رواية يونس بقلم اسراء علي ج 3
يونس 22
كان الغيظ يتآكله بشدة..فـ دائمًا وأبدًا يجد من يُساعد غريمه..يجهل السبب الذي يجعل الجميع يُحبه..ولكن الأكثر خوفًا أن تُحبه بتول..تلك النقطة البيضاء في لوحته التي تلونت بالسواد..يكاد قلبه يتمزق ولو بـ مجرد التفكير في أن يخسرها..زفر عدة مرات بـ ضيق ينفض تلك الأفكار عنه..ظل يلتفت بـ رأسه من نافذة السيارة وهو يتشدق بـ غضب
-وسي زفت دا راح فين!
نفخ بـ حدة وبعدها أمر سائقه بـ التحرك..ثم قال بـ صرامة
-وصلني وبعدين إرجعله..
-أماء السائق قائلًا بـ إحترام:أوامرك يا عز بيه..
وتحركت السيارة وبـ داخل رأسه العديد من الأفكار..ولم يجد سوى ما لم يرِده مُنذ البداية..أخرج هاتفه يتصل بـ أحدهم وما أن أتاه الرد حتى قال بـ جدية
-رفعت عاوزك فـ خدمة
-رد عليه رفعت بـ سخرية:يبقى أنت ملقتوش
-مسح عز على رأسه بـ عصبية وردد بـ ضيق:رفعت!!!..أنا مش طايق نفسي فـ متزودش عشان مقلبش عليك
إلتوى ثغر الأخر بـ تهكم ثم قال
-عملت اللي إتفقنا عليه..الفرقة خلصنا عليها وبكدا سعد هيتلهي عني شوية
-رد عز بلا مبالاه:سيبك من الكلا….
ولكنه صمت وقد إشتعلت رأسه بـ فكرة شيطانية..ليتعجب رفعت من إنقطاع حديثه فـ هتف
-عز!!..سكت ليه؟!
-إبتسم عز بـ خبث ثم قال:أنت قولت إنك خلصت ع الفرقة!
-أيوة
إتسعت إبتسامته أكثر ثم قال بـ مكر
-حلو أوي..دلوقتي عشان تضمن أن سعد يبعد عنك خالص..لبس التهمة فـ حد تاني
صمت رفعت يحاول فهم ما تفوه به عز ليسأله بعدها بـ إستنكار
-ألبسها لحد!!..أنت بتتكلم جد؟!
صمت ثوان ثم أكمل حديثه بـ سخرية
-وألبسها لمين إن شاء الله!
-وجاءه الرد القاطع:رفعت..العقيد رفعت أبو شادي
وعاد الصمت يلفحهم مرة أخرى..ليقطعه رفعت وقد علت نبرته بـ دهشة
-رفعت!!..أنت أكيد مخك فوّت عشان تقول حاجة زي دي
-زمجر الأخر بـ غضب قائلًا:خد بالك من كلامك يا رفعت..
مسح رفعت على وجهه بـ عنف ثم تساءل بـ صوتٍ حاد
-طب فهمني ألبسهالوا إزاي يعني!
-رفع عز منكبيه وأجاب بـ برود:أستغل تشابه الأسماء ما بنيكوا..ولبسهالو
-زفر بـ نفاذ صبر وقال:اللي هو برضو إزاي؟
-إزاي دي بتاعتك..وأنا لما أرجع هكمل الباقي وهظبط الدنيا…
سمع عز صوت تأففه ليُكمل هو حديثه وكأنه لا يُبالي بـ حالتة الضائقة
-بس عاوز كل دا ينتهي قبل أما أرجع..ميفضلش غير التنفيذ..عاوزه النهاردة يا رفعت
كاد رفعت أن يعترض إلا أن عز أنهى الحديث بـ نبرته الحازمة
-لما أوصل ألاقي كل حاجة جاهزة ع التنفيذ..ولو إحتجت حاجة كلمني..
وأغلق دون أن يستمع إلى السلام..إبتسم عز الدين بـ إنتصار وهتف
-إضطرني ألجأ للطريقة دي..مع أني مبحبهاش..بس يلا كله يهون عشان خاطر بتولي…
**************************************
بدأت تتململ بـ خفوت وصوت أنينها يخرج بـ تحشرج..وضعت يدها على وجنتها تتحسس تورمها..لتنهض فزعة ما أن تذكرت أنها كانت بين براثن ذلك الحقير..أخذت تتلفت حولها بـ رعب حقيقي كاد أن يقضي على أخر ذرات تعقلها…
ظلت تتفحص ذاك الكوخ المُهترئ..سقيفته كانت من القش..ضمت ساقيها إلى صدرها ونظراتها زائغة على فراغ الغُرفة..أخذت تهتز بـ جسدها إلى الأمام والخلف ومن ثم عبراتها تهطل بـ غزارة…
ثوان و وجدت الباب القشي يُفتح مُصدرًا صرير خفيف..توسعت عيناها هلعًا قبل أن تُغلقهما تعتصرهما خشية أن ترى ما سيُصيبها..وإرتفع أنين خائف وشفيتها تتضرع إلى الله..إنطلقت منها صرخة مُدوية وهى تشعر بـ تلك الأيدي التي حاصرت ذراعيها وبلا وعي ضربت في صدر ذاك الشخص..لتسمع صرخة ألم إنطلقت منه وبعدها سباب لاذع..
-ااااه يا بتول الكلب..أدي أخرة اللي ينقذك…
فتحت عيناها بـ سرعة..لتجد يونس أمامها يتحسس صدره بـ ألم..ولكنها لم تُبالي بل إندفعت بـ كل قوتها تحتضنه ليسقط أرضًا وهو يتأوه بـ قوة..ثم قال بـ قهر مُتألم
-يا بنتي إرحميني..أنا مفيش حتة فيا سليمة
ولكنها لم تُصغي ولم تبتعد..بل أخذت تدفن نفسها داخل أحضانه أكثر..ليبتسم هو بـ الرغم من تألمه..لم يجد بدًا من إحتضانها..لتلتف يداه حولها دافنًا رأسه ما بين نحرها ومنكبها..مُغمضًا عيناه يستمتع بـ ذلك العناق الذي يبثه الأمان قبلها..الأمان في وجودها..الأمان في عشقها الذي بات لعنة إن أصابتها خرت صريعة من فورها…
سمع همسها وهى تبكي
-خفت..لما شوفته بيرمي عود الكبريت ونار بدأت تاكل المكان..خفت أكون خسرتك يا يونس..خفت دي تكون أخر مرة أشوفك فيها
إرتفعت يده تُملس على خُصلاتها بـ حنو زائد وكأنه والدها ليس بـ عشيقها..ثم هتف بـ نبرة عذبة طمأنتها
-ربنا رايد أني أشوفك تاني..ربنا إداني فرصة ومش ناوي أضيعها أبدًا…
بدأ يشعر بـ ألم من جديد ليهتف بـ مزاح
-بتول أنتي لو مبعتديش دلوقتي..صدقني هتكون أخر مرة تشوفني…
عقدت ما بين حاجبيها ولكنها لم تبتعد بل أخذت تندث أكثر في أحضانه..لتنطلق صحية ألم خفضية ثم قال وهو يعض على شفتاه
-الجرح يا بتول زمانه وصل لضهري…
إستوعبت وتذكرت جرحه..لتبتعد بسرعة كمن لدغها أفعى..وضعت يدها على فاها وتأسفت بـ تأثر
-أسفة..أسفة..بس من فرحتي و خوفي…
إبتسم تلك الإبتسامة العذبة التي تُغدق عليها بـ مشاعر جمة..إعتدل هو في جلسته بـ بطء..ثم قال وتلك الإبتسامة لم تنمحي
-أنا كويس…
مدّ يده يُزيح خصلاتها ثم همس بـ سعادة حقيقية
-أنا كمان فرحان عشان شايفك كويسة قدامي…
-إبتسمت وقالت:الحمد لله…
بالطبع لم يُخبرها بما كان ينويه ذلك الحقير..يتمنى لو قتله ولكنها الأهم والأولى في كل شئ..عندما يتعلق الخطر بها..فـ سحقًا للعالم والناس و دومًا هى الرابحة..قطعت هى سكونه تسأله بـ صوتٍ مُرتعش
-أنت عرفت مكاني إزاي!
-كدا
قالها وهو يقترب منها نازعًا من خُصلاها ذلك المشبك الذي يجمع خُصلاتها..ورفعه أمامها لتتساءل هى ببلاهة
-من مشبك شعر!!..
-أماء بـ رأسه وهو يُجيب:فاكرة لما إديتك المشبك دا!!
-أه لما كنا فـ الكوخ اللي هربنا منه
-أكمل حديثه:كنت خايف يحصل حاجة زي دي..عشان كدا من غير تردد إديتهولك..هو فيه جهاز تحديد مواقع..ومنه عرفت أنتي فين
-ااااااه
قالتها بـ إندهاش وسرعان ما تبدلت حالة الإندهاش إلى ضيق..فـ هتفت و قد تلوى شدقها بـ ضيق
-وأنا اللي فكرت أنك هتقول..”قلبي هو اللي عرف مكاني”
ضحك بونس قليلًا بل كثيرًا على تلك الحمقاء..ليقول بعدما هدأت ضحكاته
-قلب مين يا أمو قلب!..بطلي تتفرجي ع أفلام هندي كتير…
أشاحت بـ وجهها ولم ترد عليه..بينما هو نهض و نزع عنه القميص وبدأ في مُعالجة جرحه..ظلت هى على حالها ولم تلتف إليه إلا بعدما نادها
-بتول!!
نظرت له وكادت أن ترد ولكن إتسعت مُقلتيها بـ خجل..ثم هتفت بـ تلعثم
-هو..هو أنت..قلعت ليه؟!
إستدار إليها وتلاعب بـ حاجبيه بـ عبث..ثم إقترب منها قائلًا
-بحاول أغريكي
-وضعت يدها خلف عنقها وتمتمت:أنت مش محتاج تغريني..أنا سافلة من غير حاجة…
وصلته تمتمها ليُقهقه ملئ فاه..بينما تضرجت وجنتيها بـ حمرة خجل..وجدته لا يزال يقترب وبدأت هى في الإبتعاد ثم هتفت بـ تحذير
-بقولك إيه إبعد كدا الشيطان شاطر
كان يونس قد إقترب منها..ليطل عليها بـ جسده المُعضل وطوله الفارع..إحتبست أنفاسها وهى تتطلع إلى بحر شيكولاتة الذائبة في عيناه..إبتلعت ريقها بـ صعوبة عندما وجدته يهتف بـ وقاحة
-وأنا أشطر منه…
وبغتةً جذبها من معصمها إلى صدره وقد ثبت رأسها بـ يده..جابرًا إياها على النظر إليه بـ عمق..بينما إقترب هو من وجهها حتى لفحتها حرارة أنفاسه ومن ثم هتف بـ همس
-طول ما أنتي قدامي مبعرفش أتحكم فـ نفسي…
*****************************************
أفاق على تلك الضربات الخفيفة على وجنته..ليفتح عيناه ويتطلع إلى ذلك الوجه الأنثوي الذي هتف بـ تساؤل
-هل أنت بخير سيد سيف؟
تأوه سيف وهو ينهض فـ ساعدته أنچلي وأسندت جسده على جذع تلك الشجرة..ليتشدق وهو يمسح الدماء التي إنسلت من أعلى حاجبه
-من أنتِ؟!
-أُدعى أنچلي
أماء بـ رأسه وأخذ يمسح دماؤه..فـ أخرجت هى بعض المحارم الورقية ومدت بها إليه..أخذها هو وتمتم
-شكرًا لكِ..ولكن ماذا تفعلين هنا؟..وكيف عثرتِ عليّ؟!
أثنت ساقيها أسفلها وجلست أمامه ثم تشدقت بـ توضيح
-أنا أعمل مع السيد سام
-سألها وهو يزيل بقايا الدماء:ومن هو سام؟!
-إبتسمت وهى تقول:أنت تسأل كثيرًا
إلتوى ثغره بـ إبتسامة مُتهكمة ثم تشدق بـ نبرة توازي إبتسامته تهكمًا
-أعذريني على فضولي..ولكنني أُريد أن أفهم
جذبت منه محرمة تحت تعجبه وأخذت تزيل أيضًا بضع قطرات دماء لم
تصل إليها يداه وتشدقت دون أن تنظر إليه