عرف صعيدي ٢

الفصل الخامس
( إجبار )..

***

_ مرت أربعة أشهر وتسعة أيام لم يدق بابهم حدث جديد وها هي ورد قد أوشكت عدتها على الإنتهاء، كما أستبعد نفادي طاهر عن القضية لعدم وجود أدلة ضده، القضية لازالت مستمرة والتحقيقات لا تنتهي، كذلك لم يغمض جفن لخليل طيلة المدة الماضية وهو يبحث عن قا,تل ولده ولا يصل إلى شيئ في نهاية المطاف

_ يقضي مصطفى يومه كاملاً في حرث الأرض وچني الزرع وإطعام البهائم كما يتابع مواعيد تطعيماتهم حتى يكونوا بصحة جيدة، يلهي نفسه في العمل نهاراً ويبدأ برحلة البحث عن قا,تل أخيه ليلاً

_ أبتعد عن الجميع مؤخراً ليس في مزاج يمسح له بخلق حديث مع أحدهم حتى مع صديقه المقرب “ضيف”، صامت طيلة الوقت ولا يكل من العمل الذي يرهق بدنه فيه يومياً على أملاٍ أن يشعر بالراحة الداخلية قليلاً ..

_ لم تبرح ورد غرفتها طيلة الشهور التي مرت عليها وكأنها أعوام، تأني السيدة سنية لزيارتها من حين لآخر تطمئن على حالتها سريعاً وتعود حيث جائت بسبب تحذيرات حمدان التي يقف لها في الدخول والخروج ويمنعها من المكوث عند إبنتها فترة طويلة خوفاً من أن تشي عليه

_ وقعت ورد في براثن ذلك الشعور الموحش ما يسمي” بالإكت,ئاب”، ترفض الطعام عشرات المرات وتقبله مرة من بينهم عندما تضطر إلى ذلك بسبب هلوسة عقلها التي تظهر بودارها عليها كلما إمتنعت عن الطعام مدة طويلة

_ باتت باردة المشاعر جامدة الملامح كجهاز ألي ليس إلا، لا تفتح فاها إلا في وجود والدتها، تعد الثوانِ لكي تعود إلى منزل والدها رحمة الله عليه ربما تتحسن نفسيتها إن إبتعدت عن تلك السرايا التي دوماً ما تذكرها بأفعالها الحقيرة مع هلال، تشعر بتأنيب الضمير في كل حين يمر عليها لا ينقص أبدا بل يزداد مع مرور الوقت ..

_ وقفت أمام خزانتها تحضر جميع ثيابها وكل أشيائها الخاصة وتضعهم في حقيبتها الضخمة التي سترافقها في رحلة عودتها، أخذت نفساً عميقاً وهي تهون على نفسها بترديدها للكلمات:-
معتش إلا ليلة واحدة يا ورد هانت جوي وتعاودي دار بوكي

_ أغمضت عينيها مستاءة مما ينتظرها وتابعت تمتمتها بتهكم:-
وترجعي لجرف عمك وبته

_ تأففت بضجر بائن وألقت ما بيدها على الفراش بإهمال، جلست على طرف الفراش تطالع الفراغ أمامها وعقلها مزدحم بالأفكار السودوية التي تتخيل مدي بشاعة حدوثها ما إن غادرت السرايا

_ أخرجت تنهيدة حارة بقلة حيلة ورددت متوسلة ربها:-
دبرها من عندك يارب

_ أجبرت نفسها على النهوض وإكمال ما بدأته لكي تنهيه سريعاً حتى لا يعطلها عن المغادرة شيئ..

***

_ تلفت يرمق المكان من حوله بتفحص يتأكد من أن لا يراه أحد، جلس القرفصاء ما أن وصل إلى المكان المراد، حفر بيده عُمق قليل ثم سحب جورب قطني، مد يده داخله وأخذ سلاحه الذي أخفاه بعيداً عن ولده حتى لا يكرر فعلته التي كان سيقع فيها لولا وصوله في الوقت المناسب

_ عاد حمدان بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤم حين عاد إلى منزله ورأي طاهر يقف أمام خزانته ويأخذ سلاحه، أسرع نحوه وسأله بإرتباك ممزوج بالحدة الرافضة لأخذه لسلاحه:-
وااه واجف عنديك بتعمل إيه؟ ورايد إيه من سلاحي عاد؟

_ إلتفت طاهر نحوه ورمقه بنظرات إحتقارية ولم يتردد في الرد عليه بخشونة:-
هسلم السلاح للحاكومة أني مهكنش أخرس كيف الشيطان وأجف اتفرج على عمايلك

_ صعق الآخر من صراحته الوقحة وأقترب منه يريد إستعادة سلاحه بأي ثمنٍ كان، رفض طاهر التخلي عن السلاح بتلك السهولة ولأن قوته مضاعفة لقوة والده الهزيلة استطاع أن يهرب من أمامه، كاد أن يغادر المنزل لكن توقفت قدميه حين إستمع لحديث والده الذي حاول التلاعب به بنبرة متوسلة:-
أني مخايفش على نفسي، أني خايف عليك أنت وأختك، خايف على سمعتكم اللي هتتلط لو إتعِرف إن أني اللي جتلت ولد العمدة، أختك حالها هيجف أكتر ماهو واجف العرسان مهدقش بابنا واصل، معلوم مين هيناسب جتال جتله؟

_ توجه حمدان نحو طاهر بخطى ثابتة وهو يري سكونه، لابد أن حديثه سيجدي نفعاً، وقف خلفه ووضع يده على كتفه وتابع حديثه بإنكسار مزيف:-
وأنت كمان يا ولدي خايف عليك، مين هيجبل يجوزك بته وأبوك جاتل؟ بلاش ديي تفتكر ورد هترضي تتجوزك بعد ما تعرف أن بوك هو نفسه جاتل جوزها اللي كسر فرحتها؟

_ إستدار إليه طاهر ونظراته توحي إليه بإشارات تلومه وتعاتبه عما بدر منه والأن يطالبه أن يعرض عن الحق بتلاعبه على أوتار حساسة للغاية لديه ..

_ أضاف حمدان وهو يتراقص داخله على سذاجة إبنه، لم يتصور أن الموضوع سيمُر دون عناء بتلك السهولة:-
أنت خابر زين سرو بلدنا وخابر إن محدش هيتعامل معاك تاني لو عرفوا الحجيجة وأنت بلي رايد تعمله ديه هتظلم نفسك وديه أولهم وتظلم أختك وأمك وديه تانيهم، لو لساتك رايد تبلغ عني روح مهمنعكش بس متبجاش تزعل من اللي هتجابله بعدين

_ تركه حمدان وعاد إلى غرفة الضيافة، أغلق باب الخزانة متأملاً في رجوع طاهر إليه وتسليمه السلاح لكنه تفاجئ بخروجه من المنزل، إستدار ونظر إلى الباب بصدمة شديدة، أيعقل أنه لم يصغي إلى أي شيئ مما قاله؟

_ إزدادت نبضات قلبه متوجساً خيفة من تهور طاهر، حاول أن يطمئن نفسه لكن لم يعرف للراحة سبيل، تراجع خطوة إلى الخلف وجلس بإهمال على الأريكة في انتظار مجئ الشرطة لكي يلقوا القبض عليه ..

_ بعد وقت ليس بقصير عاد طاهر وقد تحول لون بشرته إلى الاحمرار القاتم لابد من إنعكاس الغضب الذي يتبدد داخله، ألقى السلاح أرضاً وصاح به مندفعاً:-
أني عاودت عشان أختي وأمي مش عشانك واصل لو عليك فأني مش هتردد إني أسلمك بيدي للحاكومة

_ ألقي ما في جوفه وغادر يلعن ضعفه وقلة حيلته التي منعته من الإبلاغ عنه، لا يرضي بتصرفه لماذا عاد أليس الله موجود وسيرعي شقيقته ووالدته؟ لما خشى أن يعرضهم للنبذ؟ ربما لأنه لن يتحمل تأنيب الضمير الذي سيأتي من خلف ما ستعيشانه بسبب فعلته؟!

_ عاد حمدان من ذكرياته وهو يبتسم بإنتصار، أعاد السلاح كما كان وألقى عليه الأتربة إلى أن إختفي تماماً، نهض ودار حول نفسه يتأكد من خلو المكان ثم غادر سريعاً قبل أن يراه أحدهم ..

***

مساءاً،
إجتمع خليل وزوجته على مائدة الطعام لا يشتهون أي شيئ على الرغم من تعمد صفية في تنويع الأكلات لكي تغري أعينهم، تفعل كتلك المقولة
‘ العين تأكل قبل الفم ‘

_ نهضت السيدة نادرة من مقعدها مرددة بنبرة هادئة منكسرة:-
مليش نفس للوكل كُل أنت

_ لحق بها خليل قبل أن تبتعد عنه بحديثه:-
عاودي مكانك يا نادرة خلينا ناكل كيف البني أدمين كيف ما كنا بنعملوا زمان

_ تقوس ثغرها للجانب مُشكلة بسمة ساخرة ورددت بتهكم:-
كيف زمان؟ هنرجعوا زمان كيف يا عمدة؟ طيب لو الزمان رجع اللي فارجونا هيرجعوا تاني؟

_ تنهد خليل بحزن ورفض أن يتأثر بحديثها وأمرها:-
جولت عاودي مكانك هتعصيني إياك!

_ تفاجئت بحدته التي تعامل بها وعادت بهدوء إلى مكانها فمزاجها ليس في محله لكي تدخل معه في جدال لن ينتهي إلا بمشاجرة كبيرة، نادي خليل بصوته الأجش ما أن جلست نادرة:-
صفية

_ جائته مسرعة ووقفت أمامه مجيبة على ندائه:-
نعم يا سيدي؟

_ رمقها خليل لبرهة قبل أن يردف:-
نادي على مصطفى ياجي يتعشي معانا ومتنزليش إلا وهو معاكي، بكفيانا فراج لغاية أكده موتنا بالحياة بلي بنعمله في نفسنا ديه

_ دقت أسارير السعاده قلب صفية وهي تراه يريد إستعادة حياتهم السابقة، تشكلت بسمة عفوية على محياها وأجابته بحماس:-
أمرك يا سيدي

_ أوقفها خليل قائلاً:-
وبلغي ورد تنزل تاكل هي كمان ولا أجولك خدي لها الوكل عشان مهتعرفش تاكل في وجود مصطفى

_ امأءت له بالقبول وأسرعت إلى الأعلي مهرولة تتمني لهم صلاح الحال وأن تعود حياتهم كما كانت مليئة بالسعادة والهناء، طرقت باب مصطفى وولجت للداخل حين سمح لها، قابلته بوجه بشوش وهتفت بسعادة:-
العمدة رايدك تنزل تتعشي معاهم وجبل ما تعترض جالي متنزليش غير وهو معاكي وأنت خابر إن العمدة ميحبش كلمته تتعصي أبدا

_ نفخ مصطفى بضجر بائن وردد بفتور شديد:-
وأني مراديش أكل جوليله لجيته نايم

_ لم تتحرك صفية وحاولت أن تلين عقله الحجري ذاك:-
لو تاخد بنصيحتي يا مصطفى يا ولدي جوم أنزل إتعشي وسط أهلك، العيلة مبتتعوضش أبدا، رجع لمتكم من تاني وإضحكوا الحياة جاسية جوي ومشكلتها أنها مبتجفش على فراج حد واصل مهما كان غالي، بتكمل كيف الجطر اللي ماشي ومش هيجف غير في محطته حتى لو واحد من الركاب رايد ينزل في نص الطريج، بوك وأمك مهمومين وجلوبهم شايلة حزن كابير وأنت اللي في يدك ترجع لهم بسمتهم تاني، لو ليا خاطر عنديك يا ولدي جوم كُل وياهم ومتكسرش بخاطرهم

_ تأثر مصطفى من حديث صفية كما أنبهُ ضميره على حالة والديه الذي لم يفكر في التخفيف عنهم قط، لكن كيف وهو يفشل في التخفيف عن آلامه!!

_ سحب مصطفى شهيقاً يحاول به إقناع عقله على النزول إلى الأسفل وأردف وهو ينهض من مكانه:-
هنزل معاكي

_ ظهرت إبتسامة عريضة على وجه صفية مبدية مدي سعادتها في تلك اللحظة، هبطت إلى الطابق السفلي برفقة مصطفى الذي ما أن رآه والده حتى تبسم براحة فهو لم يصدق أنه إمتثل لأمره، لقد عاني في الأيام السابقة من عصيانه المستمر

_ ألقى مصطفى عليهم التحية وهو يجلس مكانه:-
مساء الخير

_ أجاباه في نفسٍ واحد:-
مساء النور

_ شرع الجميع في تناول الطعام، شعرت نادرة بالتحسن القليل في وجود مصطفى معهم، في تلك الأثناء همت صفية بتحضير العشاء خصيصاً لورد وصعدت إليها طرقت الباب وإنتظرت حين فتحت لها وقابلتها بود قائلة:-
إتفضلي يا صفية

_ ولجت للغرفة ووضعت الطعام أعلى الطاولة ورددت مؤكدة بمرح:-
كلي الوكل كلاته وديه أمر من العمدة واجب التنفيذ

_ ضحكت ورد على داعبتها وقالت بنبرة تميل إلى الرجاء:-
ما تجعدي تاكلي لجمة معايا بدل ما باكل لحالي أكده وباجي على تاني لجمة ونفسي تتصد

_ طالعتها صفية بشفقة شديدة ولم تعترض طلبها بل قابلته بصدر رحب مهللة:-
بس أكده عيوني التنين وكمان هنادي البنتة ياكلوا ويانا

_ إزدادت إبتسامة ورد بسعادة دقت أبواب قلبها، خرجت صفية تنادي هويدا وصفاء اللتان جئن مهرولين، جلسن جميعهن على الأرض حول صنية الطعام وشرعن في الطعام ولم تكف إحدهن عن الثرثرة طيلة الجلسة ..

***

إنتهي خليل ومن معه من الطعام ونهضوا عن المائدة، أوقف خليل مصطفى قبل أن يفر هارباً كعادته ويتسلل خارج المنزل قائلاً:-
تعالي يا مصطفى رايد أتحدت معاك

_ أماء له بقبول بينما إبتعدت عنهم نادرة لكن أوقفها خليل مردداً بصوته الجهوري:-
إستني يا نادرة رايدك تحضري أنتِ كمان

_ إستدارت إليه وهي تريد الهروب من بينهم وتعود إلى فراشها الذي بات رفيقها في الأوانِ الأخيرة، لكن إصرار خليل أجبرها على الجلوس معهم في غرفة الضيافة ..

_ حمحم بخشونة ثم بدأ حديثه لطالما طال التفكير فيه، لقد حان موعد إخبارهم عن قراره الذي عزم على فعله:-
عدة ورد خلاص هتخلص بكرة

_ رمقه مصطفى بفتور فهو لا يعي ما شأنه في ذلك الأمر، تحلي بالصبر قدر المستطاع لحين فهم ما يشير إليه أباه الذي تابع حديثه المسترسل:-
رايدك تتجوزها

_ وقعت جملته ألجمت ألسنتهم من هولها، لم تستوعبها عقولهم حتماً يمازحهم، إنتفض مصطفى مذعوراً وعارضه بإحترام:-
بتجول ايه يا بوي ؟ أتجوز مين؟

_ نهضت نادرة هي الأخري ودعمت إبنها معارضة زوجها بحدة:-
مين يتجوز مين يا خليل إيه اللي چاب مصطفى لورد؟

_ أضاق خليل بعينيه على نادرة مستنكراً آخر ما تفوهته وأجابها مستاءً:-
ما سبج ورديتي بيها لهلال ولا مصطفى مش زييه؟

_ أسرع مصطفى بالرد عليه يوضح له سبب رفضه:-
أديك جولتها يا بوي

_ حرك خليل رأسه بتهكم فهو لم يعي قصده وردد متسائلاً:-
أني جولت إيه؟

_ أجابه الآخر بوجه محتقن:-
ورد كانت مرت هلال يعني مرت أخوي الله يرحمه

_ أزفر خليل أنفاسه بضجر بائن للجميع وصاح به مندفعاً:-
وأنت جولت أهاه الله يرحمه يبجي إيه اللي يمنع؟

_ إتسعت حدقتي مصطفى على آخرهم لا يصدق عقله ذلك الحوار المنتهي لديه، لقد فاجئه والده لدرجة أنه لا يدري من أين يأتي بسبب الرفض تحديداً لأن الموضوع غير مقبول لديه بالمرة

_ حاول التحلي بالقليل من الصبر الذي على وشك النفاذ وأردف موضحاً سبب إعتراضه:-
يا بوي كيف أني وأخوي نتشاركوا حرمة واحدة؟

_ هدر به خليل شزراً لعدم استيعابه للأمر بعد:-
تتشاركوا إيه يواد إتحشم عاد، وبعدين لا عيب ولا حرام وأنت لا أول ولا آخر واحد يتجوز مرت خوه ومن الأخر ديه عُرفنا إن الولية إن مات جوزها خوه أولى بيها من الغريب

_ لن تجدي نفعاً العصبية الأن، أوصد مصطفى عينيه لبرهة وعاد بأدراجه إلى حيث مجلسه وتحدث بهدوء:-
العُرف ديه يتنفذ لو معاها كوم عيال لكن هي لحالها

_ لم يقتنع خليل بحديثه وتابع بإصرار واضح:-
وعشان إكده أني رايد الجواز يتم إكمنها لحالها وعمها ديه أني مبرتحلوش واصل

_ خرجت نادرة عن صمتها تلك المرة، لم تتحمل سماع المزيد من السخافات لأكثر من ذلك وصاحت في زوجها مبدية رفضها التام للأمر:-
مصطفى مسبجش له جواز يعني يستاهل بت بنوت مش أرملة!

_ تقوس ثغر خليل للجانب مبدي تهكمه من هرائها:-
البنية أرملة ولدك يا نادرة، وبعدين ما كان جدامه البنتة كاتير وجبناله عرايس ياما وكان مصمم على كلمة لاه لاه مهتجوزش يبجي فرجت أرملة من بت بنوت طلاما هو رافض الفكرة نفسها

“فرجت يا خليل يا جبلاوي، ثم أني معتش مرتاحة للبت ديي جدمها جدم الشوم، البيت خرب من أول ما دخلته سيبها تغور ونخلصوا من شومها
_ هتفت بهم نادرة بعصبية بينما ضر,ب خليل الأرض بعصاه ونهرها بغض,ب شديد:-
رطرطت الحريم ديي متهمنيش بلا جدم بلا أربعتاشر جدم

_ وجه خليل بصره نحو مصطفى الذي إنسحب من الحوار وسأله بتجهم:-
ها جولت إيه يا مصطفى؟

_ لم يأتي مصطفى بفكرة يمكنها إقناع عقل خليل الجبلاوي، نعم هو الأن يتحدث كعقل عائلة الجبلاوي وليس بعقل الأب، نهض مرة أخري ووقف أمامه وألقى ما في جوفه دفعة واحدة:-
بصراحة يا بوي أني من حجي اتجوز بت بنوت كيف ما أمي جالت مش أرملة!

_ يعلم جيداً أن ما أفصح به ماهو إلا هراء فهو ليس بتلك العقلية كما أن والده يعرفه جيد المعرفة ولا يمكنه تصديقه بتلك السهولة، طالت نظرات خليل عل مصطفى بعدم إقتناع فهتف مصطفى قائلاً حين استشف ما يوجد خلف نظراته:-
يا بوي الله لا يسيئك إفهمني، ورد ديي أني مشيفهاش غيرت مرت أخوي مش هجدر أغير نظرتي ليها واصل، كل ما هبصلها هفتكر هلال الله يرحمه ولا يمكن أخد خطوة نحيتها كزوجة ليا، بالله عليك تفهمني وتجدر اللي بجوله

_ أماء له خليل برفضٍ تام وحاول الدخول له من ثغر أخري لعلي قلبه يلين:-
ورد أمانة خوك مينفعش نهمل الأمانة، هتجف جدام خوك بعد عمر طويل تجوله مجدرتش أحافظ لك على الأمانة يا خوي؟

_ لا وألف لا لن يقبل بتلك السخافات مطلقاً، لم يرفض الفتيات جميعهن من أجل واحدة رسمها في خياله تليق مع شخصيته ثم في نهاية المطاف يقع مع أرملة أخيه ذات الوشاح الأسود!!

_ غادرهم دون زيادة أو نقصان، لم يكن هناك داعي لإبداء رفضه الأن فعلي ما يبدو أن والده أخذ عهداً على نفسه ولابد من تنفيذه ولا يكترث للظلم الذي سيحل على ولده بربطه بفتاه بالتأكيد لن ينظر إليها يوماً، كذلك هي سـ يمسها من الظلم قدراً لأنها تستحق حياة أفضل تعويضاً عن فراق أخيه لكن مع شخص آخر وليس هو ..

_ تفاجئ مصطفى بوجود ضيف في حديقه السرايا ما أن خرج منها، إقترب منه وسأله بقلق:-
في حاچة ولا إيه؟

_ أجابه ضيف يحاول إطمنأنه حين رأي القلق في عينيه:-
كنت جاي أطل عليك غيبتك طالت جوي يا صاحبي والواحد مبيعرفش يتحدت معاك في الأرض بيحس أنك هتاكله

_ إنفجر ضيف مقهقهاً على داعبته الأخيرة بينما بدي مصطفى جامداً لا يهتم لا لحديثه ولا لضحكاته، سرعان ما أختفت الإبتسامة من على وجه ضيف وأردف معاتباً:-
يا ساتر عليك يا أخي حتى مش هاين عليك تبتسم

_ عقله مشوش وكلمات أبيه تتردد داخله لا يوجد مفر منها، تنهد بإرهاق حين لم يصل لحل لتلك الورطة التي وضعه والده بها، رفع بصره على ضيف وقال بعبوس:-
تعالى نبعد عن إهنه مناجصش خنجة

_ وافقه ضيف وإقترح هو مكان يذهبان إليه:-
تعالي نروحوا الجهوة يامة دارنا

_ أماء له بالرفض وإعترض موضحاً:-
معايزش أشوف أي مخلوج رايد أبجي على راحتي

_ حرك الآخر رأسه يمينا ويساراً وهو يحاول الوصول إلي مكان ما فقطع مصطفى حبال أفكاره بقوله:-
تعالى نروح الإسطبل

_ لم يتردد ضيف ثانية ووافق فلقد إشتاق للحديث معه كثيراً ..

_ داخل السرايا، لم تريد نادرة الذهاب قبل أن تصر على رفضها لتلك الزيجة الذي يريدها زوجها هاتفة بحنق:-
أني مريداش الجوازة دي تتم يا خليل كفاية جوي اللي راح مني مهتحملش التاني يروح بسبب جدمها الشوم

_ نهض خليل ناهياً الحوار معها بصوته الجهوري:-
محدش عارف هيموت ميتي يمكن أطب ساكت دلوك ده جدر ربنا مش جدمها كيف ما بتجولي وإوعي أكده بلاها حديت ماسخ

_ تركها بمفردها تتآكل غيظاً ، أليس من حقها أن تختار عروس أبنها البكري أول ما العين رأت وأول مالقلب نبض لحبه، أول من شعرت معه بالأمومة ولانت طباعها الحادة من أجل عينيه ..

_ لم يكن أمامها سوي الرضوخ الأن لكن لم ينتهي الحوار على ذلك هناك المزيد سيتحدثان فيه لاحقاً ..

***

“أنا ياما قولتلك تعالي إقعدي عندي هنا وأنتِ اللي كنتي بترفضي”
_ أردفهم معاتباً بدافع الإخوة فأجابته الأخرى موضحة:-
مكنش ينفع أهمل ورد لحالها يا خوي أني كلمتك لما فاض بيا وعِدتها خلاص هتنتهي بكرة، أني مجدراش أجعد إهنه مع حمدان أكتر من أكده ديه حابسني في داره حاسة إني في سجن مش دار

_ حدثها بتلقائية حين إنتهت مما تقوله:-
الشمس تشرق وأني من نجمة هكون عندكم أخدك وأرجع بيكي على مصر أنتِ وورد

”ياريت ياخوي الواحد كره عيشته بسبب المخلوج اللي بيرازي فيا في الداخلة والخارجة ديه”
_ هتفت بهم سنية بنبرة تريد الخلاص من مرارة الحياة مع حمدان الذي يغلق عليها كل السُبل والأبواب حتى أنفاسها تضطر إلى حشرهم بداخلها في بعض الأحيان لكي لا يبوخها ..

_ أنهت المكالمة ونظرت للهاتف بحماس شديد، ستنتهي تلك المأساة التي تعيشها في القريب العاجل، تشكلت بسمة سعيدة على ثغرها وهي تتخيل لحظة التحرر من ذلك السجن النتن، مالت بظهرها على الفراش ترسم مشاهد أخرى حين تصل إلى مصر التي لم تزورها إلا مرتان فقط، ها هي الزهرة تتفتح من جديد وتطلق نسماتها، حتماً ستتبدل حياتهم إلى الأفضل فقط بمرور الغد..

***

“وأنت رافض ليه؟”
_ سأله ضيف بعدما أخبره مصطفى بطلب والده، رمقه الآخر بطرف عينيه وهتف مستاءً:-
أنت ممكن تتخيل إنك تتجوز مرت أخوك؟

_ لوي ضيف شفتيه وأجابه بهدوء:-
وإيه يعني مش أمانة أخوي

_ تفاجئ مصطفى من رده كما إتسعت حدقتاه بذهول وصاح به:-
لاه وأنت الصادج مش موضوع أمانة خوك بس أنت ديب حريم مبتعتجش

_ قهقه ضيف عالياً ومن ثم أوضح له إعتقداته وما يؤمن به:-
أصل إيه الفرج يعني؟ أو فين المشكلة طلاما إكده هتجوز وإكده هتجوز فرجت هي مين؟ يا صاحبي الحريم دول نعمة كابيرة من ربنا محدش يجولهم لاه أو يرفضهم

_ يا أخي معترضتش عليهم بس أني رايد واحدة تكون إتخلجت مخصوص عشان مصطفى الجبلاوي محدش لمسها جبلي، جلبها مدجش لحد غيري

_ حاول ضيف التفكير معه بصوت عالٍ:-
حوار جلبها اللي دج ديه مفتكرش أنه لحج يدج يا مصطفى ده هو يوم بليلة اللي عاشتها مع خوك يعني جلبها ملحجش يدج دجاته العادية من أساسه والحوار التاني ديه مفتكرش يكون حوصل غير مرة!

_ أضاق مصطفى بعينيه على صديقه بعدم إقتناع فطريقته ساذجة للغاية ولا تقنع حتي طفلٍ صغير، حرك رأسه بإستنكار يلوم نفسه على إصغائه لتلك التراهات، طالت نظراته على ضيف الذي صاح به بإرتباك من خلف نظراته:-
إيه؟ هتفضل تبحلج فيا كاتير؟

_ بنبرة هادئة للغاية لا تشبهه سأله متهكماً:-
أنت مصدج اللي بتجوله؟

_ أجابه ضيف بتلقائية دون تفكير:-
لاه

_ إنفجر كليهما ضاحكين، طالت قهقهاتهم لبعض الوقت قبل أن يواصل ضيف حديثه مضيفاً:-
أجولك إيه يعني أني خابر زين كيف عجل عمي خليل وأنه مش هيسيب الموضوع بسهولة إكده إلا لما ينفذه، حاولت أبين لك إن الموضوع عادي يعني

”حاولت تجلطني مش تبين لي الموضوع عادي’
_ أردفهم مصطفي بنبرة مرهقة كما إنعكست ملامحه تماماً وتحولت إلى الضيق الشديد فهو على علم جيد بقرارات والده التي يبدأ في تنفيذها فور ترديد الفكرة في عقله وهو ليس على أتم إستعداد الأن أن ينفذ ذلك الطلب مطلقاً ..

_ إلتزم الصمت طيلة سهرته مع ضيف وأفكاره باتت في الذهاب والعودة ولا يري سوى الرفض يتجلي داخله، أخرج تنيهدة حارة متمنياً أن يقلع والده عن الفكرة وذلك هو الوحل الوحيد أمامه..

***

_ صباحاً،
لم تنم ورد تلك الليلة الأخيرة من فرط تدفق الحماس المندفع في شرايينها، أمسكت بحقيبتها ورمقت الغرفة بنظرة سريعة مودعة جميع أحزانها وآلامها التي عاشتها بها، طالعت ذلك الفراش الذي بات وحيداً ومن ثم أخفضت بصرها على الوسادة التي لازالت آثار عبراتها لم تجف من عليها بعد ..

_ شهيقاً وزفيراً فعلت هي ثم إنسحبت إلى الخارج، ربااه شعور مختلف كلياً قد تغلغل لأعماق قلبها، ها هي تستيعد جزءاً من حريتها تدريجياً وسوف تستعيدها كاملةً بخروجها من تلك السرايا

_ أنتبه خليل لنزول ورد ممسكة بحقيبتها، لم يتفاجئ بذهابها لكنه لم يتوقع ذهابها بتلك السرعة فاليوم لم ينتهي بعد، حمحم بخشونة وأردف متسائلاً:-
على فين يا ورد من بدري أكده؟

_ وضعت ورد الحقيبة جانباً وأقتربت منه على إستحياء، رفعت وشاحها عن وجهها فظهر جمال زرقاوتاها وأجابته بنبرة رقيقة:-
معدلهاش عازة الجاعدة إهنه يا عمي

_ عارضها خليل متحدثاً بالأصول:-
لسه اليوم مخلصش يابتي تبجي عيبة في حج الجبلاوية لو خرجتي جبل ما العدة تخلص حتى لو بدجيجة

_ طالعته ورد بذهول وحاولت إقناعه بحديثها:-
بس أمي جاية هي وخالي ياخدوني

_ توقعت منه أن يعترض لكنها تفاجئت بترحيبه:-
يا أهلاً وسهلاً بيهم ينوروا الدار يابتي حتى ياكلوا لجمة ويانا وبعديها نشوف موضوع الخروج ديه

بس يا عمي..
_ قالتها ورد معترضة بينما قاطعتها خليل مردفاً:-
مبسش يا ورد إسمعي حديتي

_ وصلت السيدة سنية برفقة شقيقها إلى السرايا، رحبت بيهم صفية ثم أمرها خليل أن تنادي السيدة نادرة لكي تستقبلهم هي الأخرى، لبت نادرة أمره ورحبت بيهم بحفاوة بعدما رأت حقيبة ورد، حتماً ستغادر السرايا وهما هنا الأن ليأخذوها، تهللت أساريرها بسعادة ما أن شعرت أن خليل قد نسي الأمر

_ أمرت صفية بإحضار أشهي انواع الطعام لهم، لحقت بها سنية ممتنة لكرمها قائلة:-
ملوش لزوم يا ست نادرة إحنا يدوب نلحج الجطر

_ عقدت نادرة ما بين حاجبيها بغرابة ورددت متسائلة:-
جطر! ليه عاد أنتوا رايحين على فين؟

_ تولي شقيق سنية الرد عليها بلهجة مصرية:-
هيقعدوا عندي في القاهرة يا ست نادرة

_ تصنعت نادرة الحزن وهتفت بلهجة تميل إلى الندم الزائف:-
أكده هتجطعي بينا يا ورد، المهم تكوني بخير يابتي وإحنا هنبجي مطمنين طول ما أنتِ زينة

_ إبتسمت لها ورد ممتنة وردت عليها بلطف كـ لطف ملامحها:-
تسلمي يا ست نادرة هبجي أكلمك على المحمول أطمن عليكي

_ أزفرت نادرة بعض العبرات الزائفة وضمتها لحضنها عكس قلبها الذي يرقص طرباً من فرط السعادة وأردفت من بين بكائها:-
معلوم هنتحدت في التلافون دا أني يومي مهيبدأش إلا ما سمع صوتك اللي كيف الكروان ديه

_ إبتعدت عنها ورد وأنحنت على يدها وطبعت قُبلة رقيقة عليها، ربتت نادرة على رأسها بحب ووجهت بصرها إلى ضيوفها وقالت بإصرار:-
محدش هيهمل السرايا جبل ما نتغدوا ويا بعض الله أعلم هشوف حبيبة جلبي تاني ميتي

_ أردفت أخر جملتها وهي تطالع ورد ببمسة زائفة بينما إعترض شقيق السيدة سنية بذوق:-
معلش يا ست نادرة بس معاد القطر التاني هيكون متأخر أوي وده أنسب وقت نمشي فيه

_ تولي خليل مهمة إقناعه بنبرته الرخيمة:-
يفوت الجطر نوصولك لحد دارك بعربية مخصوص ده أنت خال غاليتنا يا أستاذ ماهر

_ تقوس ثغر ماهر مشكلاً إبتسامة خجولة ورد عليه ممتناً لذوقه:-
يسلم ذوقك يا عمدة بس..

_ قاطعه خليل بإصرار وقد تحولت نبرته للحدة قليلاً ليجبر ماهر عليطى الموافقة:-
مبسش يا راجل تبجي عيبة في حجنا لو مشيتوا جبل ما نجوم بواجبنا معاكم ويا سيدي أعتبرها عزومة الوداع

_ وجه ماهر بصره إليطى سنية يأخذ موافقتها فأماءت له بقبول عكس الرفض الذي بدي على ورد ونظرت إليطى والدتها متذمرة فأشارت الأخرى إليها بأهدابها لكي تتحلي بالصبر فلن يعد هناك إلا القليل

_ إستقبل خليل ضيوفه في غرفة الضيافة وقبل أن يولج إليهم نادي صفية أمراً إياها:-
نادي على مصطفى ياجي يجعد مع ضيوفنا

_ أجابته صفية تلقائياً دون تفكير:-
مصطفى معاودش من وجت ما خرج يصلي الفجر يا عمدة

_ إلتوي ثغره بتهكم وقال:-
جولي لعسران يشيع له حد من رجالته وميعاودش إلا بيه

_ أماءت له بطاعة ثم إنصرفت لكي تلبي ما أمره، نظر خليل متعجباً من حالة نادرة التي بدت عليها من وقت معرفتها بسفر ورد وسألها بفضول:-
مالك عتضحكي كانك مبسوطة أن البت هتسافر

_ إنشرح قلب نادرة بسعادة حينما وقعت كلمة سفر على مسامعها وهللت بفرحة عارمة:-
الود ودي أزغرط وأرجص بس لو الوجت يسمح

_ حرك رأسه وهو يطالعها بشفقة على فرحتها التي لن تدوم طويلاً وعزم أن يلبي طلبها بصدر رحب وقال بإبتسامة عريضة مرسومة على وجهه:-
هتزغرطي وترجصي متستعجليش على رزقك

_ لم تفهم ما رمي إليه خليل الذي عاد إلى ورد وعائلتها، جلست نادرة تتسامر مع السيدة سنية وهو كذلك مع ماهر بينما وزعت ورد أنظارها عليهم بفتور وملل، تريد ترك البلدة ومافيها من هموم وأحزان كثيرة قد إنحشرت بينهم الفترة الماضية

_ حمحم بخشونة معلناً عن وصوله، رفعت ورد وشاحها حين صغت إلى صوته الأجش التي دوت في المكان، نادي عليه خليل بصوت جهوري:-
تعالي يا مصطفى إحنا في أوضة الضيوف

_ طل بقامته المرتفعة وبنيانه العريض الذي لاحظه الجميع، أخفضت ورد وسنية بصرهن بحياء حين دخل عليهن بينما رحب به ماهر بحفاوة قائلاً:-
أهلاً بيك يا بني

_ صافحه مصطفى مردداً بود:-
أهلاً يا بيك يا أستاذ ماهر نورت السرايا

_ رد عليه ممتناً:-
منورة بأهلها

_ إستأذنت صفية للدخول فسمح لها خليل، توجهت الأنظار عليها في إنتظار سماع ما تريد بينما وضحت هي سبب مجيئها:-
الوكل جاهز يا عمدة

_ نهض خليل من مكانه ونظر إلى ضيوفه يدعوهم للطعام:-
إتفضلوا يجماعة وإعتبروا نفسيكم أهل الدار يعني مش محتاجين نعزم عليكم في الوكل

_ ربت ماهر على ذراع خليل بخجل من لطفه:-
تسلم يا عمدة يا أبو الكرم كله

_ إجتمع جميعهم حول المائدة وشرعوا في تناول الطعام في صمت طال لحين قطعه خليل بسؤاله:-
شكلك معرفاش تاكلي مليح يا ورد من وشاحك ديه

_ كادت أن تجيبه لكن وقوف مصطفى منعها، نظر إليه الجميع متعجبين من أمره فأوضح السبب بنبرته الرخيمة:-
هاكل جوا عشان تعرِف تاكل على راحتها

_ أسرعت ورد بالرد عليه بنبرة عفوية:-
أني إتعودت مفيش مشكلة

_ كانت تلك المرة الأولى لأن يصغي مصطفى إلى نبرتها المبحبوحة، لم يكن هناك داعي لأن يغادر بعد أن علم بعدم تقيده لها، إنتهوا من الطعام وقامت ورد تساعد هويدا وصفاء في حمل الصحون على الرغم من رفض الجميع لذلك إلا أنها أصرت لكي تقضي آخر وقت لها في السرايا معهم ..

_ تفاجئت ورد بذلك الحضن الذي كادت أن تسقط إثر قوته، أنها صفاء المجنونة لا تخرج تلك التصرفات التلقائية والمفاجئة إلا منها، إبتسمت ورد بسعادة وبادلتها الحضن بصدق

_ إبتعدت عنها ورد ما إن صغت إلى أنينها، لم تتفاجئ حين رأت عبراتها تنسدل بغزارة على مقلتيها دون توقف ولامتها بدافع الحب:-
متبكيش عاد أني صحيح همشي لكن هكلمكم على طول حتى نبجي نتحدتوا على البرنامج ديه اللي إسمه سكيب

_ قهقهت صفاء عالياً وهتفت ساخرة:-
يختي إسمه سكايب ، سكيب ايه عاد

_ ضحكن الفتاتان ثم دخلت هويدا ووجهت حديثها مباشرةً إلى ورد:-
العمدة رايدك يا ورد

_ أماءت لها بتفهم وتوجهت حيث يجلس الجميع، إلتوي ثغر العمدة ببسمة عريضة ما أن طلت ورد عليهم وأمرها بنبرة متحمسة قد إستشفها الحاضرين، جلست ورد بجوار والدتها ولم ينتظر خليل الإنتظار فبدأ حديثه قائلاً:-
مصطفى رايد يتجوز ورد يا أستاذ ماهر ايه جولك؟

الفصل السادس
( ديكتاتورية ظال,مة )

***

_ لم يكن هين على الجميع ما وقع على مسامعهم، تبادلا جميعهم النظرات في صدمة جلية قد أعتلت وجوهم، تشنجت عروق مصطفى و كور يديه بقوة كما كز على أسنانه بغضب شديد يحاول كظمه، أوصد عينيه لبضعة من الوقت في محاولة إستيعابه للأمر الذي أوقعه والده بين طياته دون إكتراث لمشاعره ورفضه التام لتلك المسألة

_ خفق قلب ورد رعباً كما رجف جسدها من هول المفاجأة، ظلت تردد الرفض داخلها لعلهم يشعرون بيها ولا يقبلون بتلك الزيجة لكن كيف فالرفض يكمن داخلها وبالتأكيد ليست بتلك الشجاعة التي ستواجههم برفض زيجتها من مصطفى..

_ أما عن السيدة نادرة فقط صعقتها كلمات خليل ولم ترفع عينيها من عليه متفاجئة بطلبه فلقد تيقنت بأنه قد نسي الأمر ما أن رأت حقيبة ورد، تريد أن يلهمها الله الصبر حتى يبرد قلبها قليلاً بعد أن أشعل خليل نيرانه بحديثه..

_ أختفت الابتسامة سريعاً من على محيا السيدة سنية فور سماعها بطلب خليل، تريد الفرار بإبنتها من تلك البلدة ولا تريد أن يربطها أي شئ فيها مرة أخري، لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن فعلى ما يبدو أن للقدر رأي آخر..

_ حمحم ماهر وهو يهضم طلب خليل الذي فاجئه به كما فاجئ الجميع، إبتلع ريقه حينما شعر بجفاف حلقه وأجابه وهو يمرق أنظاره بين شقيقته وإبنتها:-
أنت فاجئتنا يا عمدة وبصراحة مش عارف أقولك إيه يعني على الأقل سيبنا نفكر وناخد رأي ورد

_ أسرع خليل بالرد عليه بنبرة لحوحة:-
تفكروا في إيه عاد وبعدين ورد أهيه جاعدة جدامنا..

_ وجه خليل بصره على ورد وتابع:-
ها يا ورد إيه رأيك يابتي؟

_ أخفضت ورد بصرها بحياء كما تحول لون وجنتيها إلى الحُمرة الشديدة كإحمرار حبات الكرز، شكرت ربها بأن لا يراها أحد على تلك الحالة، إبتلعت ريقها مراراً في محاولة منها أن تخرج الكلمات التي إنحشرت داخلها، تدخلت نادرة قبل أن تجيب ورد وأردفت بنظرات متوعدة إلى خليل:-
البنية مستحية يا خليل سيبها عليطى راحتها وتبجي تفكر على راحتها في بيتهم، متضغطش عليها

_ أكد ماهر على حديث نادرة قائلاً:-
ايوة ياريت يا عمدة، نروح القاهرة الأول ونفكر في الموضوع ونرد عليكم

”قاهرة إيه اللي عاد يا أستاذ ماهر أني رايد الجوازة تتم في أسرع وجت يعني الكتاب يتكتب بكرة بالكاتير جوي

_ أصدرت ورد شهقة خافتة لم يسمعها سواها، ما هذا الهراء؟ إنه يغلق جميع الأبواب عليها، يريد حجزها في السجن ذاته التي تود الفرار منه، لماذا يحرم عليها الإستمتاع بحريتها لطالما إنتظرتها منذ وقت طويل، كانت تعد الدقائق لينتهي اليوم حتى تقصر الأيام وتذهب حيث جائت والأن مطالبة بإطالة مدة الحبس وعدم الإفراج!!

_ فرت دمعة موجوعة من عينيها على تلك الحياة القاسية التي تعيشها، ألا تستحق بعض الحرية والعيش في سلام، لقد خاضت تجربتها الأولى وبائت بالفشل الذي أدى إلى وفاة شريكها قبل أن يبدأ حياتهم معاً، ليست مؤهلة بعد لزيجة أخرى وفي المنزل ذاته الذي عانت فيه ليالِ عديدة قد قضتها بمفردها وحيدة ليس معها رفيق سوي دموعها..

_ نهضت السيدة سنية حاسمة للأمر:-
أعذرن يا عمدة بس محتاچين وجت نفكروا فيه أنا وبتي، هي لساتها خارجة من علاجة سابجة وجروحها مداوتش

_ نهض خليل هو الآخر متكأ على عصاه وقال بثبات:-
يبجي تجعد إهنه باجي الساعات اللي فاضلة في العدة وعنديها النهار كلاته تفكر فيه وتصلي إستخارة كماني ونعرفوا قرارها صباح اليوم التاني إن شاءالله

_ كان جميعهم في حالة ذهول من قرارات خليل الحاسمة التي تدل على جدية حديثه ونيته في إتمام الزيجة، تبادلا ماهر وسنية النظرات حائرين لا يعلمون ما يمكنهم فعله أو قوله الأن، قطع عليهم خليل حبال أفكارهم بنبرته الغليظة:-
وشوفوا انتو رايدين تجعدوا وياها إهنه في السرايا يا ألف أهلاً وسهلاً المكان ينور إما بجا لو رايدين تكونوا على راحتكم أني مهامنعش ها إيه جولكم؟

_ تولت مهم الرد في تلك اللحظة السيدة سنية قائلة بقلة حيلة:-
هنجعدوا في دارنا يا عمدة على ما نشوف قرار ورد

_ قاطعها ماهر يذكرها بموعد سفرهم:-
والقطر والسفر مش قولنا هترجعوا معايا القاهرة أنتوا الاتنين؟

_ أجابه خليل بشموخ:-
يتأجل يا أستاذ ماهر النهاردة من بكرة مفيهش فرج وبعدين مش يمكن تاخد الست سنية معاك لحالها وورد تجعد في سرايا زوچها؟

_ حاول ماهر أن يوضح له وجهة نظره:-
أنا فاهم حضرتك بس الأولاد هناك ولو حصل نصيب مش هيعرفوا يجوا البلد لوحدهم

_ أماء خليل رأسه بتفهم وأردف محاولاً أن ييسر ما يصعبه الآخر:-
عربية مخصوص تروح تجيبهم لحد عنديك يا أستاذ ماهر مش عايزك تشيل حِمل لأيتها حاجة واصل كله محلول بإذن لله بس المهم ورد توافج لاول

_ وجه خليل بصره علىى ورد وواصل قائلاً بثقة عمياء:-
وهي هتوافج!

_ يكفي هراء إلى هذا الحد، لقد بلغ ذورة تحمله لم يعد لديه ذرة صبر لسماع سخافاتٍ أخرى وكأنه نكرة لا يراه أحد، رفع بصره على والده الذي يتوسلهم ويقنعهم على الموافقة ولا يكترث لرفض ولده الذي هو أحق أن يهتم لأمره لا لتلك الفتاة وعائلتها

_ نهض وألقى بحديثه سريعاً دون أن يواجه نظراتهم التي صُوبت نحوه:-
عن إذنكم يا چماعة ورايا شغل ضروري

_ خرج ولم يلتفت، غضبه يزداد والبركان الذي يتأجج داخله على وشك الإنفجار، أوقفه عسران حين لم يطمئن لرؤيته بتلك الحالة المثيرة للقلق وسأله باهتمام:-
حوصل حاجة يا باشمهندز وجهك كيف النا,ر الجايدة فيه

_ أجابه بتجهم مختصراً حديثه:-
مفيهش حاچة

_ لحق به عسران وحاول أن يعلم بوجهته فهو على علم بجنونه حين يغضب، لن يهدأ قبل أن يسبب كارثة، وقف أمامه فأجبره على الوقوف وقال محاولاً تهدئته:-
تعالي أهدي لاول وإمشي بعديها

_ تأفف مصطفى بضجر بائن وصاح بهدوء محاولاً كبح غضبه داخله:-
هملني لحالي يا عسران الله لا يسيئك أني ميشافش جدامي

_ أعترض عسران أن يسمح له بالذهاب وهتف موضحاً:-
عشان إكده أني مش ههملك تمشي وأنت بحالتك ديي

_ تلك المرة لم ينجح في إخماد بركانه الثائر، سحب بندقية عسران من عليطى ذراعه بقوة وسرعة لم يستطيع عسران منعه وصوبها للأعلى ثم أطلق النيران خلف بعضهم إلى أن إنتهت الرصاصات بالكامل، ألقى بها أرضاً وهرول سريعاً مبتعداً عن المكان بعد أن تنحي عسران جانباً لألى يلقى مسرعة من خلف جنونه..

_ خرج خليل وكل من في السرايا في حالة رعب شديدة قد تملكتهم إثر إطلاق النيران، وزع خليل أنظاره على المكان وحين لم يري شيئاً مريباً سأل عسران بتجهم:-
إيه ض,رب الن,ار اللي سمعته ديه؟

_ سحب عسران شهيقاً يعدل من صفوه وأجابه:-
البند,جية كانت معصلجة ومكتومة فض,ربت عيارين في الهوا يمكن تسلك

_ حرك خليل رأسه بعدم إعجاب لتصرفه الذي أرعب الجميع، أنتبه جميعهم لحديث ماهر:-
هنستأذن إحنا يا عمدة

_ رد عليه خليل بود:-
إذنك إمعاك يا أستاذ ماهر نورت السرايا والبلد كلاتها

_ إبتسم ماهر ممتناً لذوقه وأردف بنبرة ودودة:-
منورين بأهلها يا عمدة تسلم

_ توجه ماهر برفقة سنية نحو البوابة فلحقت بيهم ورد منادية بحنجرة متحشرجة بسبب بكائها:-
أما إستني ..

_ إستدارت سنية إليها وتفاجئت بحضنها الذي إخترق صدرها، ضمتها بأسى وربتت على ظهرها بحنو أمومي

‘ ط’مريداش الچوازة ديي يا أما رايدة أهمل البلد كلاتها وأمشي منيها متسبنيش إهنه أبوس يدك ياما خديني معاكي”
هتفت بهم ورد من بين بكائها الذي مزق قلب والدتها تأثراً بوضعها، ملست على رأسها بحنان وأردفت بثبات:-
الله في سماه ماحد يجدر يجبرك على حاجة يا جلب ونن عين أمك، أني موجودة وهجف في وش أي حد كان مين هو ولا أجبرك على جواز أو غيره، بس مجدرش أخدك دلوك عشان هيجولوا لسه العدة مخلصتش وهطلع أني اللي مهعرفش في الأصول، عاودي أوضتك لبكرة وأني من نجمة هكون عندك ونهملوا البلد ديي

_ هدأت ورد رويداً بعد أن صغت إلى الثقة التي تحدثت بيها والدتها، إطمئنت قليلاً وإبتعدت عنها لكي تعود إلى غرفتها مرة أخري، أوقفتها سنية قبل أن تبتعد عنها بقولها:-
إبجي صلي إستخارة يا ورد

_ رفعت ورد رأسها بإستغراب فاستشفت والدتها ما خلف تلك التطلعات على الرغم من عدم رؤيتها لعينيها وفسرت معني حديثها:-
ييجي عملنا كل اللي في يدينا جبل ما نهملوا البلد عشان منقوجلش ياريت اللي جرا ما كان

_ أماءت بطاعة ومن ثم عادت إلى السرايا وتفاجئت بأعين خليل ونادرة ترمقانها متعجبين من تصرفاتها، خجلت من ركضها خلف والدتها ولم تكترث لمشاعرهم بالتأكيد يظنون عدم قبولها لزيجتها من ولدهم، هي حتماً رافضة لكنها لا تود أن تظهر بصورة وقحة في أعينهم تريد أن ترفض بلطف دون أن تمس مشاعرهم بحزن..

_ حمحمت حين تحشرجت حنجرتها من فرط خجلها مما تسبب به وقالت:-
عن إذنكم هطلع اوضتي

_ فرت من أمامهم مسرعة فصاحت نادرة بعدم قبول لما حدث منذ دقائق:-
فهمني يا عمدة إيه اللي عملته ييه، بتحطنا جدام المدفع إياك بعملتك ديي، معتشوفش زعل ولدك وغضبه من وجت ما أتحدت مع الناس كانه ميفرجش عنديك؟ ديه ولدك يا عمدة وبجا الوحيد يعني ميستاهلش نزعله واصل ونغصبه على جوازة مش رايديها، بلاها عرج الجبلاوية يهب دلوك وتركب دماغك يا خليل بكفيانا زعل وحزن مش ديه حديتك؟ رايد تدخله وسطينا ليه عاد؟

_ أخذ خليل شهيقاً عميق وأخرجه بتمهل، طالع صفاء السماء وهو يستنشق الهواء العليل وأجابها بحكمة:-
ولدك رافض الجواز نفسيه يا نادرة مش رافض البت، واللي عيجوله ديه حجج فارغة عشان نتأثروا بحديته ونوافجه، بس لاه أني عارف مصلحته زين، البت كيف الجمر تجوله جوم وأني أجعد مكانك وأخلاجها زينة وصانت عيلة جوزها، هيلاجي أحسن من إكده فين؟

حركت رأسها برفض وعدم قبول وهتفت معترضة:-
أني مريدهاش، إتجفلت من نحيتها وجلبي مهيطمنش على مصطفي معاها، ديي خلت الواد يهُرب منيها يوم الدخلة كيف هتجدر تجنع مصطفى بيها وهو رافض البنتة كلاتهم؟

_ إستدار خليل وطالعها لبرهة ولم يأتي على عقله سوي شيئ واحد فأخرجه على لسانه بصوت عالٍ:-
غيرانة منيها يا نا,ردة ولا إيه ؟

_ شهقت نادرة بعدم إستعياب لحديثه الذي ألقاه في وجهها، قطبت جبينها وصاحت به مندفعة غير راضية بما صرح به:-
بتجول إيه يا راچل؟ غيرة إيه ديي اللي عتتحدث عنيها أني نادرة السيد الحفني بنت السيد الحفني من كبرات البلد وأعيانها أغير من حتة بت بوها كان عامل عند جوزي؟ مهياش غيرة يا خليل لو رايد مُسميات يعني ممكن نسموها مستعناش تبجي مرت ولدي، جربنا حظنا مع واحد وربنا أفتكره بعد يومين تنين من وجودها معاه فأني إكتفيت ومش حِمل حزن وجهرة تاني ومصطفى بالذات لازم له بت بنوت وأني كلامي خلص لحد إهنه

_ تركته وغادرت المكان عادت إلى غرفتها تتمنى أن يعيد النظر في تلك الزيجة التي ترفضها البتة بينما وقع خليل في حيرة من أمره، فحديثها قد أثر به لكن يصده من الجهة الأخرى لكي لا يدع له مجالاً في التسلل داخل عقله، رفع عصاه عن الأرض وتابع سيره إلى الخارج يريد أن ينفرد بنفسه قليلاً يرتب أفكاره من جديد..

***

_ في مكانٍ ما ، يسابق الزمن مع جواده، يشعر بالتحسن كلما فرض قوته على خيله وحمسه على الركوض بسرعة فائقة لا يستطيع أحداً لمحه إن مر بجانبه فقط يشعر بإصطدام الهواء الذي يؤكد مرور شيئ ما ..

_ أوقفه تدريجياً حين وصل إلى طوالة ( استطبل ) الخيل خاصته، هبط من أعلاه بشعور مختلف تماماً عن ذي قبل، فقط يشعر بالإرتياح الأن، أعاده مكانه وتفاجئ بوقوف ضيف أمامه، تشكلت بسمة عفوية على ثغره ما إن رآه وعاتبه مستاءً:-
بجيت بتركب الخيل لوحديك ولا بتسابجني كيف زمان وأني سكِت كاتير بس المرة ديي مش هتعدي من تحت يدي

_ غمز له مصطفى وقال ساخراً:-
إتوحشت الخسارة إياك؟

_ ضاق ضيف بعينيه عليه وأجابه بتعالي:-
هاه ديي كانت مرة

_ قهقه مصطفى عالياً وأردف متابعاً لحديث صديقه بتهكم:-
اللي كسبتها

_ لك,مه الآخر بعن,ف في كتفه وعارضه بعدم تقبل لهزيمته:-
أباي عليك لا عارف أكسبك في ركوب الخيل ولا حتى في الحديت!

_ عاد مصطفيطى إلى حصانه بعد أن أحضر له طعامه وبدأ يطعمه بيده وباليد الأخرى يملس على ظهره بنعومه، إلتوى ثغره ببمسة متهكمه حينما تذكر زيجته من أرمله أخيه وقال:-
بارك لصاحبك عاد بكره كتب كتابه

_ قطب ضيف جبينه بإستغراب لما وقع على أذنه وردد بعدم إستعياب:-
انت وافجت ميتي؟ أني سايبك الفجرية وأنت رافض إيه اللي جد؟

_ أجابه مصطفى وكل ما مر به منذ ولوجه للسرايا يُعاد في مخيلته:-
خليل الجبلاوي صدر حكم نهائي مفيهش راجعة واصل

_ حرك مصطفي رأسه ورفع شفتاه السفليى للأعلى وواصل حديثه بنبرة محتقنة:-
ديكتاتورية الجبلاوية لساتها صامدة وباينها مكملة معانا كاتير

_ دني منه ضيف عله يستشف ما يوجد خلف هدوئه المُريب لكنه فشل كـ مراته العديدة الذي حاول بهم فهم ما يدور داخل عقله لكن في النهاية يفشل بجدارة، لم يطيل تلك المرة في التفكير وسأله مباشرةً:-
هدوئك ديه ميطامنش يا ولد الجبلاوي جولي وراه إيه؟

_ تقوس ثغر مصطفي وقد إنعكست ملامحه إلى الحدة وهو يفكر بما ينوي على فعله وأجابه:-
مجدرش أعصاه ولا في يدي أجف جصاده بس في يدي أندمه على ديكتاتوريته اللي مشاها عليا

_ أحاط ضيف بكتفه وغمز إليه بمرح يريد خوضه مع أفكاره المجنونة أو ربما القاسية وأردف بحماس اضافه لنبرته:-
ميتخافش عليك يا صاحبي بس شوجتني أعرف هتعمل ايه؟

_ ثبت مصطفى بصره عليطى الفراغ أمامه وردد دون تفكير زائد:-
هنشوف، هتشوفوا كلاتكم

_ وضع المزيد من الطعام لخاصته المحبب له ولم يكترث لحكم والده الذي صدر تنفيذه فلينال والده نصيب هو الآخر من ديكتاتوريته لكن ستكون مختلفة بعض الشيئ ..

***

خرج من داره يهرول لعله يلحق بيهم قبل أن يغادروا البلدة، تفاجئ بعودة زوجة عمه وشقيقها إلى منزلهم، على الرغم من تعجبه من وجودهم في تلك الأثناء هنا إلا أنه شعر بالراحة المفرطة لكونه لم يفوت توديعهم وخصيصاً توديعه الحار لحبيبته

_ أسرع نحوهم وتحدث بنبرة لاهثة بسبب ركضه:-
كويس إني لحجتكم قبل ما تمشوا، ورد فينها معاودتش وياكم ليه عاد ؟

_ نكست السيدة سنية رأسها بحزن جلي، لم تتمني أن يعودان بدونها ناهيك عن رجعوهم للبداية من جديد، لم تكن في الحسبان تلك الزيجة وممن؟ شقيق من عانت ورد لفراقه، أاه مكلومة خرجت من فاه السيدة سنية عفوياً تسببت في خفقان قلب طاهر برعب وأعاد سؤاله بلهفة وتوجس:-
ورد فين يا مرت عمي؟

_ أجابته بنبرة مرهقة ولازالت منكسة الرأس:-
في بيت العمدة مرايدش يخرجها جبل ما عدتها تنتهي بالكامل ويسمع ردها

_ عقد ما بين حاجبيه متعجباً وسألها بفضول:-
ردها على إيه عاد؟

_ شهيقاً وزفيراً فعل السيدة سنية قبل أن تجيبه قائلة:-
طالب يدها لمصطفى ولده

_ ربما لو غرزت به خن,جراً حا,د سيكون هين على أن يسمع ذلك، لقد أنتظر مرور الأيام بفروغ صبر لكي يتقدم للزواج منها فور إنتهائها من عدتها، والأن يصغي إلى من سيسرقها منه مرة أخرى ويحلق بيها في سماء بعيدة عن أحلامه الوردية لطالما رسم مواقف محببة لقلبه مع من خفق الفؤاد بإسمها، لن يفوت تلك المرة ويقف يشاهد ما يحدث في صمت مثلما فعل في المرة الماضية، أن كان الحظ حالفه مرة فلن يحالفه في الأخرى

”أني رايد أتجوزها يا مرت عمي أني أولي بيها من الغريب، أستنيت اللحظة اللي أتجدم لها فيها من زمان ومهسمحش لأي مخلوج كان إنه ياخدها مني تاني”
_ ألقي طاهر بحديثه دون تردد أو خوف فاندهشت سنية وكذلك ماهر الذي لم يعلق بل ترك الأمر لشقيقته فهي على دراية أفضل بمن سيناسب ورد ..

_ فغرت فاها بعدم تصديق ورددت متسائلة:-
أنت بتجول إيه يا طاهر؟

_ ثار طاهر وصاح هاتفاً:-
أني بحب ورد ورايدها في الحلال جوليلها إكده يا مرت عمي وهي أكيد هتوافج

_ وضعت السيدة سنية راحة يدها أعلى رأسها وأوصدت عينيها تتمني أن يكون كابوساً ليس إلا، كل ما يحدث وليس فقط طلب طاهر من الزواج بورد، رددت بنبرة تميل إلى العتاب:-
ليه إكده يا طاهر بتصعيبها علينا أني وبتي ليه عاد؟

_ رفعت رأسها للأعلى ناظرة إلى السماء وهتفت:-
كنا رايدين نهملوا البلد يا رب ليه إكده ليه؟

_ تركتهم وهمت بالدخول لمنزلها فلحق بها ماهر وأقترب منها ما إن أغلق الباب خلفه محاولاً مشاركتها العبئ الذي قد وقع على عاتقها فجاءة، إنتبهت هي لسؤاله:-
هتعملي إيه يا سنية هتقولي لورد علي طاهر؟

_ جابت الغرفة ذهاباً وجيئا وهي تشعر بشتات عقلها لا تدري أي منهم أصلح تختاره زوج لإبنتها، فطاهر من المستحيلات تسمح له بالوصول إليها فلن تلقي بوحيداها في نيران حمدان وعائلته اللواتي لسن في قلوبهن رحمة، أيضاً ترفض وبقوة مكوث ورد في السرايا فهي لا تريدها تعيد معانتها لطالما لم تتحسن هي بعد

_ رفعت بصرها حيث يقف أخاها وهتفت مقررة:-
أني لا هوافج على ديه ولا على ديه أني هروح أخدها بكرة من نجمة ونعادوا معاك يا خوي

_ أماء لها بقبول ومن ثم سحب هاتفه من جيب بنطاله وقام بالإتصال على زوجته ليخبرها ببقائه الليلة عند شقيقته حتى لا تنتظر عودته هباءً ..

***

”ولاد العمدة عاملين عجد يسلموا البت لبعضيهم، بس أني مهسكتش المرة ديي مش هضيعها من يدي المرة ديي إن شالله تطير فيها رجاب”
صاح بهم طاهر بصوت عالٍ عله يفرغ غضبه الذي تبدد داخله، لم يشعر بالأذن التي وقفت خصيصاً لسماع ما يصيح به مع نفسه، ولجت للغرفة ما إن أنهى جملته بأسلوب غير حضاري وسألته بفضول:-
معناته إيه حديتك ديه يا طاهر؟

_ هدر بها شزراً من عزم غضبه:-
أنتِ واجفة تتصنتي عليا يابت أنتِ؟

_ لوت شفتيها بتهكم لسذاجته وهاجمته مندفعة:-
صوتك جايب لأخر البلد يا طاهر هتصنت إيه عاد!

_ رمقها طاهر بنظرات مشتعلة ووجه بصره يميناً ويساراً إلى أن لمح تلك المزهرية الموضوعة أعلى الكومود، هرول نحوها وأمسكها ولم يتردد في إلقائها أرضاً بكل قوته إلى أن تحطمت إلى أشلاء لا يمكن إصلاحها ..

_ صرخ عالياً من فرط غضبه فلم يعد يستطيع كظم غيظه:-
خلصت من واحد طلع لي التاني، أني بس اللي هتجوزها أني اللي أولي بيها أني اللي بحبها مش هلال ولا حتى مصطفى!!

_ صعقت صباح فور إستشفافها للأمر، دنت منه تريد التأكد من حدسها التي إستنتجته من خلف حديثه وسألته بتردد:-
كيف يعني مصطفى هو كمان رايد يتجوزها؟

_ لم يعلق طاهر بل ثار على جميع ما يمكن تكسيره بالغرفة وحالته الهائجة كانت خير رد على سؤالها، إنسحبت من الغرفة بعدما إعتلتها صدمة جلية، هرولت لغرفتها ومازالت أسفل تأثير الصدمة، جلست على طرف الفراش بإهمال ورددت بعدم إستعياب:-
كله بيحبها، كله رايدها، الكل بيتسابج مين هيتجوزها لاول، هلال وطاهر وآخرهم مصطفى!! مصطفى اللي البلد كلاتها تتمني يرمي السلام عليها هيتجوزك يا ورد! عملالهم إيه يابت عمي عشان الكل يجري وراكي إكده

_ نهضت صباح من مكانها وكزت على أسنانها بحقد واضح وتوعدت لها من بين أسنانها المتلاحمة:-
وأني إيه؟ محدش بيجري ورايا ليه؟ مشبهش ولا مشبهش!!

_ لم تنتظر لأكثر وأسرعت نحو خزانتها، إلتقطت إحدي عبائاتها وإرتدتها سريعاً ومن ثم هاتفت أحدهم، لم تعطيه فرصة الرد بل أردفت أمرة فور إجابته:-
جابلني في المكان بتاعنا دلوك متتأخرش

_ أغلقت الهاتف قبل أن تستمتع لرده فهي ليست على إستعداد لسماع رفضه الأن، هي في أمس الحاجة إلى الحديث معه أو ربما جبره على الزواج منها ..

***

_ تلفت حوله يتأكد من خلو المكان ثم أزاح وشاحه عن وجهه وأقترب من تلك الشجرة التي تقف أسفلها وسألها بحدة:-
خير جيباني على مالا وشي ليه عاد ولا تكوني مفكرة إني فاضيلك يا بنت حمدان تجبيني وجت ما تحبي؟

_ ضاقت بعينيها عليه محتقرة أسلوبه الحاد معها وهدرت به شزراً:-
أنت بتتحدت معايا أكده ليه يكنش أني اللي رامية جتتي عليك؟

_ رمقها بطرف عينيه مشكلاً إبتسامة ساخرة على محياه وأردف بتهكم:-
لاه أني اللي بجري وراكي يا صباح، نهايته رايدة مني إيه؟

_ حمحمت الأخري وقد إرتخت ملامحها كما لانت نبرتها ومالت إلي الرجاء:-
هتاجي تطلب يدي من أبوي ميتي يا ضيف؟

_ قطب ضيف جبينه بإستغراب شديد وردد بعدم إستيعاب لحديثها البعيد كل البعد عن مخيلته:-
أطلب يدك ليه ناجصني يد إياك!

_ طالعته بأعين حدتين وإندفعت به:-
أني مبهزِرش يا ضيف العمر بيجري بيا وأنت معلجني في حبال دايبة ومخابراش أخرتها معاك إيه؟

_ إنفجر ضيف ضاحكاً، لم يستطيع السيطرة على أعصابه التي تلفت بالكامل من خلف مزاحها، تشنجت بطنه من خلف ضحكاته المستمرة دون توقف فأمسك بها وردد:-
مكنتش أعرف إن د,مك خفيف يا بت يا صباح

_ كانت تتابع ضحكاته بريبة من أمره، لم تصل إلى سبب واضح لضحكاته التي أثارت غيظها، إنعكست تعابيرها للغضب ما أن تفوه كلماته السخيفة وصاحت به مندفعة:-
جولت أني مبهزِرش، هتجابل أبوي ميتي ؟

_ إحتدت تقاسيم ضيف بغضب إعتلاه، دني منها وقبض على ذراعها بقوة سبب لها الأل,م وهمس بقرب أذنها:-
وأنتِ فكراني هركب جرون على آخر الزمن وأجي اتجوزك!! أتجوز واحدة دايرة على رجالة البلد واحد واحد ترمي نفسها عليهم

_ شد ضيف على ذراعها بقوة مضاعفة فآنت هي بأ,لم شديد وأضاف:-
أني يوم ما أجول يا جواز أتجوز واحدة متجدرش ترفع رمشها في عين أخوها بت ناس أهلها عرفوا يربوها زين مش ماشية على حل شعرها!!

_ صدمات متتالية وقعت على صباح من خلف حديثه الذي أخبرها بحقيقته التي سحقتها، دفعته بكل ما أوتيت من قوة بعيداً عنها ونهرته مستحقرة:-
آه يا جليل الأصل والنخوة وأني اللي فكرتك راچل طلعت كيف العيل الصغير اللي بيتسلى بلعبته وبعدها يرميها لما يزهج منيها

_ عاد إليها مرة أخري وملامحه لا تبشر بالخير وصاح من بين أسنانه المتلاحمة بغضب:-
لمي خشمك عاد بدل ما أل,مه بمعرفتي، وآه كنت بتسلى بيكي

_ مال عليها وواصل حديثه هامساً:-
بس ديه مش ضعف مني أنتِ اللي كنتي سهلة

_ دفعها بعيداً عنه ثم أولاها ظهره وغادر دون أن يلتفت لصراخها:-
أني مش سهلة يا ضيف والله لتشوف اللي هعمله فيك، هندمك عليطى اليوم اللي فكرت تتسلى فيه ببنت حمدان المنشاوي هوريك عرج المنشاوية على حج

_ سقطت بإهمال وهي تصرخ عليه لعل نيران قلبها المتقدة تخمد، لكن كلماته تشعلها أكثر كلما تذكرتها، ض,ربت الأرض بيديها وأقت,لعت منها التربة، رفعت يديها للأعلى وهي تطالع الرمال التي تتساقط من ثغر أناملها وهتفت متوعدة بغضب عارم:-
أنت اللي بدأت اللعب يا ضيف هنشوف إذا كنت هتتحمل اللي ناوية عليه ولا هتخر كيف الحريم

_ نهضت بعد أن جمعت شتات نفسها، ضبطت من حالتها غير المهندمة وطالعت المكان من حولها متوجسة خيفة من رؤية أحدهم لها، أزفرت أنفاسها براحة حينما لم تجد أناس على مقربة منها وأسرعت مبتعدة عن المكان لكنها أقسمت بأن تعود إليه مرة لكن ستكون مختلفة فهو من سيتوسلها ويطالبها أن ترأف به، لن تشعر برضاها الكامل حتى يأتيها راكعاً يطلب منها السماح ..

***

_ لم يهدأ لها بال قبل أن تضع بصمتها وتقف تتابع ما يحدث بتشفي، وصلت إلى السرايا وطرقت بابها في إنتظار ترحيب أحدهم لها، فتحت صفية الباب وشكلت بسمة ودودة على شفتيها مرحبة بها:-
إتفضلي يا صباح ثواني وأناديلك ورد تاجي لك

_ لحقت بها صباح قائلة قبل أن تبتعد عنها:-
لاه أني مريداش ورد أني رايدة الخالة نادرة

_ تعجبت صفية من طلبها لكنها لم تعلق ، دعتها للجلوس في غرفة الضيافة بينما ذهبت هي تنادي سيدتها، طرقت باب غرفتها وولجت للغرفة حين سمحت لها وقالت:-
صباح بت عم ورد ريداكي ياستي

_عقدت نادرة ما بين حاجبيها متعجبة من تلك الزيارة ورددت متسائلة:-
وديي رايدة إيه هي كمان

_ رفعت صفية كتفيها للأعلى ظاهرة عدم معرفتها:-
مخابراش يا ستي أني جولت لها أناديلك ورد جالت لاه رايدة الخالة نادرة

_ إلتوي ثغر نادرة للجانب مستنكرة كلمة خالة ورددت مستاءة:-
خالة! من ميتي ديه إن شاءلله

_ ثبتت بصرها على صفية وأضافت آمرة:-
روحي ضايفيها وأني هروح أشوفها رايدة إيه

_ حركت صفية رأسها بطاعة ومن ثم إنصرفت سريعاً بينما توجهت نادرة حيت تجلس ضيفتها، أسرعت صباح للداخل حين رأت هطول السيدة نادرة ووضعت هاتفها على أذنها مختلقة مكالمة ما:-
والله ياما الست نادرة ديي على نياتها جوي كفاية أنها وافجت تجوز ولدها الحيلة لجدم الشوم بت عمي، معرفاش كيف هتطمن على سي مصطفى معاها ده هلال يا حبة جلبي معمرش معاها يومين عل بعض، كيف ما تكون عملاهم عمل البت ديي مش معجولة محدش شايف ولا حاسس إنها بتجيب الفجر (الفقر) في المكان اللي بتحط رجليها فيه، على العموم ربنا يهني سعيد بسعيدة هنكونوا عايزين إيه غير إنهم يكونوا سعدا ديي مهما كان بت عمي بردك

_ صمتت صباح وكأن والدتها تخبرها بشيئ ما فتابعت هي تمثيلها بنبرة ملهوفه:-
لا لا مجدرش أجولها حاجة زي ديي ربنا حليم ستار يا أما وهي شكلها إتعدلت من وجت ما أتجوزت هلال أو الله أعلم يمكن مش لاجية الفرصة ورايدة تعاود مع خالها عشان ترجع للي كانت بتعمله

_ تأففت صباح بضجر وواصلت حديثها معاتبة شخصية والدتها المختلقة:-
بكفيانا حديت عنيها بجا ربنا يهديها، أني هبارك للست نادرة وهعاود طوالي مش هتأخر، سلام

_ أغلقت الهاتف وأعادت وضعه في حقيبتها وظهرت شبح إبتسامة على ثغرها لنجاح ما أتت لأجله
_ في الخارج، صدمة قد أعتلت نادرة مما صغت إليه ووقع على مسامعها، فهي لم تحبها يوماً وخصيصاً بعد وفاة مدللها الصغير، ولكن بعد ما سمعته بشحمتي أذنها ستفعل المستحيل من أجل عدم إتمام تلك الزيجة

_ أخذت نفساً عميق وولجت للداخل بشموخٍ وثبات، رحبت بها صباح بحفاوة شديدة كما بادلتها الأخرى ترحيب يليق بها وقالت:-
السرايا نورت يا صباح بطلتك البهية، مش بتاجي تطلي علينا ليه عاد؟

_ أخفضت صباح رأسها وأجابتها بإستيحاء زائف:-
أبوي بيرفض خروجي عمال على بطال من الدار أني حتى جاية على لسان أمي أبارك لسي مصطفى على جوازه من بت عمي لأنها تعبانة شوية ومجدراش تاجي بنفسيها

_ رفعت نادرة إحدى حاجبيها حينما ذكرتها صباح بالزواج وردت عليها بنبرة جامدة:-
فيكي الخير أنتِ وأمك يا صباح جوليلها الله يبارك فيكي يا ثريا عجبال ما نفرحوا بولادك

_ رسمت صباح بسمة ولازالت منكسة رأسها وأردفت بنبرة رقيقة لا تشبهها قط:-
يوصل يا خالة أني عوجت جوي ولازمن أعاود دارنا
أصل أبوي يبهدلني، عن إذنك

_ إبتسمت الأخرى ورددت بإعجاب شديد لحيائها وهي تربت على ذراعها:-
يسلم بوكي اللي رباكي زين، إذنك معاكي يا حبيبتي سلميلي على ثريا كاتير

_ أجابتها مختصرة:-
يوصل

_ إنصرفت صباح من السرايا بعد أن بخت سُمها وإستطاعت النجاح فيما فعلته، وقفت نادرة ترمق الطابق العلوي بغيظ شديد، ضر,بت طرابزين السُلم براحة يدها ورددت من بين أسنانها بغضب:-
على جثتي لو الجوازة ديي تمت يابنت صابر وسنية

***

في غرفة ورد، يقفن الفتاتان حول ورد يحاولن إقناعها على طريقتهم حيث قالت صفاء بنبرة عفوية:-
وافجي يا ورد ومتهمليش الدار

_ أضافت هويدا قائلة بحكمة ورزانة في نبرتها:-
أني مريداش أجولك وافجي كيف صفاء لأنها بت مخبولة في عجلها، بس أن جيتي للحج سي مصطفى ميترفضش واصل أني أعرفه من وجت طاويل جوي أني أكبره بسنة واحدة وقضيت طفولتي معاه وشبابه كله كان جصاد عيني عمري ما شوفته كيف شباب چيله كان متأني وجبل ما يخطي خطوة يكون حاسب لها تمام، وعلى طول خيلان ( مرسوم ) في نفسه إكده، عاجل كيف ما يكون عمره فوج الخمسين مش شاب لساته مكملش التلاتين، فكري زين يا ورد

_ أوصدت عينيها فاختفت زرقاوتاها خلف أهدابها ورددت بعدما أخذت شهيقاً وأخرجته رويداً:-
مخابراش كل حاجة جت فجاءة، مش متخيلة أتجوز أخو جوزي الله يرحمه، مش مستوعبة أصلاً إني بجول على هلال الله يرحمه، لساتي مخرجتش من صدمة موته أجوم أدخل في صدمة جوازة تانية؟!

_ إبتعدت عنهم ورد واستلقت على الفراش بحيرة شديدة واقعة في شباكها لا تعلم كيفية التحرر منها، إقتربت منها صفاء تتوسلها برجاء:-
أني دعيت ربنا إنك متبعديش عننا واصل وأهو اللي حوصل ديه كان الرد على دعايا يعني علامة أنك توافجي

_ إستنكرت هويدا هراء صفاء الذي تحاول به الضغط عليها وأردفت موجهة حديثها إلى ورد:-
سيبك من عجل الجلوص ديي أنتِ تصلي إستخارة وبكرة ربك يحلها من عنديه

_ وجهت هويدا بصرها على صفاء وأمرتها:-
وأنتِ جومي عشان نخلصوا اللي ورانا

_ كادت أن تعارضها لكن نظرات هويدا كفيلة لأن ترعب صفاء وترغمها على الخروج معها بدون نطق حرف زائد، نهضت ورد من مكانها ما أن خرجن الفتيات من الغرفة وتوضأت وشرعت في الصلاة تستخير ربها أن يلهمها الصواب في تلك المسألة عاجلاً ..

_ في اليوم التالي، رمشت ورد بأهدابها عدة مرات لكي تعتاد ضوء الشمس التي تغازل عينيها من خلف زجاج النافذة، تقوس ثغرها الوردي بإبتسامة عفوية، مطت ذراعيها في الهواء لترخي من تشنج عضلاتها، نهضت من مكانها بنشاط على غير عادتها في الأيام الماضية

_ لمحت طيفها في المرآة فتحركت تلقائياً نحوها ووقفت تطالع صورتها المنعسكة بتفحص، إنتبهت لراحة جوفها المريبة، إتسعت مقلتيها على آخرهم وتمتمت بذهول:-
أني مرتاحة!

عُرف صعيدي
الفصل السابع
( خضوع )
______________________________________

_ أحداث سريعة متتالية خلف بعضها قد حدثت دون سابق إنذار، خادمات السرايا تركضن في عجالة من أمرهن يحاولن أن ينتهوا من طهي الطعام الذي أمر به خليل ليكفي المدعوين على عقد القِران

_ يقفون عُمال الفِراشة يُعِدون الحديقة بالسُرادِق المزينة بروسومات الأعراس كما يعلقون الأنوار التي أضافت لمسة مبهجة للسرايا لم يتركوا أي أنش وزواية إلا ووضعوا بها الزينة فاليوم ليس أي مناسبة أنه زفاف مصطفي الإبن البكري للعمدة..

_ ضجة لا يوجد سواها في الوسط، الأرجاء مزدحمة بالعُمال ورجال العمدة المتراصين في كل ثغره في الحديقة حاملين أسلحتهم على أكتفاهم يستعدون لأمرٍ من العمدة للبدء فيما يجيدون فعله، بدأ المدعوين في الهطول متفاجئين بالتحضيرات المذهلة التي أقيمت في ساعاتٍ قليلة

_ مكثن النساء في مجلس قد أقيم خصيصاً لهم داخل السرايا لألى يراهم أحد من الجنس الآخر، وقفت ورد أمام فراشها تطالع عبائتها البيضاء المطرزة باللمسات الذهبية الموضوعة أعلاه، سارت نحو المرآة وصوبت بصرها على خصلاتها المموجة التي أطلقت سراحهم يتغنجن مع هواء المكيف

_ لازال عقلها غير آبِه لفكرة زيجتها من رجل آخر لا تعرف طباعه، أهو حنون ولين الأسلوب كما يخبرنها الفتيات، أم يمتلك تصرفات قاسية وطباع حادة؟
هي لم تراه سوي مرات معدودة وتعاملاته معها محدود للغاية فلم تستشف منهم أي صفه قد يكون يمتلكها..

_ عادت بذاكرتها إلى وقت وصول والدتها إلى السرايا تريد المضي سوياً مبتعدين عن البلدة ومشاكلها التي لا تنتهي حيث فاجئتها ورد بردها:-
أني مرتاحة ياما مش حاسة بالخنجة اللي كنت حساها جبل اليوم

_ رمقتها السيدة سنية بذهول فهي لم تعتقد هذا الرد منها مطلقاً، لقد حسمت أمرهم على العودة مع شقيقها ما هذا الأن؟
سترضخ أبنتها لتلك الزيجة!
كيف ستواجهه إن كُشف أمر حمدان وفعلته؟!
ط بالتأكيد ستنال جزءاً من انتقامه ولن يصدق عدم علمها بالأمر

_ حاولت سنية أن توصد جميع الأبواب في وجهها لعلها تعود إلى رشدها وتوافق على الإبتعاد عن هنا لطالما حلمتن كلتاهن بذلك لكن ظهور خليل في تلك الأثناء حتماً سيؤثر على قراراتها التي حاولت جاهدة أن تقنعها بهم.

_ قابلهم خليل بإبتسامة عريضة مرحباً بهم بحفاوة:-
السرايا نورت يا أم ورد

_ وجه حديثه مباشرةً إلى ورد بصوت متحشرج:-
قررتي إيه يا ورد عاد؟

_ إبتلعت ورد ريقها فهي لم تصل إلى إتفاق يرضيها كما يرضي والدتها، وزعت بصرها بين خليل ووالدتها لا تدري ما عليها قوله، إستشف خليل توترها التي وقعت بين طياته وحاول أن يقلل من إرتباكها بنبرته التي لانت بعض الشيئ:-
محدش هيجبرك على حاجة يا ورد جولي اللي في جوفك

_ نظرت ورد إلى والدتها النظرة الأخيرة قبل أن تجيبه بإرتباك حرِج:-
أني مخرباش أجول إيه بس حاسة إني مرتاحة مش مضايجة كيف اليوم السابج

_ تهللت أسارير خليل بسعادة غامرة قد دقت طبول قلبه، إنعكست سعادته على ملامحه فابتسم عفوياً ونادي بصوته الجهوري:-
صفية، هويدا، صفاء

_ جئن ثلاثتهن مهرولين بذعر إثر ندائاته المستمرة دون توقف، وقفن أمامه وقد تولت صفية الرد عليه بتوجس:-
خير يا عمدة؟

_ هلل عالياً ببهجة تتحدث عن نفسها:-
كل خير يا صفية

_ وزع بصره عليهم وأضاف بنبرة متحمسة، يتلهف لإخبار الجميع بموافقة ورد:-
زغرطوا يا بنات خلوا أهل البلد تسمع إن اليوم فرح مصطفى على ورد

_ شهقن ثلاثتهن من هول المفاجأة، تحولت ملامحهن تدريجياً إلر السعادة حين استشففن الأمر، تبادلن النظرات بفرحة أسرت قلوبهم من فرط جمال الخبر الذي أخبرهم به خليل

_ تعالت أصوات الزغاريد مبدين سعادتهم الواضحة كما أمر خليل رجاله بإطلاق النيران ليعلموا الغائب أن هناك مناسبةٍ في سرايا العمدة

”عسران يا عسران”
نادي خليل بنبرته الجهورية فجائه عسران راكضاً يلبي ندائه:-
أمرك يا عمدة

_ أخبره خليل بما يريده أن يفعله بقوله:-
رايدك تخبط بنفسيك على دار دار في البلد وتعزم كل أعيانها وكبراتها وتجولهم فرح ولِد العمدة النهاردة وتعاود طوالي عشان ورانا تجيهزات ياما بدنا نخلصوها جبل ما الناس تهل

_ أماء له عسران بطاعة ومن ثم إنصرف لكي ينهي ما أمره به خليل سريعاً ويعود إليه حتي ينهوا بقية الترتبيات

_ جذبت السيدة سنية ورد من ذراعها وأبعدتها عن أعين خليل وهمست محذرة وهي تطالع المكان من حولها تتأكد من عدم سماع أحدهم لما ستردفه:-
اتخبلتي في مخك إياك، تجدري تجوليلي هتجولي لمصطفيطى إيه لما يعرِف أنك بت بنوت؟

_ إتسعت حدقتي ورد بصدمة إعتلتها حينما ذكرتها والدتها بالحقيقة المريرة، حتماً ستنقلب حياتها رأساً علي عقب ما إن علم مصطفي بعدم زوال عذريتها..

_ إزدردت ريقها وسعلت بشدة، ضر,بت سنية على ظهرها بخفة حتى عادت ورد إلى طبيعتها، شعرت بغصة مريرة في حلقها ناهيك عن الأفكار السوداء التي عصفت بها، أوصدت عينيها لبرهة ومن ثم أعادت النظر إلى والدتها وقالت متسائلة:-
وبعدين ياما هنعملوا إيه في المصيبة ديي؟

_ حركت سنية رأسها مستنكرة تصرفها الأرعن الذي أوقع بهم في ورطة كبيرة، حاولت أن تجمع شتاتها لكنها فشلت وهي تري الجميع يركض من حولهن يعدون تجهيزات العرس، لم يعد هناك ما يمكنهم فعله حتى لا يملكون حق الرفض الأن..

_ صوبت السيدة سنية بصرها على ورد بقلة حيلة لا تملك سوي المآزرة فقط:-
منملكوش غير إننا نكملوا اللي بدأتيه يا بت بطني ونسيبها على ربنا، ربنا يستر ويعديها علي خير

_ على الجانب الآخر، وقفت نادرة تتابع ما يحدث من خلف باب غرفتها بغضب عارم وعدم رضاء، لن تتحمل هرائات خليل أكثر من ذلك، نادت عليه بنبرة مليئة بالغضب فجائها بعد مدة متسائلاً:-
رايدة مني ايه؟

_ جذبته من ذراعه وأجبرته على الدخول للغرفة ثم وقفت مقابله والشر ينطق من عينيها:-
الجوازة دي مهتمش يا خليل، البت مشيها بطال يا راجل ترضاها لولدك؟

_ قطب جبينه وردد مستاءً:-
وااه هي حصلت ترمي البت بالباطل يا ولية، جبتي منين الحديت الماسخ ديه؟

_ أشاحت بوجهها عنه ووضعت كلتي يديها في منتصف خصرها وأجابته بإزدراء:-
مش مهم جبته منين المهم إني عرفت حجيجتها وخلاص

_ نهرها بعصبية سببت بوقوف شعيرات جسدها:-
شوفتيها بعينك؟ سمعتيها بودانك؟

_ إعتدلت نادرة في وقفتها وطالعته لبرهة ثم نطقت بتلعثم:-
لاه

_ هاجمها خليل فور نفيها لأسئلته بنبرة محتقنة:-
إحنا عُمي مبنجدرش نفرج بين اللي مشيها بطال واللي بتخاف ربنا

_ إقترب منها بخطوات ثابتة وواصل حديثه المسترسل:-
عارفة اللي بيرمي الناس بالباطل عقابه إيه؟
( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )

_ بصق خليل أرضاً ثم مسح على فمه بإبهامه وأضاف:-
هعمل إني مسمعتش حاجة واصل لكن لو الحديت ديه اتكرر تاني صدجيني هعمل بلي ربنا أمر بيه وإوعي من جدامي إكده

_ حركت رأسها عفوياً مع خروجه، كزت على أسنانها ببغض شديد وتمتمت داخلها:-
بكرة تندم يا خليل بس أني اللي هجف جصادك ومهتجدرش تفتح خشمك وجتها

______________________________________

”ورد يا ورد”
_ انتبهت ورد لذلك الصوت من خلفها، إلتفتت لتعلم مصدره، قطبت جبينها بغرابة حينما رأته يقف على مقربة منها يفصل بينهما باب السرايا، كادت أن تقترب منه لولا أن منعتها السيدة سنية وهي تطالعه بضيق:-
متتحدتيش معاه أني هروح أشوفه رايد إيه

_ عقدت ورد ما بين حاجبيها بتعجب من أمرها وسألتها بفضول:-
هو ناداني أني مجالش مرت عمي هشوفه رايد إيه وعاود طوالي

_ تحركت ورد مسرعة قبل أن توقفها والدتها ثانيةً وأقتربت منه تاركة بعض المساحة بينهم، حمحمت بإستيحاء ورددت متسائلة:-
محتاچ حاجة يا طاهر؟

_ آذابت قلبه بنطقها لاسمه التي إفتقد سماعه بنبرتها المبحوحة، منذ متي ولم يحدث أي حوار بينهم، إشتاق إليها وشوقه ظاهر على ملامحه وطريقته في الحديث، تعجبت ورد من عدم رده عليها وأعادت سؤالها بنبرة تميل إلى الحيرة من أمره:-
هتجف تبحلج فيا كاتير جول رايد مني ورايا تجيهزات ياما

_ إنتبه لآخر ما تفوهت به وأعاد النظر إلى ما يحدث في الحديقة من تعليق الأنوار والزينة وردد متسائلاً على أمل أن تنفي ظنونه:-
التجهيزات ديي عشان مين يابت عمي؟

_ أخرجت ورد تنهيدة ثقيلة من جوفها وأجابته وهي تتابع تعليق الأنوار بزرقاوتيها:-
فرحي على مصطفى لساك معلمتش!! ديي البلد كلاتها جالهم الخبر وهما في دارهم

_ أكدت حدسه الذي حاول جاهداً أن يقاومه ويخشي سماعه، ها هي الأن وبكل سهولة أكدت مخاوفه، طالعها من أعلى وشاحها بنظرات تحمل إشارات معاتبة لكونها سترهق قلبه مرة أخرى

_ لن يتحمل المزيد من آلام العشق الذي سيعيش معه بين أربع جدران، سيعاد كل ما عاشه منذ علمه بزيجتها من هلال ثانيةً، لا والله ليس بتلك القوة التي يراها عليه الجميع حتماً ستنهار عزيمته ما إن كُتب إسمها علي إسم رجلاً غيره

_ حسناً سيفعل آخر ما يمكنه فعله وما سيحدد مصيره في تلك العلاقة ذات الطرف الواحد، سحب نفساً عميق وهو يستعد لسؤالها لكن يخشي إجابتها كثيراً، فتح فاهه وألقى بسؤاله دفعة واحدة قبل أن يتراجع عنه:-
وأنتِ موافجة عليه يا ورد؟

_ ترددت ورد في إجابتها لكن فقط ستجيبه بما تشعر به، أوصدت عينيه لبرهة وقالت بعد أن جمعت قواها:-
مخابراش غير إني مرتاحة، مش الراحة ديي معنتاها إني موافجة بردك؟

_ أاه وألف أاه صدرت من أعماق قلبه المنكسر، ضاعفت جرعتها تلك المرة وتسببت في إشعال نيران قلبه وكما ساعدت على إحتراقه بالكامل بعد تلك الإجابة، أهي حقاً تسأله هو بالتحديد! هو الذي سعي ليجعلها زوجته وكانت الظروف جميعها ضده وبمثابة حاجز هائل يمعنه من الإقتراب منها كلما تخطاه وحاول الوصول إليها

”ربنا يسعدك يابت عمي”
_ تمني لها السعادة لكونها حبيبته لكن لا سعادة لها مع رجل غيره لن يتقبل الفكرة ولو بعد ألف عام، أولاها ظهره وتحرك مبتعداً عنها لكنها أوقفته بسؤالها:-
كنت جاي رايد حاجة؟

_ أجابها بقلبٍ يحترق دون أن يلتفت:-
معدلوش عازة اللي كنت رايده

_ إنصرف سريعاً ما إن أنهي جملته تاركها شاردة في جملته التي لم تفهم معناها، إنتبهت على صوت والدتها الذي قطع حبال شرودها:-
كان رايد إيه عاد؟

_ ردت عليها ولازالت عينيها مثبتة على طيفة الذي يختفي رويداً رويداً من أمامها:-
مجالش، كانه كان رايد يجول حاجة بس أول ما علم بجوازتي من مصطفى بطل يجول

_ حاولت سنية إشغال عقلها بعيداً عن طاهر:-
سيبك منيه تعالي نطلعوا أوضتك البنتة شيعوا للمزينة تاجي تزوجك

_ أماءت لها بقبول لكن مازال عقلها منشغل مع حديث طاهر، ودت لو أصرت عليه وعلمت منه ما يوجد خلف كلماته المريبة بدلاً أن تؤكل فصوص عقلها من فرط الفضول..

_ بحثت بعينها علي خالها وعندما لم تجده تسائلت عنه بفضول:-
خالي إختفي فين لساته كان واجف إهنه

_ ردت عليها سنية موضحة سبب إختفائه المفاجئ:-
راح يجابل مرته وعياله على أولة البلد

_ قطبت جبينها بغرابة ورددت:-
هما لحجوا يوصلوا

_ رفعت سنية أكتفاها بعدم علم كافٍ لسؤال ورد وقالت:-
مخابراش هو جالي أكده هجعد أسئله أسئلة ملهاش عازة عاد، همي بينا نطلعوا الأوضة

_ إنتبهت خبيرة التجميل من وضع آخر لمساتها من المساحيق التجميلية ونظرت لورد بتفحص تتأكد من تمام عملها ثم سألتها باهتمام:-
ها يا عروسة إيه رايك؟

_ لم تجيبها ورد فهي غارقة في أفكارها، لوحت الأخري بيدها مشيرة إليها لكي تجذب انتباهها قائلة بمزاح:-
مين سعيد الحظ اللي عتفكري فيه وواكل عجلك بالشكل ديه؟

_ تدخلت صفاء وأجابتها ببسمة عريضة:-
أكيد سي مصطفى هو في غيره

_ عادت ورد إلى أرض الواقع ما إن صغت إلى إسم مصطفى، وزعت نظراتها عليهم في حالة توهان مريبة، ضحكن الفتيات على مظهرها، قطعت ضحكاتهن هويدا حين أردفت:-
من دلوك واكل عجلك أومال كمان ساعة هياكل إيه؟

_ أضافت صفاء فور إنتهاء هويدا من حديثها قائلة:-
معلوم هياكل جلبها

_ تعالت ضحكاتهن وأخيراً استوعبت ورد ما يرميان إليه وردت عليهم بتهكم:-
بكفياكم مجلسة عليا يا بنات أني متوترة خلجة

_ رفعت صفاء يديها للأعلي ورددت بتمني:-
نفسي أتوتر كيف توترها إكده يارب

_ لم يتمالكن أنفسهن وإنفجرن ضاحكين على عفويتها في الدعاء، توقفن عن الضحك حين أعادت المزينة سؤالها باهتمام:-
بكفياكي ضحك يا عروسة وطمنيني اللوك عجبك ولا عندك تعليجات عليه؟

_ نهضت ورد من مكانها ووقف أمام مرآتها، إتسعت حدقتيها بذهول شديد حين وقع نظرها على صورتها المنعسكة، لوهلة لم تتعرف عليها وكأنها إمرأة أخري غير التي إعتادتها، فغرت فاها وهي تطالع ملامحها التي إختفت تماماً أسفل المساحيق ورددت ببلاهة:-
أنتِ عملتي فيا ايه؟
أني معرفانيش واصل كاني واحدة تانية غيري

_ إنفجرن الفتيات مقهقهين عالياً، ردت عليها من بين ضحكاتها:-
أيوة يعني زين ولا عفش؟

_ إلتفتت إليها ورد بعد أن إكتفت من النظر إلى ملامحها وأجابتها بتلقائية عابثة:-
زين زين اللوك اللي عتجولي عليه ديه

_ تقوس ثغر الأخري ببسمة عريضة مبدية سعادتها فور علمها بإعجاب ورد لزينتها وهتفت وهي تجمع أدواتها:-
على خير يا عروسة ربنا يتمم لكم على خير يارب، همشي أني عشان عيندي عروسة تانية

_ إعترضت هويدا قائلة:-
مش هتهملي البيت جبل ما تتضايفي لاول

_ حاولت الإعتراض لكنها في الأخير وافقت تحت إصرار هويدا، خرجن من الغرفة كما رافقتهم صفاء بعد خروجهم مباشرةً لكي تحضر مياه وبعض الطعام لورد ..

_ تذكرت ورد بحقيقتها التي لازالت عليها، كيف ستخبره بذلك، ليست بتلك الجرأة لكي تقف أمام مصطفى الجبلاوي وتشي بإستمرارية عذريتها، على الرغم من عدم خلق أي حوار سابق لهما سوياً إلا أنها ترتابه، له هيبة وحضور يجبر من يقف أمامه أن يخشاه، ستخبره هي أم تتركه يعلم بمفرده؟ في النهاية مهما تعجب من كونها عذراء سيسعد لكونه أول لمسة بل يكون في الإعتبار أنه اول رجلاً في حياتها..

_ رددت داخلها بكلمات تُطمئِن بها قلبها إلى أن هدأت تدريجياً، إنتبهت لطرقات الباب فسمحت للطارق بالدخول، إنتفضت من مكانها بسعادة بالغة حينما رأت بنات خالها

_ هرولت إليهن مسرعة وضمتهم بكل ما أوتيت من قوة فلقد فاق إشتياقها لهم لم تراهم منذ أشهر عدة، بادلاها العناق بحب بالغ فكلتاهن يعشقونها كما يقتدون بها لأنها أكبرهم عمراً وعقلاً ..

_ إبتعدت عنهن بصعوبة ورددت بشوقٍ بائن في نبرتها:-
إتوحشتكم جوي يا بنات

_ أجابها في نفسٍ واحد بلهجهتم المصرية:-
وأنتِ كمان وحشتينا أوي

_ هتفت إحداهن بسعادة:-
مصدقناش لما بابي قالنا أنك هتتجوزي والنهاردة فرحك لحقتي تجهزي حاجاتك؟

_ قطبت ورد جبينها وأردفت بتلقائية:-
الموضوع جه بسرعة جوي يا بنات أني الصبح جولت موافجة ودلوك توني مخلصة المكياج أهاه ومعتش إلا العباية

_ شهقت الأخرى بصدمة لم يستوعبها عقلها الصغير وأردفت بعدم تصديق:-
كل ده حصل النهاردة بس!! انا تقريباً لما أجي أحضر لفرحي هبدأ من اليوم اللي هوافق فيه على العريس عشان الوقت يكفيني

_ علقت شقيقتها الصغري على حديثها مازحة:-
وممكن متلحقيش كمان يا أسما

_ قهقهت أسما وردت عليها مؤكدة:-
عندك حق والله

_ شاركتهم ورد المزاح قائلة:-
أني بردك بدأت أحضر من وجت ما جولت موافجة يعني مفرجتش كتير ياست أسماء

_ حملقت أسماء بها لوقت ثم إنفجرت ضاحكة حين إستشفت صحة حديثها وقالت:-
طب والله أقنعتيني

_ إبتسمت لها ورد ووجهت حديثها إلى المدللة الصغيرة وسألتها مستفسرة:-
وأنتِ ياست عيشة عاملة إيه في الثانوية العامة؟

_ شهقت بصدمة جلية فتوجست ورد خيفة في نفسها مما تفوهت به وسألتها بإرتباك حرِج:-
أني جولت حاجة غلط ولا إيه؟

_ أسرعت بالرد عليها موضحة:-
عيشة إيه يا ورد؟ كويس أن محدش سمعك قوليلي أش

_ عقدت ورد حاجبيها بغرابة ورددت متعجبة:-
أش! طلعت ميتي أش ديي ما أني علي طول بجولك يا عيشة

_ إحتدت ملامح الأخري بضيق ورددت:-
أيوة ده كان زمان إنما الوقتي أش أو عائش أو ممكن تنادي بعائشة وخلاص لكن عيشة دي إنسيها خالص برستيجي يضيع لو حد سمع أن أش اللي عندها One hundred thousand followers على إنستجرام بيتقالها عيشة!، ينهار أبيض مش متخيلة بجد

_ فغرت ورد فاها ببلاهة ورددت بعدم فهم:-
طيب وان وفهمناها بجيت الحديت ديه معناته إيه؟

_ ضحكت عائشة بسخرية بينما لكزتها أسما في ذراعها لتكف عن سخافاتها الأن كما أرسلت إليها نظرات موحيه تحثها علي التوقف وقالت:-
سيبي فلورزك دول على جنب النهاردة مش وقتهم خالص

_ وجهت بصرها على ورد وأضافت مبدية إعجابها بها:-
طالعة زي القمر يا ورد بجد ما شاءالله يابخته بيكي

_ إقتربت عائشة من شقيقتها وطالعت ورد بأعين يشع منهما الحماس وسألتها بفضول:-
إلا هو فين عايزة أشوف شكله إيه؟

_ حركت ورد رأسها بتهكم وقالت:-
أني نفسي معرفاش شكله إيه بشوفه من بعيد لبعيد

_ إتسعت حدقتي عائشة بدهشة لحديثها لكنها لم تعلق كما أنها لن تتخلي عن رؤيتها له، إبتعدت عنهم وهتفت:-
انا نازلة لعمتو هي توريهولي

_ إنسحبت للخارج فور إنتهائها من الحديث فأثارت ضحكات الأخريات عليها، حركت أسما رأسها مستنكرة تصرفاتها البلهاء التي لا تليق بها ورددت مستاءة:-
مش هتتغير أبداً

_ دنت منها ورد وأمسكت ذراعها ط، غمزت إليها وسألتها بفضول:-
سيبك منيها وجوليلي مفيش جاديد مع حب عمرك

_ لم تتمالك أسما ضحكاتها التي إنطلقن من خلف عفوية ورد وأجابتها بعد مدة حين إستطاعت السيطرة على ضحكاتها:-
حب عمري ياستي والده اتوفي قريب وطبعاً كل اللي كنا مخططين له بخ طار، لأن هو وحيد ومش هيقدر يسيب مامته لوحدها ويسافر يحضر الماجستير والدبلومة في أمريكا زي ما كان مخطط فالدنيا ملخبطة أوي معاه ومش عارف ياخد خطوة الخطوبة الا لما يستقر الأول

_ طالعتها ورد بتأثر وربتت على ذراعها داعمة لها وقالت:-
ربنا يجرب البعيد وتبجوا لبعض جريب إن شاء الله

_ إلتوى ثغر أسما للجانب مُشكلة إبتسامة ممتنة لها:-
ربنا يخليكي ليا، سيبك مني ويلا نكمل بقيت التجهيزات

_ شعرت ورد بالراحة لكونها بجانبها فهي تَكِن لها الحب وتعتبرها شقيقتها وليست إبنة خالها، مدت أسما يد العون لورد بكل حب وسعادة الي أن إنتهت ورد من تحضيراتها..

______________________________________

_ بهيبة وقامة منتصبة يقف أمام مرآته يرتدي عبائته أعلى جلبابه، رمق صورته المهندمة برضاء كامل لمظهره الجذاب، أنتبه لصوته الخشن الذي أخرجه من شروده:-
كانك رضخت يا ولِد العمدة؟

_ طالع صورة صديقه المنعكسه في المرآة بتهكم وأجابه بإزدراء:-
شكلك إتوحشت الض,رب يا أبو عمو

_ قهقه عالياً وهتف مازحاً:-
لا وأنت الصادج هبجي عم العيال جريب

_ حرك رأسه مستنكراً هرائاته التي لا تنتهي ولن يتوقف قبل أن يجبره هو على الصمت، إستدار إليه ورمقه بنظرات مشتعلة فتوجس الآخر خيفة في نفسه من خلف نظراته وتراجع للخلف مردداً ط:-
خلاص ياعم متبحلجش فيا إكده

_ إلتوي ثغره بثقة لهيبته التي أثارت ذعر الآخر وأردف بعجرفة:-
مصطفى الجبلاوي هيبته سابجه خطوته والكل يخافه

_ رفع ضيف شفتاه العليا بإستنكار شديد وعارضه بفرد قوته في حديثه بنبرة صارمة:-
أني اللي بديلك الفرصة يا إبن الجبلاوي أنت هتسوج فيها ولا إيه؟

_ إقترب منه مصطفى بخطى ثابتة خشاها ضيف وتراجع للخلف، قهقه مصطفي عالياً من خلف خوفه المرسوم على تقاسيمه الذكورية، ربت على كتفه لكي يطمئنه:-
إجمد إكده ومتبجاش خِرع وبتركب الهوا من مفيش

_ ضغط مصطفى على كتفه فلم يتحملها ضيف وخر واقعاً، صعق مصطفى مما رآه فهو لم يكن بتلك القوة معه إذاً ما الذي حدث ذاك؟

_ علق على وضعه ساخراً:-
يخربيت عجلك يا ضيف ده أنت مش محتاج تتجوت بالوكل ده أنت محتاج معونة من أمريكا

_ رمقه الآخر بغيظ شديد، نهض سريعاً وتحرك مبتعداً عنه، إبتلع ريقه قبل أن يردف:-
أني تحت لما تخلص إبجي تعالي بدل ما تكسرلي أيد ولا رجل

_ إنعكست ملامح مصطفيطى إلى الضيق فور خروجه ضيف من الغرفة، أوصد عينيه لبرهة يحاول أن يقنع عقله بإرتداء ثوب اللامبالاة إلى أن ينتهي اليوم بسلام..

_ شهيقاً وزفيراً فعل هو قبل أن يخرج من الغرفة إرتفعت الزغاريد في أرجاء السرايا ما إن ظهر طيف مصطفى في الوسط، لمحه خليل من على بُعد فجائه بشموخٍ يُبدي إعجابه بطلته التي دق القلب طرباً لجمالها:-
إسم الله عليك يا ولدي طلتك ولا الجمر ربنا يبارك

_ لم يستطيع مصطفى أن يجاريه هو خصيصاً فلم يعلق على ما قاله وإلتزم الصمت، لاحظ خليل صمته عن المعتاد فأظهر إهتمامه بسؤاله الذي طرحه عليه:-
مالك يا ولدي كانك مش مبسوط إن اليوم فرحك

_ بالتأكيد يمازحه، لم يتمالك مصطفى ضحكاته على سذاجة سؤال والده، حرك رأسه مستنكراً قبل أن يجيبه ببسمة زائفة:-
أكيد بتهزر يا بوي مش إكده؟ كيف يعني مش هكون مبسوط دي الليلة ليلتي وانى العريس

_ شعر خليل بالراحة تجتاحه من خلف حديث مصطفى، دنى منه وربت على ظهره بحنو أبوي وتمني له التوفيق:-
ربنا يسعدك يا ولدي وتملي لنا السرايا كوم عيال

_ رُفع حاجبي مصطفى تلقائياً بعد إصغائه لحديث والده وسايره في ترهاته:-
بس إكده عنيا التنين أنت تؤمر بس وأني أنفذ طوالي

_ ظهرت إبتسامة سعيدة على وجه خليل ثم إستأذن وانسحب للخارج لكي يرحب بضيوفه، كز مصطفى على أسنانه بغضب يحاول كظمه قدر المستطاع، وقف يجمع شتات وجدانه ثم سار على خطى والده للخارج لكي يتلقي المباركات والتهنيئات من قِبل أهالي البلدة حتى يؤدي دوره على أكمل وجه..

______________________________________

_ إجتمعن نساء البلدة في المجلس الذي تجهز خصيصاً لهن، بدأن الهمزات واللمازات بينهن فوصلت إلى آذان ورد، شعرت أنها كالعارية بدون ثياب من خلف أحاديثهم التي تؤكد بغضهم لزيجتها من الأخوين

_ لم تفارق الإبتسامة وجه السيدة نادرة على عكس نيرانها التي تتأجج داخلها كلما تقابلت مع ورد في نظرة مشتركة، لا تريدها لا ترضي كونها سرقت ولديها فالصغير رحل وفارق الحياة فلن تتحمل فراق الآخر بسبب شؤمها السيئ كما تعتقد

_ ولجت صباح برفقة ثريا باحثة بعينيها عن ورد، لا يستوعب عقلها إتمام الزواج بعد تصرفها الداهي أمس، كانت قد تيقنت بأن خطتها سارت عليطى النهج الصحيح ما إن رأت ملامح السيدة نادرة بعد سمعاها لما قالته عن ورد، إذاً ما الذي تغير الأن ليكتمل هذا الزواج اللعين؟، ازداد حقدها ما إن وقع بصرها على ورد التي تشبه البدر في ليلة تمامه، لم تستطيع الصمود أمام ما يحدث وعزمت أن تعكر صفوها في تلك الليلة

_ إقتربت منها مُشكلة بسمة ودية زائف وهللت متصعنة سعادتها البالغة:-
مُبارك عليكي يابت عمي

_ مالت بقُرب أذنها وأضافت هامسة:-
ربنا ما يغير عليكي تاني أصل يبجي حديت الناس صوح

_ إبتعدت عنها وطالعتها بنظرات متشفية وتابعت بحقد:-
بيجولوا شومك عفش ومبيعمرلكيش دار!

_ صعقت ورد مما وقع على مسامعها، شعرت بغصة مريرة في حلقها، وقعت كلمات صباح عليها كالسيف الذي شقها إلى نصفين، وأخيراً حركت قدميها وفرت هاربة بعيداً عن تلك البغيضة التي نجحت في تعكير صفوها لطالما حاولت تصنع اللامبالاة من خلف لمزات الحاضرين ..

_ مكثت ثريا في أبعد ركن في المجلس وحيدة بمفردها، جائت على مضضٍ فلقد فقدت شهيتها في الحياة من خلف شجارها الدائم مع حمدان الذي يصل نهايته إلى التطاول بالأيدي والسب المهين، أوصلتها تصرفاته للإنتحار الذي لازم تفكيرها في الاونِ الأخيرة، عادت إليها صباح بعد أن شعرت بقليل من التحسن حينما نجحت في فوران د,ماء ورد وتعكير صفوها ..

______________________________________

_ وضع إمضته على كافة الأوراق المطلوبة ليكتمل عقد الزواج، صدح صوت إطلاق الرصاص ما أن سلم مصطفى العقد للمأذون، إستعان ضيف بعصي أحد الحضور وسار نحو مصطفى الذي يتلقي المباركات من أقاربه وأصدقائه، لكزه في كتفه فاستدار إليه مصطفى يعلم هوية الفاعل، بالتأكيد ضيف من سيجرأ عليطى فعل ذلك غيره..

_ غمز إليه بمرح وهو يحمسه إلى الرقص مشيراً بعصاه:-
ما تورينا همتك يا عريس

_ تعالت أصوات الشباب مشجعين مصطفى على فعلها، لَقِفَ منه العصا فتعالت التصفيقات وصدح تصفير الشباب مهللين بحماس شبابي

_ أخذ ضيف عصا أخري من أحدهم وإقترب من صديقه وبدأ الرقص معه فور بدأ الدبكة الصعيدية ( المزمار )، صياح الشباب كان بمثابة تشجيع لكليهما على أن يفوز أحدهم على الآخر وبعد مدة هلل الجميع في سعادة بعد أن نجح مصطفى في إسقاط عصا ضيف أرضاً

_ تحمس الشباب أكثر وبدأو في الهطول واحد تلو الآخر يريدون التغلب عليه لكن هيهات لمصطفى لم يترك لهما مجالاً أن يصمدوا دقيقة أمامه، لقن الجميع درساً ليفكروا قبل أن يقفوا ضده بعد الآن

_ هتف ضيف مازحاً بصوت عالٍ ما إن فاز مصطفى عليهم جميعاً:-
عريس ومن حجه يدلع

_ قهقهة الشباب غطت علي أصوات الآخرين من خلف مزاح ضيف، إقتربوا منه أبناء عمته (صالح وعرفان)، حيث بدأ صالح بحديثه قائلاً:-
مبروك يا ولِد خالي عجبال ما نشيلوا عيالك

_ ربت مصطفى على ظهره وأجابه بود:-
الله يبارك فيك يا صالح عجبال ما تفرح بولادك

_ رد عليه ممتناً دون تفكير:-
تسلم يا غالي

_ شاركهم عرفان في الحديث بصوته الأجش:-
ربنا يتمم لك على خير يا حبيبي

_ أجابه بنبرته الرخيمة:-
حبيبي يا عرفان عجبالك عن جريب

_ أضاف الآخر مازحاً:-
عمتك فاتها بتجلع في شعور البنتة جوا دلوك، مش بعيد تكون إشترت بندج مخصوص عشان تخليهم يكسروه

_ ضحك ثلاثتهم على داعبة عرفان ومن ثم إنسحب مصطفى من بينهم بهدوء دون أن يلاحظه أحد، يشعر بالإختناق الشديد وكأن المكان يطبق على صدره يصعب عليه التنفس وسط ذاك الحشد الموجود بالخارج

_ ولج داخل السرايا من الباب الخلفي الذي وصل منه إلى المطبخ مباشرةً ولم يشعل المصباح الكهربي حتى لا يثير الإنتباه نحوه، توجه نحو القارورة الفخارية يرتشف بعض المياه ليبلل حلقه الجاف، أنتبه لحركةٍ ما خلفه فاستدار عفوياً ليعلم هوية الدخيل

_ في تلك الأثناء أشعلت الإضاءة وتفاجئت بوجوده في المكان، خفق قلبها رعباً حين وقع بصرها عليه فهي لم تعلم بوجود أحد في المكان، على الجهة الأخرى لم يستطيع مصطفة إبعاد نظريه عنها فلقد أشعلت لهيب الشوق في قلبه الذي إزدادت نبضاته عن معدله الطبيعي، لا يدري من أين جائت ولا يهمه لكن ما يحدث له مريب لم يشعر به من قبل

_ إنصرفت هي مسرعة إلى الخارج بارتباك جلي بسبب نظراته التي وترتها بينما لم يرفع هو نظره عن مكان اختفائها، كانت ثوانٍ معدودة إلا أنها استطاعت قلب كيانه بالكامل، إزدرد ريقه بصعوبة وحاول جمع شتات نفسه التي ضعفت تماماً أمام ذلك الجمال..

_ حمحم عالياً يعدل من نبرته المتحشرجة ثم ألقى نظرة سريعة على المكان ذاته على أملاٍ أن يراها مرة أخرى، تأكد أنه لن يجدي نفعاً بوقوفه في المطبخ فلقد تبخرت ولن يراها ثانيةً ..

_ خرج إلى الحديقة وعقله مشغول بتلك الفتاة التي رآها، هو عليطى علم بأن فتيات البلدة يخلعن وشحاهن في أي مناسبة منفصلة، من منهم هي إذاً؟

_ لم يستطيع إخراجها بتلك السهولة من عقله ومكث بقية الجلسة لا يفعل شيئ سوي رسمها في مخيلته كلما شعر بأنها تختفي رويداً رويداً من عقله إلى أن زالت تماماً منه، إحتدت ملامح مصطفى بضيق بائن وأُحبط حين نسي ملامحها الجميلة ولم يعد يستطيع رسمها مرة أخري ..

_ إنتهي العرس سريعاً علي الحاضرين إلا على مصطفى الذي شعر ببطئ مرور الوقت، يشعر بشيئ ثقيلاً في جوفه لا يريد إكمال ما يجبره والده على فعله، أليس من حقه أن يتزوج بفتاة يختارها هو بأم عينه، مثل تلك الفتاة التي رآها في المطبخ، صدفة لم تكن في الحسبان لازال قلبه يحتفظ بأثرها إلى الأن

_ وقف مصطفى أمام مجلس النساء ونادي بنبرته الرخيمة على صفية فجائته مهرولة تلبي ندائه:-
اؤمرني يا سي مصطفى

_ أجابها بإقتضاب:-
نادي ورد

_ طالعته صفية متعجبة من أمره وحاولت أن توضح له الأمر فلم يسبق له الزواج ولا علم له بتلك التقاليد:-
إدخل أنت ياسي مصطفى خد عروستك من بين الحريم مينفعش تخرج لك وحديها

_ لم يتحرك مصطفى من مكانه وأمرها بحدة:-
أني مهدخلش وسط الحريم ناديها تخرج

_ شعرت صفية بعدم تقبله للأمر ولم تعلق فليست على إستعداد أن تنال جزءاً من غضبه الواضح، إمتثلت أوامره وعادت حيث جائت تخبر ورد بأمر مصطفى..

_ تفاجئت ورد بتعلق إحديطى النساء بذراعها فالتفتت إليها فاذا هي عمة مصطفي ( جليلة )، تبسمت لها وعلقت موضحة سبب تشبثها بها:-
أني اللي هوصلك لعريسك يا ورد

_ بادلتها ورد إبتسامة ودودة ثم إرتدت وشاحها خرجت برفقة السيدة جليلة ومن خلفهم بقية الفتيات والمدعوين ولا ننسي السيدة نادرة التي تسير على مضضٍ، أوصلت السيدة جليلة ورد إليطى مصطفى وأردفت متمنية لهم السعادة:-
ربنا يسعدكم يا حبايب جلبي

_ دنى منها مصطفيطى وطبع قُبلة على جبينها مردداً:-
تسلمي يا عميمة عجبال فرحتك بعرفان

_ ربتت جليلة على ظهره ثم مد مصطفى يده بإتجاه ورد دون أن ينظر إليها، رمقت ورد يده لبرهة ثم مدت يدها هي الأخرى لتحتضن خاصته، إختفت يدها بالكامل ما إن أغلق عليها براحة يده، سرت رجفة قوية في أوصالها من خلف لمسته الخشنة، مشاعر عدة اجتاحتها لم تشعر بهم من قبل ط، مزيج من الخجل والارتباك وخليط من الرهبة والحماس ..

_ وصلا كليهما أمام غرفة مصطفي والمآوى الجديد لورد، سحب يده من بين قبضتها الصغيرة بكل هدوء فطالعته مستفسرة:-
هملتني ليه؟

_ لم يجيبها كأنه لم يصغي لسؤالها، إلتفت ونادى بنبرته الجهورية:-
صفية..

_ لا تدري من أين جائها الرعب الذي تملك قلبها وخفق أثره بإضطراب شديد كما قشعر له بدنها وتراجعت للخلف بضعة خطوات إستعداداً لمواجه ما هي مقبلة عليه…

الفصل الثامن
( رد فعل )
______________________________________

_ إجتمع من في السرايا إثر صوت مصطفي الذي دوى في المكان، جائته على عجالة تتعسر قدميها من خلف هرولتها، وقفت أمامه ملبية نداه:-
أمرك يا سي مصطفى محتاچ حاجة؟

_ أشار مصطفى بسبابته على بابٍ ما وقال:-
حضريلي الأوضة ديي هنام فيها

_ صدمة انسدلت وبقوة على الواقفين، فلقد حضر خليل وزوجته أثناء طلب مصطفى لإعداد الغرفة من صفية التي طالعته لوقتٍ تستوعب فيه طلبه المبهم، لا شعور يستطيع أن يوصف مشاعر ورد في تلك اللحظة، مشاعر محملة بالحسرة والخوف ناهيك عن الندم والتسرع

_ إزدرد ريقها ولم تعلم للحديث سبيل، لم تتحملها ساقيها فاضطرت إلى الإستناد على باب غرفتها الجديدة، يا حسرتاه ستمكث بها بمفردها كما في الأيام الماضية..

_ خرجت صفية من شرودها على صوته المرتفع ليجذب إنتباهها:-
واجفة عندك ليه همي جهزي الأوضة

_ أسرعت صفية متجهة نحو الغرفة المغلقة وما تسمي بغرفة الضيافة التي أُحضِرت خصيصاً لمن يأتي دون سابق إنذار، إقترب منه خليل متكأ على عصاه وسأله بجمودٍ:-
بتطلب من صفية تجهزلك الأوضة الجوانية ليه عاد ومالها أوضتك؟

_ سحب أكبر قدرٍ من الهواء لكي يتسع رحبه وأجابه بجمودٍ:-
أنت طلبت أتجوز أو بالمعني الصحيح أچبرتني وأني وفيت ومجصرتش في طلبك بس لحد إهنه يا بوي وانتهت

_ ضاق خليل بعينيه بعدم إستيعاب لمعنى حديثه وسأله بتردد:-
إيه هي اللي انتهت عاد يا ابن خليل؟

_ إحتقن وجه مصطفى وفارت فيه الد,ماء ناهيك عن بروز عروق عنقه الواضحة ودني من والده وأردف بحدة:-
أني مهجدرش أعمل أكتر من أكده أني مشيفهاش غير مرت أخوي وجوازي منيها مش هيغير أي حاجة!

_ أنتبه مصطفى لقدوم صفية فاستدار إليها متسائلاً:-
خلصتي؟

_ أماءت له مؤكدة إجابة سؤاله دون أن تردف بشيئ، فلقد إنحشرت الكلمات داخلها بصدمة لم يبتلعها عقلها إلى الأن، سار مصطفى بخطى متريثة إلى الغرفة الذي أمر بإعدادها واختفي طيفه خلف بابها تحن نظراتهم المصدومة التي تتجلة في أعينهم، إلتفت خليل حيث تقف نادرة فتفاجئ بنظرات التشفي وإبتسامتها التي رُسمت على وجهها بسعادة بالغة، تعجب من أمرها وردد متسائلاً:-
كانك مبسوطة بلي ولدك عمله؟

_ رفعت بصرها عليه ولم تجيبه لوقت ثم قالت بثبات:-
جوي جوي يا خليل، وديه نفسيه اللي حوصل مع هلال الله يرحمه كانك نسيته!، بس أني مههملش ولدي كيف ما هملت التاني يمشي على كيفه وأخرتها عاودلي مجتول، اني راسي براس مصطفى وكتفي في كتفه وكل اللي رايده يوحصل هيوحصل وأني اللي هسانده!

_ تركته مصدوم من خلف حديثها وسارت للأمام بضعة خطوات إلى أن وقفت أمام ورد الشاردة على ذاك الباب الذي إختفي خلفه مصطفى وهتفت بنبرة تميل إلى الشماتة:-
جدمك شوم يابت يا ورد، الرجالة عتطفش منيكي

_ إقتربت قليلاً أكثر إلى أن إلتصقت بها وهمست لها بنبرة أكثر حدة:-
ده مجامك يا بنت صابر أني عيالي كاتير عليكي

_ تركتها وغادرت بعد أن ألقت بسمة سمجة في وجهها وولجت داخل غرفتها تتغنج على ذكرى الأحداث الأخيرة التي جائت على هواها، في الخارج لم تصدر ورد أي ردة فعل عما حدث، فقط تقف مستندة علي الباب وعينيها مصوبتان أمامها كالمخ,درة تماماً ..

_ إقترب منها خليل على إستحياء شديد، فاللوم وقع على عاتقه وحده هو من أجبر ولده على الزواج منها كما أصر عليها بالمكوث وعدم الرحيل مع والدتها، يا ليته تركها تغادر حتى لا يتحمل وزر تصرفات إبنه المتهورة

_ وقف مقابلها لا يعلم أي حديث يردفه أو أي كلمات ستهون عليها في ذلك الوضع المح,زن والمه,ين، لا يدري من أين له بالجرأة التي يقف أمامها ويحادثها من الأساس، إبتلع ريقه وقبل أن يتفوه بشيئ تحدثت هي:-
متجولش حاجة يا عمي مفيش حديت يتجال، عن إذنك

_ أنهت جُملتها وولجت إلي عُشها الجديد بمفردها دون رفيق، أغلقت الباب ووقفت أمامه تطالع الغرفة الحديثة التي بدلها خليل لكي تليق بكونها عروس، إلتوى ثغرها للجانب مُشكلة إبتسامة ساخرة، أطلقت ضحكاتها وهي تطالع الغرفة بحسرة ومن ثم إختفت قهقهتها تدريجياً وتحولت إلى بكاء غزير موجوع

_ بعد مدة ليست بقصيرة إنخفض صوت بكائها رويداً وتحول إلي أنين صامت، لم تريد أن تعتلي الفراش بمفردها لطالما رُسمت عدة مواقف محببة لهما روادتها وهي تشاهد رقصه بالعصا مع أصدقائه بتريث وإتقان

_ أرادت خوض حياة طبيعية معه، لا تعلم لم هو تحديداً فلقد شعرت من قبل بالنفور مع هلال، ربما لأنها لا تريد خلق أل,م آخر والعيش بين ثناياه، فقط تمنت فترة نقاهه تسترد بها إشراقة روحها التي انطفئت وتستعيد رونقها مجدداً ..

_ أحرام عليها العيش في سلام مع رجلاً يعوضها آلامها التي عاشت بينها منذ وفاة والدها؟!، أخرجت تنهيدة متأل,مة وهي تختلس النظر إلى الغرفة الباهتة وكأنها لا ترى ألوانها الزاهية، أوصدت عينيها بأل,م يكاد يخت,رق جوفها وينسدل على أرض الغرفة لعدم تحملها له..

_ أاه
أردفتها بأني,ن خافت وهي تضع راحة يدها يسار صد,رها ثم حل السكون ولم يصدر لها صوت آخر..

______________________________________

_ عادت صفية إلى المطبخ بذهنٍ شارد، عقلها يتأرجح بين الذهاب والإياب لا تستوعب ما حدث أمامها، قطعت حبال أفكارها صفاء بسؤالها الفضولي:-
سي مصطفى كان رايد منيكي إيه عاد؟

_ دنت منها وهمست ببسمة ماكرة عن:-
جولي كل اللي حوصل ومتخبيش عليا أني مبجتش صغيرة

_ سحبت صفية المقعد الخشبي من داخل الطاولة وجلست أعلاه ولازال عقلها لا يصدق ما ساهمت في حدوثه، شعرت بالإختناق لطالما تذكرت تلك الفتاة التي باتت وحيدة كأيامها السابقة، لم تستبشر صفاء خيراً من خلف تلك الملامح الجامدة، أسرعت نحوها وسألتها بخوف:-
ما تجولي ياما في إيه لكل اللي أنتِ فيه ديه؟

_ وضعت صفية إحدى يدها أعلى رأسها مستنده بمرفقيها على الطاولة وأجابتها بخزي مرسوم على تقاسيمها:-
مصطفى خلاني أحضرله الأوضة الجوانية وترك البنية وحديها يا حبة جلبي في ليلة كيف ليلتها ديي!!

_ ذُهلت صفاء مما أردفته والدتها للتو، ماذا يعني هذا الهراء؟ أتُترك الفتاة يوم زفافها وحيدة بمفردها؟ وليست بأي فتاة أنها ورد ذات الأعين الحابسة للأنفاس من فرط جمالها..

_ لم تتردد صفاء في الصعود إليها فلن تتركها تعيش حزنها بمفردها ستشاركها الآلام وإن كلف الأمر تتحمله عنها لن تتردد لحظة، ركضت خلفها صفية مسرعة محاولة إيقافها إلا أن رنين الجرس أوقفها وأجبرها على التوجه عكس وجهتها التي كانت تسير عليها، تأففت بضجر لعدم إستطاعتها إيقاف إبنتها عما تنوي فعله وتابعت سيرها..

_ أدارت مقبض الباب بتذمجر فانقبض قلبها خوفاً ما أن رأت مأمور مركز الشرطة أمامها، إزدردت ريقها بصعوبة ورحبت به بتلعثم:-
اتفضل يا بيه ثواني هنادي على العمدة

_ انصرفت من أمامه مهرولة وصعدت حيث غرفة العمدة، طرقت بابه برفق فأجابها من خلفه بنبرة متحشرجة:-
مين؟

_ أردفت مختصرة:-
أني صفية، مأمور المِركز رايد حضرتك

_ حدثها وهو يلتقط عبائته التي قد خلعها لتوه:-
نازله طوالي ضايفيه أي حاچة

_ حركت رأسها بطاعة وهي تقول:-
أمر جنابك

_ ألقت بصرها على غرفة ورد بعدم إعجاب لوجود إبنتها معها في تلك الأثناء فمهما كان هن ليسوا سوى خادمات السرايا ولا يجدر بهن التواجد مع أسيادهم، إنتبهت على صوته الذي نهرها بعصبية:-
لساتك واجفة مكانك همي ضايفي الراچل

_ أسرعت صفية بخطة غير مستقيمة، تتعسر قدميها من حين لآخر وهي تركض للطابق السفلي لكي تلبي أمر خليل، خرجت السيدة نادرة خلف زوجها ربما تعرف شيئاً جديد عن قا,تل صغيرها..

_ وقف خليل مقابل المأمور وردد متسائلاً بعد أن صافحه:-
ها يا حضرة المأمور جولي أخبار زينة تريح جلبي

_ أخفض المأمور رأسه بخزي شديد، لا يعلم كيف يخبره بذلك لكن عليه أن يدلي بما جاء لأجله فبالأخير سيعلم حتى وإن طال الأمر، حمحم لكي يلين من نبرته الخشنة وقال:-
بصراحة إكده يا عمدة أنا جاي أجولك إننا طول الشهور اللي فاتت ديي موصلناش لأي دليل واحد يجدر يوصلنا لطرف الخيط كن الجاتل فص ملح وداب وللأسف الجضية إتجيدت ضد مجهول!!

_ خبر صاعق إنسدل على خليل ألجم لسانه كما وقع على السيدة نادرة كالخنج,ر الذي ط,عنها بقس,وة دون رحمة فكيف لقا,تل صغيرها أن يتهني بحياته دون عقاب ومدللها تركد عظ,امه بين الرمال في ظلمة القبر الموح,شة!!

_ كيف لخليل أن يرضخ لتقيد القض,ية ”ضد مجهول” ولا يفعل شئ؟ هو بالأساس لا يغفل له جفن قبل أن يبعث رجاله ليقوموا بدور رجال الشرطة مراراً وتكراراً لعلهم يصلوا إلي شيئ ما وفي النهاية يعودون له يجرون أذيال خيباتهم دون جدوي، لكن هل بتقيد الشرطة للقض,ية تكون تلك النهاية؟ لا وألف لا لن يكون إسمه خليل الجبلاوي إن لم يأتي بقات,ل ولده ويقط,عه إرباً إرباً..

متشكرين يا حضرة المأمور على مجيتك لإهنه أني من لاول جولت مرايدش الحاكومة تتدخل في الموضوع ديه بس أنت ووكيل النيابة اللي أصريتوا عليا وأني أهاه بجولك متشكرين كتر خيرك بس اللي جاي بتاعي أني، أني مهسيبش د,م ولدي يروح هدر

_ هتف بهم خليل بوجه محتقن وعروق بارزة من شدة غضبه، رمقه المأمور بتهكم ورد عليه مستاءً:-
كاني معارفش إنك بتخرج رجالتك كل يوم لما الليل يليل يدورا على جاتل ولدك يا عمدة أني سايبك آه بس عارف كل دبة بتحصلوا في البلد ديي مهياش سايبة إكده كيف ما أنت فاكر، وزيي ما إحنا موصلناش لحاجة أنت ورجالتك موصلتوش بردك اللوم مهيبجاش عليا وحدي واسكت

_ صمت يلتقط أنفاسه التي فرت من رئتيه إثر ثرثرته دون توقف وواصل مختصراً:-
بالإذن أني وألف مبروك لمصطفى على جوازته اللي أنت معزمتناش فيها

_ إستدار المأمور وغادر السرايا ما إن ألقى ما في جوفه كاملاً دون زيادة أو نقصان بينما تعسرت ساق العمدة ولم تتحمله لأكثر من هول الصدمة، شد بيده على عصاه لعلها تكون المنقذ له لكن هيهات لثقل بنيته علي عصا خشبية هذيلة

_ إرتطمت العصا بالأرضية الرخامية مدوية صوتاًً عالياً، وما أن إنتبهت السيدة نادرة لذلك الصوت كان قد وقع خليل بجوار عصاه مغشي عليه

_ شهقت نادرة بصدمة ناهيك عن لطمها على صدرها صارخة بأعلى نبرة تمتلكها حنجرتها:-
إلحجوني، يا خلج يلي إهنه غيتوني

_ وقعت إستغاثة السيدة نادرة على مسمع صفية التي كانت على مقربة منها، جائتها مهرولة فتفاجئت الأخرى بسيدها في حالة لا يرثي لها، هرولت نحوه وقد تعرقلت قدميها برعب شديد إلى أن وصلت إليهم فصاحت بها نادرة:-
اطلبي الداكتور ياجي دلوك

_ أماءت لها بطاعة ثم أختفت من أمامها تلبي طلبها كذلك صعدت إلى الطابق العلوي بعدما هاتفت الطبيب وأخبرها بأنه سيوافيهم في الحال، دقت بكل قوتها على باب غرفة مصطفى تستعين بمساعدته

_ فتح لها بعبوس لتلك الحالة التي طرقت بها بابه وصاح بها هدراً:-
في إيه يا صفية في حد يخبط إكده؟

_ لم تعقب على غضبه فهي تريد إخباره بشئ واحد فقط وقد أتت لتتدلي به فقالت بنبرة لاهثة:-
إلحج، العمدة، وجع من طوله

_ إتسعت حدقتي مصطفى بذهول ثم أزاحها من أمامها بيده لكي يمر ويصل إلى أبيه سريعاً، قفز على الأدراج حتى انتهوا سريعاً عكس النزول المعتاد من عليه، وصل إلى وجهة والده وجلس بجواره، وزع أنظاره بين ووالديه بتوجس وسألها بقلق:-
ماله أبوي يا اما حصله إيه عاد؟

_ رفعت بصرها عليه وحدثته بنبرة مرتجفة تخشي أن يصيبه مكروه هو الآخر:-
المأمور كان إهنه وجال إن الجضية إتجيدت ضد مجهول، هو متحملش أن حج خوك راح هدر ووجع من طوله زي ما أنت شايف إكده

_ أمسكت نادرة يد مصطفى وتابعت حديثها متوسلة:-
أبوس يدك يا ولدي شوف بوك هيحتاج إيه وأعمله أني مهتحملش خسارة تانية

_ أسرع بالرد عليها مستاءً من تفكيرها:-
متجوليش إكده أبوي هيبجي بخير هكلم الداكتور ياجي..

_ قاطعته صفية بقولها:-
أني كلمته وزمناته على وصول

_ أنهت صفية جملتها وانتبهوا جميعهم لطرقات الباب، أسرعت لفتحه وإذا به عسران يقول وهو يشير إلى الطبيب:-
الداكتور بيجول أن العُمد…

_ توقف عسران عن الحديث حين وقع بصره على خليل، إتسعت حدقتاه بصدمة وأسرع نحوه يجر قدميه خلفه بتوجس شديد وهتف متسائلاً بنبرة خشنة:-
واه ماله أبا الحاج خليل إيه اللي حوصل؟

_ نهرته صفية بضيق:-
مش وجته يا عسران المهم نطمن عليه لاول

_ وجهت بصرها نحو الطبيب ورحبت به بتلعثم:-
اتفضل يا داكتور طامنا على العمدة الله يطمن جلبك

_ حاول الطبيب أن يهدئ من روعهم الظاهر بقوله:-
اطامنوا يا جماعة أن شاء الله خير

_ إقترب من خليل وفعل اللازم فعله، سكون مريب مسيطر على المكان، الجميع مترقب وما أسوء الإنتظار في تلك الأزمات، العديد من الأفكار السيئة تراود عقولهم وخصيصاً أنه لم يستعيد وعيه بعد أن مر وقت كافي

_ تبادلا الجميع النظرات بتوجس وأعادوا النظر إلى الطبيب حيث سأله مصطفى عن حال والده:-
بوي ماله يا داكتور عنديه حاجة خطيرة ولا ايه؟

_ وقف الطبيب وأعاد وضع نظارته الطبية بإبهامه إلى عينيه بثبات وأدلى بما لديه من علم:-
بوك إتعرض لأزمة جلبية الظاهر زعل والله أعلم بس هو هيكون كويس اعطوا لعجله (عقله) فترة يستريح فيها وهتلاجوه فاج وبجا زين

_ شكره مصطفى ثم حمله بمساعدة عسران وأوصلوه إلى غرفته، وضعوه أعلى الفراش بحذر، وقف الجميع منتظرين إستعادته لوعيه لكي يطمئنوا عليه ويذهبوا حيثُ كانوا..

_ إنسحبت صفية من بينهم دون أن يلاحظها أحد وذهبت إلى غرفة ورد، طرقت على الباب بخفة وولجت للداخل قبل أن يسمحن لها من هن بالداخل، رمقت صفاء شزراً لفعلتها لكن سرعان ما رق قلبها حين صغت لبكاء ورد المكتوم..

_ اقتربت منهن وجلست بجانبهن على الأرض، ربتت على يد ورد تأزرها في محنتها وقالت:-
والله ما عارفة أجولك إيه يابتي، الله يربت على قلبك ويعدل أحوالك يارب

_ إبتعدت ورد عن حضن صفاء وإعتدلت في جلستها وأردفت من بين بكائها:-
اتعودت على الوجع

_ تقوس ثغرها بإبتسامة موجوعة وتابعت متحسرة على حالها:-
الظاهر ممكتوباليش الفرحة واصل

_ تأثرت صفاء بحديثها وأعادتها إلى حضنها مرة أخرى وأردفت بنبرة حنونة:-
أني معاكي اهاه شاوري بس وأني أنفذ حتى لو جولتي أروح اض,ربه على عملته ديي مهتترددش واصل

_ نهرتها والدتها بغضب لقلة حيائها:-
اتحشمي يا صفاء وجومي إنزلي تحت الست نادرة لو لجيتنا إهنه هطربج السرايا على روسنا جومي فزي

_ إلتوي ثغر صفاء بعدم إعجاب وتمتمت بوجه محتقن تفور به الدماء:-
مش حرام عليهم اللي بيعملوه في البنية ديه، بلا ست نادرة بلا…

_ قاطعتها صفية بإنفعال:-
صفاء..

_ نهضت الأخرى متذمرة من عدم حريتها في الحديث، ضر,بت الأرض بقدميها بطفولة وأردفت بتجهم:-
أووف الواحدة متعرفش تتحدت على راحتها واصل في السجن ييه

”سجن” تلك الكلمة التي تتردد داخل عقل ورد طيلة الوقت، شعرت ببعض الراحة لأنها ليست بمفردها من تشعر بأنها حبيسة سجن الجبلاوي، تنهدت بصوت عالٍ ووجهت حديثها إلى صفاء قائلة:-
إسمعي حديت أمك ومتعذبيهاش أني بجيت زينة لما خدتيني في حضنك هديت شوية

_ إبتسمت لها صفاء ثم انتبهت لحديث والدتها وهي تحذرها:-
اخرجي على مهلك متعمليش غاغة لانهم كلاتهم في أوضة العمدة عيطمنوا عليه

_ قطبت صفاء جبينها وتسائلت في فضول:-
ماله العمدة عاد كان زين من دجايج

_ أخرجت صفية تنهيدة حزينة وأردفت موضحة وهي تستند علي الجدار تريد النهوض:-
وجع من طوله والداكتور كان إهنه وجال حصله سكته جلبية ربنا لا يعودها واصل

_ نهضت ورد هي الأخرى بتوجس من حديث صفية الذي لا يبشر بالخير وسألتها:-
أباه وهو كيفه دلوك؟

_ ردت عليه بحزن جلي علي تعابيرها:-
لساته مفاجش ربنا يستر

_ وجهت حديثها إلى صفاء مباشرةً بإندفاع:-
واه لساتك واجفة مكانك اتحركي يابت جبل ما حد يشوفك وتبجي ليلتنا مطينة بطين

_ تأففت صفاء متذمرة من أوامر والدتها التي لا تنتهي ودلفت للخارج بغضب قد تملك منها بينما أعادت صفية النظر إلى حيث ورد ورددت بهدوء:-
أني همشي لو احتجتي حاجة ناديلي هاجيلك طوالي

_ إكتفت ورد بإيماءة خفيفة من رأسها ممتنة لوجودها هي وإبنتها، فهن من يهونون عليها ما يحدث بينما غادرت صفية الغرفة قبل أن يراها أحد، إرتدت ورد وشاحها سريعاً ودلفت للخارج لكي تطمئن على خليل فهي لم تري منه إلا خيراً

_ إقتربت من الغرفة على إستحياء وقد لمحتها السيدة نادرة من داخل الغرفة وهي تعتلي الفراش، لم تتردد في التوجه نحو الباب بخطى ثابتة حتى وصلت إليها وأغلقت الباب قبل أن تولج هي للداخل

_ تفاجئت ورد بتصرفها الذي أجبرها على الوقوف لبرهة علها تستوعب حقيقة وقاحتها، إبتلعت ريقها وهي تحاول هضم خجلها معه، إستدارت وعادت إلى غرفتها تجر قدميها خلفها بثقل من فرط الحرج التي وقعت بين طياته ..

______________________________________

داخل الغرفة، إستعاد خليل وعيه تدريجياً إليى أن عاد لأرض الواقع بسلام، هرول جميعهم نحوه فرحين بسلامته

”حمدلله علي سلامتك يا أبا الحاج”
_ أردف بهم عسران مهللاً بسعادة بالغة فأجابه خليل بنبرة مرهقة:-
الله يسلمك

_ إقتربت منه نادرة وجلست بجواره، ملست على رأسه بحنو وعاتبته بحنو:-
خوفتنا عليك يا خليل

_ رفع بصره عليها ورد عليها بنبرة مضطربة مختصراً حديثه:-
الحمد لله كل اللي يجيبه ربنا خير

_ جاء دور مصطفى في الحديث فقال سريعاً لكي يفر هارباً من بينهم:-
حمدالله على سلامتك يا بوي

_ ضاق خليل بعينيه عليه لبرهة ثم أشاح بوجهه بعيداً عنه لا يريد خلق أي محادثة بينهم فهو لم يرضي عما يفعله مع ورد لذا فلا داعي لأي نقاش سيخلق بينهم

_ إنسحب مصطفى من بينهم حين شعر بالإختناق الشديد الذي أطبق على صدره وسبب له ضيق في التنفس، لم يريد العودة إلى غرفته وهرب من السرايا بأكلملها، لحق به عسران بعد أن أطمئن على صحة خليل وحاول إيقافه بصوته الجهوري:-
وجف يا مصطفى يا ولدي أني مجدرش ألحج خطوتك

_ توقف الآخر عن السير وإستدار إليه بملامح جامدة، توجه عسران إليه بخطى ثابتة وأردف:-
متهملش الدار دلوك إحنا في وجت متأخر تعالى أسهر معايا وانا هعملك كل اللي في نفسك

_ عارضه مصطفى بتهكم:-
سهر إيه اللي عتتحدت عنيه أني من ميتي كنت بسهر والحديت الفارغ ديه؟

_ دنى منه عسران في محاولة أخري لأن يبقيه بجواره خوفاً عليه:-
يا سيدي أني رايدك جاري هترفضلي طلب إياك

_ تأفف مصطفى بضجر بائن وحرك رأسه يميناً ويساراً مستنكراً أمره ثم أولاه ظهره وتوجه نحو بوابة السرايا فأوقفه عسران بكلماته التي إنفطر قلبه حزناً إثرها:-
خوك خرج كيف دلوك ومعادوش تاني، بلوم نفسي ليه مأجبرتوش وجتها يجعد حدايا بدل ما أشيلوا على يدي وهو غرجان في د,مه..

_ إستدار مصطفى إليه وطالعه بنظرات منكسرة تحمل من القهرة والحزن قدراً، حمحم عسران وتابع حديثه بنبرة تميل إلى اللين:-
متهملش السرايا يا ولدي صدجني أنا بعتبرك أنت وهلال الله يرحمه كيف ما تكونوا ولادي اللي ربنا مكتبليش إني أخلفهم، إجعد معايا إهنه وطلع خنجتك فيا أني وبلاها الخروج في الوجت المتأخر ديه

_ إزدرد مصطفى ريقه وذكري وفاة أخيه رادوته من جديد، صوب بصره نحو عسران وتحدث بصوت متحشرج يهدد بالبكاء:-
بس أني اجوي من هلال

_ قاطعه عسران بحكمته:-
وجت الجدر بيتعمي البصر يا ولدي، اسمع الحديت وإجعد جاري علي الأجل تهون عليا شوية الوحدة اللي أني فيها ديي

_ أولاه عسران ظهره واقترب من أريكته القديمة والتي يتكأ ظهرها على جدار غرفته التي تتوسط حديقة السرايا، جلس أعلاها وأشار إليه بالجلوس فجائه مصطفى على مضضٍ فلم يخضع لأحد من قبل فماذا الذي يحدث الأن؟
قبل قليل يخضع لزواجه من إمرأة يرفضها والأن يخضع لتوسلات عسران كأنه يخشاهم!!

_ هرب بأنظاره بعيداً عن عسران كنوع من التمرد، لمح تلك الهالة السوداء التي تقف في شرفة غرفته دون ملامح واضحة، بالتأكيد عروسه هي من تحملق به، ظهرت على شفاه إبتسامة ساخرة لوضعهم، لها الحق في أن تراه كلنا أرادت بينما هو لا يرى سوى الهالة السوداء سواء من بعيد أو من قريب!!

_ انتبهت أذنيه لتلك الأغنية التي بدأت تطربها سيدة الغناء العربي السيدة ”أم كلثوم”

ياما أمر الفراق بين الخليل والخليل
شكوى وانين واشتياق قبل الوداع والرحيل
بابعد اخاف من خيالك واصورك في خيالي
مين في الوجود طال مطالك من قلب عاشق وخالي
ترخص الدمع الغالي وتلوع القلب السالي
والحب يظهر مقداره والقلب بتشعلل نا,ره
لما يغيب عن هالحبيب
غاب الحبيب عن عيوني ومين يداوي أسايا
من اللي يرحم شجوني ومين هواه من هوايا
تطول علي الليالي سهران أناجي النجوم
الدمع فاض بي وملالي في الوحده كاس الهموم
أصور الماضي في بالي واعيش على العهد الخالي
واللي يغيب عنه حبيبه يتقل م الدنيا نصيبه
ويعيش مابين اهله غريب”

_ مسحت عبراتها التي فرت من مقلتيها دون وعي منها وهي تصغي لكلمات الأغنية التي وصفت حالها مع مصطفى، بينما هو كالجبل المنيع لا يأثر به ريح، لم تتحرك مشاعره ولو بمقدار ذرة لا يكترث لما يدور من حوله إذا لم يكن هو المتسبب به، ثم أنه ضحية مثلها تماماً أجبر على ذلك وتم الزواج أسفل ضغط والده عليه..

_ يذهب بعيداً ويعود إلى نفس النقطة من جديد وهي إجباره على زواجه منها، لكن لكل فعل رد فعل وردة فعله ستكون قوية بمثابة حصن يمنع أحدهم من التفكير في إجباره علي شيء بعد الأن ..

_ نهض ولم يكترث لندائات عسران، عاد بأدراجه حيث غرفته التي يمكث بها، في تلك الأثناء أرادت ورد مواجهته لكي تعلم حقيقة تركها في أهم ليلة في حياة أي فتاة!!

_ وقفت أمام بابها مترددة فيما تنوي فعله، وبعد عدت دقائق مروا عليها حسمت أمرها أن تبادر بالمواجهة قبل أن تغير رأيها، أدارت مقبض الباب مسرعة فلمحت طيفه يغلق باب غرفته، كزت على أسنانها بضيق شديد فحتماً لن تذهب إلى غرفته وتبدأ بمواجهته هناك، تأففت بتزمجر ثم عادت إلى الداخل مستاءة من ترددها الذي أضاع عليها فرصة المواجهة بينهم ..

_ طالعت ذلك الفراش اليتيم التي لم يحظي بعد بنوم أحدهم أعلاه، لم يكن أمامها سوي السير نحوه وألقت بجسدها عليه فور وصولها إليه، يجب أن تنعم بقدراً من الراحة اليوم وبالتأكيد يوجد حلول جديدة ستظهر في الوسط غداً ..

_ سحبت وسادتها الناعمة واحتضنتها برفق وتمتمت بغيظ:-
هو الخسران مش أني بكره يندم

_ تقلبت على الجانب الآخر في محاولة منها على النوم سريعاً لكن هيهات لأفكارها التي حلت ما أن إستلقت على الفراش وأرادت النوم وكأن بين الأفكار الواهية والنوم عقد متفق عليه من قبلهم بأن لا يتركوها وشأنها تنعم بالقليل من الراحة!

_ رفعت الوسادة بكلتي يديها ووضعتها أعلى رأسها ورددت داخلها ‘فليحترق الكون” ستحظى بالنوم عافية إن لم يأتيها راضياً بذاته، وبعد دقائق من المعافرة إرتفعت حشرجة حنجرتها التي دلت على نعاسها ..

_ في الغرفة الأخرى أستلقى مصطفى على فراشه الذي لم يعتاده بعد، تقلب يميناً ويساراً على أملاٍ أن يسيطر عليه النعاس كما في فراشه الآخر لكن دون جدوي، توسط الفراش ووضع كلتي يديه أسفل رأسه وطالع سقف الغرفة لبرهة لتأتي فتاة أحلامه التي رآها اليوم في مطبخ السرايا، بدأت تظهر تقاسيمها رويداً رويداً إلى أن تشكلت بالكامل فابتسم هو فور تذكره

_ تذكر توتر يديها التي فركتهم بإرتباك خجل حينما تفاجئت بوجوده، ناهيك عن عضها علي شفاها السفلي التي أسرت قلبه، ماذا؟ أهناك من تستطيع أسر قلب مصطفى الجبلاوي عقل الحجر كما تلقبه والدته!

_ إنتفض من نومه ونظر أمامه لوقت قبل أن يردد:-
أجيبك منين يا شاغلة عجل مصطفي؟!

_ حرك رأسه يطرد أفكاره اللعينة التي لا تتركه وشأنه ففي النهاية هي حلم جميل قد عاشه للحظاتٍ وقد مضي وركض في سلام ولن يتكرر ثانيةً ..

_ أزفر أنفاسه بضجر بائن فهو لم يفعل سوي ما يخبره به عقله منذ زمن وحين خفق القلب لطلب واحد دون غيره لن يقدر علي تحقيقه ..

_ أخرج تنهيدة مليئة بالهموم المختلط بالإرهاق وعاد بجسده لذلك الفراش الذي لا مفر منه وحاول جاهداً أن يغفوا أعلاه لكنه فشل وبجدارة، إلتقط زجاجة المياه التي تعتلي الكومود بجانبه وارتشف الكثير منها ثم عاد ليجبر نفسه على النوم، مرت دقائق معدودة تلاها ساعاتٍ طويلة دون نوم

_ بدأ نور الصباح في البزوغ فاندمج مع زقزقة العصافير وكأنهم حاملين للنوم معهم، غفت عينيه تدريجياً ما أن شعر بالنعاس يتملكه حتى بات في ثُبات عميق…

______________________________________

_ في وقت لاحق بمكانٍ آخر، لم تكف عن التطلع علي نفسها بتفحص، قاربت على الساعة لا تفعل شيئاً سوي وقوفها أمام المرآة، تارة تداعب خصلاتها التي حررتها وتارة تملس بأناملها السمراء على وجهها وتارة أخري تختلس النظر إلي ملامحها التي تراها أسوء ملامح في الكون

_ فركت عينيها البُنية بعصبية وأنحنت على المرآة لتكون قريبة من صورتها المنعسكة وهتفت من بين أسنانها المتلاحمة ببغض:-
طلعتي سمرا كيف بوكي يا صباح، حتى خوكي أحلى منيكي ويشبه بت عمك ببياضه!، مناخيرك كيف الحلة اللي هتطبخي فيها كل يوم وعنيكي مفنجلة ومدورة معرفاش طالعة لمين بشكلها العفش دييه

_ تحسست خصلاتها وإبتسمت وهي تطالعهم بتفحص ورددت ساخرة:-
شعرك أحلى من بت عمك بس مداري ورا الحجاب معيشوفوش رجال واصل، هيشوفوا بس الخلجة العفشة ديي اللي تخليه يهرب منيكي جبل ما يشوف شعرك الزين أحلي ما فيكي

_ فرت دمعة من عينيها فمسحتها بغضب عارم، كزت على أسنانها بحقد وكلمات الجميع تلاحقها ولا تريد الإقلاع عن عقلها بسهولة، لم يرأف بها أحد يوماً، ومن وضيع الذكر أن تلك الكلمات خرجت من فاه أبويها! اللذان من المفترض أن يكونان أكبر داعمان لابنتهم الوحيدة، لم تنتهي المقارنات بينها وبين ورد منذ صغرهم حتى الأن، وبعد أن إلتحقت بالمعهد العالي للحاسب الآلي لكي تكون ذات قيمة رفيعة ومكانه مرموقة بعدما تأكدت من عدم إكمال ورد لدراستها بعد الصف الثالث الثانوي، فعلت كل ما يمكنها فعله لكي تشعر بالقليل من الثقة التي تفتقر إليها لكن دون جدوي بالأخير تأتي كلمات متدنية تدعس على كل ما فعلته بحذاء ساقط حقير تنهيها بالكامل..

_ أقسمت بألا تدع الأمور وشأنها دون وضع بصمة واضيعة يتذكرها الجميع ويعلم من تكون صباح إبنة حمدي الق,اتل!!

_ إستمعت إلى صوت بوابتهم التي صدر عنها حكة شديدة أثر فتحها، توجهت نحو نافذتها لتعلم من الزائر فإذا به طاهر، تشكلت بسمة خبيثة على محياها حين روادتها تلك الفكرة الشيطانية التي لن تتردد في فعلها ثانية

_ سحبت غطاء رأسها ودلفت للخارج بخطى مهرولة حتي وصلت إلى أخيها بأنفاس متهدجة إثر ركوضها قبل أن يختفي وتفشل خطتها التي لم تبدأها بعد

_ جلست بجواره على الأريكة الخشبية التي وضع الزمان عليها بصمته فهي تعود إلى جد والدها، سكون حل لبضعة دقائق قاطعته هي بنبرة لينة:-
كانك مضايج؟

_ شعر طاهر بإهانتها له فأسرع بالحديث لكي تكف عن ثرثرتها التي ليست في محلها الأن:-
صباح مش وجته اللي ناوية عليه ديه أني على أخري

_ رمقته بغيظ لكنها لم تبدي له تهكمها منه وأسرتها في نفسها، سحبت نفس وأردفت بحزن زائف:-
أني حاسة بيك يا خوي مهما مسكنا في خناج بعض في الاخر إحنا إخوات ودمنا واحد وأكيد عنحس ببعضنا وأني جلبي واجعني على حالتك ديي والصراحة عندي الحل بس خايفة من ردة فعلك

_ أوصد عينيه بتعب وأخذ زفيراً وشهيقاً لكي يواصل حواره معها بصدر يساع هرائها، أضافت هي حين لم تتلقي منه الرفض كما توقعت:-
أنت بجالك كد إيه عايش على ذكراها وهي مهتحسش بيك؟، كاتير جوي.. يبجي جه الوجت اللي تشوف نفسك فيه وتدور على واحدة تحبك كيف ما تحبها مش اللي مش شيفاك من أساسه ديي!

_ فتح طاهر عينيه فهو لن يقتنع بما أردفته فكيف له أن ينسي عشق طفولته بتلك السهولة ويبدلها بامرأة أخري؟

_ تقوس ثغره ببمسة متهكمه ساخراً على تفكيره الساذج، فهي تزوجت من غيره وبدل الرجل رجلين وإلى الأن هو موضوع أعلى ركن ضئيل لا يسعه التنفس به، ربما عليه أن يرفرف بجناحيه ويقفز من ذلك الركن الذي لم يعد يسعه مطلقاً، أخرج تنيهدة مرهقة فعقله مشتت تماماً ولا يعلم ما الطريق الذي عليه أن يسلكه ويلقي جزاء صبره في آخره ..

_ خرج من شروده على إقتراح صباح بخبث فسره هو حماس أخوي:-
إيه رأيك في البت مروة؟

_ عقد ما بين حاجبيه متعجباً من ذاك الاسم الذي شعر بترديده على مسامع أذنيه من قبل، حرك رأسه لليمين قليلاً ورمقها باستغراب فتابعت هي موضحة:-
مروة أخت ضيف صاحبك!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *