نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر الجزء الأول

نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر
تشعر بتوتر بالغ وهي تترقب حضور والدته، فالعلاقة. بينهما ليست مثالية وخالية من الود من تلاها، لا تدري لما تأخذ منها موقف عدائي هكذا رغم أنهما لم تجمعهما مواقف تغذي هذا الشعور داخلها، عكس تماما علاقتها بأبو زوجها البسيط المرح الحاني.
_ البنت مربوحة دي قنبلة الموسم.
وصلها صوته لتبتسم وهي تقترب إليه متسائلة: مربوحة مين يا عمو؟
_ دي وجه جديد في مسلسل الكبير أوي، عارفاه؟
_ مش بتاع أحمد مكي؟
_ أيوة، بحب الممثل ده جدا، وبصراحة عرف يرجع بقوة الموسم السادس، وعارفة أحلى حاجة عملها ايه؟
_ ايه يا ترى؟
_ أنه سحب البساط من البرنامج إياه التافه ده اللي بيتصرف عليه ملايين.
هنا تضامنت معه بحماس: أه والله يا عمو البرنامج ده مالوش أي تلاتين لازمة، والحمد لله مش بتابعه.
_ عملتي طيب.
ساد بعض الصمت ولاحظ العم توترها وهي تشخص بعيناها ليهتف لها: متخافيش يا ليان كل حاجة هتبقى تمام واليوم هيعدي علي خير، حماتك مش بعبع يعني.
تنهدت قائلة: نفسي تديني فرصة اقرب منها يا عمو زي حضرتك.
_ ما هي مش زي حضرتي.
وواصل بنبرة جادة: حماتك دي زي البالونة منفوخة على شوية هوا.
وجدتها فرصة لتروي فضولها بشأنهما: عمو، أنتوا ليه انفصلتوا؟ معقول عشرة السنين بينكم مقدرتش تعدي بيكم لبر الأمان وتمنعكم من قرار زي ده؟
تنهيدة طويلة صدرت منه قبل أن يغمغم: سؤالك يبان بسيط أوي يا ليان بس إجابته مش سهلة وعايزة وقت وتفاصيل كتير، وأنا بصراحة مش عايز اتكلم في حاجة من اللي عدت، اللي حصل بنا قدر ومكتوب، والحمد لله على كل حال.
_ آدم شكله جه.
هكذا صاحت وهي تتوجه بلهفة نحو باب شقتها لتستقبل والدته بحفاوة صادقة: يا أهلا وسهلا يا طنط، والله النور زاد بحضورك النهاردة.
اكتفت بتصافح بارد مع قولها المقتضب: ميرسي يا ليان.
ولجت لتجده جالسًا فوق الأريكة، لمعة حنين خاطفة ومضت بعيناها لم تدم غير ثوانِ معدودة وأدتها سريعا مسدلة قناعها البارد، أما هو ما أن رآها حتى وقف قائلا بترحيب يشوبة السخرية: يا أهلا بإنجي هانم سليلة البشوات وصفوة المجتمع الراقي.
آدم وهو يرمقه بنظرة عاتبة محذرة: بابا لو سمحت.!
_ سيبه يا آدم، باباك عمره ما هيغير طريقته دي ابدا، أنا اتعودت علي كده ومش بزعل منه خلاص.
ابتسم بهدوء: فعلا، عدينا من زمان مرحلة الزعل دي يا إنجي.
_ يلا يا جماعة السفرة جاهزة والأذان فاضله دقيقة.
هكذا صاحت ليان لتغلق عليهم دائرة التراشق المشحونة بينهما، صدح الأذان وقاموا بأداء صلاة المغرب جماعة قبل أن يستديروا حول المائدة، تعمدت أن تجلس جوارها لتهتم بها جيدا.
_ ان شاء الله الأكل يعجبك يا طنط، دي أول مرة هتدوقي أكلي على فكرة.
منحتها ابتسامة هادئة وتناولت القليل من الطعام الذي ملأ معدتها، ثم مسدت فمها بمحرمة ورقية لتعترض ليان: مش ممكن! حضرتك كده فطرتي؟ ده أكلك زي ما هو يا طنط، شكل أكلي مش عجب حضرتك.
ثم استعانت بزوجها: شوف مامتك يا آدم.
تدخل الأخير: ايه يا ماما لحقتي أكلتي؟ كملي احنا لسه بنبتدي.
منحته ابتسامة ودودة: أكلت يا حبيبي، أنت عارف مش بحب أملى معدتي على الأخر.
واستطردت: والأكل كله حلو، تسلم ايدك يا ليان.
_ بالهنا والشفا يا طنط
تنحت جانبا وتركتهم يكملون إفطارهم، لتجدها فرصة لتتأمل الزينة والأنوار المعلقة علي سائر الجدران، لتنتقد ما تراه بقولها: ايه كل الأنوار والزينة دي يا ليان، هو احنا في مولد؟ بصراحة منتهي الفلح، كان كفاية لمسات بسيطة تعبر عن الأجواء.
احتقن وجه ليان بشدة لما قالته بينما استاء آدم كثيرا من نقد والدته الغير لائق وهم بالرد ليتولى والده الرد عنه: والله يا إنجي كل واحد في النهاية له ذوقه والمفروض نحترم ذوق الناس ونقدره، وده أساس الرقي علي فكرة.
واستطرد بما أثار حنقها بقوة: أما الأنوار الكتير اللي مش عاجباكي دي منتهي البهجة والجمال، بس واضح إن عينك مش قادرة تتحملها، السن له حكم برضو يا أم آدم.
احمر وجهها غضبًا وكادت أن ترد فظاظته بمثلها، لولا تدخل ليان: ربنا يدينا العمر يا طنط ويبلغنا رمضان الجاي، وحضرتك تشاركيني تزين البيت عشان اشوف طريقتك واتعلم منها واستفيد من ذوقك.
اكتفت بإيماءة مع رمقة حانقة من طرف عيناها لطليقها الذي تعمد أن يهديها ابتسامة باردة استفزتها أكثر.
…… ..
بعد قليل كانت تقف تنتظر وصول المصعد لتفاجأ به يقف جوارها يطلق صفيرًا منغمًا ورائقًا من فمه جعلها ترمقه بضيق قبل ان تهتف بحدة: من فضلك مش عايزة حد يركب الأسانسير معايا.
تجاهلها مستمرا بصفيره الرائق، لتزفر بغيظ صائحة: طب خليهولك، هنزل على السلم أحسن ما اركب معاك، أنا مش قادرة اتحملك أصلا.
صاح عليها ببرود: بلاش يا انجي هانم، احنا في الدور التاسع وصحتنا دلوقت مش حمل المجهود ده، العضمة كبرت، تعالي اركبي معايا.
صاحت بغيظ: أتكلم عن نفسك، أنا لسه صغيرة و أصبى من عشرة زيك..آل العضمة كبرت آل.
هز كتفيه غير مكترث وتركها تهبط السلم على قدميها، ليصل المصعد وقبل أن يلجه سمع صياحها الصارخ وهي تستغيث:
ألحقني يا “علي”.!
_______