حلال.
قال أدهم بحزن: بنات عاشوا مآسي وهم لسة في عز شبابهم بس ربنا هيجبرهم بإذن الله.
قالت منيرة: ونعم بالله ياأدهم.

ظل خالد صامتا وهو يشعر بقلبه يشفق على هذه الفتاة، يود لو بيده شيء يفعله يمنحها به سعادة يدرك أنها تستحقها. لاشيء برأسه الآن. حسنا سيفكر لاحقا اما الآن فسيغمض عينيه ويستسلم للنوم حتى يستعيد عافيته وقدرته على التفكير.

انت بتقولي ايه ياخالتي. أنا ليا أخ وهو اللي اتبرعلي بنخاع العضم وأنقذ حياتي كمان؟
قالت صفية: شبهك قوي ياهند، آخد عنيكي وعنين خالتي محاسن الله يرحمها.

بينما قالت نبيلة: والله ده اللي حصل يابنتي. أنا مرضيتش أقولك المفاجأة دي أول مافوقتي واستنيت لما نقلوكي أوضة عادية عشان أقدر احكيلك عنه وأكون متأكدة انك هتتحملي الخبر. سامحيني يابنتي لو خبيت عليك طول السنين اللي فاتت دي، بس انا كان كل همي مزعلش خالد ولا أكسر قلبه لما يعرف الحقيقة وربنا العالم لولا مرضك ويأسي انا مكنتش هقوله وكان السر ده هيندفن معايا.

اغروقت عينا هند بالدموع وهي تقول: أسامحك ايه بس ياحبيبتي، انت قدمتيلي اكبر هدية، مش حياتي لان حياتي مكنتش فارقة معايا بعد اللي حصلي. انت اديتيلي أمل في بكرة. أخ وسند. ماهو اللي يعمل زي اللي خالد عمله ليا من غير مايعرفني يخليني أعرف انه بجد الأخ اللي اتمنيته طول عمري.
وإنت كمان الأخت اللي اتمنيتها طول عمري.

تطلعت هند إلى خالد الذي ظهر على عتبة حجرتها، عرفته من كلماته وعيونه التي تشبه خاصتها. همست قائلة: خالد.
هز رأسه فأدمعت عيناها قائلة: ازيك ياأخويا.
بخير طول ماانت بخير ياهند. عاملة ايه دلوقتي؟
خفيت بفضل ربنا وبفضلك.
جلس جوارها يمسك يدها فتمسكت بيده، يطالعان بعضهما البعض بصمت وعيون تبكي دون صوت.
مش كفاية بكا ياولاد، احنا المفروض نفرح مش نعيط.

طالعت هند المتحدثة فوجدتها سيدة كبيرة في السن أنيقة ترفع شعرها على هيئة شنيون وتبدو عليها الطيبة بينما يقف جوارها شابا وسيما يطالعها بدوره، تساءلت عن هويتهما فأسرع اخيها يقدمهما إليها قائلا: دي أمي وده اخويا وابن خالي وصاحبي وشريكي أدهم.
ابتسمت قائلة: تشرفنا.
هل تبتسم الملائكة وهل تغرد أيضا؟
هذا مافكر فيه أدهم وهو يستمع إلى صوتها لأول مرة. آفاق من أفكاره على صوت منيرة وهي تقول: الشرف لينا يابنتي.

نهض خالد فقالت هند بلهفة لم تخفي على عيونه: رايح فين؟
ابتسم قائلا بحب: مش رايح في حتة.
ليميل ويربت علي يدها مردفا بحب: احنا خلاص لقينا بعض ومش هنفترق تاني ياحبيبتي.
ليستقيم قائلا: أنا بس هسيبك ترتاحي شوية وهرجعلك تاني، عندنا كلام كتير لسة مقلناهوش.
ابتسمت فابتعد مغادرا مع والدته وصديقه الذي استدار يلقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يختفي خلفهم لتقول خالتها بحنان: حنين قوي زيك وزي مامتك الله يرحمها.

بينما قالت صفية: اهو لو كنت شفتيه أول مرة كنت قلتي انه واحد تاني خالص غير اللي كان واقف قدامنا ده.
الصدمة يابنتي تجنن أي حد وخصوصا واحد زي خالد عاش كل السنين اللي فاتت دي ميعرفش أمه وفاكر انه عايش بين أهله الحقيقيين.
بس طنط منيرة حنينة قوي.
وأنا كنت هرضي أدى خالد لحد الا لو كنت متأكدة من حنيته عليه يابنتي.

استمعت لهم هند دون أن تشترك معهم في الحديث تكتفي بابتسامة سعيدة، تحمد الله على ظهور خالد في حياتها. هذا الأخ الذي لولاه لضاعت حقا إلى الأبد، انه عوض الله لها وكم يكون عوضه، جميلا.

الفصل الثامن

كانت وردة تنام في سريرها حين فوجئت بحماتها تقتحم الحجرة قائلة: لسة نايمة يابرنسيسة؟ بقالي ساعة بنادي عليكي.
اعتدلت جالسة تفرد جسدها بغنج قائلة: ومنامش ليه يامرت عمي؟ مش لساتني عروسة جديدة؟
اتسعت عينا نجية باستنكار قائلا: عدا عشر أيام علي فرحك وتقوليلي عروسة جديدة؟
حدانا في البلد بيتجال عليها عروسة جديدة لحدن ماتجيب الولد.
قالت نجية بسخرية: حدانا بقي هو أسبوع وبتقوم تشوف اللي وراها يابرنسيسة.

هبطت وردة من السرير وذهبت تجاه المرآة، جلست علي الكرسي أمامها وأمسكت الفرشاة تمشط شعرها بهدوء قائلة: وأني ورايا إيه يعني غير اني أتزوج لجوزي عشان أبسطه.
لا ياعينيا وراكي كتير، وراكي مسيح وترويق الشقة وطبيخ كمان.
لما أني هعمل كل ده انت هتعملي ايه؟
اقتربت منها نجية تمسك يدها و تجعلها تنهض لتواجهها بغضب قائلة: بت انت اتعدلي ليمين الله أقول لابني وأخلي أيامك سودة معاه.

نفضت وردة يدها قائلة بتحدي: انت اللي فوجي ياحماتي واسمعيني منيح، أني مش هند اللي عتديها فوج دماغها وتسكتلك لع، ده أني لحمي مر جوي. هتسممي ودان جوزي من ناحيتي هجول لأبوي وده عيزعله وانت عارفة منيح كبير الهوارية لما يزعل ايه اللي ممكن يحصل؟ مش عجولك انه عيمنع عنك خيره اللي مغرجك من يوم مااتجوزت ولا عجولك انه ممكن يسحب ماله من محل ولدك. لاه. ده زعل أبوي ميراضيهوش غير الدم.
اتسعت عينا نجية تقول بخوف: وليه يابنتي بس؟ وانا يعني كنت عملت ايه؟
رفعت وردة إحدي حاجبيها وهي تعاود الجلوس امام المرآة تمشط شعرها قائلا: انت أدري بعمايلك السودا يامرت عمي، الوجت مشي من كدامي وروحي شوفي اللي وراكي جبل جوزي مايعاود وحسك عينك تجولي انك عملتي إكده ولا إكده وإلا انت خابرة.

أطرقت نجية برأسها تمشي بخطوات منكسرة تجاه باب الحجرة قبل أن تغادرها تطالعها وردة من خلال المرآة قبل أن تبتسم بانتصار قائلة: أشكال متاجيش غير بالعين الحمرا. اصبري عليا يامرت عمي. هو انت لساتك شوفتي حاجة. اللي سمعته عنك مش جليل ولازمن أخلصه منيكي. وجبل ما تملكي اللي ترميني بيه من البيت زي كلاب السكك هكون أني رامياكي يامرة سو.

ناشدت في كنفك الأمان فسلبتني إياه وتخليت عني حين كنت في أمس الحاجة إليك.
كانت حياتي معك أوهاما صنعتها يداي. جريمة اقترفتها دون قصد.
كنت أري الضعف بداخلك فأشيح بوجهي عنه حتى لا أراه.
لم أرغب في رؤية حقيقتك فقد أعماني الهوي واستسلمت له.
لم تفكر في أبدا بل كانت ذاتك محور تفكيرك. وحين أردت اهتمامك لفظتني من حياتك.
وقد رحلت حين انتهت أسباب البقاء آملة في أن تلحقني نادما. فصفعتني الحقيقة بقسوة.

متخاذل أنت فخذلتني وكسرت قلبي حين خنت الوعود وتركتني.
صار الجرح بداخلي يحذرني ألف مرة من أمثالك أشباه الرجال فقد كانت الفعلة شنعاء و الأعذار أقبح من الذنب.
اتمني أن لا أراك ثانية حتى بالصدفة كي لا تستيقظ الآلام وتذكرني بخيبة الأمل لقلبي الذي كان وفيا صادقا في الحب فكوفئ بالخيانة.

قد نغفر نحن النساء لطفل صغير يخطئ ولكننا لا نستطيع أن نغفر لرجل يدرك ما قد تصنعه أفعاله بقلوبنا من كسر وحرقة. ان لم نأخذ بثأرنا تركناه لثأر خالقه فقد أخبرنا نبينا أنه كما تدين تدان.
أغلقت هند أهدابها علي دموعها راجية المولي أن تنسي هذا الجرح الذي كلما لامست قلبها تذكرته، لا تتمني لغادرها شر أو خير، ترغب فقط في النسيان وكأنها لم تره قط ولم تتزوجه.

طرقات علي الباب جعلتها تمسح دموعها بسرعة سامحة للطارق بالدخول، دخل اخاها قائلا بابتسامة: جاهزة؟
ابتسمت بدورها تهز رأسها قبل أن تتطلع إلى الحجرة قائلة: مش قادرة أصدق اني خلاص همشي من الأوضة دي. يمكن اللي قعدته فيها شهر بس حاسة اني بقالي سنين جواها. هند قبل ماتيجي المستشفي دي كانت واحدة وهند اللي خارجة منها واحدة تانية خالص.

اقترب منها يقول بحنان: انسي ياهند. انسي اللي شفتيه كله ياحبيبتي وخليكي في اللي جاي. واللي جاي أكيد أحلي.
طالعته بحب قائلة: انت وخالتي وصفية اللي مدييني الأمل ده في بكرة.
طب يلا. هم مستنيينك في العربية.
ابتسمت قائلة: وحشني البيت ياخالد ووحشتني أوضتي.
قطب خالد جبينه قائلا: بس انت مش رايحة البيت.
عقدت حاجبيها بحيرة قائلة: أمال رايحة فين؟
علي بيتي طبعا.
اتسعت عيناها بصدمة قائلة: مش هينفع.
ليه بس؟

عشان حاجات كتير زي مثلا طنط منيرة. مش عايزة ازعجها بوجودي ده غير اني مقدرش أبعد عن خالتي و صفية تاني أنا ماصدقت رجعت لحضنهم وحسيت وياهم بالأمان من تاني.
قال خالد بعتاب: وهو بيت أخوكي مش هتحسي فيه بالأمان ياهند؟
مش قصدي بس…

قاطعها قائلا: مفيش قدامك اختيار. مرواحك ويايا بالإجبار ولو هنتكلم بقي فهنقول ان ماما هي بنفسها اللي طلبت مني تعيشي ويانا. حبتك ياستي زي بنتها وزي مابتحبني تمام. ولو كان علي خالتك وبنتها فاطلبي منهم ييجوا يعيشوا معانا. انا عايز اقولك ان ماما حبت خالتك وبقوا اصحاب علي الآخر اما صفية فتقريبا حبيتها أكتر مني انا شخصيا. ملكيش حجة دلوقت. ها. ايه رأيك؟

ظهر التفكير علي وجهها فامسك خالد يدها قائلا: يا هند أنا ماصدقت لقيتك وحابب أكون جنبك وبوضع شغلي والبيت هيكون وجودي معاكي وقت قليل وده بجد هيزعلني.
وجد ابتسامة تتسلل إلى ثغرها وهي تقول: ماعاش ولا كان اللي يزعلك ياخالد.
تهللت أساريره قائلا: يعني وافقتي؟
هزت رأسها بالإيجاب فاتسعت ابتسامته قائلا: يبقي خلينا منضيعش وقت.

أمسك حقيبتها في يد وتمسك بيدها في يده الأخري قبل أن يغادرا الحجرة بقلوب سعيدة كوجوههما تماما.

أسرع الخطي. تأخر اليوم علي غير العادة. وما ان دلف إلى الشارع حتى وجد عيونه تتعلق بالشرفة. وكم خاب الأمل حين وجدها خالية مغلقة الباب، لينكس رأسه وقد شعر بألم في قلبه وغصة في الحلق، هدأت خطواته رويدا رويدا حتى صار يجرها جرا تجاه المنزل، صعد درجات السلم ثم فتح الباب، وجد الردهة مظلمة ففتح كشاف هاتفه حتى لا يشعل الاضاءة ويزعج والدته، دلف إلى حجرته واغلق الباب ليراها نائمة علي ضوء مصباح الأباجورة الصغيرة، شعر بالاختناق حين اجتاحه الحنين إلى زوجته السابقة، يقارن بينها وبين وردة مجددا فخسرت وردة دون شك. فهذه زوجة وهذه امرأة وشتان بين السكن والمسكن.

ذهب إلى الشرفة وفتح بابها فتململت زوجته تقول: اقفل الباب ياسي عادل الجو برد.
ذهب إليها يضع الدثار فوقها قائلا: هخرج أشرب سيجارة وبعدين اقفلها وأنام.
تدثرت بالغطاء تعود للنوم قائلة: طيب متعوجش. تصبح علي خير.

لم تسأله حتى ان كان قد تناول طعامه أم لا؟ حسنا لقد فقد شهيته ويحتاج فقط إلى بعض الهواء. خرج إلى الشرفة وطالع الطريق بحزن، يتلمس السور الذي كان يراها تضع كوعيها عليه في انتظاره. يدرك بكل وضوح أنه اشتاق إليها بجنون، تري كيف هي الآن؟
صرخ قلبه
الآن تسأل؟ وأين كنت حين احتاجتك؟
رد عقله
هي من أذنبت في حق أمي ولم تترك أمامي خيارا.
بل آثرت الهروب حين زادت أعبائك وشعرت بثقل الهم.

لم يكن مرضها حملا انه قضاء الله وقدره.
ان كنت اعترفت بأنه القدر وليس ذنبا اقترفته يداها اذا لم لم تساندها كما فعلت هي دوما؟
فعلت. كنت. كنت…
كنت ماذا؟ لا تجد جوابا كافيا. أليس كذلك. أخطأت كثيرا في حقها. تعترف الآن. لكن للأسف بعد فوات الأوان.
لم يفت الأوان بعد. سأذهب إليها واطلب منها العودة إلي؟
ووردة. وأباها. وأمك هل سيقبلون؟ سيقيمون الدنيا ويقعدونها وربما يقتلونك.
أمسك رقبته خوفا يقول عقله.

سأخفي الأمر عنهم؟
وهل سترضي هند؟ تعرفها جيدا لتدرك استحالة الأمر لذا ارضي بقدرك وعش معه. فهذا اختيارك ولكني للأسف أتحمل عذابه معك.
هنا. أغروقت عيناه بالدموع فاغلق عليها أهدابه ثم فتح عيونه وهو يمسح دموعه، يعود للداخل بخطوات بطيئة، يغلق الباب ثم يتجه إلى مكانه بالسرير ويتموضع لينام بملابسه.

كانوا يجلسون حول مائدة الطعام يتحدثون ويتضاحكون، دفء يحيط وجودهم سويا يمنح المكان سعادة لا تنضب. انه دفء العائلة الذي شعر بها الجميع حين ضمهم سقف واحد.
ياصباح السعادة والضحكة اللي جايبة آخر الفيلا.
قال ادهم جملته بينما يدلف إلى حجرة الطعام فطالعه الجميع بابتسامة، قالت السيدة منيرة ببشاشة: صباح السعادة لقلبك ياابني، قرب افطر معانا حماتك بتحبك.
جلس قائلا بمرح: هي فعلا بتحبني.

قالت نبيلة بفضول: صحيح ياأدهم. نعرفك بقالنا مدة ودي اول مرة نعرف انك متجوز، طب فين مراتك؟ مشوفنهاش ولا مرة؟
حزن ظهر علي وجهه أثار فضول هند وزاد من فضولها مواراته السريعة لملامحه وهو ينكس برأسه بينما تقول منيرة بأسي: علا مراته الله يرحمها، ماتت وهي بتولد بنته نفين من سبع سنين.
قالت نبيلة بندم: الله يرحمها، انا آسفة ياابني فكرتك بيها.

رفع وجهه إليها يقول بابتسامة رغما عنه جاءت باهتة وهو يقول: اللي زي علا مبيتنسيش ياطنط نبيلة. الله يرحمها.
مرضاش ياحبيبي يتجوز أبدا بعدها، رغم اني كلمته كتير لكن كان دايما يقول مفيش زي علا في الدنيا ياعمتي. وبعدين مش عايز أجيب مرات أب لنفين. روحه فيها ياقلبي والشهرين اللي بتقعدهم مع جدتها في الصيف بيكون فيهم زي المجنون، كل يومين يروح اسكندرية بس عشان يقعد معاها شوية ويرجع.

هل خفق قلب هند للتو في عدم تصديق لاخلاص رجل لذكري زوجته علي مدار سبع سنوات كاملة أم اعجابا بهذا الرجل؟ نفضت افكارها بينما تقول نبيلة لخالد: طب أدهم مش راضي يتجوز عشان ذكري مراته الله يرحمها، انت بقي متجوزتش لحد دلوقت ليه ياخالد؟
غص خالد بمشروبه بينما تقول صفية باستنكار: ماما!

بس يابنت أنا خالته ومن حقي أسأله وبعدين أنا أم وعارفة ان أمنية أي أم تشوف أحفادها ولو سيبنالكم السايب في السايب هنموت من غير مانشوف أحفاد.
ضحكت منيرة قائلة: يسلم لسانك يانبيلة.
مال أدهم علي أذن خالد يقول بهمس مرح: رد يافالح، خالتك وعمتي اتفقوا عليك وهتدخل عش الزوجية ياحبيبي.
مستحيل.

قالها بدوره بهمس قبل أن يقول لنبيلة: بصراحة ياخالتي، اللي اتجوزوا سدوا نفسي عن الجواز وحسيت انه شراكة فاشلة فخليني في الشراكة الناجحة. صحيح ياأدهم الشركة عاملة ايه في غيابي؟

ابتسم الجميع بينما أدركت نبيلة انه يتهرب لذا تركت الأمر مؤقتا، اعتدل أدهم قائلا بجدية تعجبت لها هند التي تراه يتمتع بوجوه عديدة وكأن مبدأه لكل مقام مقال: كانت الأمور ماشية زي الفل لحد النهاردة، مصممة أزياء الشركة وهي جاية تمضي العقد طلبت نص مليون جنيه زيادة وطبعا موافقتش فبكل وقاحة قدمت استقالتها وسابت الشركة. عرفت بعدها ان جالها عرض من المنافسين لينا في السوق زي ماكنت شاكك وعشان كدة كانت بتطلب بقلب جامد.

قالت نبيلة بدهشة: هم المصممين بياخدوا كل الفلوس دي؟
قال أدهم: وأكتر لإن مصممة أزياء اي دار أزياء بتبقي هي أساس نجاحهم بأفكارها وابداعها.
قالت منيرة: ولما انت كنت شاكك في انها جالها عرض من المنافسين مديتلهاش الفلوس اللي طلبتها ليه ياأدهم؟
قال خالد: أدهم معاه حق ياماما، مادام عملت كدة يبقي كان سهل قوي يشتروها وساعتها هياخدوا منها التصميمات وينزلوا زيها في السوق بسعر أرخص والمجموعة تخسر.

قالت منيرة: طب والحل؟
قال أدهم وهو يهز كتفيه: مفيش قدامنا غير التعاقد مع مصممة تانية بس نلاقي فين بسرعة مصممة موهوبة وتكون أمينة في نفس الوقت؟
موجودة.
التفت الجميع إلى صفية بينما هزت لها هند رأسها نهيا، فقطبوا جبينهم في حيرة ليقول خالد: هي مين دي ياآنسة صفية؟
المصممة اللي بتدوروا عليها. قدامكم أهي.

أشارت لهند التي احمر وجهها من تسلط النظرات عليها بينما تقول صفية: موهوبة جدا ومظنش هتلاقوا أأمن منها علي شغلكم.
قال خالد: الكلام ده بجد ياهند؟ بتعرفي تصممي أزياء؟
قالت نبيلة بفخر: بتعرف. دي أستاذة وياما قلتلها تفتح محل بس هي اللي مكانتش بترضي، دي حتى هي اللي صممت فستان فرح صفية ونفذته في يومين…

صمتت تضع يدها علي فاهها برعب وملامح صفية تتجمد كلية، يظهر الألم في مقلتيها قبل أن تواريه قائلة بهدوء: الفستان معايا فوق لحظة هجيبهولكم.
أسرعت من أمامهم تتجه إلى حجرتها بينما قالت نبيلة بحزن: يقطعني كان لازم أفكرها.
قالت هند بحزن: القلب لما بيحب مستحيل ينسي حبيبه حتى لو ادعي العكس ياخالتي بيفضل الحزن مستخبي فيه لكن أوقات لازم يظهر والا البني آدم يموت من القهر.

وجد خالد نفسه يفكر في هذه المخلوقة. رقيقة لكنها قوية ومخلصة. سندا لكل من حولها، لا تفكر في نفسها قدر الآخرين، تماما كأخته. ربما مازال في جنس النساء هذه الأيام من تستحق كل الاحترام والتقدير، بينما فكر أدهم في كلمات هند ليجد نفسه يتساءل.
هل تقصد ابنة خالتها ام تقصد نفسها بهذه الكلمات؟ وهل لا تزال تفكر بهذا النذل بعد كل مافعله بها؟ وجد هذه الفكرة تحنقه للغاية لسبب لا يدري كنهه.

عادت صفية تمسك الفستان، وتمنحه لخالد الذي أخذه منها قائلا بسعادة: أيوة بقي. أختي فنانة والله. طالعالي.
نهض أدهم يقول بمرح: طالعالك إيه؟ دي عديتك بمراحل انت آخرك تصميم العرض لكن الأزياء فن تاني خالص. تسلم ايدك يامدام هند.
اكتفت بابتسامة خجولة بينما قال خالد: يبقي نبتدي الشغل من بكرة.
علي شرط.
قطب خالد جبينه بحيرة حين سمع كلمات اخته قائلا: شرط ايه؟

هحتاج صفية معايا دي خياطة شاطرة قوي وذوقها يجنن في اختيار الألوان.
أكيد انت معانا ياآنسة…
قطع كلماته وهم يبحثون بعيونهم عنها فلم يجدوها ليدركوا مدي تأثرها بالماضي حتى انها لم تتحمل وجودها مع فستان زفافها في ذات المكان، ليتعجب خالد عن احتفاظها به واحضاره معها ان كانت رؤيته تحمل لها كل هذا الألم.

الفصل التاسع

إلي متي سيظل القلب يإن للذكريات، يوجعه أقل شيء يجعلني أدرك غيابك، أختنق حين أتلفت حولي ولا أجدك. وأشعر بالألم حين أري طيفك وأدرك أنه لا يستطيع احتوائي. أصبح نهاري كليلي ظلمات لا يتخللها ضوء، الحزن يرعي لحظاتي والدموع تؤنسها، ليقفا بين الجسد والمهاد ويتركاني أعاني مرارة الفراق.
مسحت دموعها برقة تطالع الحديقة من حولها فانتفضت علي صوت يأتي من خلفها قائلا: واقفة لوحدك ليه؟

استدارت تواجهه قائلة: مفيش. حبيت أشم شوية هوا.
في اللحظة اللي فرحنا فيها بسببك فضلتي متحتفليش معانا و تبعدي عننا عشان شوية هوا؟ معتقدش.
منحته ظهرها قائلة: مش يمكن حبيت أكون لوحدي في اللحظة دي؟

استدار يواجهها قائلا: الوحدة قاسية قوي بتاخدك في دوامة تكبر فيها مشاعرك السلبية، هتخلي حزنك أعظم ومرارتك توجع القلب. هتاخدك سكة مش هتعرفي ترجعي منها. الوحدة عمرها ماكانت حل قد ماهي هروب من الحل والحل الحقيقي للوجع هو وجودك بين اللي بيحبوكي. انت بتحاولي تبني مابينك وبين الناس سد عشان ميحسوش بوجعك بس مش آخدة بالك ان السد ده هيمنع كل المشاعر الحلوة كمان تدخل قلبك وتسعدك. السعادة زي الحزن لو مشاركتيهاش حد تقتلك.
انت عايز توصل لإيه بالظبط؟
مش عايزك تستسلمي لحزنك، أنا كنت زيك مجروح من الدنيا وقلبي موجوع، انت حبيبك مات وأنا حبيبتي غدرت والوجع في الحالتين رغم اختلافه بيقتل، ولقيت دوا جرحي وسطكم. لقيته لما لقيت حب أكبر من أي حب. حب العيلة والسند.

طالعته بعيون حائرة فتردد للحظة قبل ان يمسك يدها فانتفضت ولكنها لم تترك يده وهو يقول: اتمنيتي الموت ألف مرة مش كدة؟ حسيتي ان الحياة مبقالهاش طعم وان حتى أنفاسك مليانة مرارة زي الحنضل. بتوجعك كل مابتخرج وتدخل، بقيتي زي اللي لابس نضارة سودا، صحيح مش أعمي وشايف الدنيا بس شايفها كئيبة ومتستاهلش الحياة، لحد ما فجأة النضارة اتشالت من علي عنيكي لما بدأتي متفكريش في ألمك وتفكري في ألم غيرك. هند. وجعها خلانا نعرف قيمة الحياة. حبنا ليها خلانا نقوي عشانها هي، ابتديتي تعرفي زيي ان كان لازم تعيشي لان دورك في الحياة أكبر من أي دور ممكن حد يقوم بيه. انت السند لكل اللي حواليكي ومن غيرك هيضعفوا وينكسروا. مش ممكن نحسسهم بضعفنا لانه هيوجعهم ويخوفهم ويكسرهم. ودي حاجة مش ممكن نسمح بيها أبدا. مش كدة ياصفية؟

اغروقت عيناها بالدموع تهز رأسها ببطىء فابتسم بحنان قائلا: يبقي تمسحي دموعك دي حالا وتدخلي تفرحي هند بوجودك جنبها زي مافرحتينا باقتراحك. شاركيها فرحة كنت لوحدك السبب فيها. اسنديها وقويها وصدقيني هتلاقي نفسك أقوي من الماضي وقادرة تعديه.
ترك يدها في هذه اللحظة فهمست قائلة: انت أخ عظيم قوي ياخالد وانا فرحانة بجد لانك موجود في حياة هند، وياريت تعتبرني أختك لانه شيء هيسعدني بجد.

اكتفي بابتسامة هادئة بينما تستدير صفية عائدة للداخل بينما يهمس خالد قائلا: دقة قلبي بتقوللي انك مش هتنفعي تكوني اختي ياصفية. وان قدامي مهمة شبه مستحيلة عشان اقنعك بمشاعر اتولدت جوايا من يوم ماشفتك. بس عندي يقين انك قدري وان مهمتي حتى لو مستحيلة ففي النهاية هنجح فيها وهفوز بقلبك اللي زي الدهب ده.
سار يتبعها إلى الداخل بعزم ويقين محب.

قال أدهم باعجاب وهو يري دفتر رسومات هند: انت كنت فين من زمان. ايه الجمال ده؟ التصاميم فيها لمسة مش قادرة أوصفها بس فعلا مبهرة وكإني بتفرج علي تصاميم لمصمم عالمي.
قالت بخجل: مش للدرجة ياأستاذ أدهم. انت أكيد بتبالغ.
بتقولك بتبالغ. بص ياسيدي علي التصاميم وقولها انت جايز تصدقك.

تطلع خالد إلى الدفتر يقلب صفحاته بعيون امتلأت بدورها اعجابا، ينظر إليها قائلا: بيبالغ؟ علي فكرة ياهند. دي اجمل تصاميم فساتين سهرة وقعت عليها عينيا من يوم ما دخلت المجال. يمكن سر جمالها وتميزها أناقتها وشياكتها وبساطتها وأنوثة تفاصيلها وفي نفس الوقت مش واخدة منحني العري اللي موجود علي الساحة. انا مستغرب لحد دلوقت ازاي مابدأتيش كارير خاص بيك وانت بالموهبة دي.

ظهر الحزن علي وجهها فأطرقت قائلة: لما حسيت ان تصميم الملابس مبقاش هواية بالنسبة لي وبس، لأ بقي حاجة أكبر من كدة. اتجوزت والجواز بيبقي مقبرة الأحلام او الطموح. رفض عا…

صمتت للحظة ليشعر الجميع بثقل أحرف اسم طليقها علي روحها، ربما يذكرها بطعنة الغدر التي تلقتها منه، لتردف قائلة وهي ترفع عينيها إليهم قائلة بمرارة: رفض وطلب مني أركز في بيتي وفي الأطفال اللي هنجيبهم للدنيا. استسلمت ووافقت. الحب أصله أعمي والواحدة فيه بتسلم أمورها لحبيبها وبتحاول ترضيه من غير ماتاخد بالها انها بترضيه علي حساب نفسها.

قالت خالد: مش كل الجواز بيبقي مقبرة للأحلام، عندك أدهم أهو كانت مراته الله يرحمها خريجة اعلام ولما اتجوزها مطلبش منها تتوقف عن حلمها بانها تكون مراسلة للقناة اللي شغالة فيها رغم انها كانت بتضطر تسيبه وتسافر كتير. وحتى أجلت مشروع الأطفال لحد ماتحقق طموحها لكنه عمره مااشتكي ولا طلب منها تتخلي عن طموحها.
نظرت هند إلى أدهم تقول بابتسامة باهتة: الأستاذ أدهم مبقاش منه في زمانا ده ياخالد.

طالعها بنظرة طويلة وقد تسارعت خفقاته من جراء بضع كلمات بسيطة جاءت كإطراء له من هذه الملاك، بينما لم تستطع هي اشاحة نظراتها عنه وقد جذبتها نظرة عيونه الحانية. حتى قطع تواصل أعينهم صوت خالد الذي قال وهو يراجع دفتر الرسومات: ناقص بس شوية تصاميم لأطقم صباحية ومسائية وبدل عملية للشغل وتبقي المجموعة كاملة.
رفع عيونه إلى أخته يقول: تقدري تخلصي الشغل ده كله في قد ايه ياهند؟
أسبوعين بالكتير.

قال أدهم بسرعة: خدي راحتك احنا لسة قدامنا وقت، انت لسة خارجة من عملية خطيرة وأكيد مش حابين نتعبك.
القلق بصوته رق له قلبها فقالت بابتسامة: مفيش تعب ولا حاجة ياأستاذ أدهم. دي حاجة بعملها وانا قاعدة في مكاني والجنينة هنا تجنن، هتديني باور جامد.
قال خالد بمرح: نفسي أعرف سر الجنينة دي اللي كل شوية حد يتسلل من وسطنا ويروح يقعد فيها. من شوية صفية ودلوقتي ماما وخالتي.

قالت صفية: جمال الطبيعة ياأستاذ خالد، جنة ربنا علي الأرض. قد ايه بتكون مريحة للنفس ومهدئة للأعصاب. ومثيرة للتفكير الإيجابي والإبداع أكيد.
كجمالك صغيرتي.
فكر خالد قبل أن يقول بمرح: خلاص يبقي ننقل شغلنا للجنينة هنا.
قال أدهم: والله فكرة.
ضحك الجميع ينظرون إلى بعضهم البعض وقد عمت الفرحة قلوبهم ليدرك كل فرد فيهم ان أيام الحزن قد ولت وأن السعادة باقية لاريب.

قبل يد والدته مودعا، ثم اتجه إلى الباب تصحبه دعواتها. خرجت وردة من الحجرة توقفه قائلة: سي عادل متنساش تاجي بدري، انت وعدتني تخرجني الليلة. أني بفكرك أهو.
قال عادل بابتسامة باهتة: منسيتش ياوردة وعامل حسابي. سلام.
غادر المنزل بينما استدارت وردة تنوي العودة إلى حجرتها حين وصلها صوت حماتها الهامس بحنق: شايفة البت لا صبحت ولا حتى عبرتني بكلمة لأ وكل اللي يهمها الدلع الماسخ والخروج.

استدارت تواجهها قائلة: بتجولي حاجة يامرت عمي؟
نهضت نجية تقول بحدة: آه يااختي بقول. ومقولش ليه ماانا فاض بيا، الواد في النازل وكل يوم ياضنايا بشوفه قدامي حاله يصعب علي الكافر، البسمة اللي كانت مبتفارقش وشه راحت وبقيت أشوف لها طيف باهت ملوش طعم. وانت ولا همك غير نفسك وخروجك كل يوم والتاني، بدل يااختي ماتتهبلي علي الفسح ماتتهبلي علي حتة ضنا يفرحني ويفرح الغلبان ده.

أطلقت وردة ضحكة ساخرة اتسعت لها عينا نجية باستنكار قبل ان تقول وردة: ولدك في النازل عشان عرف آخرتها يامرت عمي، الضنا اللي عتموتي عليه معيجيش الدنيا دي واصل. خابرة ليه؟
طالعتها بحيرة بينما تقول: عشان العيب في ولدك. ولدك مش عيجيب عيال واصل.
لتضحك مجددا بينما تتسع عينا نجية في صدمة.

تأملت هذا البساط الطبيعي الأخضر المليء بالآزهار الجميلة مختلفة الألوان. تغمض عيناها لتسمع زقزقة العصافير فتطرب لألحانها التي امتزج صوتها العذب بصوت خرير المياه في هذه النافورة القريبة، فتحت عيناها تنظر إلى السماء التي غابت غيومها وسطعت بها أشعة الشمس لتلون السماء بألوان الطيف فتبعث في الروح بارقة أمل ونشاط. أخذت نفسا عميقا ثم ابتسمت بارتياح وهي تمسك دفتر رسوماتها وتبدأ في رسم التصاميم المطلوبة منها بقلب مفعم بالسعادة، فكانت خطوطها تعكس هذه السعادة في قلبها. ليتردد هذا الصوت في قلبها ويمتد صداه إلى عقلها.

طريق طويل سأمشيه وسأحمل معي أماني الغالية
لن أخشى مستقبل مجهول ولن أستسلم لحياة بالية
ولن أرضخ لكلمات تقيدنى. سأحطم كل القيود وأتسلق الأسوار العالية
سأعبر حدود الخوف. سأمحى ظلمة الأيام والمشاعر الخالية
سأترك كل شئ ورائى. ضعفي. خضوعي. عثراتي. ودموعي الجارية
سأكون أنا. هذه المرأة القوية التي لن يكسرها رجل ولن يوهموها بأنها لا تستحق فرصة ثانية
فالحياة أمامى تفتح لي ذراعيها تستقبلنى بإبتسامة حانية.

أرى الطريق أمامى مشمسا. تنيره أشعة الأمل ويقينى بربى ودعوات أحبتي الباقية
سأسعى لأحقق في دنياي سعادتي. سأضخها في شرايينى وأجعلها في دمائي سارية
فالحياة أقصر من أن نعيشها في كمد. وجميعنا ندرك أنها فانية.
بتقولي ايه يابت انت؟

اللي سمعتيه يامرت عمي، كنت عاوزاني آروح لداكتور لما ماحملتش الشهر اللي فات وزنيتي علي جوزي عشان ياخدني وأتاريكي زنيتي علي خراب عشك. الداكتور ملجاش فيا أيوتها عيب، وجتها طلبت منه يعمل تحاليل لجوزي، اشمعني يعني آني اللي أعمل التحاليل لوحدي. واللي عملت حسابه لجيته، بصة واحدة في التجارير وجابها لعادل علي بلاطة. حيواناتك المنوية ضعيفة ومشوهة وعشان إكده ضرتي كانت دايما بتسجط جبل مايعدي شهرين علي حملها. ونصحه ميحاولش يجيب عيال لإنهم لو حتى كملوا وده احتمال بعيد هينزلوا مشوهين او عندهم تخلف عجلي.

جلست نجية بصدمة لا تقوي علي الحراك بينما تخصرت وردة قائلة: سبحان الله. كني جلبي كان حاسس ومكنتش راضية أجيب منه عيال دلوك وعشان إكده كنت باخد حبوب منع الحمل. كنت ناوية أأجل وجع الراس هبابة. أصلي مبحبش العيال ولا رايداهم. مش عايزة أبهدل روحي لأجل ولد ملوش عازة ولا عينفعني لما يكبر. أهي جت من عند ربنا. فياريت يامرت عمي تكوني ارتاحتي وعرفتي ولدك في النازل ليه وتبطلي تزني ع العيال. أني عارفة كنت عاوزاهم ليه؟

اتجهت وردة إلى حجرتها بينما تابعتها حماتها بعينيها بكره تقول: كسرتي نفس الواد ياحزينة. منك لله ياوردة. الله يلعن اليوم اللي فكرت فيه أطلقه من هند وأجوزهولك. طمعي في مال أبوكي وغيرتي من حب ابني ليها عموني ودي النتيجة. بدلتي الدهب بالفالسو ومبقاش ينفع الندم يانجية.

الفصل العاشر

طرق علي باب حجرتها في دار الأزياء فلم تأذن له بالدخول بصوتها العذب كعادتها، تناهي إلى مسامعه صوت أغنية تقول كلماتها.
لو حد شافه يقوله بلاش
يقرب منى أحسنله
ويلحق نفسه قبل مايجى وأقسى عليه
ولو ع الحب راح ومجاش
ولو قدامى هيبانله
هيسمع منى كل كلام يبكى عينيه
استقويت لو مات قدام عينيا
عمره مايصعب عليا
والله ده فيه حلال
استغنيت مبقاش يلزمنى تانى
بقى سيرة مضحكانى
بقى صفر على الشمال.

فتح الباب ودلف إلى الحجرة فرآها تجلس علي كرسي قبالة هذه النافذة الكبيرة التي تطل علي الخارج شاردة علي مايبدو في ذكريات ماضيها يري دموعها الغالية تتساقط في صمت.
لو مد إيده بأى سلام
هترجع فاضية وأكسفها
وهوجع قلبه زى ما قلبى وجعه زمان
معدش ما بينا أى كلام
دى حاجة ياريته يعرفها
بلاش لو صدفة يجمع بينا أى مكان
استقويت لو مات قدام عينيا
عمره مايصعب عليا
والله ده فيه حلال
استغنيت مبقاش يلزمنى تانى
بقى سيرة مضحكانى.

بقى صفر على الشمال
انتبهت لوجوده فمسحت دموعها بسرعة وهي تمد يدها لهذا الجهاز جوارها تغلقه بينما كان يقترب منها قائلا: لسة بتفكري فيه؟ لسة واجعك جرحه؟
طالعته للحظة قبل أن تطرق برأسها قائلة: وهيفضل واجعني العمر كله.
عشان بتحبيه؟
رفعت وجهها إليه فظهر القهر في مقلتيها امتزج بمرارة وهي تقول: مخلاش حب في قلبي ليه بعد اللي عمله فيا. بقيت لما افتكر الماضي بحس في قلبي بالوجع وبس. بخنقة وكأن ايد بتعصره. تعرف. أوقات بحس ان الحب جوايا اتحول لكره. كره شديد لو طاله هيحرقه.
جلس أمامها قائلا: الكره هو الوجه الآخر للحب زي مابيقولوا، طول ماجواك مشاعر ليه يبقي لسة بتحبيه.

نهضت تقول بعصبية امتزجت بمرارة: بحبه؟ بعد كل اللي شفته علي ايديه؟ أنا ضحيت بكل حاجة عشانه. راحتي. أحلامي. فلوسي. واستحملت كلام والدته وأفعالها اللي كانت بتدوس علي كرامتي بكل قسوة. أنا كنت عبدة ليه وراضية وفي الآخر ظلمني رغم اني اترجيته ميظلمنيش ومع ذلك اتخلي عني وأنا في أمس الحاجة ليه. بعتلي ورقة طلاقي زي الجبان ومسألش وأنا في حالتي دي ممكن يجرالي إيه. عايزني ازاي أفضل أحبه بعد ماأذاني بالشكل ده؟

نهض بدوره قائلا: يوم ماتبقي ذكراه مش فارقة معاك، يوم ماتقدري تقولي اسمه من غير ماتوجعك حروفه، يوم ماحد يجيب سيرته وتحسي انهم بيتكلموا عن حد متعرفيهوش هو ده اليوم اللي هتكوني فيه بطلتي تحبيه بجد. الحب اللي اتزرع جوانا سنين صعب ننساه، بيبقي زي الوشم اللي طلوعه بيبقي بالدم ومحتاج وقت عشان الجلد يرجع لطبيعته. انت بس محتاجة وقت عشان تنسيه بجد. ومحتاجة انك تشغلي نفسك عن التفكير وتكوني موجودة بين الناس اللي بيحبوكي دايما. لان أقل لحظة تكوني فيها لوحدك هتفكري وغصب عنك هتفتكري ذكريات كان فيها منور حياتك وانطفت بعد الغياب.

هذه المرارة بصوته أخبرتها أنه يتحدث عن زوجته الراحلة بكل تأكيد، لتقول بهمس: انت لسة واجعك فراقها بعد السنين دي كلها؟
انتبه أنه يتحدث عن نفسه في هذه اللحظة، كاد أن يتهرب من الموضوع، يدع حديثا يؤلم القلب جانبا ولكنه وجد نفسه يقول نفس كلماتها: وهيفضل واجعني العمر كله.

ليرفع سبابته أمامها قائلا: بس خدي بالك، وضعي أنا مختلف. مراتي الله يرحمها عمرها ماجرحتني ولا غدرت بيا بالعكس، يمكن ربنا ماأكرمنيش بوجودها في حياتي مدة كبيرة، هم 3 سنين بس ذكرياتي الحلوة معاها فيهم تكفيني عمر بحاله. عمر الغدار ماهيعامله القلب زي الوفي ياهند.
قال اسمها مجردا لأول مرة فاختلجت نبضاتها بشكل عجزت عن تفسيره، لتفق من أفكارها علي صوته وهو يقول: هو احنا ليه اتنقلنا من وجع قلبك لوجع قلبي؟

ابتسمت قائلة: سيبك من الوجع كله وقولي كنت جاي ليه؟
ابتسم بدوره قائلا: كنت جاي أطمن عليكي وأشرب معاكي فنجال قهوة. بلاش. ألف وأرجع؟
ذهبت إلى مكتبها وهي تقول: لأ ترجع إيه!
مالت تضغط ذر جانبي علي سطح مكتبها مردفة: أحلي فنجال قهوة لأشطر مدير و موزع لمنتجات ملابس الصفوة.
مش للدرجة دي.
للدرجة دي وأكتر كمان. انت ناسي اني شفت بعيني محدش قالي.

كاد أن يقول شيئا ولكن طرقات علي الباب قاطعته فسمحت هند للطارق بالدخول وما ان رأت سكرتيرتها حتى قالت: اتنين قهوة واحدة سادة لمستر أدهم والتانية مظبوط ليا من فضلك.
اومأت برأسها باحترام ثم خرجت من الحجرة فقال أدهم العاقد حاجبيه بحيرة: عرفتي منين اني بشربها سادة دي أول مرة أشربها معاكي مش كدة؟
كدة، بس شربتها امبارح في البيت مع خالد وأنا اللي عملتهالك ولما سألت دادة فوزية بتشربها ازاي قالتلي سادة.

وأنا اللي قلت قهوة دادة فوزية احلوت كدة ليه أتاريها كانت من ايديكي انت، أنا بقول نكنسل القهوة ونروح البيت تعمليلي فنجال.
ابتسمت قائلة: المرة الجاية بقي، بالحق. كنت عايزة آخد رأيك في التصاميم الجديدة قبل ماأعرضها علي خالد.
ده شرف ليا يافندم اني أكون أول واحد يشوف تصميمات الديزاينر الأولي في مصر والوطن العربي.
طب بس بقي لأتغر وأطلب زيادة في العقد.
انت تؤمري أمر. الدار كلها بتاعتك.

للمرة التي لا تدري عددها يختلج قلبها قربه ولكنها اليوم شعرت لأول مرة بالخطر لتقول بارتباك وهي تناوله دفتر رسمها: الورق أهو بص عليه.
أمسك الدفتر يتطلع باهتمام إلى تصاميمها الراقية المختلفة وهو يقول بصوت نم عن اعجابه: ايه يابنتي الجمال ده كله؟ ابداع ورقي.
يعني أوريهم لخالد بقلب جامد؟
مش موجود في مكتبه دلوقت ومعتقدش هيرجع النهاردة علي المكتب.
عقدت حاجبيها بحيرة قائلة: ليه؟

راح يتعاقد مع شركة الأقمشة عشان يوفرلنا الخامات اللي محتاجينها وصفية راحت معاه عشان تظبط الألوان اللي اختارتوها.
هزت رأسها فناولها الدفتر قائلا: بما انك كدة فاضية بقية اليوم، ايه رأيك بعد مانشرب القهوة تيجي معايا نستقبل نفين بنتي في المطار، هتفرح قوي لما تشوفك. أنا كلمتها كتير عنك.
عني أنا! ليه؟
قال بارتباك: عشان. آه. نفين نفسها لما تكبر تبقي ديزاينر وملقتش أحسن منك يكون بالنسبة لها قدوة.
بتبالغ بجد.

مال يطالع مقلتيها الدخانيتين قائلا: لو شفتي نفسك بعيونا عمرك ماهتقولي ان احنا بنبالغ في وصفك، انت مش بس فنانة مبدعة. انت ملاك ماشي علي الأرض.
لم تعد اختلاجة قلب بل صار سباق في الخفقات، تتسارع كتسارع خفقات رائد فضاء في صاروخ يتجه نحو الأرض لتسحب أنفاسها كلية وهي تطالعه بعيون عجزت عن الاشاحة بناظريها ليقطع تواصل الأعين فقط وصول السكرتيرة تحمل قهوتهما.

كانت تقول في سعادة: انا مش مصدقة ان احنا خلصنا وجبنا كل اللي احنا عايزينه في يوم واحد. الأقمشة والاكسسوارات.
ابتسم يطالع سعادتها وحيويتها بقلب عجز عن التفكير في سواها. يصرخ معلنا عشقها يردد قلبه بحب.
أعترف حبيبتى
أن ماجذبنى إليك ليس فقط. جمالك الخلاب
إنما هي روحك الطفولية العفوية التي تسحر الألباب
تملكين بها جوارحى وكيانى القاتم المغمور بالضباب
ترفضين بها من حياتى التقهقر كلية والإنسحاب.

أخذتينى بها من عالمي البارد. معقد الشعاب
ورغم انى أعلنتها مرارا وتكرارا. ممنوع الإقتراب
إلا أن روحك الشقية الطفولية أثارت بقلبى الزلازل والإضطراب
وأجبرته على أن يفتح لتيار عشقك. كل النوافذ و الأبواب
قد يبدو أبسط شئ تفعلينه لغيرى عادي لا يثير الإعجاب
ولكنه بالنسبة إلى سحر يحدث في كيانى ثورة و إنقلاب
فلقد أصبحت أنا العاشق الذي يهواك لإنك فقط أنت. ودون أسباب.

أيتها الساحرة الطيبة. التي تنطلق بعفويتها دون حساب
تسعدنى ضحكاتك. وأبسط ما تفعلين يجبر خافقى على الإنجذاب
فأجدنى أتطلع إليك بشغف ثم أحمد ربى على خلقه إياك. رائعة. كما يقول الكتاب.
خالد ياخالد روحت فين؟
ركز علي الطريق أمامه قائلا: معاكي أهو كنت بتقولي حاجة؟

صحي النوم، كنت بقول حاجات. أولا كنت عايزة اعرف أقنعت مستر حسام ازاي يتنازل عن ربع حق الطلبية، ثانيا بقي احنا محتاجين خياطين وعمال تشطيب واوفر لوك وكوي هتجيبهم منين في الوقت القصير ده؟

ابتسم قائلا: وعدت حسام بهدايا من الكوليكشن الجديد لمراته اللي بتعشق تصاميمنا وواثقة فيها ده غير اني قلتله ان المرة دي غير وشغلنا السنة دي هيطير عقل مراته ويخليها راضية عنه كل الرضا، أما العمالة. فكنت عامل اعلان في الجريدة من أول مالاحظت انها مش هتكفي شغل كبير زي ده وفعلا اتقدم مجموعة كبيرة للشغل وفي الوقت اللي بكلمك فيه دلوقت، مجموعة من أحسن الناس اللي شغالين معانا بيفاضلوا بينهم.

قالت باعجاب: الله عليكم بقي. احلي حاجة ان الواحدة تكون شغالة مع ناس بتشتغل بضمير. بتفرق كتير علي فكرة.
ابتسم وهو يطالعها قائلا: قصدك بتشتغل بحب.
نظرته مع نبرات صوته أصابت قلبها باختلاجة نفضتها بسرعة وهي تراه يعاود النظر إلى الطريق لتقول بارتباك: هو لسة قدامنا كتير ونوصل البيت؟
نص ساعة بالكتير. زهقتي مني ولا وحشوكي اللي في البيت.

قالت بخجل: وهزهق منك ليه بس ياخالد، انا فعلا زي ماقلت وحشوني اللي في البيت. يمكن لاني عمر ماغبت عن ماما يوم بطوله من غير مااكلمها، الشغل خدني و، حاسب ياخالد.

شعر خالد بضربة قوية في جانب السيارة خاصته وألم شديد في جانبه بدوره بينما السيارة تدور بسرعة، حاول التحكم فيها بكل قوته كي لا تنقلب قبل أن ينجح بالفعل حين انفجرت السيارة التي اصطدمت بهما لتصرخ صفية برعب، قاوم خالد ألمه وهو يمسك يدها قائلا: متخافيش ياصفية انت بخير.
أفاقت علي هذا الألم بنبراته فقالت بخوف: سيبك مني وقولي انت كويس؟
تحامل علي نفسه قائلا: هبقي كويس.

شملت جسده بنظرة فرأت قميصه مضرج بالدماء من جانبه الأيسر لتقول بهلع: انت مجروح.
قلتلك هكون بخير. سامعة الاسعاف. أكيد حد شاف الحادثة واتصل بيهم. متقلقيش.
ازاي مقلقش. انت الاخ اللي لقيته ومش مستعدة أخسره.
ابتسم بوهن قائلا: بس انت مش اختي ولا عمرك هتكوني.
عقدت حاجبيها بحيرة فأردف قائلا بصوت متقطع: انت. حبيبتي. ياصفية.

ليغلق أهدابه وقد أغشي عليه بينما تجمدت هي من الصدمة. يحبها. نعم. لقد اعترف لها للتو. وماذا عنها؟ اختلاجة قلبها تخبرها بأنها، لا. لا يمكن. ولكن مهلا. لماذا أغمض عيناه؟ هل رحل عنها بدوره؟ هل ستفقده كما فقدت محمد من قبل؟ شعرت بأنفاسها تضيق وروحها تسحب منها لتمد يديها وتلمس وجهه بلهفة تربت علي وجنتيه قائلة: لأ. متسيبنيش ياخالد. فوق وكلمني. اصحي أبوس ايديك. انا مش حمل فراق تاني. المرة دي هموت بجد. خالد. فوق ياخالد. خااااالد.

كان يطالعها باعجاب وهي تشاهد مع صغيرته دفتر الرسم الخاص بها، تشير بأناملها الرقيقة إلى بعض التفاصيل التي جذبت انتباه نفين.

أحبتها صغيرته من أول لحظة ومن قد لا يفعل وهي آية في الجمال من الداخل والخارج، تشبه روحها كثيرا روح زوجته الراحلة حتى يخيل إليه أنهم ملائكة بعثهن الله في الأرض ليسعد بهن خلقه، كيف لرجل مثل طليقها ان يتخلي عن امرأة كهذه؟ كيف طاوعه قلبه أن يجرحها بهذا الشكل؟ كان من الممكن أن تموت وهو لايبالي. كم من الأنذال يملئون الأرض حقا، لا يفكرون في عدالة السماء وجزاء الجور حتى يطالهم. أفاق من أفكاره علي صوت صغيرته وهي تقول: قلتلك يابابي عايزة أطلع ديزاينر وكان عندي حق. شفت الجمال.

تنهد قائلا: آه شفت.
نبرته ونظرته إليها أجبراها علي التطلع إليه بحيرة فأشاح ببصره عنها بارتباك يطالع صغيرته قائلا: بس عشان تكوني ديزاينر شاطرة لازم تدرسي كويس.
طنط هند ديزاينر شاطرة ومدرستش تصميم.
وجد نفسه يعود بعينيه إليها قائلا بنبرة حانية: طنط هند دي مفيش زيها.
ازدادت نظراتها حيرة فلم يستطع هذه المرة الاشاحة بعينيه، يود لو أومأ برأسه يجيب تساؤلات مقلتيها.
نعم أهواك. وعن الهوي أبدا لن أتوب.

سلب العشق قلبي فأشرقت شمسي بعد الغروب.
لا اري عيبا في قلب أحب. إنه مغلوب.
ومن قد يري ملاكا ولا يصير به مجذوب.
انه الحب يسلبنا الإرادة كما يسلبنا القلوب.
نسير في دربه مجبرين ونعزف عن السير في باقي الدروب.
حكمة الله قد خلق لنا من أضلعنا
حبيب ومحبوب.
يرزقنا الحب ويجتبينا بسعادته فنحمده علام الغيوب.
انتفض علي صوت نفين تقول: بس انا هكون زيها مش كدة ياطنط؟

أفاقت هند بدورها من مشاعر ثارت بالقلب فأحيته من جديد، ستنكرها خوفا ولكنها تدرك أنها مهما أنكرتها لن تستطع تجاهل خفقات القلب حين تتسارع بهذه الصورة لتجلي حلقها وهي تربت علي رأس نفين تقول لها: أكيد ياحبيبتي بس لازم عشان تنجحي بجد يكون عندك شوية حاجات بسيطة ولازم تنميها مع الوقت.
زي ايه؟
زي الموهبة ودي اكيد عندك مادام حبيتي التصميم. كمان تتعلمي الرسم عشان ترسمي أفكارك.

قال أدهم: بتهيألي مع التكنولوجيا الرقمية الموجودة دلوقتي وبرامج التصميم مبقاش المصمم محتاج لمهارة الرسم.
وجدت نفسها تنظر إليه تقاوم بصعوبة الغرق في مقلتيه الحانيتين وهي تقول: الرسم ده متعة متقدرش تحسها مع برامج التصميم دي. مميزة لدرجة ان لو قارنتها بيهم هتخسر أكيد.
معاكي حق. مميزة فعلا.
هل يقصدها بكلماته كما بدا لها أم يهيأ لها؟ ماذا أصابهما اليوم؟ ستجن بكل تأكيد.

عادت بعينيها لنفين تقول بارتباك: لازم كمان تهتمي بالتفاصيل وتقدري تحتوي الكرو بتاعك وقت الضغط وتشجعيهم كمان ولازم متتغريش وتآمني ان العمل الجماعي يعني الخياطين ومنظمي الحدث وفنانين الماكياج والشعر. الاخراج بشكل عام هو اللي هيخرج تصميمك للنور بشكل يستحقه.
جاء النادل يرفع الأطباق عن الطاولة فطلب منه أدهم آيس كريم لثلاثتهم، بينما رن هاتف هند لتجيبه بابتسامة قائلة: صفية حبيبتي…

توقفت عن الكلام وعيونها تتسع بصدمة بينما يشحب وجهها ليعقد أدهم حاجبيه بقوة وهي تقول: انا جاية حالا.
نهضت فنهض بدوره قائلا: خير ياهند؟ الانسة صفية مالها؟
قالت بانهيار: صفية مفيهاش حاجة بس بتقولي انه خالد. عمل حادثة ونقلوه المستشفي.
استر يارب. يلا بينا.
وضع بعض المال علي الطاولة ثم اتجه ثلاثتهم إلى الخارج يركبون السيارة ليقودها أدهم بسرعة تجاه المشفي.

الفصل الحادي عشر

أنا خايفة ياهند. خايفة قوي. خالد هيعيش مش كدة. طمنيني أبوس ايديكي.
ضمتها هند بين أحضانها بقوة تقول: خالد هيعيش ياصفية. صدقيني. مش بعد مالقيته هيروح مني. ربنا أرحم من كدة. خالد هيعيش. هيعيش.

وكأنها تطمئن نفسها بهذه الكلمات التي ظلت ترددها بصوت مرتعش هز كيانه ومزق قلبه، وجد طفلته تتمسك بيده فنظر اليها ووجدها خائفة بدورها. ضمها إلى جانبه لا يعلم كيف أحضرها إلى هنا ولكنه حقا لم يفكر حين استمع إلى الخبر لا يتخيل أن يفقد ابن عمته وصديق طفولته بهذا الشكل. لا. سيكون بخير. نعم. الله ارحم من أن يصيبهم بابتلاء كهذا. تناهي إلى مسامعه صوت شهقاتهما فطالع حبيبته بألم، يود لو فقط ضمها إليه كما ضم صغيرته فاحتوي الخوف والألم بين أضلعه بدلا منهما.

حضرت السيدة منيرة في هذه اللحظة تهرول تتبعها نبيلة حتى أصبحت أمامهم فقالت بانهيار تخاطب أدهم: خالد جراله حاجة؟ طمني ياابني.
أمسك بيدها قائلا: متقلقيش ياعمتي. خالد بخير. لسة مخرجش من العمليات بس هيكون بخير باذن الله.
جلست منيرة علي أقرب كرسي وقد عجزت قدماها عن حملها بينما تقول نبيلة بحزن: ياحبيبي ياابني. ليه يارب مكتوبلنا نقضي حياتنا في المستشفيات. أستغفرك ربي وأتوب إليك. سامحني يارب بس القلب تعب ومبقاش متحمل.

خرج الطبيب في هذه اللحظة فتعلقت العيون به ليقول كلماته باختصار يبغي بها طمأنة أهل المريض الواضح علي ملامحهم خوفهم: أستاذ خالد بخير متقلقوش. قطعة حديد كانت في جنبه خرجناها. الموضوع بسيط صدقوني ورعاية الله كانت معاه فممستش أي عضو هو بس فقد دم كتير وعوضناه بنقل الدم. حمد الله علي سلامته.
انطلقت الألسنة تحمد الله علي رحمته ولطفه وهل هناك من أرحم منه علي بني البشر.

كان ينام في سريره تحيطه عائلته التي تحمد الله علي نجاته، يبتسم لهم بوهن بينما يتحدثون عن الدقائق التي سبقت خبر نجاته وكيف مرت عليهم كدهر مرير اللحظات حين طرق الباب فسمح أدهم للطارق بالدخول. دلف الطبيب قائلا: حمد الله علي السلامة يابطل.
قال خالد: الله يسلمك.
كان يفحصه بينما يقول: الحمد لله. كله تمام. حضرة الظابط ممدوح برة محتاج ياخد أقوالك عن الواقعة. هتقدر ولا أخليه ييجي وقت تاني.

قال خالد: ملوش لازمة التأجيل خليه يدخل.
طيب من فضلكم ياجماعة تخرجوا عشان حضرة الظابط يقدر يقوم بعمله.
بدأو بالفعل الخروج من الحجرة حتى كادت صفية أن تخرج بدورها من الباب حين استوقفها الطبيب قائلا: خليكي انت ياآنسة صفية. الظابط أكيد محتاج ياخد أقوالك لانك كنت معاه في الحادثة.
نظرت صفية إلى هند التي ربتت علي كتفها قبل أن تغادر ليدخل الضابط إلى الحجرة يحييهم بعملية ثم يبدأ في إلقاء أسئلته علي مسامعهم.

كاد يخرج من الغرفة حين استوقفه صوتها وهي تناديه، استدار بوجهه فوجدها تمسك المرآة الصغيرة وتتطلع إلى وجهها تعدل من وضع شعرها قائلة: متنساش تجيب الحاجات اللي جلتلك عليها ياسي عادل، عايزة لمن نخرج النهاردة أكون كيف الجمر والكل يحسدك عليا.

طالعها بحسرة فبينما هي تهتم بنفسها وجمالها، ترغب في أن يحسده الجميع عليها. كانت هند توصله حتى الباب تمنحه قبلة ناعمة حانية تضيء يومه وتشعل حماسه للعمل، أخفي الحسرة بينما تتطلع إليه قائلة: واجف ليه إكده؟ عاوز حاجة؟
لأ معاوزش حاجة ياوردة.

خرج مغلقا الباب بينما تبتسم هي بسعادة قائلة: وبجيت عتتحدث بلهجتي ياسي عادل. ولسة راح تكون كيف الخاتم في صباعي وتبجي توريني نجية عتسوي إيه لمن نروج شجة تانية ونهملها المدعوجة دي تبجي فيها لحالها.
لتضحك بغنج بينما كان عادل يقبل يد أمه بالخارج تصحبه دعواتها فقال بتنهيدة: أيوة ياأمي ادعيلي كدة يمكن قلبي يرتاح.
مالك ياضنايا ايه اللي تاعب قلبك؟

كانت تعلم ولكنها اختارت أن تتظاهر بالجهل فالحقيقة مؤلمة وقد كانت ضلعا أساسيا فيما حدث له من ضياع.
مفيش ياحبيبتي خلي بالك من نفسك. ولو احتاجتي حاجة كلميني.

هزت رأسها بينما اتجه هو للخارج لتغرق عيناها الدموع تتساقط تباعا وهي تقول: سامحني ياابني، كنت السبب في خراب بيتك، لو كنت عرفت قيمتها كنت شلتها فوق راسي وخدمتها بعيوني لما تعبت. بس معرفتش قيمة الملايكة غير لما سكنت بيتي الشياطين. سامحني يارب الشيطان عماني وخلاني ظلمت واتجبرت وانتقامك عادل وهرضي بيه مهما كان.

تنهدت قبل ان تتجه إلى المطبخ لتقوم بمهامها اليومية تردد بحزن: الله يرحم أيامك ياهند ويرحمك لو كنت قابلت وجه كريم.
قالت صفية بحيرة: لما السواق مكانش شارب حاجة، ايه اللي خلاه يدخل بعربيته في عربية خالد بالشكل ده؟

قال الضابط: زي ماقلت لحضراتكم تقرير الطب الشرعي قال ان المرحوم كان في كامل وعيه ومفيش في دمه أي أثر لأي مخدر بس من أقوال حرمه ان دي كانت عربية الشركة اللي كان شغال فيها وقالت كمان انها كانت بتعاني من مشاكل في الصيانة والمرحوم حذرهم أكتر من مرة بس هم مااهتموش وهو مكنش معاه فلوس يصلحها لانه زوج وأب ل 3 أطفال فجازف بحياته وحياة غيره واستمر بسواقتها لحد ما قضاء ربنا نفذ ودي طبعا كانت غلطة كبيرة منه.

قال خالد بحنق: الغلطة الأكبر في شركة مهتمتش بصيانة عربياتها فبتضحي بأرواح الناس اللي واضح انهم ملهمش قيمة في نظرهم. يمكن السواق غلطان بس غلطته كان مجبر عليها عشان لقمة العيش، العيب علي اللي معاهم وبيغلطوا لطمعهم وجشعهم وقسوة قلوبهم.
وحضرتك ناوي علي ايه؟

هقاضي الشركة طبعا، والتعويض اللي هخليهم يدفعوه هديه لعيلة السواق. مش كفاية انهم فقدوا عائلهم والواضح ان الشركة مش هتعوضهم يبقي علي الأقل هخليهم ياخدوا منهم اللي يعيشهم العمر مرتاحين البال وهصرفلهم مرتب شهري كمان من حسابي الشخصي.

نهض الضابط قائلا باحترام: مش أول مرة أتعامل مع انسان محترم زيك ياأستاذ خالد بس ده المتوقع من أمة فيها الخير ليوم الدين. عن اذنكم. ده الكارت بتاعي. هسيبك ترتاح دلوقت ولما تخرج من هنا أتمني تشرفني بالزيارة ونكون أصدقاء.
الشرف ليا ياحضرة الظابط.
مد له يده قائلا: حضرة الظابط ايه بقي؟ اسمي ممدوح. ممدوح عبد السلام.

ابتسم خالد وهو يسلم عليه قبل أن يغادر الحجرة فحان من خالد نظرة إلى صفية فضبطها تطالعه بنظرة اعجاب وارتها علي الفور وهي تقول بارتباك: أنا هخرج اندهلهم.

أمسك يدها يمنعها فاضطرب جسدها بالكامل، بينما تطلع إليها قائلا بحنان: مش عايز اعتراف واحد مجنون فكر انه خلاص هيموت يخوفك. البني آدم ده افتكر انه مش هيشوف حبيبته تاني وكان عايز يعترف بمشاعره ليها ويقولها انها قدرت تملك قلبه وتسكن فيه لانها تستاهل تتحب. مكنش فاكر انه هيرجع للحياة وهيقابلها تاني وكل مايجمعها بيه مكان لوحدهم هتهرب منه.

صمت للحظة قبل أن يردف قائلا: أنا صحيح بحبك بس انت مش مجبرة تحبيني، انا كفاية عليا تكوني جنبي. قريبة مني. وقتها الكون ده كله بيبتسملي لكن لو هتبعدي وتبني بينا حواجز عشان الماضي يبقي ياريتني مت ولا…
وضعت يدها علي فمه تقول بلهفة: بعيد الشر عنك.

صمت يطالع عيناها بحيرة فرفعت كفها عن فمه قائلة بخجل: الراجل الحنين اللي زيك، اللي راح يعمل عملية خطيرة يتبرع فيها لاخته بنخاع عضمه من غير مايفكر رغم انه ميعرفهاش، اللي واخد باله من الكل وهمه بس سعادتهم، الراجل اللي لسة مسامح اللي كان هيموته لأ وهيحارب عشان يعوض أهله مستحيل ميتحبش.
يعني انت…

قاطعته قائلة: متستعجلش. أنا لسة منستش محمد، جوة قلبي ذكرياتي معاه ويمكن مقدرش عمري أنساه. بس الأكيد ان انت كمان ليك مكانة فيه ومكانة غالية. يمكن في يوم من الأيام أحس اني ممكن أكون معاك. ويمكن لأ. حقيقي مش عارفة ومش هقدر اوعدك بحاجة دلوقت. انت فاهم حاجة م اللي بقوله.

قال بحنان: فاهم ومقدر ومبسوط قوي. كفاية عليا فرصة تديهالي وأوعدك اني هقدر أوصل لقلبك وأملكه. هقدر أخليكي في يوم تشوفيني مكان محمد. علي فكرة انا مش زعلان ولا غيران. الحب قسمة ونصيب وانا متأكد إنك قسمتي.
طالعته بعيون ظللت مقلتيها ابتسامة، ليترك يدها علي الفور حين تناهي إلى مسامعه صوت خطوات تقترب قبل أن يدخل الجميع إلى الحجرة لتتراجع قليلا إلى الوراء ولكن عيونها ظلت أسيرته وستظل للأبد.

مش عايزكم تأخروا العرض. احنا علي ميعادنا. خلصوا انتوا التصميمات واعملولها الفينيش النهائي. وانا هظبط كل حاجة بالتليفون من هنا. أدهم متنساش جايلك بكرة مجموعة من الموديلز عشان العرض اختار من بينهم. عايزين وشوش جديدة ومختلفة. عشان المجموعة المرة دي مميزة بجد.
وليه مختارش بينهم أنا؟

هل ظهرت الغيرة بنبراتها حقا أم يهيأ لها؟ لا ليست تهيؤات. انهم يطالعونها الآن وكأن هناك قرونا قد نبتت لها، لتقول بارتباك: يعني. أصل أنا اكتر واحدة عارفة تصميماتي ممكن تليق علي مين من البنات، ده غير إن ادهم بكرة مش فاضي، انت مش قلتلي هتروح لمدير الفندق عشان تحجز الصالة اللي قلتلك عليها.
طالعها بغموض قائلا: فعلا انا كنت لسة هقول لخالد.

لينظر لخالد مردفا: انا كنت لسة هقولك اني مش فاضي بكرة فعلا وانك تخلي هند تشوفهم.
نقل خالد نظراته بين الاثنين قائلا: مش فاضي. طيب تمام. اللي تشوفوه.
تهربت هند من نظرات أخيها قائلة: طيب هستأذن دلوقت عشان اتأخرت علي منار، خلصت فستان السهرة الأولاني وعايزاني أشوفه. صفية هحتاجك بكرة معايا في فستان الفرح.
هزت صفية رأسها قائلة: تمام هتلاقيني من بدري بخبط عليكي عشان نروح الشغل مع بعض.

ابتسمت بارتباك وهي تقول: طيب. سلام دلوقت.
استني ياهند هوصلك وأرجع آخد صفية البيت.
ليقول لخالد: سلام ياخالد. مش هتأخر عليكم.
هز خالد برأسه فغادر ادهم لتقول صفية بحيرة: انت فاهم حاجة؟
هز رأسه ايجابا فاردفت: طب ماتفهمني.
هند بتحب.
اتسعت عيناها بدهشة فأردف قائلا: ومش هتصدقي بتحب مين؟
ازدادت عيناها اتساعا فهز رأسه بابتسامة لتقول بحيرة: معقول. من امتي؟
مش عارف بس كويس اني عرفت؟
متضايق؟

بالعكس. مكنتش هتمني لهند أحسن من أدهم والعكس طبعا.
هزت رأسها موافقة ليقول مشاكسا: وبعدين اهو كدة بعد عن سكتك ومبقتش أخاف ياخدك مني.
خالد.
قالتها باستنكار فتنهد قائلا: قلب خالد وعمره كله.
احنا اتفقنا علي ايه؟
اتفقنا أستناكي بس ده مش معناه اني معبرش عن مشاعري كل، تقريبا خمس دقايق.
لأ انت اكيد سخنت تاني وانا هروح للدكتور ييجي يطمنا عليك.

أمسك يدها يمنعها قائلا بابتسامة: خلاص ياستي بهزر. خليكي بس جنبي قبل أدهم مايرجع ويبعدك عني. حقيقي بقي يوجعني بعدك حتى لو عارف انه لساعات.
لم تسحب يدها من يده ولم تشيح بنظراتها خجلا بل اكتفت بالجلوس جواره والتطلع إليه تجذبها مقلتيه الدخانتيين تشعر بالغرق فيهما وحقا لا تبالي.

طالع باب المنزل بتردد. لا يدري ماذا يفعل وكيف قادته قدماه إلى هنا؟ هل أراد الاطمئنان عليها؟ بأي حق يفعل وقد سلبته أفعاله كل الحقوق؟ ليكن صريحا مع نفسه. لقد افتقدها حقا. افتقد دفئا غاب عنه ماان غابت عن حياته. افتقد حنانا واهتماما طواهم النسيان في نفس اللحظة التي غادرت فيها منزله. افتقدها هي. كلماتها. ابتسامتها. النوم بين ذراعيها قرير العين، كانت رقيقة مفرطة الشعور أبسط الأشياء ترضيها. عفوية دافئة لا مثيل لها. كيف نسي لها كل هذا وتمسك بأخطاء تافهة؟ ليعترف مجددا. كان أضعف من ان يتحمل مسئولية مرضها وعلاجها. وجد نفسه تشمئز من نفسه. لقد اتضح أنه قبيح من الداخل رغم وسامة المظهر. وقد عاقبه الله بحرمانه من طفل يحمل اسمه، كانت هند لتقبل عجزه دون أن تمس كرامته بينما تطأ وردة جرحه بقسوة كلما عارضها فتطأ كرامته ورجولته وللأسف يجد نفسه عاجزا عن الرد وقد أغرقه والدها بأمواله حتى صار مدينا له بالكثير، نعم صار لديه رأس مال كبير لعمله ولكنه فقد كنزه. غاليته هند. تري ان تخلي عن كل هذا. هل تقبل بعودتها إليه؟ يجب ان يتأكد اولا والا خسر كل شيء. طرق الباب بحزم.

مين اللي بيخبط؟
أطلت السيدة رقية من الباب الجانبي تطالع هذا الرجل الذي توقف أمام منزل جارتها نبيلة، ليقول عادل بهدوء: انا عادل ياست رقية.
نظرة الاحتقار بعينيها أخبرته برأيها في أفعاله بينما تقول: عارفاك ياأخويا. خير جاي ليه؟
تنحنح بحرج قائلا: احمم جاي للست نبيلة هي مش موجودة؟
آه مش موجودة. من كام شهر كدة خدت بناتها ومشيوا.
قطب جبينه قائلا: مشيوا؟ مشيوا راحوا فين؟

قالت بحدة: وانا اش دراني ياجدع انت. هو تحقيق؟ أما بجاحة صحيح؟
لتدخل منزلها وتصفع الباب في وجهه فتمني لو انشقت الأرض وابتلعته. ولكنه تمالك نفسه وجر قدمه جرا يهبط الدرج بحزن وهو يتساءل عن مكانها الآن وإلي أين رحلت هند؟ وهل قدر لهما الفراق للأبد ام قد تلتقي الوجوه مرة أخري؟ تمني لقائها وياليته لم يتمني فلو علم بمكنون قلبها الآن لتمني الموت قبل اللقاء وقد صار لا شيء بالنسبة إليها.

الفصل الثاني عشر

كان يبحث عنهما حتى رآها تتنقل بين الخياطين، تترك ملاحظاتها هنا وهناك بينما تتبعها طفلته تمسك بدفتر صغير تدون فيه بعض الكلمات، تسألها علي مايبدو شيئا فتترك مابيدها مهما كان وتميل حتى تواجه الصغيرة تجيبها بابتسامة حانية قبل ان تعود إلى محدثها. هل يمكن أن يتضخم القلب عشقا حتى تشعر به يكاد أن ينفجر مطالبا بقرب حتمي ليشبع رغبة هائلة في ان يكون حد معشوقه لتشعر أنت بأنك تتنفس الهواء الذي يتنفسه الحبيب فترتاح خفقات القلب. هذا ماشعر به أدهم لينساق وراء رغبته ويقترب منها يقف خلفها تماما فأبصرته نفين أولا تقول في سعادة: بابي.

استدارت هند بسرعة مما أربك خطواتها فكادت تسقط إلى الخلف ليمسكها بيديه قبل ان تفعل وجدت نفسها تتطلع إلى مقلتيه فقط تقرأ كلمات سطرت بهما فأعجزتها عن التحية حتي. تنهل من هذه المشاعر التي أطلت من نظراته فتحول عالمها إلى اللون الوردي حتى كادت أن تري الفراشات من حولها لتستفيق علي صوت الصغيرة تقول: بطل يابابي عشان مخليتش طنط هند تقع.

استقامت هند علي الفور فترك ذراعيها وهو يمرر يده في شعره باضطراب يطالعها وجهها الذي احمر خجلا وقد كاد في غمرة مشاعره أن يتبع رغبات قلبه حتى النهاية ويميل مقبلا ثغرها لترتاح خفقاته التي تسارعت تطالب بارتواء للمشاعر وهل هناك ارتواء أكثر من تلاحم ثغرين عاشقين ينهلان من الحب قدر استطاعتهما فيشعران باتحاد الروح قبل الجسد.
جلس علي ركبتيه يواجه طفلته قائلا: مش كفاية كدة يانفين؟ أكيد تعبتي طنط هند، انت طول اليوم معاها.
ولا تعب ولا حاجة. نيفين منوراني ومفرحاني بوجودها معايا.
رفع عيونه إليها فوجدها تطالع الصغيرة بحب بينما قالت نفين: شفت يابابي أهي قالتلك اني منوراها.
ابتسم يداعب غرتها وهو يقول: خلاص ياستي ربنا يهنيكم ببعض، ممكن طيب أعزمكم علي العشا؟ أنا جعت قوي يانفين.
لينهض قائلا: ايه رأيك ياهند؟

ظهر التردد علي وجه هند وهي تقول: الحقيقة لسة ورايا شغل كتير و…
قاطعها وهو يتطلع إلى عينيها بنظرته التي تربكها قائلا: الشغل مبيخلصش وانت لازم ترتاحي عشان تقدري تكملي وبعدين ياستي قلتلك جعان. ولو مأكلتش معاكم مش هاكل وهموت من الجوع.
أمسكت نفين بجانب فستان هند قائلة: بليز وافقي ياطنط، أنا كمان جعت. وعايزة آكل شيش طاووق.
ابتسمت هند قائلة: تكرم عيونك ياقمر.
مد أدهم يده إلى نفين قائلا: يلا بينا.

أمسكت الطفلة يده بينما مد يده الأخري لهند فترددت للحظة قبل أن تتأبط ذراعه، تشعر بكل العيون ترمقهم وهم يغادرون، يحسدونها بالتأكيد علي صحبته واهتمامه، بينما كان يفكر أدهم بنفس الشيء، يدرك بكل يقين أنهم يحسدونه عليها ومن منهم لايتمني صحبة فتاة بهذا الجمال وتلك الطيبة والموهبة؟

دي آخر ورقة هتمضيها عشان نبعتها للشركة ونجيب الاكسسوارات اللي نقصتنا.
ذيلها خالد بتوقيعه قبل أن يمنحها لصفية التي وضعتها مع باقي الأوراق قائلة: تمام كدة. هبعتهم علطول.
كادت ان تغادر فأمسك يدها يمنعها من مغادرة حجرته فطالعته بحيرة ليقول بحنان آسف: معلش تاعبك معايا ياصفية. انا بقيت كويس بس الدكتور اللي مصمم منزلش الشغل دلوقت.
ابتسمت قائلة: صدقني مفيش أي تعب.

ثم سارت باتجاه الباب يتابعها بحب لتتوقف فجأة وتستدير تتطلع إليه قائلة: عارف أكتر حاجة بحبها فيك إيه؟ احساسك ده.

قالت كلماتها واستدارت مغادرة بسرعة لينظر بإثرها في عدم تصديق. هل اعترفت أنها تحبه للتو؟ نعم كلماتها لا تحمل معني آخر. انها تحبه. اليوم هو أسعد أيام حياته، سينتظر صعود والدته إليه يحجرته وسيطلب منها أن تتحدث مع الخالة نبيلة في امر زواجه من صفية وسيكون حفل الزفاف في أقرب وقت. فقط سينتهون من عرض الأزياء ثم يعقد قرانه عليها دون تأخير.

كانا يبتسمان بينما يشاهدان نفين تلعب مع الأطفال في ملعب هذا المطعم الشهير والذي أصر أدهم ان يصطحبهما إليه، رفعت هند كوب العصير إلى ثغرها ترتشف منه حين سمعت أدهم يقول بحزم: تتجوزيني؟
شرقت فأسرع يمنحها بعض المياه فشربت القليل وهي تطالعه بصدمة بينما ظهر القلق علي وجهه قائلا: أنا آسف. معلش. غصب عني فاجئتك. بس والله لقيت الكلمة علي لساني فمقدرتش أحوشها.
يعني انت مش قاصدها؟

لأ طبعا عايز أتجوزك بجد بس الحقيقة كنت مأجل عرضي لحد ماأتأكد من مشاعرك. كنت حابب أديكي فرصة انت كمان تتأكدي من مشاعرك وتشوفي لو حابة تكملي حياتك معايا. لكن في اللحظة دي واحنا متجمعين كعيلة اتمنيت نفضل كدة فلقيتني بعرض عليكي قلبي وحياتي وبنتي واسمي وبتمني تقبلي وتحققي أمنيتي.
أدهم انت فعلا فاجئتني بطلبك بس لازم تعرف اني مبخلفش، يادوب شهر وبجهض وده ملوش سبب ولا علاج.

عارف وميهمنيش صحيح كان نفسي يكون ليا طفل منك بس دي ارادة ربنا وراضي بيها، انت كفاية قوي عليا. وجودك جنبي انت ونفين بالدنيا دي كلها.

وجدت نفسها تقارن بينه وبين عادل في هذه اللحظة لتشعر بمرارة شديدة في الحلق جعلتها تطرق برأسها لثوان قبل أن ترفع رأسها إليه تطالعه قائلة: انت قلتلي اني طول مابكره عادل وبيخطر في بالي يبقي لسة منستوش. طول ماذكراه بتوجع قلبي يبقي لسة في حياتي ودلوقت غصب عني قارنت بينكوا انتوا الاتنين ورغم ان مفيش اصلا وجه مقارنة لكن وجع قلبي ومرارة جرحه أكدولي اني لسة منسيتهوش. هتزعل لو طلبت منك وقت كمان. مش عشان اوافق عليك لاني موافقة طبعا ودي مفيهاش مجال للشك لكن الوقت ده عشان اتأكد اني حقيقي نسيته وقادرة افتح صفحة جديدة من غير أي ماضي يعكنن علينا فرحتنا.

مد يده يمسك يدها قائلا: صراحتك ووضوحك بيأكدولي حاجة واحدة. ان قلبي عرف يختار. مستعد أديلك الوقت اللي محتاجاه ولو هستناكي العمر كله، قلتلك كفاية عليا أكون جنبك وتكوني جنبي ياهند.
طالعته بنظرة حب جعلته يوقن أنه لن ينتظر كثيرا حتى يحصل علي موافقتها النهائية، بضعة أشهر أو أسابيع وربما، أيام.

وقفت العارضات مصطفين علي المسرح بينما تقدم أدهم يصطحب هند ثم بعدهما خالد يمشي مصطحبا العارضة الأولي والتي لم تكن سوي صفية التي أصرت هند علي ان ترتدي هي ثوب الزفاف دون غيرها لتكون الليلة احتفالا علي صعيدهم المهني والشخصي فهي ليلة العرض وليلة زفاف العروسين خالد وصفية. صفق الحضور بقوة ليبتسم الجميع بسعادة وقد لاقي العرض استحسان الجمهور الكبير الذي لبي الدعوة احتفالا بدار أزياء متميزة كالصفوة وحضور حفل زفاف أحد ملاكها. ليرفع خالد أنامل صفية ويقبلها أمام الجميع قبل أن يحملها ويدور بها رغم رفضها وخشيتها علي جرحه ولكنه طمأنها بكلمة أحبك التي صرخ بها فهلل الجميع، مال أدهم علي أذن هند قائلا: كان نفسي أعمل زي خالد بس معلش ملحوقة ياقمر.

ابتسمت هند بخجل ثم طالعت أخاها وزوجته وسعادتهما الواضحة علي وجهيهما لتوقن من أن الله ان أصاب عبدا بابتلاء فله حكمة فإن ارتضي العبد وحمد الله جزاه الله خير الجزاء ومنحه أكثر مايتمني.

إيه ده؟ أنا صاحية ولا نايمة؟ مش دي هند ولا أنا بتهيألي؟ آه والله هي؟ ايه الجمال ده كله والشياكة دي كلها؟ طالعة في التلفزيون ياهند. بتقولوا ايه؟ هي اللي مصممة كل الفساتين دي؟ والله ولعبت معاكي يابنت محاسن. طب جت ازاي دي؟ شكلك كمان مش تعبانة وشعرك رجع احلي من الأول وحلاكي بزيادة. يكونش غلطوا وبعتولك تحاليل واحدة تانية زي اللي بنشوفه في الافلام؟ آه ياضنايا لو شفتها دلوقتي. هتتحسر علي نفسك أكتر مابتتحسر.

هند مين دي كماني اللي يشوفها ياولية انت، جنيتي إياك؟
انتفضت نجية علي صوت وردة الحانق فقالت باضطراب: يوه. خضتيني ياوردة؟ ده انا كنت بتفرج علي التلفزيون، بيقولوا هند طليقة عادل هي اللي معمول لها الهليلة الكبيرة دي النهاردة فكنت بكلم نفسي. محصلش حاجة يعني؟

اتسعت عينا وردة باستنكار وهي تطالع هند في التلفاز وهم يجرون معها حديثا لتقول بغل: وه. وه ايه اللي جاب النيلة دي اهنه، هي مش كانت عتموت وبتطالع في الروح؟
يحيي العظام وهي رميم.
اجفلي الهباب ده جبل ماياجي عادل بدل ماأكسره بيدي.
قفلته أهو. ايه غيرانة من ضرتك ياوردة؟
قالت باستنكار: آني اغير من البت الماسخة دي. وبعدين دي مبجتش ضرتي ولا نسيتي اني جوزي طلجها جبل مايتجوزني.

لأ منسيتش بس انت عارفة طلقها ليه ومش بعيد لو شافها كدة يروح يطلبها للجواز تاني.
هتمي يومك ياولية وتبطلي تحرجي في دمي ولا أخربها عليكي وأرتاح منيكي عاد؟
عقدت نجية حاجبيها قائلة: قصدك ايه؟
تخصرت وردة قائلة: هجول لجوزي علي عمايل أمه اللي خربت عليه جبل سابج واللي جلتيها لأبوي عشان تثبتيله انك كنت رايداني آني وعملتي المستحيل عشان عادل ياخدني.

شحب وجه نجية بينما تعدد وردة علي أصابعها مردفة: هجوله انك كنت بتحطي لهند برشام يسجطها لمن بتعرفي انها حامل ومكنتيش تعرفي انه إكده إكده هينزل ياحزينة. وهجوله انك كنت بتسممي ودانه بكلام محصلش عنيها وكنتي بتسممي بدنها هي كماني في الراحة والجاية ومكنتش بترد عليكي وانها كانت عتطفح الدم في شغل البيت حتى وهي مرضانة وكنتي بتجوليله انها جاعدة هانم وفايتاكي تشتغلي وحديكي مش اكده؟

لأ ياوردة أبوس ايديكي متقوليلوش حاجة. ياهابلة هيرجع ليها ويسيبك.
ميجدرش. أبوي ماسكه من يده اللي عتوجعه و بعدين حد جالك انه حتى لو عملها هترضي بعد مافاتها وهي مرضانة؟

فتح الباب في هذه اللحظة وأطل منها عادل يطالعهما بوجه مصدوم. شهقت وردة بينما جلست نجية علي اقرب كرسي وقد عجزت قدماها عن احتمالها، اقترب منهما عادل يقول بألم: قد كدة انا رخيص عندكم ومليش قيمة؟ قد كدة قلبي بالنسبة لكم ولا حاجة تجرحوه وتعذبوه ولا يهمكم غير نفسكم واحلامكم وبس. مش غلطتكم. دي غلطتي. أنا اللي سمعت كلامك ياامي ومشيت وراه فضيعت اللي كانت فعلا مهتمة بقلبي وخايفة عليه وانا اللي استسلمت للطمع فاديت لواحدة زيك اسمي ياوردة وخدته منها هي. الوحيدة اللي حبيتني بجد. كان لازم ده يكون جزائي. كان لازم دي تكون النهاية.

سي عادل آني…
إخرسي. مسمعش صوتك تاني. انت طالق ياوردة طالق.
اتسعت عيناها في صدمة بينما أرسل عادل لوالدته نظرة جمعت بين الألم والحسرة وخيبة الأمل قبل أن يغادر المكان بسرعة وكأن الشياطين تطارده.

توقف فجأة وهو يري صورتها علي شاشة التلفاز تبتسم بعفويتها التي لا حد لها، شعر بأنه يشعر بالبرد فدثرته ابتسامتها بدفء تاق له، كيف أصبحت هكذا؟ هل زاد جمالها في الفراق؟ هل صارت أفضل؟ بكل تأكيد بينما هو قد آل حاله إلى الضياع. وجد هذا الرجل الذي يبدو كممثلين السينما يقف جوارها، يبتسم هامسا في اذنها ببضع كلمات فابتسمت بدورها في خجل، قبض يده بقوة. يعرفها جيدا ليوقن انها تحمل لهذا الرجل بعض المشاعر، اتجه بغضب إلى تلفاز المقهي وحمله ثم طرقه ارضا بقوة فتحطم، أمسكه صاحب المقهي ينوي الفتك به فتجمع بعض زوار المقهي يحولون بين صاحب المقهي وعادل، يحكمون عليه بدفع المال كتعويض له عن التلفاز فوضع يده بجيبه واخرج رزمة من المال ألقاها إلى صاحب المقهي ثم رحل ليضرب الرجل كف علي كف يدرك انه مجنون ليدفع ثلاثة أضعاف ثمن التلفاز ويرحل هكذا بينما كان عادل يمشي في الشارع وكلمات أغنية قريبة تتهادي إليه. تجعل الدموع تتساقط علي وجنتيه كشلال من المطر الذي لا ينضب.

يا وجع القلب
يا دنيا واخدة مني كتير
وسايبالي جرح وجعه كبير
أشوف وشك خلاص علي خير
يا فرحة في قلبي مكسورة
يا حلم حلمته ومطولتوش
كلام جوايا منطقتوش
يا بر أمان وموصلتوش
حياتي ع الهم مجبورة
وزيد ع الهم هم كمان
وع الدمعه بحور أحزان
أنا فيا معادش مكان
يتحمل فراق غاليين
يا وجع القلب ملازمني
وقاطم ضهري وكاسرني
في مين في الحزن يقاسمني
يشيل عني اللي حاسس بيه
يا واخد مني أغلي الناس
وكاسر فيا أنا الإحساس
هموم الدنيا لو تتقاس.

هتبقي أقل من اللي أنا فيه
يا وجع القلب إيه مالك
مفيش غيري يعني قدامك
عليا حلفت حلفانك
ماشوفش الراحة لو ليومين.

الفصل الثالث عشر والأخير

جلس جوارها بعد أن أزال تاج رأسها وبضعة دبابيس فسقط شعرها البني الناعم علي ظهرها، كانت تقبض يدها بقوة فأدرك خوفها واضطرابها، مد يديه يمسك يديها فنظرت إليه. ابتسم يتطلع إلى بندقيتيها قائلا: متخافيش لو محتاجة وقت كمان أنا مستعد أديهولك.
سحبت يدها من يديه وهي تنهض وتمشي قليلا قائلة: حقيقي مش عارفة مالي. أنا آسفة متزعلش مني.

نهض يقترب منها يحيطها بذراعيه فأسندت ظهرها إلى صدره بينما يقول: أنا مش ممكن أزعل منك أبدا، وبعدين ده شيء طبيعي لأي بنت في ليلة فرحها تبقي عاملة زيك بالظبط، بكرة الخوف والخجل والقلق ده كله يروح وتيجي تقوليلي انت مش هتبوسني بقي ياخالد مبقتش قادرة أتحمل.
استدارت تقول له باستنكار خجول: خالد.
تأمل عيناها الجميلتين بحب قائلا: قلب خالد وعمره كله.

أطرقت برأسها خجلا فقال بابتسامة حانية: ايه رأيك نرقص سلو علي الاغنية اللي بتحبيها وأهو احنا ياستي لوحدينا ومفيش ناس تنكسفي منهم؟
هزت رأسها فاتسعت ابتسامته وهو يتجه لجهاز الاستريو الحديث ينتقي الأغنية باستخدام الريموت كونترول لتنساب الكلمات بنعومة. أمسك يدها بيد وأحاط خصرها بيد بينما يقول المطرب.
قل حبيبي إنك معايا وجنب مني
دي الحقيقة ولا حلم وطال شوية
والكلام الحلو ده بتقوله عني.

يعني فعلا دنيتي رضيت عليا
وعد مني تعيش معايا سنين معشتش زيهم
أحلامك اللي حلمتهم
انسى الحياة والدنيا دي وتعالى نهرب منهم
ما بقتش عايز ناس خلاص جالي اللي بيهم كلهم
يا اللي سايب لي روحك ومأمني
اللي فاتك من الحياة هتعيشه بي
وفي عيونك ألف حاجة مفرحني
والحياة بتزيد جمال لو بصوا لي.

وجدها تضع رأسها علي صدره فشعر بخفقاته تثور، تهتف باسمها مابين الخفقة والأخري. مال يقبل رأسها وينثر قبلات خفيفة علي جانب الوجه فوجدها مستسلمة تماما لقبلاته تغمض عيناها الجميلتين، ليرفع وجه وينثر قبلاته علي جانب وجهها من الجهة الأخري، انفرج ثغرها قليلا فوجد نفسه يميل ويخطف أنفاسها في قبلة تقبلتها في البداية بخجل ثم شاركته اياها، وضع جبهته علي جبهتها وقد ضاعت الأنفاس في هذه القبلة وكادت تزهق الأرواح عشقا. همس بصوت مفعم بالمشاعر: لو حسيتي اني لازم أوقف. وقفيني.

اكتفت بهزة سريعة من رأسها فمال يقبلها وهو ينتظر منها كلمة توقفه عن اجتياح مشاعره لمشاعرها ولكن هل يمكن لأحد أن يوقف طوفان العشق؟

بتقولي مين اللي طالب يشوفني؟
أستاذ عادل الهواري يامدام هند.
كادت أن ترفض وتطلب منها أن تصرفه بعيدا ولكنها وجدت نفسها تقول بهدوء: خليه يتفضل.
خرجت السكرتيرة ودلف هو، وجدت نفسها تطالعه ببرود وهو يتقدم تجاهها يطالعها بنظرة اشتياق وحنين وتوق، وما ان توقف أمام مكتبها حتى همس باسمها قائلا: هند.
آفندم. أي خدمة؟
هند. أنا عادل.

مال فمها بسخرية قطرت من أحرفها وهي تقول: آه ما انا عارفة. خير. ايه سبب الزيارة دي؟
قطب جبينه قائلا: جاي أشوفك وأطمن عليك.
أنا كويسة. حاجة تانية؟
ايه البرود ده؟ انت مش ممكن تكوني هند اللي كنت بس أقف قدامها أحس بالدفا.

نهضت قائلة بابتسامة باردة: انت أكيد بتهزر مش كدة؟ بص. أنا مش هقلب في اللي فات ولا هسألك كل الأسئلة الكتيرة اللي كانت دايما في بالي ومبلاقيش ليها جواب. تعرف ليه؟ لإن مفيش مبرر في الدنيا يقدر يقنعني باللي عملته فيا ولا فيه حاجة ممكن تغفرلك. فالأحسن تمشي من هنا ياعادل ومتورنيش وشك تاني.

بس انا مكنتش هقدم مبررات أنا معترف اني غلط وغلطي كان كبير وملوش مبرر بس انا طمعان في كرمك وطيبة قلبك. طمعان في غفرانك.
كرمي وطيبة قلبي وغفراني بديهم للي يستاهلهم. لكن انت متستاهلش.
هند أنا…
قاطعه طرقات علي الباب ثم دلوف أدهم بابتسامة جذابة بادلته إياها هند. فقال: ممكن ادخل ولا مشغولة؟
قالت بترحاب: مقدرش أنشغل عنك. تعالي ياأدهم.

اقترب أدهم منها يطالع هذا الرجل أمامها بفضول لم يظهر علي ملامحه بينما بدا زائرها في عذاب يطالعه بنفور وصله دون جهد، وقف جوارها ينتظر تقديم هند لهذا الرجل وإشباع فضوله فلم تتواني عن فعل ذلك وهي تقول: عادل الهواري. طليقي.
أدهم السلاموني. مدير الدار وخطيبي. أكيد الأستاذ عادل مشغول ووراه حاجات مهمة. شرفتنا.

ظهرت الصدمة علي وجه عادل للحظات ثم نكس عيناه بحزن وهو يتجه للخارج بخطوات منكسرة يغادر الحجرة ولكن ليس قبل أن يلقي نظرة طويلة عليها. قرأ الكلمات بوضوح في مقلتيها لتذكره بأغنية لوردة لطالما أحبتها وسمعتها وكأنها تنبأت بما يحدث.
مستحيل ده مستحيل. لو عملت المستحيل
هو جرحى كان شوية ولا دمعي ودمى ميه
ولا أنا قاسيت قليل.
بعد عمايلك أنا إشتاقلك. متهأليك
مستحيل. مستحيل. لو عملت المستحيل.

إتمنيت أسهر أيامى و أنام أحلامى بين أحضانك
وإستنيت يصحى لي ضميرك. و يصحى عطفك و حنانك
إستنيت بحنينى و حبى. و أملى و يأسى
كنت بحبك حب. ما صدقتوش أنا نفسى
كنت أسمعلك دقت بابي. قبل ما توصل عند الباب
كانت الفرحة معاك طايرة بى. قبل سمانا ما تبقى سحاب
كنت حياتى. عمرى. وروحى. خليتنى أمشى أكلم روحى
جاى تقول معلش خلاص. وتكلمنى عن الإخلاص
وتبكى ليه وليك عين تبكى وتلومنى
لأول مرة أشوف القسوة تبكى.

وتشكى منى بعد ده كله يا ظالمنى
لأول مرة أشوف الظلم يشكى
كلام سمعته كتير. أيام ما كنت بغير
و أغضب وتنده لي م الفرحة قلبى يطير
كنت وحيدى. و كنت وحيدك
ضعنا إحنا الإثنين من إيدك
أغلق الباب بألم بينما التفت أدهم إلى هند يقول: قولتيله اني خطيبك عشان تجرحيه؟

هزت رأسها نفيا قائلة: لأ. عشان دي الحقيقة وعشان يتأكد ان رجوعي ليه مستحيل، منعت بالخبر ده كل الكلام اللي شفته في عنيه. منعت اعتذار ملوش قيمة وندم مش هيفيد. منعت اصرار في دماغه اني لسة بحبه ومستنياه يرجعلي. منعته يجيلي تاني وتالت ورابع وكأني ممكن أسامحه في يوم من الأيام. قلتلته بالخبر ده اني كملت حياتي وان قلبي مبقاش ملكه. بقي ملك واحد تاني.

أمسك يديها بين يديه قائلا بلهفة: بجد ياهند قلبك بقي ملكي خلاص.

طالعت مقلتيه بحب قائلة: في اللحظة اللي وقف فيها قدامي ومهزش ذرة في كياني. في اللحظة اللي محستش فيها بمرارة جرحه ونطقت اسمه بكل برود. عرفت اني نسيته وحقيقي مبقاش ليه وجود في حياتي. وفي اللحظة اللي اتمنيت وجودك انت جنبي ولقيت قلبي بيناديك ولقيتك بتلبي نداه وتطل قدامي عرفت اني حبيتك من كل قلبي ياأدهم ومش ممكن أستني لحظة زيادة من غير مااعترفلك بمشاعري.
يابختك ياأدهم. حبيتك أجمل وأرق ست في الدنيا.

ابتسمت في خجل فأردف قائلا: طب ومستنيين ايه؟ يلا بينا علي المأذون. ده انا هعملك فرح ولا فرح الأميرة ديانا.
حيلك حيلك. فرح أخويا كان امبارح وهيقعد شهر بحاله بعيد عن الدار هو وصفية وورانا بلاوي. يرجعوا هم نتجوز احنا. معادلة بسيطة أهي.
قال باستنكار: وانا لسة هستني كل ده؟
انت مش قلت هتستناني العمر كله؟
علي ماتحبيني واهو انت حبتيني يبقي هستني ايه بس؟
قالت بمرح: تستني الفرج.

تاه في طيات ابتسامتها يدرك صعوبة انتظاره وقد اعترفت له توا بمشاعرها ولكن من أجل هذه الابتسامة سيتحمل.

ياعمي ده انا ابن اخوك. ميصحش تجيبني بالشكل ده وتربطني كدة؟
وانت خليت فيها يصح وميصحش ياولد أخوي. تجهر بتي وترمي عليها يمين الطلاج إكده من غير ماترجع لكبيرها. وهي كت عملت ايه يعني؟
كانت عارفة اللي حصل زمان وخبت عليا وبتعاير أمي كمان وبتهددها تفضحها.

رايداك ومرضيتش تخرب علي نفسها لما تجولك ان ضرتها كانت مظلومة. عتحبك. مش ذنبها ولا ايه؟ وبعدين أمك دي حرباية وخبت عليك. ذنبنا ايه يعني؟ هددتها بانها تعمل معاها زي ماعملت في السابج فنبهتها انها خابرة. محصولش حاجة. تجوم انت تطلجها إكده؟ طب كنت خاف علي زعلي.
أطرق عادل برأسه قائلا: مبقاش ليه لازمة الكلام ده ياعمي. لا أنا هرجع لهند ولا هترجع لذمتي. سيبوني في حالي بقي لإني جايب أخري.

عاوزنا نفوتك لحالك؟ تمام. هتدفع ياحيلة أمك مؤخر الصداج. مليون جنيه بالتمام والكمال ده غير الفلوس اللي فتحت بيها مشروعك وماضي بيها شيكات. نجول مليون جنيه كمان.
رفع اليه عينان مصدومتان وهو يقول: وانا اجيب المبلغ ده كله منين؟
معيلزمنيش أعرف هتجيبه منين؟
خلاص بيع الأرض وخد فلوسك.
أرض ايه ياأبو أرض انت؟
أرضي اللي سابهالي أبويا.

أبوك ملوش عندي حاجة، بوي الله يرحمه كتب كل حاجة باسمي، كان خابر ان أبوك لو خد الأرض هيبيعها وعشان إكده كتبها بإسمي.
بس دي أرضي.
ابجي اثبت بقي في المحاكم، ده لو عنديك مال أصلا توكل بيه محامي.
بتبيعني ياعمي؟
اللي يبيعنا نبيعه ولو روحنا فيه.
أطرق برأسه يصارع أفكاره قبل ان يرفع وجهه إليه قائلا باستسلام: خلاص اللي تشوفه ياعمي.
عجلت خلاص ولا هندخل في بحر عميج ملوش جرار نهايته الغرج ياولد أخوي.
لأ عقلت.

حلوه ياواد منك ليه.
أسرع رجال عمه يفكون الأحبال من حوله بينما يقول عمه: تاجينا عشية تستسمح مرتك وتردها، هاتلها هدية حلوة معاك، النسوان عتحب الهدايا وتتراضي بيها، ومن بكرة تشوفلها شجة تانية بعيد عن الست الوالدة. مفهوم؟
مش هينفع. أصل…
قاطعه قائلا بحزم: لا أصل ولا فصل بتي لايمكن تجعد مع ولية سو زي أمك. أخاف تعمل فيها حاجة ماهي جادرة وتعملها.
تركه وغادر المكان لينكس عادل رأسه بحزن.
بعد مرور 3 سنوات.

كانت هند تمنح بعض كبار السن هدايا من تصاميمها في دار المسنين هذه ضمن حملتها التي أطلقتها من أجل التبرع للمحتاجين، حين اقتربت منها سيدة عجوز تعرفت عليها علي الفور لتقطب جبينها قائلة: ست نجية.
ازيك ياهند.
الحمد لله.
قالت نجية بتردد: أنا شفتك من ساعة مادخلتي بس بعدت. كنت خايفة من رد فعلك لما تشوفيني، بس قويت قلبي وانا شايفة انك لسة زي ماانت رغم الخير اللي بقيتي فيه. قلبك طيب وروحك حلوة.

الفلوس مبتغيرش غير النفوس الضعيفة ياست نجية.
معاكي حق يابنتي.
هو انت هنا بتعملي ايه؟
بتونس بالناس. أصل البيت فضا عليا بعد ماعادل ووردة خدوا شقة بعيد عني ومبقتش اشوف عادل غير كل سنة مرة.
عادل يعمل كدة؟ مش معقول.
ذنبك يابنتي وبيخلص.

لتميل علي يدها فجأة تقبلها فأسرعت هند تسحب يدها بينما تقول نجية: سامحيني ياهند. غلطت في حقك كتير وربنا جزاني. أنا ست مستنية الموت في أي لحظة ومش عايزة أقابل وجه كريم وذنبك في رقبتي.
ربتت هند علي كتف نجية قائلة: مسامحاكي والله ومسامحة عادل كمان. غلطاتكم في حقي كان ليها فضل عليا. لولا الغلطات دي مكنتش وصلت للي أنا فيه ولا كنت عشت السعادة اللي أنا عايشاها دلوقتي.

وجدت رجلا يحمل طفلا عمره عام أو أكثر قليلا يناديها بابتسامة فهزت رأسها وهي تبتسم بدورها وتلوح له فقطبت نجية جبينها قائلة: مين دول؟
جوزي وابني.
انت اتجوزتي وخلفتي كمان؟
اكتفت هند بهزة من رأسها قائلة: مضطرة أمشي لإني اتأخرت، أشوفك بخير.

هزت نجية رأسها فاتجهت هند إلى زوجها الذي مال مقبلا وجنتها بحب قبل أن تحمل منه الطفل وتداعبه ليضم كتفها بذراعه ويتجه بها إلى خارج الدار، تتابعهم نجية بعينيها في حزن تردد: لا حول ولا قوة الا بالله. حقيقي كما تدين تدان. سامحني ياااارب.

تمت
رواية المستحيل.

بقلم شاهندة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *