نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر الجزء الأول

الفصل الثاني
———-
قاد سيارته دون أن يحدد وجهة معينة يلجأ إليها، خاصتا ووالدته تتناول إفطارها عند خالته، هاتف الأخيرة ليكتمل ضيقه بعد المكالمة وعلمه أن والدته لم تفطر معهم كما أخبرته، توجه لمنزلها وبراكين الغضب تتراقص بعينه.
_ أخبار الفطار عند خالتوا ايه يا ماما؟
تفاجأت من حضوره بهذا التوقيت، دعته يدخل وهي تغمغم متجاهلة تساؤله: أنت ايه جابك في الوقت ده؟ ده الناس لسه بتفطر.
رمقها بحدة قبل ان يصيح: ليه يا ماما كدبتي عليا؟ كل ده عشان تهربي من العزومة عندي وماتشوفيش بابا؟.
لامته بقولها: عيب يا ولد متقولش علي أمك كدابة، خالتك فعلا عزمتني والله، بس أنا اعتذرت.
_ طب كنتي عرفيني، معقول تفطري لوحدك أول يوم رمضان؟
_ أنت عارف أصلا اني مش باكل كتير علي الفطار، يدوب شوية عصير وأي حاجة بسيطة معاه.
ثم رمقته بريبة: انما برضو ماقولتليش، ايه جابك دلوقت؟
تذكر غيظه من زوجته وأبيه فصاح بحنق:
مضايق شوية.
استقبلت ضجره بقلق: مضايق من ايه يا حبيبي، فهمني زعلان ليه؟
تردد قليلا قبل أن يبثها شكوته:
زعلان من ليان، تصوري يا ماما تسأل بابا عن الأكل اللي بيحبه وانا مفكرتش تكلف خاطرها وتعرف ذوقه ده هيناسبني ولا لأ؟
وواصل: وكمان بابا فضل يتريق عليا قدامها وعلى أكلي الماسخ اللي مالوش طعم، دمي اتحرق وسبت ليهم البيت وخرجت.
ثارت لأجله: ازاي تعمل كده دي بنت غبية اوي، المفروض انك رقم واحد عندها.
واستطردت ساخرة: أما ابوك متستغربش منه، طول عمره كده قليل الذوق مش بيفهم في الأصول
ثم وجدتها فرصة مناسبة وراحت تنعي حظها العاثر: ياريتني سمعت كلام جدك ومش اتجوزته، انا غلطانة اني مسمعتش كلامه لما حذرني من …
_ماما..الله يرضى عليكي مش وقته خالص جو الأميرة “أنجي” سليلة البشوات اللي ضحت واتجوزت “على” الجنايني..ركزي في مشكلتي من فضلك عشان أنا خلاص هتجنن.
_طب اهدى حقك عليا وماتزعلش، أنا في ثواني هعملك سفرة فطار محصلتش فيها كل الأصناف اللي بتعجبك يا قلب ماما، وهاكل معاك كمان عشان افتح نفسك.
_طيب بسرعة يا ماما هموت من الجوع.
لم يمضي الكثير من الوقت إلا وكانت السفرة عامرة بأصناف الطعام التي يفضلها آدم والذي التهمها بشهية ليهتف أخيرا بمعدة ممتلئة: ياه ده أنا أكلت أكل! تسلم ايدك يا ماما، البشاميل والكوردين بلو والكفتة يجننوا.
ربتت على ظهره بحنان: بالهنا والشفا على قلبك يا حبيب أمك، انا على طول مجهزة الأكل ده في الفريز عشان اي وقت تيجي وتكون جعان اعملك اللي بتحبه.
_ربنا يخليكي ليا يا امي.
ثم تنهد بقوله: ياريت مراتي تبقى زيك وتهتم بيا كده.
_ مفيش واحدة في الدنيا تحبك قدي وتهتم بيك زيي “ثم تحسرت بقولها” أنت اصلا مكانش ليك الجوازة دي يا آدم، لو كنت اتجوزت بنت خالتك كان زمانك..
_تاني يا ماما؟ الله يكرمك بلاش تعيدي نفس موال كل مرة ده، انتي عارفة أني بحب ليان مراتي وعمري ما هندم على اختياري ابدا.
لوت شـ,ــ,ـفتيها باستياء: ياريتها بتحبك زي ما بتحبها كده.
_بتحبني يا ماما.
تهكمت بقولها: واضح، بأمارة ما نزلتك من غير فطار، بنت بتاع المخلل.
صاح بحدة: ماما من فضلك اتكلمي عن مراتي كويس، بنت بتاع المخلل دي مهندسة زيي زيها وتشرف أي حد يتجوزها، سابت شغلها عشان تريحني من غير ما تتردد لحظة واحدة لما طلبت منها ده، فياريت تتكلمي عنها بطريقة أفضل من كده لأن كرامتها من كرامتي وبلاش تستغلي اني فضفضت معاكي بكلمتين، وإلا مش هجيلك تاني.
تراجعت بقلق أمام ثورته خوفا أن يفعلها: خلاص حقك عليا متزعلش، مش هجيب سيرتها، انتوا احرار سوا ماليش دعوة بيكم.
لتهمس لذاتها بصوت خافت:
( مش طايق عليها كلمة كأنها عملاله عمل)
_بتقولي حاجة يا ماما؟
منحته ابتسامة متصنعة: لا مبقولش حاجة يا قلب ماما .هروح اعملك قهوة.
_____________
نوفيلا درس العمر بقلم دفنا عمر
صوت مزلاج الباب اخبرها عن قدومه، فمشطت هيئتها بنظرة سريعة في المرآه قبل أن تلحق به في الخارج.
_حمد الله على السلامة يا حبيبي.
رمقها ببرود دون رد متوجها لغرفته يحل اذرار قميصه متجاهلا إياها تماما، أدركت أنه لا يزال غاضبا فعزمت أن تراضيه بأي طريقة، دنت نحوه تساعده في نزع قميصه هامسة بدلال: كده تتأخر عليا ده كله يا دومي، وحشتني اوي.
لم يتجاوب معها وهو يكمل انتزاع ملابسه ويستبدلها بأخرى، ليندس بعدها أسفل غطائه متظاهرا بالنوم، لم تيأس وهي تندس جواره بالفراش مقحمة رأسها على صدره هامسة: حقك عليا يا حبيبي متزعلش منى، مكنتش اعرف انك مش بتحب الأكل ده والله، بعد كده هسألك كل يوم عن الأكل اللي بتحبه.
بمجهود خرافي منع نفسه عنها محاربا ذراعه كي لا يضمها إليها شارعا بتجاهلها وهو يعطيها ظهرها، أجبرته ليعتدل يواجهها وشـ,ــ,ـفتيها تهـ,ــ,ـديه قبـ,ــ,ـلات ناعمة على سـ,ــ,ـائر وجهه قبل أن تهتف بخفوت: وحياتي ماتزعل مني يا آدم، انا غلطانة ومش هعمل كده تاني والله العظيم، خلاص بقا مايبقاش قلبك أسود ده انا لولو حبيبتك.
رمقها مليا عن قرب قبل أن يهتف بصوت يحمل المزيد من عتابه: بصراحة زعلان منك اوي، كان لازم تهتمي بيا أكتر من كده.
أقرت بخطئها دون تردد: عندك حق، أنا غلطت غلطة كبيرة ومش هتتكرر تاني والله.
لانت ملامحه ثم نظر لملابسها بنظرة شوق هامسا:
هو فاضل كتير علي السحور؟
استقبلت تساؤله بابتسامة ناعمة تضافرت مع صوتها الهامش بنبرة دلال مهلكة: فاضل ساعتين بحالهم يا دومي.
لم يهدر المزيد من الوقت مطلقًا العنان لعاطفته المتقدة نحوها، لتنتهي لحظات عشقهما بعناق خلى من صخب اللقاء هاتفة له بأمنية: تعرف يا آدم..نفسي زي الأيام دي يكون ربنا رازقنا بطفل يملا علينا حياتنا ويشاركنا كل حاجة حلوة.
لثم جانب رأسها الساكن على صدره: إن شاء الله يا حبيبتي ربنا يرزقنا قريب.
ساد صمت قصير قطعه تساؤلها: هو ممكن أسألك سؤال خاص شوية.
_ أكيد.
_ والدك ووالدتك انفصلوا ليه بعد العشرة دي كلها؟ بجد يا آدم مش قادرة افهم ازاي اتنين بعد سنين كتير كده يقدروا يستغنوا عن بعض؟
تنهد لتشعر بتنهيدته أسفل رأسها قبل ان يقول: معرفش سبب محدد لانفصالهم، من كام سنة الاتنين أخدوا القرار فجأة وبلغوني به، حاولت طبعا أعرف السبب وقتها بس هما رفضوا يتكلموا لأني كنت لسه صغير في نظرهم، وأنا بعدين احترمت سكاتهم ومسألتش تاني.
_ بس أكيد زعلت لقرارهم ده صح؟ .
_ طبعا، بس اللي خفف أثره عليا اني كنت متوقعه.
اندهشت لقوله: معقولة؟!
أعتدل ليجلس نصف جلسه محتفظا برأسها علي صدره هاتفا: بابا وماما دايما كان في بينهم مشاكل وانتقاد متبادل بينهم بشكل غريب، أنتي لو سألتيني عن كام مرة شوفتهم رايقين أو سهرانين سهرة حلوة أو حتي بيهزروا مع بعض، هقولك مش فاكر.
_ وليه كانوا كده؟
_ يجوز أختلاف المستوي المادي بينهم كان له عامل كبير، ماما بنت عيلة كبيرة وجد جدها كان باشا من بتوع زمان.. فتلاقيها محبوسة في الفترة دي وبتتعامل مع بابا انه مكانش يحلم يتجوز واحدة زيها..أما بابا راجل بسيط في كل حاجة زي ما انتي شايفة.
ليسترسل لها بتوضح أكثر: باختصار في فجوة بينهم محدش حاول يوقفها أنها تكبر، لحد ما بلعت رصيد كل واحد عند التاني، وانتهت حكايتهم بالطلاق.
_ ياااه.. موضوعهم فعلا معقد.. بس تعرف..أنا حاسة إن لسه جواهم مشاعر لبعض رغم السخرية والعدوانية اللي بيتظاهروا بيها ناحية بعضهم في كل مرة يتقابلوا فيها.
_ الله أعلم، يمكن احساسك صح.
_ طب بقولك ايه، عايزة اعزمها بكرة تفطر معانا، كفاية مش جت انهاردة واتعزمت برة.
_ منا أصلا عزمتها وهتفطر معانا إن شاء الله.
قالت بحماس: ممتاز، يبقا هكلمها واعرف بتحب ايه في الأكل احسن يتكرر اللي حصل معاك، ومامتك مش هتسمي عليا ولا ترحمني.
ضحك بخفوت وغمغم بصوت ناعس:
جدعة ألحقي نفسك.
ثم تثائب متأهبًا للنوم:
أنا هنام ساعة قبل السحور وابقي صحيني.
_ ماشي يا حبيبي نوم الهنا، أنا هقوم أخد شاور واحضر السحور وابقى اصحي عمو كمان عشان يطلع يتسحر معانا.
لم يسمعها وقد غط بنومه دون سيطرة منه، لتطبع قبـ,ــ,ـلة علي جـ,ــ,ـبينه وتغادر غرفتهما بهدوء.
_________